البحث الحادي و العشرون


في اقسام البيع


اقسام البيع باعتبار الاسباب:

ان البيع ـ باعتبار الاسباب ـ على قسمين:
١. البيع العقدي: و من المعلوم، أنّ السبب في هذا القسم هو القول، الصيغة.
٢. البيع المعاطاتي: و من المعلوم، أنّ السبب في هذا القسم هو الفعل التعاطي.
القسم الاول:
بما أنّ للعقد صياغة مشروعة، و شروطا مسموحة، فلابد من تحقق الصياغة و توفر الشروط.
و لاشك في أن تأثير السبب وثيق الصلة، بتكوّنه بتمامه و كماله، و عليه فاذا شككنا في تحقق السبب، يحكم بفساد العقد، على اساس اصالة الفساد، التي هي من القواعد الفقهية(١) في هذا المجال.
قال الامام الخميني رحمه‏الله : إنّ حول العقد يهمّنا البحث عن شروط الصيغة؛ لاحتمال اعتبار الشارع في خصوص صيغة البيع شروطاً للصحة، او اللزوم و مع فقدها يقع البيع فاسداً؛ لانّ ما وقع هي الصيغة الفاقدة لشرط التأثير.

١. القواعد الفقهيه : ص ٤٦ .

و هي غير صحيحة، و لامؤثرة، و لم يقع سبب آخر كفعل؛ من اعطاء و اخذ او اشارة، او نحوهما، و مع فقد السبب الفعلي مطلقا، و السبب القولي الصحيح لاوجه لوقوع البيع؛ لامعاطاة، و لابالصيغة.
و لادليل على أنّه لو لم يراع شروط صحة الصيغة يقع البيع معاطاة، بل الدليل على خلافه، سيّما مع القول بلزوم المعاطاة كما هو التحقيق.

صياغة العقد:

اِنّ لصيغة العقد هنا ـ باعتبار الهئية و المادة ـ مصاديق شتّى و عليه تحتاج الى البحث و التحقيق.
قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : الكلام في الخصوصيات المعتبرة في اللفظ (الصيغة) تارة: يقع في مواد الألفاظ من حيث افادة المعنى بالصراحة و الظهور، و الحقيقة و المجاز و الكناية، و من حيث اللغة المستعملة في معنى المعاملة.
و أخرى: في هيئة كلّ من الايجاب و القبول، من حيث اعتبار كونه بالجملة الفعلية، و كونه بالماضي.
و ثالثة: في هيئة تركيب الايجاب و القبول من حيث الترتيب و الموالاة.(١)
و قال الإمام الخميني رحمه‏الله باسلوب اوضح: اِنّ الايجاب و القبول لمّا اشتمل على مادة المفردات و هيئتها، و هيئة الجملة التركيبة يقع الكلام:
تارة: في مواد الألفاظ.
و أخرى: في هيئة المفردات.
و ثالثة: في هيئة تركيب الايجاب و القبول.(٢)

البحث في محاولة المواد:

قال العلامة الحلّي رحمه‏الله : يشترط ـ في الصيغة ـ التصريح، فلا يقع بالكناية مع النية ـ نية البيع ـ مثل أدخلته في ملكك، أو جعلته لك، او خذه منّي بكذا، او سلطتك عليه بكذا؛ عملاً باصالة بقاء الملك؛ و لان المخاطب لايدرى بم خوطب.(٣) و هذا هو المشهور عند الفقهاء.

١. المكاسب، قسم البيع: ص ٩٣ .
٢. كتاب البيع: ١ / ٣١٣ .
٣. تذكرة الفقهاء: ١ / ٤٦٢ .

كما قال الشيخ الأنصاري رحمه‏الله : المشهور عدم وقوع العقد بالكنايات، و ربما يعدّ هذا من اشتراط الحقيقة في الصيغة.
فقال: و الذي يظهر من النصوص المتفرقة في ابواب العقود اللازمة و الفتاوى المتعرضة لصيغتها في البيع بقول مطلق، و في بعض انواعه و في غير البيع من العقود اللازمة، هو الإكتفاء بكل لفظ له ظهور عرفي معتدّ به في المعنى المقصود، فلا فرق بين قوله بعت و ملَّكْتُ و بين قوله نقلت الى ملكك و جعلته ملكاً لك بكذا. و هذا هو الذي قوّاه جماعة من متأخري المتأخرين.(١)
و قال المحقّق الخراساني رحمه‏الله : مقتضى الاطلاقات في باب البيع وقوعه بالكنايات، و انحاء المجازات، بلا فرق اصلاً بين أن تكون القرينة على التجوز لفظاً، او غيره؛ لإستناد انشاء التمليك إلى اللفظ.(٢)
و قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : يعتبر في الفاظ العقود أن تكون آلة لايجاد المعاني المنشآة بها عرفاً، بحيث يعدّ في العرف آلة لإنشائها، سواء كانت لفظاً صريحاً في ذلك كبعت في البيع، او لم يكن صريحاً.
و أن ماعدى ذلك لايصحّ الانشاء به سواء كان كنائيَّا أو مجازياً او مشتركاً(٣) و بالتالي لم يثبت لنا اشتراط الصراحة في لفظ العقد، ذلك لعدم الدليل عليه.(٤)
أما اشتراط العربية في العقد، فهو ايضاً من البحوث التي تتعلّق بمادة العقد.
قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : اما اعتبار العربية للقادر عليها و لو بالتعلم بلامشقة، و لافوت غرض، فهو مقتضى الأصل؛ ضرورة عدم الدليل على الإكتفاء بغيرها، بعد انصراف الآية و غيرها الى العقد بالألفاظ العربية... و لم يرد منهم عليهم السلام شيء منها بالفارسية.(٥)
و قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله حكاية عن جمع من الفقهاء رحمه‏الله : اعتبار العربية في العقد؛ للتأسّي.

١. المكاسب، قسم البيع: ص ٩٣ ـ ٩٤ .
٢. حاشية على كتاب المكاسب: ص ١٥ .
٣. تقريرات مكاسب: ١ / ٢٨١ .
٤. البحث بحاجة الى التحقيق في المنابع الاصلية.
٥. الجواهر: ٢٢ / ٢٥٠ .

و قال: و فيه ما لايخفى؛ فالاقوى صحته بغير العربي.(١)ذلك لعدم الدليل عليها.
قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : قيل باعتبار العربية؛ للتأسّى، لكون العقود الصادرة عنهم عليهم السلام عربياً.
و لايخفى ما فيه؛ اذ الصادر عنهم عليهم‏السلام ، انما كان عربياً لمكان كونهم متكلّمين باللسان العربي، و اذ ليس في البين ما يدل على اعتبار العربية من آية أو رواية، مع عموم الابتلاء بالعقود بحيث يقطع بانه لو كانت العربية معتبرة فيها، لقام على اعتبارها دليل كما دلّ الدليل على اعتبارها في الصلاة.
فمن نفس عموم البلوى بها، مع عدم الدليل على اعتبار العربية فيها يستكشف عدم اعتبارها من غير فرق بين ما كان قادراً على العربية، او لم يكن قادراً عليها.(٢)
و بالتالي تبين لنا بكلّ وضوح أنه لايشترط العربية في العقد؛ ذلك لعدم الدليل عليه.

١. المكاسب، قسم البيع: ص ٩٥ .
٢. تقريرات: ١ / ٢٨٢ .

الخلاصة:

١. البيع باعتبار الاسباب ينقسم الى قسمين: الف: البيع العقدي؛ ب: البيع المعاطاتي.
٢. البحث في محاولة العقد يحتاج الى التحقيق في مادة الصيغة و هيئتها.
٣. قال العلامة الحلّي رحمه‏الله : يشترط في الصيغة التصريح، فلايقع العقد بالكناية.
٤. قال المحقّق الخراساني رحمه‏الله : مقتضى الاطلاقات في باب البيع وقوعه بالكنايات و انواع المجازات.
٥. قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : الاقوى صحة العقد بغير العربي.

الاسئلة:

١. هل العقد اللفظي الناقص يجعل البيع معاطاةً؟
٢. هل يكفي في صحة العقد الظهور اللفظي؟
٣. ما هو المعيار في الفاظ العقود على رأي المحقّق النائيني؟
٤. ما هو الدليل على اشتراط العربية في العقد؟
٥. ما هو الدليل على عدم اشتراط العربية في العقد؟


البحث الثاني و العشرون


فيما له صلة بمادة الصيغة


نهاية التحقيق حول مادة الصيغة:

اِنَّ اِشتراط العقد بكل شرط يحتاج الى دليل يثبته، فاذا لم يكن هناك دليلٌ فمقتضى القواعد والاصول عدم الاشتراط.
و تفصيل البحث فيمايلي:
قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : لابد من ملاحظة دليل المسألة، فان كان هناك ما يدل على اعتبار لفظ خاص في الانشاء اخذ به، و إلاّ فمقتضى القاعدة هو انعقاد جميع العقود و الايقاعات بكلّ ما يصلح للانشاء و ابراز الاعتبار النفساني، سواء فيه الفعل و القول، و سواء في القول الحقيقة و المجاز و الصريح و غيره، و سواء في المجاز كون القرينة لفظية و غير لفظية.
و الوجه في ذلك كلّه أنّه لم يرد دليل على اعتبار مظهر خاص و مبرز معين في انشاء العقود و الايقاعات، اِلا الاجماع على اعتبار اللفظ في صحة العقود او لزومها.
و القدر المتيقّن من الاجماع ـ على تقدير قبوله ـ اِنّماهو مطلق اللفظ و امّا اللفظ الخاص فلا اجماع على اعتباره جزماً.
و قال: فاعلم اَنه اِن كانت الالفاظ الكنائية او المجازية ظاهرة في افادة المطلوب ظهوراً عرفياً، فلاشبهة في صحة الانشاء بهما.
و ان لم‏تكن لتلك الالفاظ ظهور عرفي في افادة المقصود، و ابراز الاعتبار النفساني فلا يصح بها الانشاء اصلا.
و من هنا تجلّى لك اَنه لاوجه للفرق بين المجاز القريب و المجاز البعيد كما انه لاوجه لما افاده الشيخ الانصاري رحمه‏الله من الالتزام بصحة الانشاء بالالفاظ المجازية اذا كانت محفوفة بالقرينة اللفظية، و بعدم الصحة اذا كانت محفوفة بالقرينة غير اللفظية.(١) و تمّ المطلوب.
و قال الامام الخميني رحمه‏الله : التحقيق صحة ايقاع البيع بالكنايات و المجازات القريبة و البعيدة، و بالالفاظ المشتركة بعد الدلالة العقلائية، و أنّ آلات الايقاع لادخالة لها في صحته و صحّة سائر المعاملات.
فوجوب الوفاء تعلّق بالعقد الذي بين المتعاملين، و هو من مقولة المعنى. و الالفاظ غير دخيلة فيها اِلاّ دخالة الايجاد، و اِلاّ فالموضوع للحكم نفس المسبّبات بحسب الأدلّة الشرعية و حكم العرف و العقلاء.
سيّما مع ملاحظة مناسبة الاحكام و الموضوعات؛ من أنّ العقد بما هو التزام محترم يجب الوفاء به، لا بما اَنّ اللفظ الموجد له كذا و كذا.
فعلى ذلك يقع البحث عن الفاظ الايجاب و القبول، و أنّ أيّهما مختصّ و أيّهما مشترك زائداً.
و قال: احتمال العربية ساقط ضرورة، أنّ العقود المتعارفة في كلّ ملّة هي ما اُنشئت بلسانهم و ان كان احتمال ـ العربية و الانصراف اليها ـ مدفوعاً بالاطلاقات و العمومات.(٢)
فتبيّن لنا: بكل وضوح أنّ الخصائص التي يحتمل تعلقها بمادة الصيغة لامبررلها من الاساس، اِلاّ اَن الصيغة التي تكون واجدة لتلك الخصائص تصبح ابرز المصاديق و أتمّها.(٣)
كما قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : لاخلاف و لااشكال في انعقاده ـ البيع ـ باللفظ العربي الصحيح الصريح الماضي المنجز، المشتمل على الايجاب من البائع و القبول المتأخّر المتصل المطابق معنى من المشتري بل الاجماع بقسميه عليه، و نصوص الكتاب و السنة شاملة له.(٤) و هذا هو أتم المصاديق و لم يكن تمام المصداق.

١. مصباح الفقاهة: ٢ / ٢٨١ ـ ٢٨٣ .
٢. كتاب البيع: ١ / ٣٢٣ ـ ٣٢٤ .
٣. هناك مجال للتحقيق في خصائص العقد.

التحريف و اللحن في اللغة:

إنّ البحث عن إعتبار عدم اللحن وعدم التحريف في الفاظ العقد ـ على ما هو المصطلح عند الفقهاء ـ بحسب الحقيقة هو البحث عن قراءة الالفاظ صحيحة وخاطئة و هاهو البحث التجويدي؛ ذلك لأن التجويد ينفي اللحن و التحريف، و عليه فيجدر بنا أن نبدّل عنوان البحث من: إعتبار عدم اللحن و التحريف، باشتراط التجويد في قراءة الفاظ العقد.
وصفوة الكلام في هذا الحقل هو أنّ صحة القراءة تجب في الصلاة فحسب على اساس ادلّتها الخاصة و أما في الفاظ العقد فلا أرضية للتجويد جزماً؛ ذلك لان دور الالفاظ في العقود المعاملية هو تفهيم المعنى على مستوى إعلان المعاهدة، فيكفينا هناك مطلق اللفظ المبرز للتعهد المالي.
قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : هل يعتبر عدم اللحن من حيث المادة و الهيئة بناء على اشتراط العربية؟
الأقوى ذلك ـ الاشتراط ـ بناءً على أنّ دليل اعتبار العربية، هو لزوم الإقتصار على المتيقّن من اسباب النقل، و كذا اللحن في الاعراب.(١) وقد تبيّن لنا عدم اشتراط العربية لعدم الدليل عليه، و اذن لامبرّر للإقتصار على المتيقّن، فلايضر اللحن بصحة العقد.
كما قال الامام الخميني رحمه‏الله : أن اللحن في المادة والهيئة، او اعرابها ان لم يضر بتحقق المعاملة عرفاً ولدى العقلاء غير مضر بالصحة؛(٢) هذا من جانب.
و من جانب آخر: يوجد هناك عموم (اوفوا بالعقود) و إطلاق «احلّ‏اللّه‏ البيع» يرشدنا الى صحة كل عقد يصدق عليه العقد عرفاً.
و قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله و من كفاية فهم المعنى من اللفظ يظهر أنّ اللغات المحرّفة ـ السوقية المكسرة ـ لابأس بها إذا لم يتغيّر بها المعنى.(٣)

١. الجواهر: ٢٢ / ٢٤٤ .
٢. المكاسب، قسم البيع: ص ٩٥ ـ ٩٦ .
٣. كتاب البيع: ١ / ٣٢٣ .
٤. المكاسب، قسم البيع: ص ٩٦ .

ذلك، لأن التحريف لايوجب الخروج عن مصداقية العقد؛ لان التحريف في اللغات المصطلحة عند الناس، كان كوضع جديد للالفاظ.
التوقيفية:

قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : و ربما يدّعى أنّ العقود المؤثرة في النقل و الانتقال اسباب شرعية توقيفية كما حكي عن الايضاح.
فقال: و هو كلام لا محصل له.(١) فهو الادعاء بلاشاهد و دليل.

العناوين الشرعية:

قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله يمكن ان يكون المراد من الخصوصية المأخوذة في الصيغة شرعاً هي اشتمالها على العنوان المعبّر عن تلك المعاملة به في كلام الشارع ـ كبعت في البيع، و اجرت في الاجارة، و انكحت في النكاح ـ .
فالضابط: وجوب ايقاع العقد بانشاء العناوين الدائرة في لسان الشرع.(٢)
و قال الامام الخميني رحمه‏الله : و دعوى توقيفية اسباب المعاملات بما أنها اسباب شرعية، في غاية السقوط كما أنّ دعوى لزوم ايقاعهابالعناوين الواردة في الشريعة، غير وجيهة.(٣) لعدم الخصوصية للاسباب، و عليه فلا أرضية للاقتصار على العناوين الشرعية هناك.

١. المصدر السابق: ص ٩٤ .
٢. المصدر السابق: ص ٩٥ .
٣. كتاب البيع: ١ / ٣٢٣ ـ ٣٢٤ .

الخلاصة:

١. مقتضى القاعدة انعقاد جميع العقود و الايقاعات بكل ما يصلح للانشاء سواء فيه الصريح و غيره و الحقيقة و المجاز.
٢. قال السيدالخوئي رحمه‏الله : لاوجه للفرق بين المجاز القريب و البعيد في الفاظ العقود.
٣. قال الامام الخمينى رحمه‏الله : التحقيق صحة ايقاع العقد بالكنايات و المجازات القريبة و البعيدة و الالفاظ المشتركة، بعد الدلالة العقلائية.
٤. اِنّ اللحن في المادة و الهيئة او اعرابها ان لم يضر بتحقق المعاملة عرفاً و لدى العقلاء لايضرّ بالصحة.
٥. و دعوى توقيفية اسباب المعاملات في غاية السقوط.

الاسئلة:

١. هل يعتبر عدم اللحن بناءً على اعتبار العربية؟
٢. ما هو الدليل على عدم اعتبار مظهر خاص و مبرز معين في العقد؟
٣. هل الموضوع للحكم هنا، هو المسببات او الاسباب؟
٤. ما هو أتم مصاديق العقد و اكملها؟
٥. هل التحريف الاصطلاحي يوجب خروج اللفظ عن الصراحة؟


 

البحث الثالث والعشرون


حول هيئة الصيغة


البحث في محاولة هيئة المفردات

إنّ البحث حول الهيئة هنا يتعلق بصياغة الكلمة الادبية.
و موجز الكلام، أنّه لا إشكال في صحة إنشاء العقد بصيغة الماضي ـ بعت ـ كما أنه لااشكال في بطلان الانشاء هنا بصيغة الاستفهام ـ أتبيع؟ ـ
و أمّا انشاء العقد بصيغة المضارع فهو ممّا اختلف فيه آراء الفقهاء.
و تفصيل البحث فيمايلي:
قال العلاّمة الحلي رحمه‏الله : صيغة الايجاب بعت او شريت او ملكت من جهة البائع.
و القبول من المشتري قبلت او ابتعت او اشتريت او تملكت.
و قال: يعتبر الاتيان بهما بلفظ الماضي، فلو قال: «ابيعك» او قال: «اشتري» لم يقع اجماعاً؛ لانصرافه الى الوعد.
و لو تقدّم القبول بلفظ الطلب، بان قال: «بعني» بدل قوله اشتريت، فقال البائع: بعتك لم ينعقد؛ لانه ليس صريحاً في الايجاب، فقد يقصد أن البائع هل يرغب في البيع؟ نعم لو قال المشتري بعد ذلك ـ بعد قول البائع: بعتك ـ اشتريت او قبلت صحّ اجماعاً ـ لتحقق كيان العقد بتمامه و كماله ـ .
و لو تقدم بلفظ الاستفهام فيقول «أتبيعني»؟ فيقول: «بعتك» لم يصح اجماعاً؛ لانه ليس بقبول.(١)

١. تذكرة الفقهاء: ١ / ٤٦٢ .

و قال الشهيد الاول رحمه‏الله : و يشترط وقوعهما بلفظ الماضي، كبعت و اشتريت و شريت و ملكت.(١)
و قال الشهيد الثاني رحمه‏الله : إنّما اعتبر في العقد لفظ الماضي؛ لان الفرض منه الانشاء و هو صريحهُ؛ لاحتمال الوعد بالمستقبل، و عدم اقتضاء الامر انشاء البيع من جانب الامر.
و امّا الماضي فانه و إن احتمل الاخبار اِلا انه اقرب الى الانشاء حيث دلّ على وقوع مدلوله في الماضي؛ فاذا لم يكن ذلك هو المقصود كان وقوعه الآن حاصلاً في ضمن ذلك الخبر.
و الغرض من العقود ليس هو الاخبار، و إنما هذه الصيغة منقولة شرعاً من الاخبار الى الانشاء.(٢)
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله أن المراد من آية «اوفوا بالعقود» هو المتعارف من العقود، و عدم معروفية النقل للانشاء هنا لغير الماضي.
و قال إن ذلك الاشتراط مقتضى الاصل.(٣) و لعل المقصود من الاصل استصحاب عدم ترتيب الاثر على العقد الفاقد للشرط.

الماضوية و الصراحة

قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : هل المعتبر في الالفاظ ان تكون في كل لغة بصيغة الماضي، مثل (بعت) في العربية و (فروختم) بالفارسية، أو يصح بكل هيئة كانت، و لو كانت بالمضارع او اسم الفاعل او الأمر؟ وجهان:
التحقيق هو الاول؛ و ذلك لان هيئة الماضي من كل لغة موضوعة لنسبة تحقيقية اعني لايجاد نسبة حقيقة بين الفاعل و بين المادة، و تلك النسبة معنى حرفي توجد بايجاد موجدها بتلك الهيئة في موطن الاستعمال.
فان كان الغرض من ايجادها هو الحكاية عن النسبة الواقعية بين الفاعل و الحدث في الخارج، تدل على وقوعها، اي النسبة المحكية عنها في زمان متقدّم على الحكاية في الزمانيات، فتدلّ على الزمان الماضي بالدلالة الإلتزامية العقلية.

١. اللمعة الدمشقية: ٣ / ٢٢٥ .
٢. مسالك الافهام: ١ / ١٣٣ .
٣. الجواهر: ٢٢ / ٢٥٢ .

و اِن كان الغرض ايجاد المادة التي هي معنى اسمي كالبيع في وعاء وجودها و هو عالم الإعتبار، تكون بالصراحة دالة على ايقاعها هذا.
و امّا المضارع فهو موضوع ، للنسبة التلبّسية، فدلالتها على ايقاع المادة بها لاتكون على نحو الصراحة بل هي من الكناية؛ لكون التلبس بالشيء من لوازم تحققه، لا نفس تحققه، فلا يقع بها؛ لعدم وقوع الانشاء بالكناية.
و لمّا كان مرتبة الإسم الفاعل متأخّرة عن المضارع، كما أنّ الامر متأخّر عن الجميع حسب ما فصّل في مبحث المشتق. فإذا لم يكن المضارع قابلاً لان يقع به انشاء العقود، فعدم وقوعها باسم الفاعل و الامر اولى.(١)

النقد على اعتبار الماضوية

و التحقيق أنّ هذا الاتجاه ممّا لايمكن المساعدة عليه ذلك؛ لأنّ دلالة الماضي على النسبة التحققية و دلالة المضارع على النسبة التلبّسية، من الدلالات المخترعة الاصولية.
و أما الفعل الماضي بحسب القواعد الصرفية، فيدل على وقوع النسبة في الزمان الماضي، فوضع للاخبار عن وقوع الفعل، و استعماله في الانشاء على خلاف الوضع يحتاج الى القرينة، و عليه قال الشهيد الثاني رحمه‏الله : ان هذه الصيغة منقولة شرعاً من الاخبار الى الانشاء.(٢)
واما المضارع فهو يدل على الزمان الحال و المستقبل، و كانت دلالته على ايجاد الفعل في زمان الحال هو الانشاء بحسب الوضع كما أن دلالته على الزمان المستقبل اخبار عن الوقوع في الزمان الآتي.
قال الشيخ الأنصاري رحمه‏الله : و لعله ـ عدم اعتبار الماضوية ـ لاطلاق البيع و التجارة، و عموم العقود، و ما دلّ في بيع الآبق و اللّبن في الضرع من الايجاب بلفظ المضارع.

١. تقريرات المكاسب: ١ / ٢٨٣ ـ ٢٨٤.
٢. مسالك الأفهام: ١ / ١٣٣ .

و فحوى ما دلّ عليه في النكاح. و لا يخلو هذا من قوة، لوفرض صراحة المضارع في الإنشاء على وجه لايحتاج الى قرينة المقام.(١) و قال الإمام الخميني رحمه‏الله : الظاهر عدم اعتبار الماضوية، و ما قيل من أنّ الماضي صريح في انشاء العناوين به؛ لانه وضع للتحقق و الثبوت، مندفع: بان فعل الماضي ليس صريحاً في الانشاء؛ لأن هيئته موضوعة للحكاية عن تحقق صدور الحدث من الفاعل.
مضافاً الى أنّ المضارع ايضاً موضوع للحكاية عن تحقق صدور الحدث في المستقبل فحينئذٍ يكون حال المستقبل كالماضي في الدلالة على الحكاية عن التحقق.
بل المضارع بما أنّه مشترك بين الحال و الإستقبال لعلّه اولى بالصحّة.(٢)

الانشاء بالمضارع في الروايات

اِنّ الذي يؤكّد المطلوب - عدم اشتراط الماضوية ـ هو ورود الانشاء بصيغة المضارع في عدّة من الروايات:
منها: صحيحة رفاعة النخاس، قال: سألت ابالحسن ـ الامام موسى بن جعفر عليهماالسلام ـ قلت له: يصلح لي أن اشتري من القوم الجارية الآبقة، و اعطيهم الثمن و أطلبها انا؟ قال: لا يصلح شراؤها إلاّ ان تشترى معها منهم شيئاً ثوباً او متاعاً و فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة و هذا المتاع بكذا و كذا درهما, فان ذلك جائز.(٣)
ومنها: موثقة سماعة عن الامام الصادق عليه السلام، قال: سألته عن اللبن يشتري وهو في الضرع؟ قال: لا إلا أن يحلب لك سكرجه (شكرچه إناء صغير فارسية معربة). (٤)

١. المكاسب، قسم البيع: ص ٩٦.
٢. كتاب البيع: ١/٣٢٩ ـ ٣٣٠.
٣. الوسائل: ١٧/٣٥٣.
٤. الوسائل: ١٧/٣٤٩.

ومنها: رواية ابان بن تغلب قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: كيف اقول لها اذا خلو ت بها، قال: تقول: اتزوجك متعة علي كتاب الله و سنة نبيه، لاوارثة و لا مورثة كذا و كذا يوما، فاذا قالت: نعم فقد رضيت، فهي إمرأتك، و انت اولي الناس بها. (١)

ان تلك الروايات تشهد علي صحة الانشاء بصيغة المضارع, بكل وضوح. (٢)

١. الوسائل: ٢١/٤٣.
٢. يحسن للافاضل التحقيق في الجوامع الروائيه.

الخلاصة:

١. قال العلامة الحلي رحمه الله: يعتبر في الايجاب و القبول ان يكون بلفظ الماضي, فلو قال: ابيعك او قال اشتري لم يقع اجماعا لانصرافه الي الوعد.

٢. قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : ان هيئة الماضي في كل لغة موضوعة لنسبة تحقيقية و امّا المضارع فهو موضوع للنسبة التلبسية، فدلالتها على وقوع النسبة بالكناية.
٣. اذا لم يكن المضارع قابلاً لان يقع به انشاء العقد، فعدم وقوع الانشاء باسم الفاعل و الأمر اولى.
٤. قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله عدم اعتبار الماضوية لايخلو من قوة، و هذا هو الرأي عند السيد الخوئي و الامام الخميني رحمه‏الله .
٥. قد ورد الانشاء بصيغة المضارع في عدّة من الروايات.

الاسئلة:

١. ما هو الدليل على اعتبار الماضوية في العقد؟
٢. هل يكون الماضي صريحاً في الانشاء؟
٣. ما هو مقتضى الاصل هناك؟
٤. ما هو مقتضى العمومات هناك؟
٥. ما هو الدليل على صحة الانشاء بالمضارع؟


 

البحث الرابع و العشرون


في تركيب الصيغة


الانشاء بالجملة الإسمية:

من البحوث التي تتعلق بهيئة المفردات في صيغة العقد، هو البحث عن اشتراط الصيغة بكونها جملة فعلية، و التفصيل فيمايلي:
قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : ذكرنا مراراً ان الامور الانشائية متقوّمة بالاعتبار النفساني المبرز بمظهر خارجي، بحيث يكون ذلك المظهر صالحاً لابراز ما في النفس من الاعتبار و لو بمعونة القرائن.
و عليه فلا بأس بانشاء العقود بالجمل الاسمية، كانشاء البيع بجملة: «هذا لك بعوض»، وانشاء الاجارة بجملة: «منفعة هذه الدار لك بكذا و هكذا».
ضرورة: أنّها مع اقترانها بالقرائن صالحة لابراز الاعتبار النفساني، فيكون المنشأبها مشمولاً لما دلّ على صحة العقود و لزومها.(١)
و قال الامام الخميني رحمه‏الله : و أمّا اسم الفاعل و المفعول، فصحّة الايقاع موقوفة على جواز الايقاع بالكنايات. فقوله: «أنا بائعك هذا بهذا»، في مقام ايقاع العقد.
وقول المرأة: «انا منكوحتك على كذا» في مقام انشاء النكاح، صحيح على القواعد.(٢)
و بالتالي نصل الى هذه النتيجة و هي: صحة الانشاء بالجملة الاسمية.

١. مصباح الفقاهة: ٢ / ٣١٠ .
٢. كتاب البيع: ١ / ٣٣٠ .

البحث في محاولة الهيئة التركيبة:

إنّ اوّل بحث في هذا الحقل هو البحث عن الترتيب بين الايجاب و القبول. قال العلاّمة الحلّي رحمه‏الله : يشترط ـ في الصيغة ـ تقديم الايجاب على الاقوى؛ عملاً بالاصل، و الدلالة على الرضا ليست كافية،(١) فيجب الترتيب.
و قال الشهيد الثاني رحمه‏الله : ذهب جماعة من الاصحاب الى اعتبار تقديمه، بل ادّعى الشيخ في الخلاف الاجماع؛ للشك في ترتّب الحكم مع تأخّره، مع أنّ الاصل خلافه (الترتيب) فان القبول مبنيّ على الايجاب؛ لانه رضاً به، فلابدّ من تأخّره.(٢) اضف الى ذلك ما يقال بتبعية القبول و فرعيته للايجاب.
و قال: كان ذلك الترتيب موجّهاً، للاصل ـ استصحاب بقاء الملك ـ و لدلالة مفهوم القبول على ترتّبه.(٣) و عليه فيثبت الترتيب بين الايجاب و القبول و يؤكده ما يمكننا اَن نقول ان هذا المنهج ـ الترتيب ـ هو الذي استقرت عليه سيرة المتشرعة و لاشك في ان ذلك هو الاصح، كما قال المحقّق الثاني رحمه‏الله : إنّه ـ الترتيب هو ـ الاصح.(٤) هذا غاية ما يقال استدلالاً على لزوم الترتيب.

عدم اشتراط الترتيب:

قال الشهيد الاول رحمه‏الله : ولايشترط تقديم الايجاب على القبول، وان كان ـ التقديم ـ احسن.(٥)
و قال الشهيد الثاني رحمه‏الله : و وجه عدم الاشتراط اصالة الصحة، و ظهور كونه عقداً فيجب الوفاء به، ولتساويهما في الدلالة على الرضا، و تساوى المالكين في نقل ما يملكه الى الاخر؛(٦) فلا يجب الترتيب لعدم الدليل عليه.
و قال المحقّق الحلّي رحمه‏الله : و هل يشترط تقديم الايجاب على القبول؟
فيه تردد؛ الأشبه عدم الاشتراط.(٧)

١. تذكرة الفقهاء: ١ / ٤٦٢ .
٢. مسالك الافهام: ١ / ١٣٣ .
٣. اللمعة الدمشقية: ٣ / ٢٢٥ .
٤. جامع المقاصد: ٤ / ٦٠ .
٥. اللعمة الدمشقية: ٣ / ٢٢٥ .
٦. اللمعة الدمشقية: ٣ / ٢٢٥ .
٧. شرائع الاسلام: ٢ / ١٣ .

و قال الشهيد الثاني رحمه‏الله : وجه عدم الاشتراط، اصالة الجواز، و انه عقد فيجب الوفاء به، و لتساويهما في كون كلّ منهما ينقل ملكه الى الاخر، فاذا جاز للبائع التقدّم جاز للمشتري.
و لأن الناقل للملك هو الرضا المدلول عليه بالالفاظ الصريحة.(١)
و لامدخل للترتيب في ذلك.
ولجواز تقديمه في النكاح بغير اشكال فليكن في غيره كذلك.
فان النكاح مبنيّ على الاحتياط زيادة على غيره.(٢)
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : ان الاوفق بالقواعد هو عدم اشتراط الترتيب؛ لصدق اسم العقد، بدليل صحته في النكاح الذي هو اشدّ احتياطاً في المقام، و لذا قيل انه اولى منه بجواز ذلك. وليس هو قياساً، فتشمله الاية «اوفوا بالعقود» حينئذٍ، على أنّ العوضية من الامور الاضافية المتعاكسة، فلامزية لاحدهما بالاختصاص و الاضافة و الفرعية غير ظاهرتين ـ في غير قبلت ـ التي لانزاع فيها، و اِلاّ لما صح في النكاح.
بل يمكن ان يقال: إنه يصير المشتري موجباً و البائع قابلاً. او يقال: ان تبعية القبول للايجاب انما هي على سبيل الفرض و التنزيل لاتبعية اللفظ اللفظ حتى يمتنع التقديم عقلاً.(٣)
و بالتالي نصل الى هذه النتيجة، وهي: عدم اشتراط الترتيب ؛ ذلك لعدم الدليل عليه.

١. هناك مجال للتحقيق في البحوث المدونة حول العقد.
٢. مسالك الأفهام: ١ / ١٣٣ .
٣. الجواهر: ٢٢ / ٢٥٤ ـ ٢٥٥ .

الخلاصة:

١. قال السيد الخوئي رحمه‏الله : لابأس بانشاء العقود بالجمل الاسمية كقولك: هذا لك بعوض؛ لكونها صالحة لابراز الاعتبار النفساني.
٢. قال‏العلاّمة الحلّي رحمه‏الله : يشترط في الصيغة تقديم الايجاب على القبول، عملاً بالأصل.
٣. قال‏الشهيد الأوّل رحمه‏الله : لايشترط تقديم الايجاب على القبول، و ان كان التقديم احسن.
٤. قال المحقّق الحلّي رحمه‏الله : الاشبه عدم الاشتراط.
٥. قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : الاوفق بالقواعد هو عدم اشتراط الترتيب.

الاسئلة:

١. ما هو الدليل على صحة الانشاء بالجمل الاسمية؟
٢. ما هو الدليل على اشتراط الترتيب بين الايجاب و القبول؟
٣. ما هو الدليل على عدم اشتراط الترتيب؟
٤. ما هو مقتضى العمومات هنا؟
٥. ما هو مقتضى الاصل هنا؟