المشهور عند الفقهاء هو اشتراط الترتيب بين الايجاب و القبول بلفظ قبلت.
و تفصيل البحث فيمايلي:
قال الشهيد الثاني رحمهالله : و موضع الخلاف ما لو كان القبول بلفظ ابتعت او
اشتريت او تملّكت منك كذا بكذا بحيث يشتمل على ما كان يشتمل عليه الايجاب.
الى ان قال: انما القبول على الحقيقة قبلت و هو ممّا لا يصحّ الابتداء به.(١)
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمهالله ان المنازعة هناك في غير قبلت التي لا نزاع
فيها.(٢) و عليه فيجب الترتيب اذا كان القبول بلفظ قبلت.
و قال الشيخ الانصاري رحمهالله : و التحقيق أنّ القبول اِمّا أن يكون بلفظ قبلت و
رضيت.
و اِمّا أن يكون بطريق الامر و الاستيجاب، نحو: «بعني» فيقول المخاطب: «بعتك».
و اِمّا أن يكون بلفظ اشتريت و ملكت ـ مخفّفاًـ وابتعت.
فان كان بلفظ قبلت، فالظاهر عدم جواز تقديمه، وفاقا ـ بين الفقهاء ـ .
و يدل عليه مضافاً الى ـ نفي الخلاف ـ و الى كونه خلاف المتعارف من العقد، أنّ
القبول الذي هو احد ركني عقد المعاوضة فرع الايجاب، فلا يعقل تقدمه عليه.
١. مسالك الافهام: ١ / ١٣٤ .
٢. الجواهر: ٢٢ / ٢٥٤ .
و ليس المراد من هذا القبول الذي هو ركن للعقد مجرد الرضا بالايجاب حتى يقال: إن
الرضا بشيء لايستلزم تحققه قبله، فقد يرضى الانسان بالامر المستقبل، بل المراد منه
الرضا بالايجاب على وجه يتضمن انشاء نقل ماله في الحال الى الموجب على وجه العوضية؛
لأنّ المشتري ناقل كالبائع.
و هذا لايتحقّق اِلاّ مع تأخّر الرضا عن الايجاب، اذ مع تقدمه لايتحقق النقل في
الحال.
فانّ من رضي بمعاوضة ينشئها الموجب في المستقبل لا ينقل في الحال ماله الى الموجب.
بخلاف من رضي بالمعاوضة التي انشأها الموجب سابقاً، فانه يرفع بهذا الرضا يده من
ماله و ينقله الى غيره على وجه العوضية.(١)
و قال: و ممّا ذكرنا يظهر الوجه في المنع عن تقديم القبول بلفظ الامر كما لو قال:
بعني هذا بدرهم، فقال: بعتك؛ لأنّ غاية الامر دلالة طلب المعاوضة، على الرضا بها،
لكن لم يتحقق بمجرد الرضا بالمعاوضة المستقبلة نقل في الحال للدرهم الى البائع.(٢)
١. المكاسب، قسم البيع: ص ٩٧ .
٢. المكاسب، قسم البيع: ص ٩٧ .
لو كان القبول بلفظ قبلت لم يجز تقديمه على الا يجاب؛ للاجماع؛ و لان العمومات
محمولة على العقود المتعارفة. و من الواضح أنّه لم يتعارف بين الناس تقديم القبول
بلفظ قبلت او رضيت على الايجاب.
اضف الى ذلك أن القبول ـ الذي هو احد ركني العقد ـ فرع الايجاب فلا يعقل تقدّمه
عليه، بديهة أنّ القبول ليس هو مجرد الرضا بالايجاب لكي يلتزم بامكان تعلّق الرضا
بالامر المتأخّر. بل المراد من القبول انما هو الرضا بالايجاب المتضمّن لنقل المال
من الموجب الى القابل نقلاً فعلياً. و من الواضح: أنّ هذا المعنى لايتحقق اِلاّ
بتأخّر الرضا عن الايجاب؛ إذ مع تقدّمه لايتحقّق النقل في الحال. ضرورة: أنّ الراضى
بمعاوضة ينشئها الموجب في المستقبل لم ينقل ماله في الحال الى
الموجب. و السرّ في ذلك اَنّ كلمة قبلت و ما يماثلها قد اخذ فيها مفهوم المطاوعة و
لايتحقق ذلك في الخارج اِلاّ بتقديم الايجاب عليها.
و اذا وقع القبول بالقسم الثاني ـ بصيغة الامر ـ لم يجز تقديمه على الايجاب ايضاً؛
لانه لايعدّ قبولاً للايجاب المتأخّر، و انما هو استدعاء و استيجاب، ولم يتحقق هناك
نقل المال ضمن الانشاء.
و اذا وقع القبول بالقسم الثالث ـ اعني ابتعت و اشتريت و ملكت ـ مخفّفاً- جاز
تقديمه على الايجاب؛ لانه عندئذٍ لم يؤخذ فيه عنوان المطاوعة لكي يستحيل تقديمه.
و قد يقال: إن المطاوعة هناك تنبثق من القرائن المقامية، و هي أنّ النقل يتحقق ـ
غالباً ـ من قبل البائع قبل تحققه من قبل المشتري، فالقرينة هي الغلبة في
التحقق.(١)
و من البيّن اَنّ هذه القرينة غير مانعة عن تقديم القبول على الايجاب، بداهة أنّ
المشتري قد أنشأ بالألفاظ المذكورة ملكية المثمن لنفسه بازاء الثمن، و لايفرق في
ذلك تقدّمها على الايجاب و تأخّرها عنه.(٢)
و التحقيق: أنه لامجال لهذا المقال؛ ذلك لأن المطاوعة بين الكلمتين تنطلق من منطلق
الوضع، فان كلمة: قبلت بحسب الوضع ذات صلة بتقدّم الايجاب، فلاتكون المطاوعة منبثقة
عن القرائن المقامية.
١. هناك مجال للتحقيق في البحوث التفصيلية.
٢. مصباح الفقاهة: ٢ / ٣١٤ .
١. اذا كان القبول بلفظ قبلت وجب الترتيب بلاخلاف.
٢. و قال الشيخ رحمهالله : لايصح تقديم القبول بلفظ الامر، لانه طلب المعاوضة.
٣. ليس المراد من القبول الذي هو ركن للعقد مجرد الرضا بالايجاب.
٤. المراد من القبول انما هو الرضا بالايجاب المتضمّن لنقل المال من الموجب الى
القابل نقلاً فعلياً.
٥. اذا وقع القبول بلفظ ابتعت و اشتريت و ملكت ـ مخفّفاًـ جاز تقديمه عليه، لعدم
المانع هنا.
١. ما هو الدليل على وجوب الترتيب اذا كان القبول بلفظ قبلت؟
٢. ما هو الدليل
علي عدم صحة تقديم القبول بصيغة الامر؟
٣. ماهو الدليل علي جواز تقديم القبول بلفظ اشتريت وما يماثلها؟
٤. ماهو مفهوم المطاوعة هنا؟
٥. ماهي القرينة علي تحقق المطاوعة؟
التحقيق: أن التبعية المتجسدة من المطاوعة هنا بالنسبة الي لفظ قبلت، لاتختص بهذا اللفظ، بل توجد تلك التبعية في كافة الالفاظ التي تقع إجابة للايجاب، فان هذه الالفاظ بر متها تثمر القبول تجاه الايجاب و تكون تابعة للايجاب.
كما قال المحقق الخراساني رحمه الله: و محصل ما ذكره الشيخ رحمه الله، وجهاً للتفصيل علي جواز تقديم مثل اشتريت و عدم جواز تقديم مثل قبلت، هو اشتمال هذا علي المطاوعة التي لابد لها من الفرعية و التابعية. فكيف يقدم. بخلاف ذاك ـ غير قبلت ـ فانه لامطاوعة فيه فيؤخر و يقدم.
قلت: لايخفي: أن العقد و إن كان ينعقد بفعل الاثنين و يتقوم بركنين الا أنه امر واحد لايكاد تحققه الا من تواطئهما علي امر وحداني يوقعه احدهما و يقبله الاخر، و يظهر الرضا به. فلابد في تحققه من ايجاب من احدهما، و انشاء الرضا بما اوجبه و قبوله بما بدل عليه مطابقة او التزاماً من الاخر.
فالتبعية التي لابد منها في القبول باي صيغة كانت، لو اقتضت التأخر فليكن القبول مطلقا مؤخراً، و إلا فلا مقتضي لوجوب تأخره اذا كان مثل لفظ قبلت.
و المطاوعة التي تكون مأخوذة في معناه ليست إلاّ تلك التبعية التي لابد منها في كل
قبول و هي مقتضية لوجوب تأخّره، اِلاّ انها لازم نفس المعنى في قبلت، و لازم كونه
في مقام القبول في مثل اشتريت. هذا لايوجب التفاوت بينهما في ذلك كما لايخفى.
ودعوى: أنّ المطاوعة بمعنى آخر تكون مأخوذة فيه، ممنوعة: مع أنّ مطاوعة القبول
مطاوعة ايقاعية انشائية تحصل بأيّ شيء كان، بمجرد قصد حصولها باستعمال اللفظ فيها،
كما هو الشأن في جميع المعاني الانشائية.
و التي لاتكاد تكون إلاّ متأخّرة هي المطاوعة الحقيقية، كالإنكسار حيث لايتحقق اِلا
عن كسرٍ، لا المطاوعة الانشائية.
بداهة صحة استعمال اللفظ في المعنى المطاوعي انشاءً كما يصح اخباراً؛ فانقدح بما
حققناه أنّه لامانع عقلاً عن تقديم مثل قبلت.
نعم يمكن أن يدّعى أن تقديمه غير متعارف، و لابد في تحقق العقد ان تكون الصيغة
بالنحو المتعارف.
و قال: ولااعتبار بما نقل من الإجماع في مثل المسألة حيث يطمئن بانّه لم يرد من
صاحب الشرع ما يدلّ بالخصوص على عدم جواز تقديم مثل قبلت و انما ذهب اليه من ذهب
لمثل ما افاده رحمهالله .(١)
و هذا هو الرأي الناشىء من الدقة التامّة و هو الذي وافقه المحقّق النائيني
رحمهالله مقدّمةً، و خالفه، نتيجة.
قال المحقّق النائيني رحمهالله : التحقيق عدم التفاوت بين القبول المنشأ بلفظ قبلت
او بلفظ اشتريت، في أنّ شيئاً منها لايجوز تقدّمه على الايجاب اِلاّ اَنّ ملاك
المنع عن تقديم القبول بلفظ قبلت هو مدلوله الصريح اعني المنشأ به صريحاً، و هو
مطاوعة الايجاب.
و في لفظ اشتريت هو مدلوله الضمني اعني تلك المطاوعة المنشأ به في ضمن انشاء
التمليك المدلول عليه بقوله اشتريت و إبتعت.
فتحصل: أنّ الأقوى عدم جواز تقدم القبول مطلقاً، بايّ لفظ كان، على الايجاب مطلقاً،
في جميع العقود، إلاّ العقود الاذنية حيث أن القبول فيها لما لم يكن مطاوعة
(پذيرفتن) فعل الايجاب، بل كان محض الرضا، بفعل الموجب.
فلا مانع ـ في العقود الاذنية ـ من تقديم القبول على الايجاب.(٢)
و التحقيق: أنّ المطاوعة في كلمة: قبلت تكون وضعية، و في غيرها تكون
استعمالية، فلا دليل على الالتزام بالمطاوعة الاستعمالية.
١. حاشية كتاب المكاسب: ص ١٥ ـ ١٦ .
٢. تقريرات المكاسب: ١ / ٢٨٩ .
أضف الى ذلك أنّ المتيقن من مورد المطاوعة هي تلك الكلمة ـ قبلت ـ و اما المطاوعة في كلمات أخرى فهي بحاجة الى الدليل، والذي استدل به عليها لا يتجاوز مستوى الاستحسان.(١)
قال الامام الخميني رحمهالله : و التحقيق جواز تقديمه عليه؛ لأنّ القبول و ان كان
مطاوعة و تنفيذاً لما أوقعه البائع، لكن يمكن انشاؤه مقدّماً على نحوين:
احدهما: بنحو الاشتراط، بان يقول: ان ملكتني هذا بهذا قبلت، نظير الواجب المشروط،
فيتحقق القبول و المنشأ بعد الايجاب، و يكون مطاوعة له حقيقة، و تحصل الملكية بعد
القبول الحقيقي ـ أي المنشأ ـ بلا فصل، لو فرض اشتراط حصولها بعده في الحال، و هو
صحيح على القواعد.
و ثانيهما: بنحو الواجب التعليقي، فكما يمكن الامر بأمر متأخّر من غير اشتراط، يمكن
ايقاع الايجاب او القبول كذلك، فللقابل ان يقبل الايجاب في موطن تحققه فانشاؤه حالي
و المنشأ استقبالي.
و ما أفاده الشيخ الانصاري رحمهالله من اَنّ تقدم القبول مستلزم لعدم تحقق النقل
في الحال و هو معتبر في المعاملة، غير مرضيّ؛ لعدم الدليل عليه، و انما يعتبر
العقلاء حصول الاثر في المعاملات المتعارفة بعد القبول؛ لكونه جزءا متمّماً لموضوع
إعتبارهم، فان اعتبار حصول النقل مقدّم بالايجاب و القبول فمع احدهما فقط لايتحقق
موضوع الاعتبار.(٢)
١. البحث بحاجة الى التحقيق في المصادر الاصلية.
٢. كتاب البيع: ١ / ٣٣٧ ـ ٣٣٨ .
والتحقيق أنّ المقصود من عدم جواز تقديم القبول بلفظ قبلت على الايجاب، هو تقديم
تلك الكلمة نفسها، و أمّا تقديمها منضمّاً بان يقال: إن ملّكتنى هذا بهذا قبلت، فهو
خارج عن نطاق البحث و عن مدى ما هو المتعارف بين الناس.
أضف الى ذلك ان ذاك الانشاء المشروط الذي أفاده مولانا الإمام الراحل رحمهالله
تركيب مطاوعي بكل وضوح، فتحققت المطاوعة هنا بين كلمة ملّكتنى و كلمة قبلت مشروطة،
و أمّا صحة العقد بعد تحقق الايجاب مؤخراً فهي تكون على اساس رأيه الشريف. و هكذا
الكلام بالنسبة اِلى الانشاء التعليقي من الباب اِلى المحراب.
١. النقد على تقديم القبول بلفظ قبلت، فيقال إن التقديم هنا ينطلق عن التبعية، و
الالتزام به لايخلو من الاشكال.
٢. قال المحقّق الخراساني رحمهالله : لو كان ملاك التقدم هو التبعية فليكن القبول
مطلقاً مؤخراً فلا خصوصية لمثل قبلت.
٣. قال المحقّق النائيني رحمهالله : التحقيق عدم التفاوت بين الانشاء بلفظ قبلت و
بلفظ اشتريت، وقال الاقوى عدم جواز التقديم مطلقا.
٤. قال الامامالخميني رحمهالله : التحقيق جواز تقديمه عليه، ولو كان بنحو
الاشتراط.
٥. قال المحقّق النائيني رحمهالله : يختلف الحكم بالنسبة الى العقود العهدية و
العقود الاذنية، تقديما و تأخيراً.
١. ما هو معنى التبعية في الفاظ العقد؟
٢. ما هو الفرق بين المطاوعة الحقيقية والانشائية؟
٣. ما هو المتعارف في التقديم و التأخير هنا؟
٤. ما هو معنى تقديم القبول بنحو الاشتراط؟
٥. ما هو معنى تقديم القبول بنحو التعليق؟
قد يتحدّث عن تحقق المطاوعة في مفهوم العقد و عدم تحققها فيه بحسب الدقة و
التحليل، بالنسبة الى صياغة العقد، و العلاقة القائمة بين الانشائين.
و التفصيل فيمايلي:
قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : العقود العهدية، لاتوجد في الخارج إلاّ بانشاء
المعاهدة و المعاقدة من الجانبين، و لكن لادليل على كون احد الإنشائين معنوناً
بعنوان الايجاب، و كون الاخر معنوناً بعنوان القبول بمعناه المطاوعي ـ لكى ـ يستحيل
تقدم الثاني على الاول.
و اذن فلا محذور من تركّب عقد خاص من انشائين يتضمّن أحدهما تمليك احدالمالين بعوض،
و يتضمّن ثانيهما تملكه به، سواء كان ذلك بلفظ التملك و ما يرادفه ام كان بلفظ
القبول مع قيام قرينة على انشاء التملك به و عليه فلم يبق وجه لاعتبار القبول ـ
بمعناه المطاوعي ـ في مفهوم العقد لكي يمنع من تقدّمه على الايجاب.
و لو سلّمنا احتياج العقد الى القبول، و سلّمنا ايضاً اخذ المطاوعة في مفهوم
القبول،لكنا لانسلّم استحالة تقدّم القبول على الايجاب.
ضرورة أنّ القبول تارة يتعلق بالمعنى المصدري ـ اعني به انشاء البائع ـ ؛ و اخرى
يتعلق بالاسم المصدري ـ أعني به نفس المبادلة بين المالين، مع قطع النظر عن الاضافة
الى البائع ـ .
و على الاول، فلايعقل فيه تعلق القبول به قبل تحقق الايجاب في الخارج، كما يستحيل
تحقق الانكسار قبل تحقق الكسر.
و على الثاني، فلا محذور فيه من تحقق المطاوعة قبل تحقق الايجاب، و ذلك لانّ مفهوم
المطاوعة هو الاخذ، ومن البيّن أنّ المشتري اذا انشأ تملك مال غيره بازاء مال نفسه
بقوله: قبلت مالك بمالي، صدق على انشائه هذا، أنّه اخذ المبدأ ـ كالبيع ـ لنفسه.
و قد ظهر لك ممّا بيّناه بطلان ما ذكره الشيخ الانصاري رحمهالله ، من أنّ القبول
فرع الايجاب و تابع له فيستحيل تقدّم التابع على المتبوع.(١)
ـ و ظهر ـ أنّه لاوجه لمنعه ـ الشيخ ـ عن تقديم القبول الذي وقع بلفظ الامر على
الايجاب؛ لانا ذكرنا مراراً أنّ حقيقة العقد هي الاعتبار النفساني المبرز بمظهر
خارجي من غير ان تعتبر في ذلك أية خصوصية من الخصوصيات.
و دعوى أنّ انشاء القبول بلفظ الامر مخالف لاعتبار الماضوية في العقود دعوى فاسدة؛
لعدم الدليل على اعتبار الماضوية.
و نتيجة ما حققناه هي جواز تقدم القبول على الايجاب، من غير فارق بين الفاظ القبول،
و لابين افراد العقود.
نعم يحسن بنا تقديم الايجاب على القبول، خصوصا في النكاح.(٢)
توجد هناك عدّة روايات تدلّنا على جواز تقديم القبول على الايجاب، و هي روايات
كثيرة واردة في مختلف الابواب.
منها رواية عبدالرحمن بن سليمان عن الإمام الصادق عليهالسلام ، الواردة في بيع
المصحف، قال: سمعته يقول: إنّ المصاحف لن تشترى، فاذا اشتريت فقل انما اشترى منك
الورق، و ما فيه من الادم و حليته و ما فيه من عمل يدك، بكذا و كذا.(٣) قدّم القبول
ـ انما اشترى ـ عند تعليم العقد.
١. هناك مجال للتحقيق حول كلام الشيخ الانصاري رحمهالله .
٢. مصباح الفقاهة: ٢ / ٣١٥ .
٣. الوسائل: ١٧ / ١٥٨ .
و منها رواية سماعة عن الامامالصادق عليهالسلام قال: سألته عن بيع الثمرة، هل
يصح شراؤها قبل ان يخرج طلعها، فقال: لا، اِلاّ أن يشتري معها شيئاً غيرها رطبة او
بقلاً، فيقول: اشتري منك هذه الرطبة و هذا النخل و هذه الشجرة بكذا و كذا.(١)
اِنّ الذي ظهر لنا من هذه الرواية، هو تقدم القبول ـ اشتري منك ـ بلفظ المضارع و هو
المطلوب.
و التحقيق: أن تقديم القبول على الايجاب اذا لم يكن بلفظ قبلت ممّا لابأس به و قد
دلّت الروايات على ذلك التقديم.
و امّا اذا كان القبول بلفظ قبلت، وجب علينا ان نلتزم بالترتيب؛ ذلك لان القبول
بهذه الصيغة، فرع الايجاب، بلااشكال، فيكون ذلك القبول تلقياً، تجاه الالقاء،
فالتبعية هناك متجسّدة من المطاوعة الواضحة، اضف الى ذلك أنّ هذا المنهج، هو
المتعارف بين الناس، فيجب علينا أن ناخذ بما هو المتعارف، ذلكلانصراف العمومات الى
ما هو المتعارف، و ما هو الخارج عن متفاهم العرف يصبح من الشبهات المصداقية التي
لايمكننا التمسك بالعمومات فيها.
واِستبان لنا من التتبع في اقوال الفقهاء أنّ الترتيب هنا ـ تأخير القبول بلفظ
قبلت عن الايجاب ـ ممّا تسالم عليه الفقهاء فالامر متسالم عليه عندهم.
كما قال الشيخ الانصاري؛ ـ حكاية عن الفقهاء ـ لاخلاف في عدم جواز تقديم لفظ
قبلت.(٢)
إنّ هذا التسالم و ان لم يكن من الاجماع التعبّدي بمعنى الكلمة، اِلاّ أنه يرشدنا
الى فهم الاصحاب التبعية و الفرعية هنا، و عليه يمكننا أن نقول: أنّ الترتيب القائم
بين الايجاب و القبول بلفظه الخاص، مطابق لفهم العرف و فهم الاصحاب، و نعم الوفاق.
و بالتالي نصل الى النتيجة: أن الترتيب ـ تأخر القبول عن الايجاب ـ في شتّى العقود
و مختلف الالفاظ، هو الاولى و الاصح، إلاّ أن تاخير القبول بلفظ قبلت هو المتعيّن،
و هو الاوفق بالقواعد، والحكم مفتى به. كما قال الامام الخميني رحمهالله في
الفتوى: لايجوز تقديم القبول، بمثل قبلت و رضيت.(٣)
١. الوسائل: ١٨ / ٢١٩ .
٢. المكاسب، قسم البيع: ص ٩٦ .
٣. تحرير الوسيلة: ٢ / ١٤ .
١. العقود العهدية تتحقّق بانشاء المعاهدة من الجانبين، و هذا هو
مفهوم العقد، و لادليل للترتيب هنا، فلادخل له في مفهوم العقد .
٢. قال السيد الخوئي: بما أن حقيقة العقد هو الاعتبار النفساني المبرز بمبرز خارجي،
لافرق في المبرز بين الماضي و المضارع و الامر، و المترتب و غير المترتب، لعدم
الدليل.
٣. توجد عدّة روايات تدلنا على جواز تقديم القبول على الايجاب.
٤. و التحقيق أن القبول بلفظ قبلت فرع الايجاب و تابع له، فيجب علينا أن نلتزم
بالترتيب.
٥. العمومات تنصرف الى ما هو المتعارف و هذا ـ تأخير القبول بلفظ قبلت ـ هو
المتعارف، و متسالم عليه عند الاصحاب.
١. ما هو الدليل على عدم كون الترتيب داخلا في مفهوم العقد؟
٢. هل يمكن تقدّم القبول على الايجاب على القول بالمطاوعة؟
٣. هل تدلّنا الروايات على جواز تقديم القبول بلفظ قبلت؟
٤. ما هو المتعارف عند العقلاء في صياغة العقد؟
٥. هل يؤثر التسالم هنا اثراً ايجابيّا؟
التحقيق: عدم صحة الانشاء بصيغة الامر ايجاباً و قبولا، ذلك؛ لكونه علي خلاف المتعارف، وقد مر بنا أن ادلة الصحة تشمل العقود المتعارفة بين الناس فحسب.
اضف الي ذلك أن البيع عند الفقهاء لا يصدق علي ذلك الانشاء. كما قال شيخ الطائفة رحمه الله: اذا تقدم القبول ـ بلفظ الامر ـ فقال: بعتك، صح عند قوم، والاقوي عندي أنه لايصح حتي يقول المشتري بعد ذلك: اشتريت.
فاذا ثبت هذا ـ الايجاب بصيغة الامر ـ فكل ما يجري بين الناس علي هذا الاسلوب ـ انما هو استباحات و تراض بين المتعاملين ـ دون أن يكون ذلك بيعاً منعقداً، (١) ذلك لعدم تحقق الايجاب الجازم بواسطة الامر.
و قال العلامة الحلي رحمه الله: ولو تقدم القبول بلفظ الطلب بان قال: بعني: فقال البائع: بعتك، لم ينعقد، لانه ليس صريحاً في الانشاء. (٢)
و قال الشيخ الانصاري رحمه الله: ـ بعد نقل الاقوال ـ الاقوي المنع، عن تقديم الايجاب بصيغة الامر في خصوص البيع. (٣)
والحكم مفتي به عند الفقهاء المعاصرين.
كما قال سيدنا الاستاذ رحمه الله في الفتوي: اذا قال: بعني فرسك بهذا الدينار، فقال المخاطب، بعتك فرسي بهذا الدينار، ففي صحته و ترتب الاثر عليه بلا أن ينضم اليه انشاء القبول من الآمر اشكال. (٤)
و بالتالي: فالصحيح والاوفق بالقواعد هو عدم صحة الانشاء بصيغة الامر ايجاباً كان، او قبولاً.
قال الشهيدان: الايجاب و القبول، كبعت من البائع، و اشتريت من المشتري و شريت منهما، لانّه مشترك بينهما، و ملّكت ـ بالتشديد ـ من البائع، و بالتخفيف و تملّكت من المشتري.(١) و هذا هو المشهور عند الفقهاء و هو المتعارف عند المتشرعة و بما انه لاانحصار و لاتوقيفية هنا فيصح الانشاء بكل لفظ كان صالحاً للانشاء بلا اشكال.
اذا تحقق الانشاء بألفاظ مشتركة بين الايجاب و القبول فوقع الاختلاف في تعيين
الموجب و القابل، ينتهي الامر الى التحالف كما قال الشيخ الانصاري رحمهالله : اما
ـ النزاع ـ من جهة اختلافهما في المتقدم، فلا يبعد الحكم بالتحالف.(٢)
ذلك لعدم الترجيح لاحد الطرفين، فيصبح المورد من صغريات التداعي، فيتعيّن التحالف.
كما قال المحقّق النائيني رحمهالله : إن وقع الايجاب و القبول بلفظ الشراء فان كان
احدهما مقدّماً على الاخر، فالمتقدم في الانشاء هو البائع و المتأخر هو المشتري.
و ان تقارنا، و ادّعى كل واحد منهما انه البائع يقع التحالف بينهما، و يحكم بسقوط
الاثر المترتب على خصوص كل واحد من البيع و الشراء.(٣)
١. اللمعة الدمشقية: ٣ /
٢٢٥ .
٢. المكاسب، قسم البيع: ص ٩٥ .
٣. البحث بحاجة الى التحقيق في آثار البيع و الشراء.
و لو تداعيا بالنسبة الى ـ الخيار المختص ـ بالمشتري يتحالفان، و يكون المرجع اصالة بقاء العقد، و عدم ثبوت الخيار، لعدم تمييز المشتري.(١)
قال العلاّمة الحلّي رحمهالله : لا يكفي الاشارة الامع العجز؛ للاصل.(٢) وقال
المحقّق الحلّي رحمهالله : و يقوم مقام اللفظ، الاشارة مع العذر.(٣) و قال
الشهيدان: و يكفي الاشارة الدالة على الرضا على الوجه المعين مع العجز عن النطق
لخرس و غيره.(٤)
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمهالله : اِن الظاهر القطع بعدم وجوب تحريك اللسان
هنا، و ان قيل به في القراءة؛ ضرورة وضوح الفرق بين المقامين بالتعبد باللفظ.
و قال و لايختص الحكم بالاخرس بل يكون لكل عاجز عن النطق: ضرورة عدم الفرق بين
الجميع.(٥)
و قال الشيخ الانصاري رحمهالله : اما مع العجز عن النطق كالاخرس فمع عدم القدرة
على التوكيل لااشكال و لاخلاف في عدم اعتبار اللفظ و قيام الاشارة مقامه، و كذا مع
القدرة على التوكيل بالفحوى ماورد(٦) من عدم اعتبار اللفظ في طلاق الاخرس.(٧)
قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : اِن البيع عبارة عن الاعتبار النفساني المبرز بمبرز خارجي، و عليه فابراز الاعتبار النفساني بالاشارة المفهمة للمراد مصداق لمفهوم البيع بالحمل الشائع، فيكون مشمولا للعمومات.
١. تقريرات المكاسب: ١ / ٢٨١ ـ ٢٨٢ .
٢. تذكرة الفقهاء: ١ / ٤٦٢ .
٣. شرائع الاسلام: ٢ / ١٣ .
٤. اللمعة الدمشقية: ٣ / ٢٢٥ .
٥. الجواهر: ٢٢ / ٢٥١ .
٦. الوسائل: ٢٢ / ٤٨، ح ٥٠ .
٧. المكاسب: ص ٩٣ .
و عندئذٍ لايلزم على الاخرس ان يستحضر الصيغة اللفظية في ذهنه لكي تكون اشارته
اليها اولاً، و الى مدلولها ثانياً، حتى يكون ابراز ما في النفس بتلك الصيغة
الحاضرة في الذهن، كما لايلزم عليه ان يحرك لسانه على النهج الذي يحركه عند التكلم
بالصيغة.
ثم اِنّه اذا قلنا بجواز مباشرة الاخرس للعقود و الايقاعات، و لم يدلنا دليل على
اعتبار اللفظ في ذلك، لكي نحكم بوجوب التوكيل عليه، فهل له ان يتصدى لذلك مخيراً في
ابراز ما في نفسه من الاعتبار بين الاشارة و بين الكتابة ام يجب عليه تقديم الاول
على الثاني؟
ذكر بعضهم أنّ الاشارة تتقدّم على غيرها لكونها اصرح.(١) و ذهب آخر الى أنّ الكتابة
تتقدم على غيرها، لكونها اضبط.(٢) و لكن اشباه هذه الوجوه امور استحسانية، فلا يمكن
الاعتماد عليها في استنباط الحكم الشرعي؛ لو سلمنا اصرحية الاشارة او أضبطية
الكتابة، إلاّ انه لادليل على تقديم احدهما على الاخر.
و يضاف الى ذلك أنه لو كانت اضبطية الكتابة موجبة لتقديمها على الإشارة، لكانت
موجبة لتقديمها على اللفظ ايضاً، و لم يلتزم الفقهاء بذلك.
و اذن فمقتضى القاعدة هو الاكتفاء في الانشاء بكل ما يصلح لإبراز ما في النفس من
الاعتبار، و ان كان بعض المبرزات اصرح من بعضها الاخر، او اضبط الا اذا ورد دليل
خاص على تقديم بعضها على بعض، كما يظهر ذلك، من بعض الروايات الواردة في طلاق
الاخرس.(٣) فان الظاهر من ذلك أن الكتابة تتقدّم على الاشارة.(٤)
و قال الامام الخميني رحمهالله : اِن في تقدّم اشارة الاخرس على كتابته او العكس
كلاماً، ربما يستشعر تقدّم الكتابة من صحيحة البزنطي.(٥)
و هذه هي نهاية التحقيق في مجال العقد بالاشارة.
١. شرح القواعد: للشيخ الكبير كاشف الغطاء: ص ٤٩ .
٢. السرائر: ٢ / ٦٧٨ .
٣. الوسائل: ٢٢ / ٤٧ .
٤. مصباح الفقاهة: ٢ / ٢٧٧ ـ ٢٧٩ .
٥. كتاب البيع: ١ / ٣١٠ .
١. التحقيق عدم صحة الانشاء بصيغة الامر لكونه على خلاف المتعارف، و
الحكم مفتى به عند الفقهاء المعاصرين.
٢. الفاظ العقد معينة و مسطورة على ما هو المشهور، و بما أنه لم يكن هناك توقيف من
الشرع، يصحّ العقد بكلّ ما يصلح للانشاء.
٣. اذا تحقق الاختلاف في تعيين الموجب و القابل، ينتهي الامر الى التحالف.
٤. تكفي الاشارة في العقد مع العجز لخرس و غيره.
٥. لادليل على تقديم الكتابة على الاشارة و لاعلى العكس.
١. ما هو الدليل على عدم جواز الانشاء بصيغة الامر؟
٢. هل الالفاظ في العقد معينة محدّدة؟
٣. ما هو الحكم اِذا اختلف المتبايِعان في الموجب و القابل؟
٤. هل يشترط في كفاية الاشارة العجز عن التوكيل؟
٥. هل تكون الإشارة اصرح من الكتابة؟