البحث الخامس و الاربعون

في نصوص بيع الفضولي

إن النصوص التي يستدل بها على صحة بيع الفضولي، كثيرة و هي الواردة في اكثر من عشرة ابواب، و قد سطّرها الفقهاء ضمن البحوث التفصيلية في كتبهم: جواهر الكلام ، كتاب المكاسب، مصباح الفقاهة، فذكروها و نقّدوها، و للحديث ذيل طويل.
و التحقيق أن تلك النصوص، لاتخلو من نقص إما في الدلالة أو السند، إلا ما ورد في النكاح الفضولي، كما رواه محمدبن مسلم عن امام الباقر عليه‏السلام أنّه سأله عن رجلٍ زوّجته أمّه و هو غائب، قال: النكاح جائز إن شاء قبل و إن شاء ترك.(١)
قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله يستند الحكم إلى ما دلّ على صحة عقد الفضولي في النكاح من اجماع و نصوص(٢) على وجه يظهر منهما عدم الخصوصية له، و أنه جائز؛ لاندراجه فيما دلّ على صحة عقد النكاح و لزومه، و نحو ذلك مما هو مشترك بين المقام و بينه، بل هو أولى منه.
ضرورة كونه في الفروج و الانساب التي يطلب فيها الاحتياط، على أنّه قد يتضمّن الصداق بيعاً و نحوه ، فيشمله حينئذٍ فضولي النكاح.(٣)

١. الوسائل: ١٤ / ٢١١.
٢. الوسائل: ١٤ / ٢١٠.
٣. الجواهر: ٢٢ / ٢٧٦ و ٢٧٧ .

و قال المحقّق السيد الطباطبائي رحمه‏الله يستند الحكم إلى فحوى ثبوت صحة عقد الفضولي في النكاح؛ فان ثبوته فيه مع بناء الامر فيه على الاحتياط ، مستلزم لثبوته هنا بطريق اولى لأضعفيته عنه جدّاً، و لعمري إنها من اقوى الادلة هنا، ولولاه لاشكل المصير الى هذا القول.(١)
و قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : و ربما يستدل بفحوى صحة عقد النكاح من الفضولي ـ و هو ـ حسن، إلاّ أنّها ربما توهن بالنص ـ الصحيح ـ الوارد في الردّ على العامة الفارقين بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل، و بين بيعه، بالصحة في الثاني؛ لان المال له عوض، و البطلان في الاول؛ لانّ البضع ليس له عوض، حيث قال الامام عليه‏السلام في مقام ردّهم و اشتباههم في وجه الفرق: سبحان‏اللّه‏ ما اجور هذا الحكم و افسده، فان النكاح اولى و أجدر أن يحتاط فيه؛ لانه الفرج و منه يكون الولد، الخبر.(٢)
و حاصله: أن مقتضى الاحتياط كون النكاح الواقع أولى بالصحة من البيع من حيث الاحتياط المتأكد في النكاح، دون غيره،(٣) فدلّ على أن صحة البيع يستلزم صحة النكاح بطريق أولى خلافاً للعامة.(٤)
و كيف كان فمقتضى هذه الصحيحة أنه اِذا حكم بصحة النكاح الواقع من الفضولي لم يوجب ذلك التعدي إلى الحكم بصحة بيع الفضولي ، نعم لو ورد الحكم بصحة البيع، امكن الحكم بصحة النكاح؛ لأنّ النكاح أولى بعدم الابطال، كما هو نص الرواية.(٥)

١. رياض المسائل: ١ / ٥١٢ .
٢. الوسائل: ١٩ / ١٦٣ .
٣. المكاسب، قسم البيع، ص ١٢٥، ١٢٦ .
٤. هناك مجال للتحقيق في اقوال الفقهاء.
٥. هناك مجال للتحقيق في اقوال الفقهاء.

و التحقيق : أنّ البيان هناك ـ في الصحيحة ـ كان في جهة الردّ على الحكم المتجسّد من الاستحسان ـ بواسطة الفرق بين ما له عوض و ما ليس له عوض ـ و ليس البيان هناك في جهة أنّ النكاح أولى من البيع بالنسبة الى الصحة في مطلق الاحوال، فلا يوجب ذلك النص وهنا على الاستدلال، وعليه يمكننا أن نقول: ان ما يستفاد من النص المتلو هو أن عمل الوكيل قبل علمه بالعزل نافذٌ شرعاً على أساس الادلة الشرعية، و إذن فيجب الالتزام بهذا الحكم المشروع في شتى موارده ـ ردّا على العامة الذين التزموا بالصحة في البيع و عدم الصحة في النكاح على اساس الاستحسان ـ و عليه فكل مورد كان أهمَّ بحسب الذات كالنكاح ، كان اولى بشمول الحكم له، و من حقّه أن يحتاط فيه لئلا يلزم من عدم الاحتياط إرتكاب الحرام ـ التزويج بذات البعل ـ و يستتبع العمل المحرّم سيّئات كثيرة.
كما قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : ليس الغرض من النص بيان الحكم الظاهري عند الشك في صحة النكاح واقعا، بل المقصود منه بيان صحة النكاح و عدم عزل الوكيل بمجرد العزل قبل العلم به واقعا.
غاية الامر يكون بيانه ببيان أولوية صحته من صحة البيع حيث أن الحكم بالصحة حكم تضييقي، و هو في الأهمّ أولى.
فتحصّل أنه لا اشكال في التمسك بالاخبار الدالة على صحة الفضولي في النكاح، و اثبات صحته في البيع بالفحوى و طريق اولى،(١) و تمّ المطلوب.

الادلة العامة:

لاشك في أنّ بيع الفضولي بعد حصول الاجازة من المالك يصبح بيعاً تامّاً، فيشمله عموم «أوفوا بالعقود» و غيره و يتم المطلوب كما قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله يصح بيع الفضولي؛ لاندارجه بعد الرضا في البيع مثلاً، و العقد و التجارة عن تراض، فيشمله ما دل على صحتها ـ المعاملة ـ و لزومها من الكتاب، و السنة و الاجماع؛ ضرورة عدم توقف صدق اسمائها على صدور لفظ العقد من غير الفضولي، اذ أقصى ما يدّعيه الخصم أنه شرط شرعي ، فلا يتوقف عليه الصدق.
و على كل حال فقد ظهر لك أن الشك ان كان فهو في شرط شرعي، و هو مباشرة المالك او من يقوم مقامه للفظ العقد، فيصحّ الاستدلال حينئذٍ على نفيه باطلاق «أوفوا» أو نحوه.(٢) فتُنفى الشرطية و تثبت الصحة.

١. تقريرات المكاسب : ٢ / ٢٦ .
٢. الجواهر: ٢٢ / ٢٧٤ ـ ٢٧٥ .

و قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : المشهور في بيع الفضولي الصحة؛ لعموم ادلة البيع و العقود؛ لانّ خلوّه عن إذن المالك لايوجب سلب اسم العقد و البيع عنه، و اشتراط ترتب الاثر بالرضا و توقفه عليه أيضا لامجال لانكاره.
فلم يبق الكلام اِلا في اشتراط سبق الاذن، و حيث لادليل عليه فمقتضى الاطلاقات عدمه و مرجع ذلك كلّه الى عموم حلّ البيع و وجوب الوفاء بالعقد، خرج منه العاري عن الاذن و الاجازة معاً، و لم يعلم خروج ما فقد الاذن و لحقتة الاجازة.
و الى ما ذكرنا يرجع استدلالهم بانه عقد صدر من اهله في محله.(١)
و قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله إنّ اوّل ما يدلّنا على صحة بيع الفضولي: هو العمومات و المطلقات الدالّة على صحة العقود و لزومها.
و بيان ذلك أنّه لاشبهة في أنّ صدق عنوان العقد او التجارة عن تراض أو البيع، او صدق أيّ اسم من اسماء أَية معاملة كانت، لايتوقف على مباشرة المالك بنفسه العقد، بل يكفي في ذلك النيابة بان يكون المباشر لذلك ـ العقد ـ غير المالك.
غاية الامر لابدّ و أن تكون هذه المباشرة باذن المالك؛ لكي يكون ذلك سبباً لانتساب العقد الصادر من المباشر إلى المالك، و من المعلوم أن إنتساب العقد الى المالك كما يتحقّق بمباشرة المالك نفسه او بمباشرة غيره مع الاذن منه كذلك يتحقق بالاجازة اللاحقة من المالك، و حينئذٍ فيصدق على العقد الصادر من الفضولي أنه عقد للمالك او تجارته او بيعه، و اذن فيكون ذلك مشمولاً للعمومات و المطلقات، و بتعبير آخر: ـ ان العقود تستند اليه ـ المالك ـ بالاجازة كاستنادها اليه بالمباشرة او بالاذن فتشملها العمومات.
غاية الأمر أنا نشك في إعتبار مباشرة المالك شرعاً، او اقتران رضائه بالعقد او وجود الاذن السابق على العقد، فحيث أنّ كل ذلك تقييد للمطلقات أو تخصيص للعمومات بغير مخصّص و مقيّد فندفعه باصالة الاطلاق او العموم.
و قد تحصّل ممّا قدّمناه: أنّ عقد الفضولي صحيح على القاعدة، بمقتضى العمومات و المطلقات الدالة على صحة العقود و لزومها.
و عليه فلا نحتاج للاستدلال على صحته و نفوذه الى الادلة الخاصة إلا لمزيد الوضوح و من جهة التأييد.(٢)

الاستدلال على بطلان عقد الفضولي

قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : و احتج للبطلان بالادلة الاربعة.(٣) و هي: قوله تعالى:

١. المكاسب، قسم البيع: ص ١٢٤ ـ ١٢٥ .
٢. مصباح الفقاهة: ٢ / ٦٤٦ ـ ٦٤٧ و ٦٥٠ .
٣. المكاسب، قسم البيع: ص ١٢٦ .

«تجارة عن تراض» ، و قوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لاتبع ما ليس عندك.(١) و الاجماع المنقول، و حكم العقل بعدم جواز التصرف في مال الغير، فيقال: إن تلك الادلة تدل على عدم صحة بيع الفضولي.
و التحقيق ان تلك الادلة كلّها تدلنا على بطلان بيع من باع مال الغير لنفسه بدون اجازة المالك، و هو باطل قطعاً و خارج عن حدود البحث، و أمّا بيع مال الغير للمالك مع لحوق الاجازة فهو مما لايدل على بطلانه شيء من تلك الادلة، لكونها أجنبية عن ذلك، و عليه فمعنى قوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لاتبع ما ليس عندك، لاتبع لنفسك مال الغير. و هذا هو اجود التحقيق في هذا المجال واللّه‏ هو العالم.

١. الوسائل: ١٧ / ٣٥٧ .

 

الخلاصة:

١. إن أقوى دليل على صحة عقد الفضولي هو الاستدلال بفحوى نصوص النكاح، لان النص الوارد هناك صحيح سنداً و تام دلالة.
٢. قد يقال: بعدم الاولوية؛ ذلك لأن النص الصحيح الوارد رد على العامة، فيكون حاصله أن صحة النكاح اولى من صحة البيع.
و يرد هذا القول، بان النص ليس في بيان جهة الاولوية، بل هو في مقام الردع عن العمل بالاستحسان.
٣. لاشك في شمول العمومات للعقد الفضولي بعد لحوق الاجازة.
٤. إن العقود تستند الى المالك ، بعد الاجازة كاستنادها اليه بالمباشرة او بالاذن.
٥. و معنى قوله عليه‏السلام : لاتبع ما ليس عندك، بحسب الحقيقة: لاتبع لنفسك ما ليس عندك. فلايدل على ما يباع للمالك فضولاً.

الاسئلة:

١. ما هو منهج الاستدلال بفحوى النص الوارد في نكاح الفضولي، على صحة بيع الفضولي؟
٢. ما هو النص الوارد في مقام الرد على الاستحسان؟
٣. هل يصدق عنوان العقد على العقد الذي يكون فاقداً للاذن؟
٤. هل يكون عقد الفضولي مطابقاً للقاعدة؟
٥. هل يمكن الجمع بين صحة عقد الفضولي و بين حرمة التصرف في مال الغير؟

 

البحث السادس و الاربعون

حول الاجازة في عقد الفضولي


ما هي الاجازة؟

إن الاجازة بحسب اللغة عبارة عن الانفاذ، كما قال الفيّومي: اجازه انفذه، و اجزت العقد جعلته جائزاً نافذاً.(١)
و هذا هو معنى الاجازة بحسب الاصطلاح الشرعي، كما أنه المتفاهم عند العرف. و من البيّن أن الاجازة من الامور الانشائية، فتكون بحاجة ماسة إلى الانشاء، فعليه تكون الاجازة بحسب الواقع هي ابراز الرضا و إعلان طيب النفس بالنسبة الى البيع و بما أنه ليس للانشاء هنا أيّة خصوصية بحسب الادلة، فيمكن الانشاء بكل لفظ صالح للانشاء مثل اجزت و رضيت و غيرهما من الالفاظ الدالة على الرضا.
و كذلك يمكن الانشاء بفعل دال على الرضا بمضمون العقد؛ ذلك كله لاطلاق الادلة. كما قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله و يعلم من مجموع الادلة و اطلاقها، عدم اعتبار لفظ مخصوص فيها ـ الاجازة ـ بل و لامطلق اللفظ، فيكفي حينئذٍ ما دلّ على الرضا من الافعال.(٢)

١. المصباح المنير: ١ / ١٥٨ .
٢. الجواهر: ٢٢ / ٢٩٤ .

و قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : الاجازة امر من الايقاعات مضمونها عبارة عن استناد العقد الصادر عن الفضولي الى المجيز.(١)
فالاجازة هي اعلان الرضا بكل مبرز يكون صالحاً للابراز بحسب فهم العرف.

الرضا الباطني:

قال العلاّمة الحلّي رحمه‏الله : لو باع سلعة و صاحبها حاضر ساكت، فحكمه حكم الغائب؛ قاله علماؤنا و اكثر اهل العلم؛ لاحتمال أنّ السكوت غير الرضا ـ وقيل ـ : سكوته إقرار كالبكر، و يردّ بان الفرق : الحياء المانع من كلامها.(٢)
قال الشهيد الاول رحمه‏الله : لايكفي في الاجازة السكوت عند العقد او عند عرضها ـ الاجازة ـ عليه.
و قال الشهيد الثاني رحمه‏الله و ذلك: لان السكوت اعم من الرضا، فلايدل عليه بل لابد من لفظ، صريح فيها كالعقد.(٣)
وقال المحقّق الحلّي رحمه‏الله : و لايكفي سكوته ـ المالك ـ مع العلم ولامع حضور العقد.(٤)
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله إن الامر يكون كذلك عند علمائنا؛ لأعمّية ذلك من الرضا فلايدل، و الاكتفاء به من البكر في النكاح(٥) للقرينة.(٦) فان سكوت الباكر إعلان الرضا بالقرينة.
فاستبان لنا أنّ سكوت المالك لدى العقد لا يلعب دور الاجازة بالنسبة الى المعاملة، هذا من جانب.
و من جانب اخر تبيّن لنا ان الاجازة هي اعلان الرضا، و هي لاتنطبق بالرضا الباطني بكل وضوح. كما قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : الاقوى اعتبار الانشاء في الاجازة وعدم الاكتفاء بمجرد الرضا الباطني ـ و بها يتحقّق رضا المالك و استناد العقد اليه.(٧)

١. تقريرات المكاسب: ٢ / ١٢٧ .
٢. تذكرة الفقهاء: ١ / ٤٦٣ .
٣. اللمعة الدمشقية: ٣ / ٢٣٤ .
٤. شرائع الاسلام: ٢ / ١٤ .
٥. الوسائل: ١٤ / ٢٠٦ .
٦. الجواهر: ٢٢ / ٢٩٣ .
٧. تقريرات المكاسب: ٢ / ١٢٢ .

كما قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : و من الظاهر أن مجرد الرضا الباطني بالعقد الصادر من الفضولي اجنبي عن ذلك كله.(١)

هل الاجازة كاشفة او ناقلة؟

اختلفت الآراء بالنسبة الى كاشفية الاجازة و ناقليتها، فبعض على انها كاشفة عن صحة العقد من بدء المعاملة، و بعض على أنها ناقلة للملك بعد تحققها، و تستبين الثمرة في نماءات المبيع التي توجد في الفترة الكائنة بين العقد و الاجازة، فان تلك النماءات و المنافع على الرأي بالكشف تكون للمشتري، و على الرأي بالنقل تكون للبائع.
التحقيق: أنّ الاجازة كاشفة عن صحة العقد و عن انتقال الملكية من بدء المعاملة و المقصود من الكشف هو الكشف الحكمي، بمعنى ترتيب الآثار على العقد، لاالكشف الحقيقي؛ لعدم تحقق العقد قبل الاجازة بتمامه حقيقة.
و لاتكون الاجازة ناقلة للملك بعد تحققها؛ لان الاجازة لاتكون سبب الملكية بنحو تام. كما قال الشهيدان رحمهمااللّه‏: و هي ـ الاجازة اللاحقة من المالك ـ كاشفة عن صحة العقد من حين وقوعه، لاناقلة له من حينها؛ لان السبب الناقل للملك هو العقد المشروط بشرائطه ، و كلّها كانت حاصلة إلاّ رضا المالك، فاذا حصل الشرط عمل السبب التام عمله؛ لعموم الامر بالوفاء بالعقود.(٢)
وقال المحقّق السيد الطباطبائي رحمه‏الله : الاظهر ـ أَن الاجازة كاشفة ـ وفاقاً للاشهر؛ عملاً بمقتضى الاجازة؛ اذ ليس معناها إلاّ الرضا بمضمون العقد، و ليس إِلاّ إنشاء نقل العوضين من حينه.(٣)
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : الاقوى كون الاجازة المتعقّبة للعقد و غيره ممّا يعتبر في الصحة، كاشفة ـ وفاقاً لجمع من الفقهاء ـ ؛ لانها رضا بمقتضى العقد الذي هو النقل حينه، بل هي في الحقيقة رضا برضا الفضولي، الذي كان مقارناً للعقد، فينكشف حينئذٍ بذلك كون العقد تام الشرائط غير متوقف حينئذٍ تأثيره على شيء آخر؛ اذ المالك لم يصدر منه إِلا الرضا بماوقع من العقد.

١. مصباح الفقاهة: ٢ / ٦٣٩ .
٢. اللمعة المدمشقية: ٣ / ٢٢٩ .
٣. رياض المسائل: ١ / ٥١٣ .

مضافاً الى ما دلّ في تسبيب العقد مسبَّبه ، و انه لايتأخر عنه، السالم عن معارضة ما دلّ على اشتراط رضا المالك، بعد احتمال كون المراد من شرطيته في المقام ـ هو الشرط الكشفي الذي لامانع من تصوره، في العلل الشرعية، نحوما سمعته في اشتراط صحة صوم المستحاضة باغسالها الليلية.
ضرورة أنّ التزام الكشف فيه ـ الفضولي ـ بالمعنى المزبور هو الموافق لظاهر الادلة . و مضافاً الى اشعار قوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لعروة: بارك اللّه‏ في صفقة يمينك، بذلك ايضاً(١)، و هذا هو البيان التام في مجال تأثير الاجازة.(٢)
و قال الشيخ الانصاري بعد البحث و التحليل: و أما الاخبار فالظاهر من صحيحة محمد بن قيس ـ في بيع الابن بدون اذن الاب،الى ان أجاز بيع ابنه(٣) ـ الكشف و كذا الاخبار التي بعدها ـ في الباب ـ لكن لاظهور فيها للكشف بالمعنى المشهور، فيحتمل الكشف الحكمي.(٤)
وقال: و الحاصل انه يعامل بعد الاجازة معاملة العقد الواقع مؤثراً من حينه بالنسبة إلى ما امكن من الآثار، و هذا نقل حقيقي في حكم الكشف.
و لم اعرف من قال بهذا الوجه من الكشف إلا الاستاذ شريف العلماء فيما عثرت في بعض تحقيقاته.(٥)

١. الجواهر: ٢٢ / ٢٨٥ ـ ٢٨٦ ـ ٢٨٧ .
٢. هناك مجال للتحقيق في إِمكان الشرط المتأخر.
٣. الوسائل: ١٤ / ٥٩١ ، ح ١ .
٤. المكاسب، قسم البيع: ص ١٣٣ .
٥. المصدر السابق .

و قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : إن المشهور بين الاصحاب رحمهم‏اللّه‏ هو القول بالكشف في باب الاجازة؛ و الاجود بحسب النظر هو تتميم الكشف الحكمي على القواعد بأن الشرط المتأخر ينطبق مع ضابط الكشف الحكمي، اعني كون الامر المتأخّر كالصورة ـ التي لها فعلية ـ بالنسبة الى الامر، و الامر المتقدّم كالمادة الهيولائية ـ التي تكون بالقوة ـ كما يظهر ذلك من المراجعة الى موارد الشرط المتأخّر، مثل فك الرهانة بالنسبة الى البيع الواقع على العين المرهونة، و اداء الزكاة و الخمس بالنسبة الى العقد الواقع على العين الزكوية و الخمسية، و اجازة العمة العقد الواقع على بنت الاخ.(١)
و قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : الظاهر أن الاجازة كاشفة عن صحة العقد من حين وقوعه كشفاً حكميا فنماء الثمن للبائع و نماء المبيع للمشتري.(٢)

١. تقريرات المكاسب: ٢ / ٧٥ و ٨٦ .
٢. منهاج الصالحين: ٢ / ١٨ .

 

الخلاصة:

١. الاجازة لغة و عرفاً عبارة عن التنفيذ.
٢. بما ان الاجازة من الامور الانشائية فتكون بحاجة الى الانشاء.
٣. ان الرضا الباطني لايؤدّى دور الاجازة في بيع الفضولي.
٤. الاجازة الكاشفة تكشف عن صحة العقد من البداية و الاجازة الناقلة توجب الانتقال من حينها.
٥. الاجازة على ما هو التحقيق كاشفة عن الصحة بنحو الكشف الحكمي.

الاسئلة:

١. كيف تتحقق الاجازة؟
٢. هل السكوت عند العقد يكفي في تحقق الاجازة؟
٣. ما هو الدليل على ان الاجازة كاشفة؟
٤. ما هو الفرق بين الكشف الحقيقي و الكشف الحكمي؟
٥. هل ينطبق الكشف الحكمي مع معيار الشرط المتأخر؟

البحث السابع و الاربعون


في نطاق العقد و الاجازة

المتيقّن من مورد بيع الفضولي هو بيع المال ـ فضولا ـ للمالك، بدون الاذن و بدون المنع السابق فهذا هو نطاق بيع الفضولي بمعنى الكلمة.
كما قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : الاولى ان يبيع للمالك مع عدم سبق منع من المالك و هذا هو المتيقّن من عقد الفضولي.(١)
و توجد هنا ـ خارج حدود المتيقن ـ عدة فروع تكون لها صلة ببيع الفضولي و يستبين لنا حكمها من ضمن البحوث الجوهرية، فنكتفي بذكر أهم تلك الفروع و أشهرها عند الفقهاء، و هو مايلي:

من باع ثم ملك:

إن هذه المسألة من ابرز ما يتفرع على البحث، و تكون عريقة في البحوث التفصيلية، قال العلامة الحلي رحمه‏الله : لو باع بظن الحياة، و انه فضولي فبان موته و انه مالك، صحّ البيع؛ لانه بيع صدر من اهله في محلّه.(٢)
و قال المحقّق الكركي رحمه‏الله : لو باع مال ابيه بظن الحياة و أنه فضولي، فبان ميتاً حينئذٍ و أنّ المبيع ملكه، فالوجه الصحة.(٣)

١. المكاسب، قسم البيع: ص ١٢٤.
٢. تذكرة الفقهاء: ١ / ٤٦٣ .
٣. جامع المقاصد: ٢ / ٤٧ .

و قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : لو باع مال ابيه بظن حياته فبان ميتاً، المشهور الصحة، لكن الاقوى وقوفه على الاجازة، وجه الوقوف أن هذا الحق للمالك من باب الاجازة، فعقده متزلزل من حيث الحدوث.(١)
قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : لاينبغي الاشكال في صحة ما اذا باع عن المالك ثم بان أنه هو المالك و ذلك؛ لتمشي قصد البيع عنه بسبب قصد البيع عن المالك، و انشاؤه تبديل طرفي الاضافة بين المالك و المشتري.
و بعد فرض عدم دخل التطبيق في مقوّمات البيع ، يحكم بوقوع البيع عن مالكه الواقعي الذي هو نفس البائع في المقام .(٢)
هذا كله بالنسبة الى صحة البيع عمن باع ثم ملك، و اما بالنسبة الى مكانة الاجازة هنا يقول: اِذا باع عن ابيه، فتبين كون البائع بنفسه مالكاً، فالاحتياج الى الاجازة اظهر، ـ ذلك لان ـ بيع الفضولي فاقد للرضا و لاستناد البيع الى المالك معاً؛ و لاجل كلتا الجهتين يحتاج الى الاجازة.
فان رضاه ببيع مال ابيه ليس رضا منه ببيع ماله، فالرضا المعاملي مع العلم بكون المبيع ملكاً للغير ليس رضا بالمعاملة، بما يكون المبيع ملكاً له، و المعتبر في صحة المعاملة هو الاخير، فيتوقف على رضا البائع بما هو مالك، الموقوف على الاجازة.(٣)
و قال المحقّق الاصفهاني رحمه‏الله : الاجازة ـ هنا ـ متممة للسبب المؤثر، لاانها من باب الامضاء.(٤)
و قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : لو باع مال ابيه بظن حياته فبان ميتاً فهل يصح هذا البيع؟ و على تقدير الصحة هل يكون محتاجاً الى الاجازة؟ وجوه أما اصل البيع فالمشهور صحته ، بل ربما يدّعى الاجماع في ذلك.
و أمّا الوجه في صحة البيع ـ فهو ـ أنّ حقيقة البيع قد تحققت بجميع شرائطها ـ مبادلة مال بمال في طرف من الاضافة المالكية ـ و قصد كونه لنفسه او كونه للمالك، امر زائد عن حقيقة البيع، فلا يضر بصحة البيع و بالجملة: فاصل صحة البيع مما لااشكال فيه، و لايعتنى بمثل الوجوه ـ الوهمية ـ في الحكم بالبطلان كما لايخفى.

١. المكاسب، قسم البيع: ص ١٤١ ـ ١٤٢ .
٢. تقريرات المكاسب: ٢ / ١٩٣ ـ ١٩٤ .
٣. المصدر السابق: ص ١٩٨ و ١٩٩ .
٤. حاشية المكاسب: ١ / ١٧٧ .

و اما احتياجه الى الاجازة فممّا لاريب فيه.
والوجه في الاحتياج الى الإجازة هو الذي اشار اليه الشيخ الانصاري رحمه‏الله : من عموم تسلط الناس على اموالهم، و عدم حِلّها لغيرهم، إلاّ بطيب انفسهم، و حرمة اكل المال إلاّ بالتجارة، فانّ الالتزام بصحة العقد بدون الاجازة مستلزم لعدم تسلط الناس على اموالهم و كونه حلالاً لهم بغير طيب نفسهم، و معلوم أن الطيب باصل التبديل ليس طيباً بالتبديل المالكي.(١)
و قال الفقيه السيد الاصفهاني رحمه‏الله : لو باع شيئاً فضولاً ثم ملكه ، صحّ باجازته على الاقوى.(٢)

نطاق الاجازة

المتيقن من مورد الاجازة هو العقد الصادر من العاقد الكامل بدون اذن المالك و بدون ورود الردّ من المالك على البيع، فاذا تحقق الردّ منه فلا ارضية للاجازة.

ماهو الردّ؟

قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : لايتحقق الردّ قولاً اِلاّ بقوله فسخت او رددت او شبه ذلك لاصالة بقاء اللزوم من طرف الاصيل، و قابليته من طرف المجيز.(٣)

١. مصباح الفقاهة: ٣ / ١٠٧ و ١٠٩ .
٢. وسيلة النجاة: ٢ / ١٧ .
٣. المكاسب، قسم البيع: ص ١٤٤ .

و الاجازة بعد الردّ تنتفي بانتفاء الموضوع.
كما قال الشيخ رحمه‏الله : من شروط الاجازة ان لايسبقها الرد؛ اذ مع الرد ينفسخ العقد فلايبقى ما تلحقه الاجازة.
و الدليل عليه بعد ظهور الاجماع بل التصريح في كلام بعض مشايخنا، أن الاجازة إنّما تجعل المجيز احد طرفي العقد ، و إلا لم يكن مكلّفاً بالوفاء بالعقد، و قد تقرّر أنّ من شروط الصيغة اَن لايحصل بين طرفي العقد ما يسقطها عن صدق العقد الذي في معنى المعاهدة مع أن مقتضى سلطنة الناس على اموالهم تأثير الردّ في قطع الطرف الاخر عن ملكه، فلايبقى ما يلحقه الاجازة.(١)

قال المحقّق الخراساني رحمه‏الله : الظاهر أنّ اعتبار ذلك ـ عدم الرد ـ اِنما هو لاجل أن الاجازة مع سبقه ـ الرد ـ لاتوجب صحة استناد العقد عرفاً الى المجيز، فكما أنّ العقد الفضولي يصير عقداً له و مسنداً اليه باجازته، كذلك يسقط عن ذلك بردّه، فلايضاف اليه بالاجازة مع سبقه ـ الرد ـ عرفاً.
و لااقل من الشك فيه، و معه لادليل على نفوذ هذا العقد عليه، فان التمسك بالعمومات يكون من باب التمسك بالعام فيما اشتبه صدقه عليه.
فان المراد بالعقود في الآية عقود من لهم الولاية على العقد.(٢)
و قال المحقّق النائيني رحمه‏الله يعتبر: عدم سبق الرد في تأثير الاجازة ـ فباحث في هذا المجال مشبعاً الى أن قال ـ : ان المالك مسلط على الرد و الاجازة، فاذا ردّ ينهدم ما احدثه الفضولي بفعله أعني الاضافة ـ بين مال المالك و طرف الفضولي ـ فلايبقى شيء تَتعلق به الاجازة.(٣)
قال الفقيه الكبير السيد الاصفهاني رحمه‏الله : يعتبر في تأثير الاجازة عدم مسبوقيتها بردّ المالك بعد العقد.(٤)
الى هنا تمّ البحث الجوهري في محاولة بيع الفضولي، و يتبيّن لنا حكم المتفرّعات التي سطّرت في الرسائل الفقهية.(٥)

١. المصدر السابق: ص ١٣٦ .
٢. حاشية المكاسب: ص ٣٨ .
٣. تقريرات المكاسب: ٢ / ١٢٩ و ١٣٢ .
٤. وسيلة النجاة: ٢ / ١٦ ـ ١٧ .
٥. هناك مجال واسع للتحقيق حول الفروع في الرسائل العملية.

 

الخلاصة:

١. المتيقّن من مورد بيع الفضولي هو بيع المال فضولاً للمالك بدون الاذن و بدون المنع السابق.
٢. من باع شيئا فضولا و انكشف انه كان مالكاً بالارث مثلا صح البيع مع الاجازة.
٣. ردّ البيع ايضاً من الامور الانشائية فيتحقق بالانشاء، بمثل رددت و غيره.
٤. يشترط في تأثير الاجازة ان لاتكون مسبوقة بالرد.
٥. المتيقّن من مورد الاجازة هو العقد الصادر من العاقد الكامل بدون اذن المالك و بدون ورود الردّ من المالك على البيع.

الاسئلة:

١. ما هو أقوى الاراء بحسب الدليل، حول مسألة: من باع ثم ملك؟
٢. هل الاجازة في مسالة من باع ثم ملك، متممة للسبب، أو إمضاء للعقد؟
٣. كيف يتحقق الرد عن البيع؟
٤. ما هو الدليل على عدم تأثير الاجازة بعد الرّد؟
٥. هل يصح استناد العقد الى المجيز مع سبق الرّد؟

 

البحث الثامن و الاربعون


في الولاية على الاموال

إن التصرف في الاموال بحاجة الى الاهلية الشرعية، فمن لم يكن اهلاً لذلك، تصدّى التصرف من له الولاية هناك، و تفصيل البحث فيمايلي:
قال شيخ الطائفة رحمه‏الله : من يلي امر الصغير و المجنون خمسة: الاب و الجدّ و وصي الاب او الجدّ و الامام أو من يأمره الامام.(١)
و قال العلاّمة الحلّي رحمه‏الله : الولاية في مال المجنون والطفل للأب و الجد له و إن علا، و اذا فقد الاب و الجد و إن علا كانت الولاية لوصي احدهما اِن وجد، فان لم يوجد كانت الولاية للحاكم يتوليها بنفسه أو يولّيها أَميناً. فالولاية في مال السفيه للحاكم.(٢)
و قال الشهيد رحمه‏الله : و هم ـ اولياء التصرف ـ ستة، الاب ، و الجد له والوصي، والوكيل و الحاكم، و امينه.(٣)
و قال المحقّق السيد الطباطبايي رحمه‏الله : و لاخلاف في ثبوت الولاية لهؤلاء ـ الستة ـ بل الظاهر الاجماع عليه، و هو الحجة.(٤)

١. المبسوط: ٢ / ٢٠٠ .
٢. تذكرة الفقهاء: ٢ / ٨٠ .
٣. اللمعة الدمشقية: ٣ / ٢٤١ .
٤. رياض المسائل: ١ / ٥١٢ .

و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : لاخلاف ـ في الحكم ـ بل الاجماع بقسميه عليه، مضافاً الى النصوص(١) المستفيضة او المتواترة.(٢)

تفصيل الاستدلال حول الولاية:

قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله من الولاية أنه يجوز للأب و الجد أن يتصرّفا في مال الطفل بالبيع و الشراء، و يدلّ عليه ـ قبل الاجماع ـ الاخبار المستفيضة المصرّحة في موارد كثيرة.(٣) و فحوى سلطنتهما على بضع البنت في باب النكاح.(٤) و فحوى الاجماع ـ المنقول ـ على ولاية الفاسق في التزويج.(٥) و من البيّن أنّ متعلق الولاية للاب و الجد هو أولادهما الصغار.
ولاية الفقيه:
قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : و من جملة اولياء التصرّف في مال من لايستقل بالتصرّف في ماله الحاكم و المراد منه الفقيه الجامع لشرائط الفتوى ـ والمراد ممن لايستقل بالتصرف، هوالمحجور عليه لصغرٍ، أو سفه، أو فلس، على اساس ادلّة الحجر ـ .(٦)
و إنما المهم التعرّض لحكم ولاية الفقيه.
فنقول: كل معروف علم من الشارع ارادة وجوده في الخارج إن علم كونه وظيفة ـ شرعية ـ فلا اشكال في ذلك، و إن لم يعلم ذلك و احتمل كونه مشروطاً في وجوده أو وجوبه بنظر الفقيه وجب الرجوع فيه اليه.
اما الرجوع الى الفقيه في الامور المذكورة فيدلّ عليه مضافاً الى ما يستفاد من جعله حاكماً كما في مقبولة ابن حنظلة(٧) الظاهر في كونه كسائر الحكام المنصوبين في زمان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و الى قوله عليه‏السلام (٨)مجاري الامور بيد العلماء باللّه‏ الامناء على حلاله و حرامه؛ التوقيع المروي ـ في مصادر معتبرة ـ (٩)

١. الوسائل : ١٢ / ١٩٤ .
٢. الجواهر: ٢٢ / ٣٢٣ .
٣. الوسائل : ١٢ / ١٩٤ و ٢٦٩ .
٤. الوسائل: ١٤ / ٥٠ .
٥. المكاسب، قسم البيع: ص ١٥٢ .
٦. البحث بحاجة الى التحقيق في كتاب الحجر.
٧. الكافي: ١ / ١٠ .
٨. تحف العقول: ص ١٦٨ .
٩. إكمال الدين: ص ٤٨٤ ؛ الغيبة: ص ٢٩ ؛ الاحتجاج : ٢ / ٤٧ .

الوارد في جواب مسائل اسحاق بن يعقوب التي أشكلت عليه، فورد التوقيع بخطه ـ عليه آلاف‏الصلاة والسلام ـ في أجوبتها.
و فيها: «و اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم و انا حجة‏اللّه‏».
فان المراد بالحوادث ظاهراً مطلق الامور التي لابد من الرجوع فيها عرفاً و عقلا و شرعاً، الى الرئيس، مثل النظر في اموال القاصرين؛ لغيبة أو موت أو صغر أو سفه.
و أما تخصيصها بخصوص المسائل الشرعية، فبعيد من وجوه: منها التعليل بكونهم حجتي عليكم و انا حجة‏اللّه‏، فانه إنما يناسب الامور التي يكون المرجع فيها الرأي و النظر، و هذا منصب ولاة الامام عليه‏السلام .
و منها: أن الرجوع في المسائل الشرعية إلى العلماء من بديهيات الاسلام من السلف الى الخلف، مما لم يكن يخفى على مثل اسحاق بن يعقوب ، حتى يكتبه في عداد مسائل اشكلت عليه، بخلاف وجوب الرجوع في المصالح العامة الى رأي أحد و نظره ، فانه يحتمل أن يكون الامام عليه‏السلام قد أوكله في غيبته الى شخص او اشخاص من ثقاته في ذلك الزمان، والظاهر ان لفظ الحوادث ليس مختصاً بما اشتبه حكمه و لابالمنازعات.(١)
و قال المحقّق الخراساني رحمه‏الله تثبت ولاية الاب و الجد على اموال الاطفال، بدعوى الملازمة بين ولايته على النكاح و ولايته على الاموال، بل الاولوية و الانصاف أنه غير بعيد.(٢)
و اما بالنسبة الى ولاية الفقيه فباحث بالتفصيل، الى أن قال: و بالجملة: إنما يجب الرجوع فيما شك في تأثيره بدونه سواء كان الاثر مما يجب تحصيله بالتسبيب أو لا، للاصل ـ اصالة عدم التأثير ـ و في غيره لايجب لأصالة البراءة.(٣)

١. المكاسب، قسم البيع: ص ١٥٢، ١٥٣ و ١٥٤ .
٢. حاشية المكاسب: ص ٥١ و ٥٣ .
٣. تقريرات المكاسب: ٢ / ٣٣٠ ـ ٣٣٨ .

و قال المحقّق النائيني رحمه‏الله لا اشكال في ولاية الاب و الجد على الصبّي و المجنون، و يدل على ذلك الاخبار المستفيضة و الاجماع المحقّق، فلكل منهما التصرف بمايراه مصلحة من البيع و الشراء و كل تصرف، و لا يعتبر العدالة في ولايتهما كما عليه المشهور و ذلك ؛ لاطلاق أدلتها.(١)
و لااشكال في ثبوت الولاية للفقيه ـ هنا بعد الاب و الجد ـ في الجملة كما أنه لاريب في وقوعها ايضاً في الجملة، كما تدلّ عليه سيرة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعد بسط الاسلام، و سيرة امير المؤمنين عليه‏السلام في زمان خلافته من جعلها الولاة في البلاد.
و بالجملة فلا اشكال في ثبوت تشريع الولاية في الشرع، و جعل منصب الوالي ـ و استدل عليه الى ان قال: و بالجملة فرواية ابن حنظلة احسن ما يتمسك به لاثبات الولاية العامة للفقيه ـ قال (ع) فيها: إني جعلته عليكم حاكما ـ فان الحكومة باطلاقها تشمل عامة الامور و عليه فلا إشكال في أنّ له الولاية على كل ما علم ـ كالامور الحسبية ـ او كان مشكوكاً كالتصدي لاقامة الحدود و التعزيرات و امثالهما.(٢)
و قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : إن ثبوت الولاية للاب والجد في الجملة على الصغير من ضروري الفقه، و مورد الاجماع، والسيرة المستمرة القطعية، و يستفاد الحكم مما ورد في كتاب النكاح(٣). لصراحة الاخبار فيه في ثبوت ولايتهما على تزويج اولادهما الصغار، و كتاب المضاربة(٤) فان فيه ماورد فى ولايتهما في جعل المضاربة في مال الولد، و في كتاب الحجر قد ورد ما دل على حجر الطفل الصغير عن ماله دون الولي، الى غير ذلك من ابواب الفقه.
و يؤيد ذلك ما ورد في باب الزكاة ممّا دل على ثبوتها في مال اليتيم اذا اتّجر به الولي و ربح.(٥) اذ لو لم تكن له ولاية على ذلك لما جاز له التصرف في ماله بالتجارة.(٦)
اما ولاية الفقيه، فالمسلّم من الرواية ـ المقبولة ـ هو ثبوت الولاية له في المنازعات و المرافعات و منصب القضاء ، و ثبت له منصب التقليد و كونه مرجعاً للاحكام بالادلة الخارجية.

١. تقريرات المكاسب: ٢ / ٣٣٠ ـ ٣٣٨ .
٢. تقريرات المكاسب: ٢ / ٣٣٠ ـ ٣٣٨ .
٣. الوسائل: ٢ / ٢٧٥ .
٤. الوسائل: ١٩ / ٤٢٧ .
٥. الوسائل : ٩ / ٨٧ .
٦. مصباح الفقاهة: ٣ / ٢٤٧ ـ ٢٤٨ .

و اما بحسب الاصل فقد ثبت أنّ بعض الامور ـ كالحدود و التعزيرات ـ لايجوز لغير الفقيه ان يتصدّى لها الا باذنه؛ اذ لايجوز ـ الظلم ، و الحدود ظلم عظيم ـ لو لا تجويز الشارع.
و قال: أما الامور الحسبية، من التصرف في اموال القاصرين و المجانين و مجهول المالك و اموال الصغار، فنحكم بعدم جوازه بدون اذن الفقيه؛ لان المقدار المتيقن هو التصرف باذن الفقيه.(١) و هذا هو الصحيح و المفتى به.
قال الامام الخميني رحمه‏الله : للاب و الجد الولاية على الصغيرة و اذا فقد الاب و الجد و الوصي عنهما، تكون للحاكم ـ المجتهد العادل ـ ولاية في اموال الصغار.(٢)

١. مصباح الفقاهة: ٣ / ٢٩٨ و ٣٠٠ .
٢. الفقه: ٢ / ٢٣ .

 

الخلاصة:

١. التصرف في الاموال يحتاج الى اهلية التصرف الشرعية.
٢. إن اولياء التصرف في الاموال ستة ، الاب و الجد للاب، و الوصي لهما و الوكيل و الحاكم و امين الحاكم.
٣. الحكم متسالم عليه عند الاصحاب مضافاً الى النصوص المستفيضة.
٤. إن متعلق الولاية للاب و الجد هو أولادهما الصغار.
٥. إن ولاية الفقيه تتعلق بمن هو محجور عليه لصغر او سفه او فلس على اساس ادلة الحجر.

الاسئلة:

١. ما هو الترتيب بين الاولياء في التصرف؟
٢. ماهو المراد من الفقيه الذي له الولاية هناك؟
٣. ما هو اشهر دليل على اثبات ولاية الفقيه؟
٤. هل ثبت تشريع الولاية في سيرة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ؟
٥. ما هو القدر المتيقّن من نطاق الولاية للفقيه؟