البحث التاسع و الاربعون


فيما له صلة بالولاية على الاموال


اعتبار المصلحة:

بعد ما استبان لنا أن الولاية على الاموال ثابتة بالادلّة القطعية ، نتباحث عن اعتبار المصلحة في هذا الحقل.
فنتسائل، هل يجوز للاولياء التصرف في اموال القاصرين في مطلق الاحوال، أو تعتبر رعاية المصلحة لهم؟ اتجاهان:
قال شيخ الطائفة رحمه‏الله : لايصحّ تصرفهم ـ الاولياء ـ إلا على وجه الاحتياط، والحظّ للصغير المولّى عليه؛ لانهم انما نُصبوا لذلك، فاذا تصرف على وجه لاحظّ له فيه كان باطلاً؛ لانه خالف ما نصب له،(١) و عليه فلابد ان يكون التصرف لصالح المولّى عليه.
و قال العلاّمة الحلّي رحمه‏الله : الضابط في تصرف المتولي لاموال اليتامى و المجانين، اعتبار الغبطة، و كون التصرف على وجه النظرو المصلحة، و به قال على عليه‏السلام ، و لانعلم فيه خلافاً.(٢) فيعتبر في التصرف الصلاح.
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : يجوز للاولياء من التصرفات: التي فيها المصلحة أو لا مفسدة فيها.(٣) و الترديد في الرأي يكشف عن اثبات الاعتبار للمصلحة في التصرف هناك.

١. المبسوط: ٢ / ٢٠٠ .
٢. تذكرة الفقهاء: ٢ / ٨٠ .
٣. الجواهر: ٢٢ / ٣٣٤ .

و التحقيق : أن القدر المتيقن من التصرف هناك هو التصرف بالمصلحة، و لاشك في أن ذلك أحوط في الدين و أقرب للتقوى. و أمّا اثبات الاعتبار للمصلحة كشرط شرعي للتصرف بحاجة الى الدليل و ما عثرنا لحد الآن على دليل يدلنا عليه. و عليه فنوالي البحث عن الدليل.
قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : هل يشترط في تصرفه ـ الولي ـ المصلحة، او يكفي عدم المفسدة؟
يشهد للاخير اطلاق مادلّ على أنّ مال الولد للوالد، كما في صحيحة محمد بن مسلم: أن يأخذ من مال ولده ما شاء.(١) لكنّ الظاهر منها تقييدها بصورة حاجة الاب.
و نحوها صحيحة ابي حمزة الثمالي عن الامام الباقر عليه‏السلام قال: قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : انت و مالك لابيك، ثم قال: لانحبّ أن يأخذ من مال ابنه الا ما يحتاج اليه مما لابد منه،(٢) اِنّ اللّه‏ لايحبّ الفساد.(٣) فانّ الاستشهاد بالاية يدلّ على ارادة الحرمة من عدم الحب دون الكراهة، و أنه لايجوز له التصرف بما فيه مفسدة للطفل ، هذا كلّه مضافاً إلى عموم قوله تعالى: «و لاتقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هى أحسن».(٤)
فان اطلاقه يشمل الجد ـ و لايشمل الاب لعدم الموضوع (اليتيم) مع وجود الاب و لكن في ولاية الاب على مال ابنه ـ يتم بعدم الفصل.(٥) و مضافاً الى ظهور الاجماع على اعتبار عدم المفسدة بل ـ قد يدّعي اعتبار المصلحة ـ و لكنّ الاقوى: كفاية عدم المفسدة وفاقاً لغير واحد من الاساطين؛ لمنع دلالة الروايات على اكثر من النهي عن الفساد، فلا تنهض لدفع المطلقات الظاهرة في سلطنة الوالد على الولد و ماله.(٦) و عليه فيعتبر هناك عدم المفسدة فحسب.
و قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : لو فرض ثبوت الاطلاق فيها، كما ثبت في جملة من اخبار النكاح في تزويج الاب و الجد، الابن و البنت؛ لكونها مطلقة من حيث ثبوت المصلحة و عدم ثبوتها في النكاح ، فلابدّ من تقييدها برواية الثمالي؛ لانها صريحة في عدم الولاية، كما هو مقتضى استدلاله عليه‏السلام بالآية، و أنّ تصرّفات الجد و الاب في هذه الصورة محرمة.

١. الوسائل: ١٧ / ٢٦٢ .
٢. الوسائل: ١٧ / ٢٦٣ .
٣. البقره / ٢٠٥ .
٤. الاسراء / ٣٤ .
٥. البحث بحاجة الى التحقيق في مجال الولاية.
٦. المكاسب، قسم البيع: ص ١٥٢ .

ـ ثم قال: و بما لهما (الجد و الاب) من الرأفة الطبيعي لاولادهم بان يعاملوهم ـ في اموالهم ـ معاملة مال نفسها في حفظه و عدم التصرفات المتلفة فيها، فاصل جعل الولاية لهذا الموضوع مشعر بهذه الحكمة.
و على هذا فتصرفاتهما الموجبة لتلف اموالهم و تضررهم بما لاينبغي ينافي تلك الحكمة.(١)
وقال الامام الخميني رحمه‏الله بعد البحث المشبع حول الاطلاقات: فتحصّل مما مرّ كفاية عدم المفسدة.(٢)
و التحقيق : ان صحيحة محمد بن مسلم المتلوة و ما يسانخها تدلّنا على عدم اعتبار المصلحة هناك، و صحيحة ابي حمزة الثمالي تدلنا على اعتبار عدم المفسدة، ففي ضوء المقارنة بين الدلالتين يثبت الهدف المنشود و هو الاجتناب عن الفساد.

هل تعتبر العدالة في التصرف؟

التحقيق أنه لاتعتبر العدالة للأب و الجدّ بالنسبة الى التصرّف في اموال اولادهم ذلك لاطلاق الادلة و لان التصرف هنا ضرب من التسلط على الاموال، و لايشترط في تسلط الناس على اموالهم العدالة.
قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : المشهور عدم اعتبار العدالة؛ للاصل، و الاطلاقات.(٣)
وقد يشكل بان الفاسق ليس صالحاً للامانة في التصرف، و لايجوز الركون و الاعتماد على الفاسق الظالم على اساس قوله تعالى: «و لاتركنوا الى الذين ظلموا».(٤)

١. مصباح الفقاهة ٣ / ٢٥٩ ـ ٢٦٠ .
٢. كتاب البيع: ٢ / ٦٠٩ .
٣. المكاسب، قسم البيع : ص ١٥٢ .
٤. هود / ١١٣ .

و التحقيق انه لامجال لهذا الاشكال لان الولاية هناك نوع من التسليط الشرعي فلا ارضية للاشكال، كما قال المحقّق الخراساني رحمه‏الله : الاب و الجد ما جعلا امينا على مال الغير بل على مال من كان هو و ماله مالاً لهما كما يظهر من الاخبار و يساعده الاعتبار.
ـ و اذن ـ يمكن أن يقال: ان ولاية الاب و الجد الفاسقين ليست من باب الركون الى الظالم، بل من قبيل تسليط المالك على ملكه، فان الطفل و ماله مال لابيه.(١)

و قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : لاتعتبر العدالة في ولايتهما، كما عليه المشهور، و ذلك لاطلاق أدلتها الدالة على ثبوت الولاية لهما غير المقيدة بالعدالة مثل قوله عليه‏السلام انت و مالك لابيك.(٢) فمجرد فسقهما لايوجب انعزالهما، كما ان فسقهما لايخرجهما عن السلطنة على اموالهما الخاصة.(٣)

عدالة الحاكم الشرعي:

التحقيق انه تعتبر العدالة للحاكم الشرعي بالنسبة الى التصرف في اموال المولّي عليه، ذلك لان للعدالة دورا موضوعيا بالنسبة الى تحقق العنوان فمن ليس عادلا ليس حاكماً شرعياً. كما قال الامام الخميني رحمه‏الله : لاينبغي الشك من احد من المسلمين في اعتبار العدالة، و عليه فيرجع امر الولاية الى الفقيه العادل.(٤)

ولاية عدول المؤمنين:

اذا تعذّر الرجوع الى الحاكم تتحقق الولاية لعدول المؤمنين على اموال الايتام بلاخلاف.
قال الشهيد رحمه‏الله : يجوز للآحاد مع تعذر الحكّام تولية احاد التصرف الحكمية ـ ذات مصلحة ـ على الاصح، يدفع ضرورة اليتيم، لعموم: «و تعاونوا على البرّ و التقوى»(٥) و قوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : كل معروف صدقة.(٦)و هل يجوز قبض الزكوات و الاخماس من الممتنع و تفريقها في اربابها و كذا بقية وظائف الحكام غير ما تعلق بالدعاوي؟ فيه وجهان: وجه الجواز ماذكرناه ولانه لو وضع ذلك لفاتت مصالح صرف تلك الاموال و هي مطلوبة للّه‏ تعالى.(٧)

١. حاشية المكاسب: ص ٥١ .
٢. الوسائل: ١٧ / ٢٦٢ .
٣. تقريرات المكاسب: ٢ / ٣٣٠ .
٤. كتاب البيع: ٢ / ٦٢٤ .
٥. المائدة / ٢ .
٦. الوسائل : ١١ / ٥٢٤ .
٧. القواعد و الفوائد : ص ١٨٥ .

و قال المحقّق السيد الطباطبايي رحمه‏الله : لااشكال في ثبوتها للعدول من المؤمنين مع فقدهم، حسبة؛ على الاظهر الاشهر بين الطائفة فانه احسان محض، و ما على المحسنين من سبيل(١) ـ و يدل عليه كثير من النصوص المعتبرة(٢) و الخلاف الشاذ لايلتفت اليه.(٣)
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله نقلا عن استاذه: و مع التعذر يقوم عدول المسلمين مقام الحاكم؛ لدفع الضرر، و لانه مصالح العامة.(٤)
و قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : الظاهر توليته ـ التصرف ـ لآحاد المؤمنين ؛ لان المفروض كونه مطلوباً للشارع، لكونه من المعروف.(٥)
قال المحقّق الخراساني رحمه‏الله : القدر المتيقّن ـ بالنسبة الى الولاية، بعد فقد الفقيه ـ عدول المؤمنين.(٦)
و اما إعتبار العدالة هناك، فهو مقتضى الاصل و القدر المتيقّن ، وصرّح به صحيح اسماعيل بن سعيد.(٧) ـ وقام به عدل ـ فيتمّ المطلوب و اما اعتبار المصلحة فهو ايضا القدر المتيقّن ، و يدلّ عليه قوله تعالى: «لاتقربوا مال اليتيم الا بالتى هى احسن».(٨) و الحكم مفتى به، قال الامام الخميني رحمه‏الله : للمؤمنين بشرط العدالة ولاية التصرف في اموال الصغير بما يكون في فعله صلاح و غبطة، بل و في تركه مفسدة.(٩)

١. التوبة / ٩١ .
٢. الوسائل : ١٢ / ٢٧٠ .
٣. رياض المسائل: ١ / ٥١٢ .
٤. الجواهر: ٢٢ / ٣٣٤ .
٥. المكاسب: ص ١٥٥ .
٦. حاشية المكاسب: ص ٥٥ .
٧. الوسائل: ١٢ / ٢٦٩ .
٨. الاسراء / ١٧ .
٩. الفقه: ٢ / ٢٣ .

 

الخلاصة:

١. القدر المتيقّن من التصرف الولائي هو التصرف الذي تراعى فيه المصلحة.
٢. الادلة العامة ترشدنا الى جواز التصرف في مطلق الاحوال إلاّ ان صحيحة الثمالي تقيّد الحكم بما ليست فيه مفسدة، فالأقوى كفاية عدم المفسدة.
٣. التحقيق عدم اعتبار العدالة للأب و الجد بالنسبة الى ولايتهما على اولادهما.
٤. تعتبر العدالة للحاكم الشرعي.
٥. تعتبر العدالة للمؤمنين الذين لهم الولاية بعد فقد الحاكم الشرعي.

الاسئلة:

١. هل يستفاد اعتبار عدم المفسدة في التصرف هناك من الكتاب الكريم؟
٢. ما هو الدليل على عدم اعتبار العدالة للاب و الجد في الولاية؟
٣. ما هو الدليل على ولاية عدول المؤمنين؟
٤. ما هو الدليل على اعتبار العدالة في الولي الفقيه؟
٥. ما هو الدليل على اعتبار العدالة للمؤمنين في التصرف هناك؟

البحث الخمسون


في شروط العوضين

يعتبر في المبيع و الثمن عدّة شروط، لها دور مبدأي في صحة البيع و تكوّنه، و هي مايلي:

التمول:

يشترط في العوضين المالية، و هي ما له منفعة محلّلة عقلائية، ذات القيم المعاملية و تفصيل البحث فيمايلي:
قال العلاّمة الحلّي رحمه‏الله : لايجوز بيع مالامنفعة فيه، لانه ليس مالاً؛ فلا يؤخذ في مقابلته المال كالحبة و الحبتين من الحنطة.(١)
و قال الشهيد رحمه‏الله : يشترط كون المبيع مما يتموّل ، فلا يصحّ العقد على مالايتموّل، لعدم الانتفاع به كحبة دُخن و لان بذل المال في مقابلتها سفه.(٢)
و قال الشهيدان رحمهمااللّه‏: لايصحّ بيع ما لانفع فيه غالباً كالحشرات؛ اذ لانفع فيها يقابل المال.(٣)
و يستدل على الحكم بالاجماع، و بان البيع بلانفع سفهي، و بان حقيقة البيع المبادلة المالية.

١. تذكرة الفقهاء: ١ / ٤٦٥ .
٢. القواعد و الفوائد: ص ٢٩٥ .
٣. اللمعة الدمشقية: ٣ / ٢٥٧ .

كما قال المحقّق السيد الطباطبائي رحمه‏الله : ان بيع ما لانفع له كالخنافس والديدان لا كما قال المحقّق السيد الطباطبائي رحمه‏الله : ان بيع ما لانفع له كالخنافس والديدان لا ينعقد اجماعاً؛ لكونه سفهاً، و نحو ذلك ما لو باع حبة حنطة او شعير او غيرهما مما لايعدّ ايقاع العقد عليه بيعاً، بل تعدّ معاملته سفاهة؛ لعدم صدق المال على مثله عرفاً.(١)
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله لايصحّ بيع ما لا منفعة فيه كالخنافس والديدان: لعدم صلاحيتها للتملك، باعتبار عدم المنفعة المعتد بها غالباً فيها، حتى تندرج بذلك في الاموال.(٢)
و قال: الظاهر اتفاق الفقهاء على عدم صحة بيع نحوها.(٣)
و قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : يشترط في كل منهما كونه متمولاً؛ لان البيع لغة مبادلة مال بمال. وقد احترزوا بهذا الشرط عما لاينتفع به منفعة مقصودة للعقلاء محلّلة في الشرع؛ لان الاول ليس بمال عرفاً كالخنافس و الديدان؛ فانه يصح عرفا سلب المصرف عنها و نفي الفائدة عنها.
و الثاني: ليس بمال شرعاً كالخمر و الخنزير.
ثم قسموا عدم الانتفاع إلى ما يستند الى خسة الشيء كالحشرات، والى ما يستند الى قلته كحبة حنطة، و ذكروا أنه ليس مالاً، و ان كان يصدق عليه الملك.
و الاولى ان يقال: ان ماتحقّق انه ليس بمال عرفاً فلا اشكال و لاخلاف في عدم وقوعه احد العوضين؛ اذ لابيع اِلا في ملك.(٤)

١. رياض المسائل: ١ / ٥١٣ .
٢. الجواهر: ٢٢ / ٣٤٤ .
٣. الجواهر: ٢٢ / ٣٤٤ .
٤. المكاسب، قسم البيع: ص ١٦١ .

و من البيّن أن النسبة بين المال و الملك تكون أعمَّ من وجه، ذلك لان الملك قد يفترق عن المال كما مثلوا في حبة من حنطة، و قد يفترق المال عن الملك كما مثلوا له بالطير الذي طار، فانه مما يميل اليه العقلاء و لكنه ليس في احاطة المالك، وقد يجتمعان كما في الملك الذي له مالية.
و بما ان في المعاملات، لامجال للملك بلا مالية، يطلق الملك هناك ـ لابيع إلا في ملك ـ الملك الذي له مالية.
و قال المحقّق الخراساني رحمه‏الله : الاولى أن يقال: اَن ماليس بمال عرفاً، فلا خلاف و لااشكال في عدم جواز وقوعه احد العوضين في البيع؛ فانه مبادلة مال بمال.(١)
و قال المحقّق الاصفهاني رحمه‏الله : اِن النسبة بين المالية و الملكية عموم من وجه، فعدم المالية لايستدعي عدم الملكية حتى يستدل بقوله صلى الله عليه و آله : لابيع إلا في ملك.(٢) بل لابدّ من الاستدلال له بانّ البيع لغة و عرفاً مبادلة مال بمال، فلايتحقق البيع عرفاً اذا لم يكن احد طرفيه مالاً.(٣)
و قد أوضحنا ان المقصود من الملك في المعاملات، بقرينة تناسب الحكم و الموضوع هو الملك الذي له مالية، و هذا هو الظاهر من اطلاق الملك هناك، بحسب فهم العرف.

الاشكال على اشتراط المالية في العوضين:

قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : اعتبار المالية في العوضين ، لقول المصباح ـ لايمكن المساعدة عليه ـ ؛ لعدم حجية قوله، و يكفي في صحة المعاملة على ما ليس بمال مجرد الغرض الشخصي، كما اذا اشترى مكتوبة جده بقيمة عالية للابقاء مع كونها قابلة للمعاوضة، او اشترى خنفساء بقيمة كذا او عقرباً لاجل المداواة.
و قد مرّ بنا في أوّل البيع جواز كون الحقوق ثمناً في المعاملة، بان باع شيئاً ليرفع المشتري يده من حقه الفلاني.
و الوجه في ذلك كله هو أن البيع تبديل بين الشيئين ـ فيصدق على تبديل المال بالحق ـ كما لايخفى.
غاية الامر يمنع ذلك عن التمسك بعمومات ما دلّ على صحة البيع بالخصوص، و أما ما دلّ على صحة مطلق العقود و التجارة عن تراض فلا؛ إذ لاشك في صدق التجارة عن تراض، والعقد على المعاملة الجارية على ماليس بمال.(٤)
والتحقيق: انه لاأرضية لهذا الاشكال؛ ذلك أولاً: أن نفي الاشتراط بالتمول قد استند الى مبنى السيد الاستاذ رحمه‏الله في تعريف البيع و الاستناد الى المبنى ليس من الاستناد الى الدليل؛ بل يكون إستناد الدعوى الى الدعوى.(٥)

١. حاشية المكاسب: ص ٥٨ .
٢. المستدرك: ١٣ / ٢٣٠ .
٣. حاشية المكاسب: ١ / ٢٣٩ .
٤. مصباح الفقاهة: ٣ / ٣٧٥ و ٣٧٦ .
٥. البحث يحتاج الى التحقيق في المباني الفقهية.

و ثانياً: لاشك في أن متعلق البيع هي الأموال، و حقيقة البيع هي المعاملة المالية لغة وعرفاً. و تعريف البيع بشتّى التعابير، يشير إلى المعاملة التي تتعلق بالمال و هذا هو المتبادر من لفظ البيع بحسب ظهوره الوضعي، و عليه فلايصدق البيع على تبديل المال بالحق ، و مع فرض الشك في الصدق هناك، لايمكن التسمك بعموم قوله تعالى: «احّل اللّه‏ البيع»(١) لعدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. و من حسن الحظ أن السيد الاستاذ أعلن عدم جواز التمسك بعمومات ما دلّ على صحة البيع بالخصوص. و نعم الوفاق، فاستبان لنا بكل وضوح ان تبديل المال بالحق ليس مصداقاً للبيع و هذا هو الهدف المنشود.
و أضاف السيد الاستاذ رحمه‏الله : انه لاشك في صدق التجارة عن تراض و العقد على المعاملة الجارية على ماليس بمال، فيشملها عموم تجارة عن تراض(٢) و اوفوا بالعقود.(٣) هذا الاستدلال جيد في نفسه و لكنّه يثبت صحة تلك المعاملة كعقد من العقود على اساس الآيتين، و اما اثبات كونها ـ المعاملة ـ كبيع من البيوع فبحاجة الى الدليل، و حيث لادليل لنا عليه ، فيمكننا ان نقول: بان تبديل المال بالحق يكون من مصاديق المصالحة.
وهنا نكتة جديرة بالذكر و هي ان السيدالاستاذ رحمه‏الله قال في الفتوى: الاعتبار احوط.(٤)
و قال الامام الخميني رحمه‏الله : و الاولى: اَن يعدّ نحو المالية و القصد من مقوّمات الماهية لا من شروط العوضين، هذا اذا قلنا: بانّ البيع مبادلة مال بمال.(٥)
و قال في محاولة تعريف البيع: الظاهر أنّ اسدّ التعاريف هو ما حُكي عن المصباح، أي مبادلة مال بمال.(٦)

١. النساء / ٢٩ .
٢. النساء / ٢٩ .
٣. المائدة / ١ .
٤. منهاج الصالحين: ٢ / ٢٣ .
٥. كتاب البيع: ٣ / ٧ .
٦. كتاب البيع: ١ / ٦٨ .

 

الخلاصة:

١. يشترط في العوضين المالية الشرعية و هي ما له منفعة محلّلة عقلائية.
٢. و يستدل على الاشتراط بالاجماع، و بان البيع بلانفع باطل و سفهي و بان حقيقة البيع مبادلة المال بالمال.
٣. النسبة بين المال و الملك تكون اعمّ من وجه.
٤. قد يقال: بعدم اشتراط التمول في العوضين ذلك لصحة وقوع الحق ثمناً في البيع و يردّ هذ القول بان ذلك معاوضة و لم يكن من مصاديق البيع.
٥. المتبادر من البيع بشتّى التعابير، هو المعاملة المالية.

الاسئلة:

١. هل يصدق اسم الملك على حبة من حنطة؟
٢. هل يصدق اسم المال على الحشرات؟
٣. ما هو تعريف الملك؟
٤. ما هو الدليل على ان المقصود من الملك هنا هو المال؟
٥. اذا شككنا في صدق البيع، نتيجة لعدم تموّل الثمن، فهل يمكن التمسك باطلاق دليل البيع؟

 

البحث الواحد و الخمسون


في شروط العوضين


القدرة على التسليم:

يشترط في كل واحد من العوضين أن يكون مقدوراً على التسليم بلاخلاف فيجب ان يكون المال في سيطرة المالك بحيث لو شاء تسليمه الى المشتري مثلاً كان ذلك المال قابلاً للتسليم عند البيع. و عليه فلايجوز بيع الطير في الهواء ـ التمثيل المشهور ـ ؛ لانه غير مقدور على التسليم.
قال شيخ الطائفة في محاولة شرط القدرة على التسليم : السمك في الماء و الطير في الهواء لايجوز بيعه اجماعاً.
اذا باع طيراً في الهواء قبل اصطياده لم يجز؛ لانّه بيع ما لايملكه و لايقدر على تسليمه.
و ان كان اصطاده و ملكه، ثم طار من يده لم يجز بيعه؛ لانه لايقدر على تسليمه.(١)
و قال العلاّمة الحلّي رحمه‏الله يشترط في العوضين: القدرة على التسليم، و هو اجماع في صحة البيع؛ ليخرج البيع عن أن يكون بيع غرر.(٢) و عليه فاذا لم يكن المال عند البيع مقدوراً على التسليم يصبح البيع غررياً، و قد نهى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن بيع الغرر.(٣)

١. المبسوط: ٢ / ١٥٧ .
٢. تذكرة الفقهاء: ١ / ٤٦٦ .
٣. الوسائل: ١٧ / ٤٤٨ .

التسالم:

و يستبين لنا أنّ الحكم هنا متسالم عليه عند الفقهاء، و الاشتراط كارسال مسلّم عندهم كما قال المحقّق الحلّي رحمه‏الله : يشترط في المبيع أن يكون مقدوراً على تسليمه.(١)
وقال الشهيد رحمه‏الله : يشترط في المبيع أن يكون مقدوراً على التسليم.(٢) و من البيّن أنّ ذكر المبيع وحده ـ كأول العوضين و اهمّهما ـ في المتن لايوهم اختصاص الشرط به ، لان البحث عن شروط العوضين، و لاانفكاك بينهما في هذا الحقل.
وقال المحقّق الكركي رحمه‏الله : و شرط المعقود عليه القدرة على التسليم.(٣)
وقال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : أن الحكم يكون كذلك اجماعاً.
و قد يستدل على اشتراط القدرة مضافاً الى الاجماع بحديث النهي عن بيع الغرر،(٤) المشهور المعتبر المتلقّى بالقبول، بل قيل: انه قد اجمع عليه المؤالف و المخالف القائل بحجية الخبر. و الغرر ما فيه الخطر، قاله في المصباح(٥) ـ و قال ابن منظور: ان بيع الغرر مثل بيع السمك في الماء و الطير في الهواء(٦) و هو نص في المدّعى.
و تحريم بيع الغرر يقتضي فساده؛ لتوجه النهي فيه الى ركن المعاملة.
و قيل: بل الفساد في مثله لفقد دليل الصحة، فان قوله تعالى: «احلّ اللّه‏ البيع».(٧) لا يدلّ على صحة بيع المحرَّم ـ و لانحتاج اليه ـ للاجماع على فساد المنهي عنه بهذا المعنى و هو كاف في المطلوب.(٨)

١. شرائع الاسلام: ٢ / ١٧ .
٢. اللمعة الدمشقية: ٣ / ٢٤٩ .
٣. جامع المقاصد: ٢ / ٤٩ .
٤. الوسائل : ١٧ / ٤٤٨ .
٥. المصباح المنير: ٢ / ٦٠٨ .
٦. لسان العرب: ٥ / ١٤ .
٧. البقره / ٢٧٥ .
٨. الجواهر: ٢٢ / ٣٨٧ و ٣٨٨ .

ثم قال: و ربما استدل ايضاً على اشتراطها بوجوب تسليم كل من المتبائعين ما انتقل عنه بالبيع الى صاحبه، فيجب أن يكون مقدوراً؛ لاستحالة التكليف بالممتنع. و أنّ الغرض من البيع انتفاع كل منهما بما يصير اليه من العوض، و لايَتمّ إلاّ بالتسليم فتكون القدرة عليه شرطاً،و أن بذل الثمن على غير المقدور سفاهة، و تضييع للمال فيكون ممنوعاً منه.(١)

و قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : من شروط العوضين القدرة على التسليم، فانّ الظاهر الاجماع على اشتراطها في الجملة، فان ـ ما ليس مقدوراً على التسليم ـ لايجوز بيعه بلاخلاف.
ثم انه ربما يستدل على هذا الشرط بوجوه: منها ما اشتهر عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من قوله: لاتبع ما ليس عندك.(٢)
و منها: ان لازم العقد وجوب تسليم كل من المتبايعين العوضين الى صاحبه، فيجب ان يكون مقدورا، لاستحالة التكليف بالممتنع.
و منها: ان الغرض من البيع انتفاع كل منهما بما يصير اليه و لايتم الابالتسليم.
و منها: ان بذل الثمن على غير المقدورسفه فيكون ممنوعاً و أكله أكل بالباطل.(٣)
إنّ هذا الاستدلال الذي ذكره الشيخ الانصاري رحمه‏الله ، يسانخ الاستدلال الذي ذكره المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله فلا يختلفان اختلافاً جوهرياً، ثم بادر العلمان بالاشكال على ذلك الاستدلال، و اشار اليه المحقّق الخراساني رحمه‏الله بنحو موجز.(٤)
و باحث المحقّق النائيني رحمه‏الله عن هذا الاستدلال بالتفصيل مع النقض و الابرام.(٥)
ثم تحدث عنه سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : و استشكل على الاستدلال.(٦)
و في نهاية المطاف، اصبحت النتيجة: عدم دلالة تلك الوجوه التي سطّرت في الاستدلال ، دلالة تامة على اشتراط القدرة على التسليم.
و بما أن الاشتراط هنا لايحتاج الى ذاك الاستدلال، من جانب و لايتم الاستدلال بتلك الوجوه على شتّى المناهج ، من جانب آخر، اكتفينا بذكر الاستدلال، ـ بدون ذكر الاشكال ـ اعتماداً على تلك الوجوه بمستوى التأييد على المطلوب.(٧)

١. الجواهر: ٢٢ / ٣٩٠ و ٣٩١ .
٢. الوسائل : ١٨ / ٣٧ .
٣. المكاسب، القسم البيع: ص ١٨٥ و ١٨٦ .
٤. حاشية المكاسب: ص ٦٨ .
٥. منية الطالب: ٢ / ٣٣٩ .
٦. مصباح الفقاهة: ٣ / ٥٤٧ .
٧. هناك مجال للتحقيق في نوعية الدلالة.

و إذن فيمكننا أن نقول: إنّ الوجوه التي ذكروها من النبويين و غيرهما، و ان لم و إذن فيمكننا أن نقول: إنّ الوجوه التي ذكروها من النبويين و غيرهما، و ان لم تكن أدلة تامة؛ لوجود النقص والاشكال فيها، لكنها تصلح ان تكون مؤيدات على المطلوب، و التأييد اذا انضمّ الى الدليل يثمر التأكيد.

الروايات:

منها صحيحة رفاعة النخاس، قال قلت لأبي الحسن عليه‏السلام : أيصلح لي ان اشتري من القوم الجارية الآبقة، و اعطيهم الثمن و اطلبها انا؟ قال: لايصلح شراؤها اِلا ان تشتري منهم معها ثوباً او متاعاً فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة و هذا المتاع بكذا و كذا درهماً.(١)
و منها موثقة سماعة عن ابي عبداللّه‏ عليه‏السلام في الرجل يشتري العبد و هو آبق عن اهله قال: لايصلح إلا ان يشتري معه شيئاً آخر.(٢)
دلت هاتان الروايتان على عدم صحة بيع ما ليس مقدوراً على التسليم، و على صحته مع الضميمة، و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : الظاهر ان المراد من الصلاح المنفي فيهما ـ لايصلح في الروايتين ـ هنا الصحة، و لو لفهم الاصحاب.(٣) فتمت الدلالة.
وقال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : اما بحسب الروايات فقد ورد صحيحاً في مسألة العبد الآبق و الجارية الآبقة انهما يباعان مع الضميمة، فتدل الرواية على عدم جواز بيع غير العبد الآبق من الموارد التي يتعذر فيه التسليم بطريق اولى، فانّه اذا لم يصح بيع العبد الآبق منفرداً مع جواز الانتفاع به بالعتق، ففيما لاينتفع به لايصح بالاولوية.(٤) وبه يتم المطلوب.
فثبت الاشتراط بالنص و الاجماع، اضف الى ذلك ان البيع مع تعذر التسليم باطل بحسب الواقع؛ ذلك لان معنى الصحة هنا هو ترتيب الاثر، و البطلان هو عدم ترتيب الاثر ـ النقل و الانتقال ـ فاذا لم يكن المال مقدوراً على التسليم، لايترتب الاثر على البيع و هو معنى البطلان بلااشكال.

١. الوسائل : ١٧ / ٣٥٣ .
٢. نفس المصدر .
٣. الجواهر: ٢٢ / ٣٩٤ .
٤. مصباح الفقاهة: ٣ / ٥٦٣ .

 

الخلاصة:

١. المقصود من اشتراط العوضين بالقدرة على التسليم، هو كون المال قابلاً للتسليم الى الطرف المعامل.
٢. الحكم بالاشتراط هنا متسالم عليه عند الفقهاء.
٣. قد يستدل بان البيع مع عدم القدرة على التسليم سفه، و غرري و ان التسليم لازم للعقد كل ذلك مؤيدات للمطلوب.
٤. ان أقوى الدليل على‏اعتبار القدرة على التسليم فيالعوضين هوالنصوص الواردة في صحة بيع مالايقبل التسليم الدالة على عدم صحة بيع ذلك المال بدون الضميمة.
٥. البيع مع عدم القدرة على التسليم فاسد بحسب الواقع، ذلك لعدم ترتب الاثر على هذا البيع و هو معنى الفساد.

الاسئلة:

١. ما هو المثال المشهور بين الفقهاء في ماليس مقدوراً على التسليم؟
٢. هل يمكن الاستدلال على الاشتراط هنا بقوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : لاتبع ما ليس عندك؟
٣. هل بذل الثمن على غير المقدور تضييع للمال؟
٤. ما هو منهج الاستدلال بصحيحة رفاعة النخاس على اثبات الاشتراط هنا؟
٥. هل يصح بيع مالايكون مقدوراً على التسليم مع الضميمة؟

 

البحث الثاني و الخمسون


في شروط العوضين


التعيين بمستوى نفي الغرر:

يشترط في كل واحد من العوضين أن يكون معلوماً بالمشاهدة او القدر، او الوصف، كل مال بحسبه.
و المقصود من التعيين هنا هو العلم بخصائص العوضين الى مستوى يرفع الجهالة و الغرر.
و معنى الغرر بحسب اللغة عبارة عن الخطر.(١) و بحسب الاصطلاح الفقهي فهو عبارة عن الجهل بالمبيع اوالثمن، فيطلق على بيع المال المجهول: البيع الغرري، كبيع الحمل في بطن امّه مثلاً، قال شيخ الطائفة رحمه‏الله في محاولة شرح بيع الغرر: و بيع الحمل في بطن امه منفرداً عن امه لايجوز؛ لانه لايعلم أ ذكر هو أو انثى و لايعلم صفاته. و البيض في جوف البائض بمنزلة الحمل، لايجوز بيعه منفرداً؛ لانه لايعلم.(٢)

١. المصباح المنير: ٢ / ٦٠٨ .
٢. المبسوط : ٢ / ١٥٦ .

و يستدل عليه بالاجماع و بحديث النهي عن الغرر. و التفصيل فيمايلي:
قال العلاّمة الحلّي رحمه‏الله : اجمع علماؤنا على أنّ العلم شرط فيهما ليعرف الذي ملك بازاء ما بذل فينتفي الغرر، فلايصحّ بيع الغائب مالم يتقدّم رؤيته مع عدم تغيّره اووصفه وصفاً يرفع الجهالة لنهيه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن الغرر(١)و لانه باع ما لم يره و لم يوصف، فلم يصح كبيع النوى في التمر، و لانه نوع بيع فلا يصح مع الجهل.(٢)
قال الشهيد رحمه‏الله : يشترط كون المبيع معلوم العين و القدر و الصفة فلو قال : بعتك فرساً من فرسين ـ بطل ؛ لانه غرر يمكن اجتنابه بسهولة.(٣)
وقال في كتابه الآخر: يشترط علم الثمن قدراً و جنساً و وصفاً.
و قال الشهيد الثاني رحمه‏الله : إنّ الحكم يكون كذلك عند الفقهاء اتفاقاً.(٤)
و قال المحقّق الكركي رحمه‏الله : و شرط المعقود عليه العلم، فلايصح بيع المجهول و لا الشراء به.(٥)
و قال المحقّق السيّد الطباطبائي رحمه‏الله : يشترط فيهما المعلومية ، فلا يصح بيع المجهول و المبهم حذراً عن الغرر المنهي عنه اجماعاً، و قطعاً للنزاع.
و لكن المعلومية لكل شيء بحسبه ـ قدراً أو وصفاً ـ في العادة.(٦)
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله انه اذا كان احد العوضين مجهولاً، لم ينعقد البيع بلاخلاف أجده فيه بيننا في اصل اعتبار العلم به عند المتبايعين.
و قال إنّ قول الاسكافي بصحة البيع مع العلم بالمبيع و الجهل بالثمن، مع الخيار للمشتري، متروك، بالاجماع ، و مخالف لحديث نهى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن بيع الغرر.(٧)
و قال من المعلوم : شرطية العلم بالعوضين في صحة البيع، و هو في كل شيء بحسبه و ماجرت العادة فيه بتقدير مخصوص.(٨)
و قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : المعروف انه يشترط العلم بالثمن قدراً، فلو باع بحكم احدهما بطل اجماعاً.
و قال : العلم بقدر المثمن كالثمن شرط باجماع علمائنا.

١. الوسائل: ١٧ / ٤٤٨ .
٢. تذكرة الفقهاء: ٢ / ٦٦٧ .
٣. القواعد و الفوائد: ص ٢٩٤ .
٤. اللمعة الدمشقية: ٣ / ٢٦٤ .
٥. جامع المقاصد: ٢ / ٤٨ .
٦. رياض المسائل: ١ / ٥١٤ .
٧. الجواهر: ٢٢ / ٤٠٦ .
٨. المصدر السابق: ص ٤٠٧ .

و الاصل في ذلك حديث نفي الغرر المشهور بين الفريقين.
و استدل على اشتراط العلم بقدر العوضين بالروايات قائلاً: و في الصحيح عن ابن محبوب عن زُرعة عن سَماعة قال: سألته عن شراء الطعام و ما يكال و يوزن بغير كيل و لاوزن؟
فقال عليه‏السلام : أما ان تأتي رجلاً في طعام قد كيل أو وزن تشتري منه مرابحة، فلا بأس إن اشتريته منه و لم تكله او لم تزنه، إِذا اخذه المشتري الاول بكيل أو وزن ، و قلتَ له عند البيع إني اربحك كذا و كذا، و قد رضيت بكيلك و وزنك فلا باس.(١) و دلالتها تامة ـ فدلت بظاهرها على اشتراط العلم بقدر المثمن في البيع ـ .(٢)
و كيف كان ففي مجموع ما ذكر من الاخبار ومالم يذكر ، مع ما ذكر من الشهرة المحقّقة و الاتفاقات المنقولة كفاية في المسألة.
و يحتمل غير بعيد حمل الاطلاقات سيّما الاخبار على المورد الغالب و هو ما كان رفع الغرر من حيث مقدار العوضين موقوفاً على التقدير، فلو فرض اندفاع الغرر بغير التقدير كفى.(٣)
و قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : الظاهر أن المسألة ـ اشتراط العلم بقدر العوضين ـ اتفاقية و أن من شروط صحة البيع هو العلم بمقدار الثمن و لعل منشأ الاتفاق هو الحديث المشهور: نهى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن بيع الغرر. و ـ التحقيق ـ استلزام الغرر للجهل على أي معنى اريد منه.
و يؤيده التعليل في رواية حماد بن ميسر عن الصادق عليه‏السلام عن أبيه الباقر عليه‏السلام أنه كره أن يشتري الثوب بدينار غير درهم؛ لانه لايدري كم الدينار من الدرهم.(٤)
فانه اذا كان استثناء الدرهم من الدينار يوجب جهالة الثمن، لعدم العلم بنسبة الدينار من الدرهم، فالبيع بحكم احدهما اولى بالبطلان؛ لان الثمن مجهول رأساً.

ولاينافي ذلك ما في صحيحة رفاعة النخاس(٥)

١. الوسائل : ١٧ / ٢٩٦ .
٢. هنا مجال للتحقيق في روايات الباب .
٣. المكاسب، قسم البيع: ص ١٨٩ و ١٩٠ .
٤. الوسائل: ١٢ / ٣٩٩ .
٥. الوسائل : ١٨ / ٢٧١ ، ح ١ .

الظاهر في صحة البيع بحكم  المشتري؛ لانّ الظاهر من هذه القضية أن بائع الجارية وكّل المشتري في تعيين القيمة، لا انه باعها بثمن معيّن بعد المعاملة ـ أو أحاله بما هو المتعارف ـ .
و بالجملة: فاعتبار العلم بالثمن من حيث المقدار هو مناط مالية الاموال، فلايمكن أن يكون الثمن قابلاً للانطباق على القليل و الكثير، و بهذا المناط لابد من العلم بمقدار الثمن، مع قطع النظر عن الغرر و عن الاخبار.(١)

الروايات

منها حديث النهي عن الغررو قد اشبع الفقهاء البحث حول هذا الحديث و اكثر البحوث انتهت الى نتيجة ايجابية.
و التحقيق أن ذلك الحديث تأمّ سنداً و دلالةً ، اما اعتبار السند فهو ينبثق عن اعتبار فقهاء الفريقين و رواتهما.
واما الدلالة فهي ايضاً تامة؛ ذلك لان بيع الغرر هو بيع المال المجهول؛ بحسب فهم الاصحاب؛ لكونهما متلازمين بحسب الواقع ، و النهي عن البيع ارشاد الى فساده.
كما قال المحقّق الخراساني رحمه‏الله : لايبعد دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الارشاد الى فسادها.(٢)
و منها صحيحة الحلبي عن الامام الصادق عليه‏السلام : انه سئل عن الجروز لانستيطع اَن نعدّه فيكال بمكيال ثم يعدّ ما فيه ثم يكال ما بقي على حساب ذلك من العدد، قال: لابأس به.(٣) دلت على اعتبار التقدير.

١. تقريرات المكاسب: ٢ / ٤٩٥ و ٤٩٦ .
٢. كفاية الاصول: ١ / ٢٩٨ .
٣. الوسائل: ١٧ / ٣٤٨ .
٤. مصباح الفقاهة: ٣ / ٦٢٢ .

قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : فان الظاهر من السؤال ان السائل اعتقد عدم جواز البيع جزافاً، و أنه من المرتكزات لذا سأل عن جواز الكيل في المعدود و قد قرّر الامام عليه‏السلام اعتقاده، و لم ينبّه على جواز البيع جزافاً كما نبّه على جواز البيع بالكيل في المعدود، فيعلم من ذلك أنّ البيع جزافاً لايجوز، والاستدلال بها أتم و احسن من دليل نفي الغرر و نحوه.(٤) و بالتالي فقد ثبت الاشتراط بالاجماع و بحديث نفي الغرر، و بالنص الصحيح.
قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : بقي الكلام في تعيين المناط في كون الشي؟ مكيلاً أو موزوناً.(١) هل المناط في المكيل مثلاً هو كونه مكيلا في زمان الشارع؟ فلا يجوز تقديره بالوزن. فبَحث بالتفصيل و قال: المشهور: العبرة في التقدير بزمان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثم بما في البلاد ثم بما تعارف في كل بلدة.(٢) و هذه العبرة بهذا الترتيب تسمّى بالعبرة الترتّبية.
و التحقيق ان البحث عن مناط الكيل و الوزن و عن موضوعيتهما و طريقيتهما في التقدير من البحوث التي لها صلة بباب الربا و اما الذي يهمّنا في اشتراط التعيين في العوضين، هو اعتبار التقدير سواء كان ذلك بالكيل او الوزن أو غيرهما.
كما قال المحقّق الاصفهاني رحمه‏الله : التحقيق ان العبرة في صحة البيع بمعرفة مقدار البيع، فاذا فرض ان المكيال لاكشف له عن مقدار البيع لايصح البيع فيه، نظير الوزن بالصخرة المجهولة.(٣) و قال الامام الخميني رحمه‏الله يشترط: تعيين مقدار ـ المال ـ في العوضين.(٤)

١. المكاسب، قسم البيع: ص ١٩٢ .
٢. حاشية المكاسب: ١ / ٣٠٩ .
٣. حاشية المكاسب: ١ / ٣٠٩ .
٤. الفقه: ٢ / ٢٤ .

الخلاصة:

١. المقصود من التعيين هو العلم بخصائصهما الى حد رافع للغرر.
٢. معنى الغرر لغة الخطر وفي الاصطلاح الفقهي يطلق على المال المجهول قدراً.
٣. الاشتراط متسالم عليه عند الاصحاب.
٤. الاصل في الاشتراط حديث نفي الغرر المشهور بين الفريقين.
٥. و يدل على اشتراط التعيين عدة نصوص منها صحيحة الحلبي التي دلت على اعتبار التقدير في العوضين.

الاسئلة:

١. ماهو الوجه في اطلاق الغرر على الجهل؟
٢. ما هو منهج الاستدلال بحديث نفي الغرر على الاشتراط؟
٣. إذا رفع الغرر بغير التقدير فهل يكفي ذلك في اشتراط التعيين؟
٤. ما هو المقصود من صحة البيع بحكم المشتري في صحيحة رفاعة النخاس؟
٥. ما هو المقصود من تعيين المناط في كون الشيء مكيلاً او موزوناً؟