قال الشيخ الانصاري رحمهالله : و من النقوض: انه يشمل التمليك بالمعاطاة.
مع حكم المشهور انها ليست بيعاً.
فاجاب بقوله: و فيه ما سيجئ من كون المعاطاة بيعاً.(١)
و التحقيق: انه لاشك في كون المعاطاة بيعاً عرفا و شرعاً.
و به اعترف جمع غفير من المتقدّمين و اتفق عليه الفقهاء المتأخرون؛ إلاّ أن التعريف
بصياغته الخاصة لايشمل المعاطاة، ذلك لان الانشاء على المشهور عبارة عن ايجاد
المعنى باللفظ، و عليه فالتعريف ـ انشاء التمليك ـ ينطبق على البيع العقدي و لايشمل
البيع المعاطاتي.
و قال رحمهالله و من النقوض: صدقه على الشراء، فانّ المشتري بقبوله للبيع يملّك
ماله بعوض المبيع ـ فيصدق التمليك على الشراء.
فاجاب بقوله: و فيه أن التمليك فيه ضمني، و انما حقيقته التملك بعوض و لذا لايجوز
الشراء بلفظ ملكت، تقدّم على الايجاب أو تأخّر.
١. المكاسب، قسم البيع، ص ٧٩.
و به يظهر اندفاع الايراد بانتقاضه بمستاجر العين بعين، حيث أنّ الاستيجار يتضمّن تمليك العين بمال اعني المنفعة.(١)
حاصل كلام الشيخ رحمهالله هو: أن البيع بحسب الذات عبارة عن انشاء تمليك العين
بمال، و الشراء عبارة عن انشاء تملّك المبيع بازاء الثمن، اِلاّ أن انشاء التملك
هناك يتضمّن تمليك الثمن للبائع.
و عليه ففعل المشتري هو انشاء تملّك المبيع بازاء الثمن و هو مدلول الشراء بدلالته
المطابقية، و لازم انشائه ـ التملك ـ تمليك الثمن لمالك المبيع، فيكون هذا التمليك
ضمنيا، يعني لازماً للمدلول المطابقي للشراء.(٢)
و لذا لايصدق عنوان الشراء على قوله ملكتك الثمن بمتاعك، و يصدق عليه، تملّكت متاعك
بهذا الثمن ، و عليه فلايصدق التمليك على الشراء. و منه يتبيّن أن قبول المستأجر
لايكون في نفسه انشاء تمليك العين بإزإ المنفعة بل يكون قبوله انشاء تملك المنفعة
بازاء العين.
قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله : و دعوى الفرق بين تمليك البائع و تمليك المشتري:
بأنّ البائع يملّك ماله بعوض، و المشتري يملّك ماله عوضاً فهو مباين للتمليك
بالعوض، غير وجيهة.
فانه ـ تمليك المشتري ـ تمليك ابتدائي لاضمني، فلايستحق اطلاق الضمنية عليه.(٣)
و على هذا الاساس فالتمليك ـ في التعريف ـ شاملٌ لكلا التمليكين.
و قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله أن اتجاه الشيخ رحمهالله هنا ممّا لايمكن المساعدة
عليه ذلك: أن البائع انما ينشىء التبديل بين الثمن و المثمن في جهة الاضافة، في
مرتبة واحدة، نعم يشترط رضا المشتري و قبوله لفعل البائع في تحقق عنوان التبديل.
و نتيجة ذلك أنّ التمليكين ـ تمليك البائع و تمليك المشتري ـ يتحققان في مرتبة
واحدة، و اذن فلا اصالة و لاتبعية في المقام.
١. المكاسب، قسم البيع، ص ٧٩.
٢. البحث بحاجة ماسة الى التحقيق في المصادر.
٣. حاشية المكاسب: ١ / ١٧ .
و اضف الى ذلك انّا سلّمنا كون التمليك من ناحية البائع أصلياً استقلالياً، و من
ناحية المشتري ضمنيا تبعياً، اِلاّ إنّ إطلاق التعريف شامل لكلا التمليكين، و اذن
فلا وجه لصرفه عن الثاني و حصره في الأوّل.
قيل: إنّ مفهوم البيع يوجد بالايجاب الساذج، و يتحقق به التمليك و التملك في عالم
الاعتبار.
و عليه فلايبقى مجال لتمليك المشتري، لكي ينتقض به تعريف البيع و اذن فلا شأن
للمشتري إلاّ قبول الايجاب من البائع، و نسبة فعله الى نفسه.
فتكون منزلة القبول في البيع منزلة الامضاء في المعاملات الفضولية، و فيه أن قبول
الايجاب و ان كان شرطاً في البيع لاجزءاً مقوماً له اِلاّ أنّ شروط البيع على ثلاثة
اقسام:
١. أن يكون شرطاً لامضاء الشارع.
٢. أن يكون شرطاً لامضاء العقلاء.
٣. أن يكون شرطاً لاصل الاعتبار بان يدور عليه مفهوم البيع وجوداً و عدماً.
و من الواضح أنّ تعقب الايجاب بالقبول من القسم الثالث، بداهة انتفاء حقيقة البيع
بانتفاء القبول، فكما أن التمليك و التملك يستندان الى البائع كذلك يستندان الى
المشتري.(١)
و التحقيق: أنّه لاشك في أن عملية التمليك هنا تتعلق بالبائع و عملية التملك تتعلّق
بالمشتري، و بهما ـ التمليك و التملك ـ يتم مفهوم البيع شرعاً و عرفاً.
و أما تمليك المشتري الثمن للبائع كلازم للتملّك فلايضّرنا؛ لكونه خارجاً عن مفهوم
البيع.
كما ان تملّك البائع الثمن كلازم للتمليك لايضرنا هنا و لايوجب النقض في مفهوم
البيع.
اضف الى ذلك ما يمكن أن يقال: أن المتبادر من مفهوم الشراء هو تملك المبيع بازاء
الثمن، و صحة سلب التمليك عنه.
١. مصباح الفقاهة: ٢ / ٧٢ .
١. من النقوض الواردة على التعريف هو شموله للمعاطاة، على خلاف المشهور، فاجاب بانه
هو الصحيح.
٢. و من النقوض شمول التمليك للشراء فان المشتري حينما يشتري المتاع، يملك الثمن
للبائع.
٣. قالالشيخ رحمهالله ردّا على النقض بانّ التمليك في الشراء ضمنى، واِنّما
حقيقته التملّك.
٤. قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله : انّ تمليك المشتري تمليك ابتدائي فلايصح
اطلاق الضمنية عليه.
٥. قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : أنّ التمليك و التملّك كما يستندان الى البائع،
كذلك يستندان الى المشتري فالنقض وارد هنا.
١. هل الانشاء يشمل المعاطاة؟
٢. ما هو معنى التمليك الحقيقي و التمليك الضمني هنا؟
٣. هل يكون تمليك البائع و تمليك المشتري فى مرتبة واحدة؟
٤. ما هو المقصود من قولهم: إنّ منزلة القبول هي منزلة الامضاء؟
٥. هليكون تعقّب الايجاب بالقبول شرطا لامضاء الشارع او شرطا لامضاء العقلاء؟
قال المحقّق صاحب الجواهر رحمهالله : و فيه ـ التعريف بان البيع انشاء تمليك العين
بعوض ـ مع كونه ـ التعريف ـ مبنياً على اصالة البيع في نقل الاعيان بالعوض، من دون
توقف على قصد البيع، ينتقض بالصلح و الهبة المعوّضة.
و دفعه باعتبار القيد به ـ بالعوض ـ فيه ـ في البيع ـ دونهما ـ الصلح و الهبة ـ
يشكل، بان ذلك ليس من القيود التي لها مدخلية في تمييز الافراد الخارجية.(١)و عليه
فالتعريف شاملٌ للصلح و الهبة فينتقض التعريف.
و قال الشيخ الانصاري رحمهالله و من النقوض الواردة على التعريف: انتقاض طرده
بالصلح على العين بمال، و بالهبة المعوّضة.
و فيه أن حقيقة الصلح ـ و لو تعلق بالعين ـ ليس هو التمليك على وجه المقابلة و
المعاوضة، بل معناه الاصلي هو التسالم.
و بعبارة واضحة: يقول الشيخ الانصاري رحمهالله : إن مفهوم الصلح هو التسالم ـ و يعبّر عنه بالفارسية بلفظ: سازش و سازگارى ـ و عليه فالمدلول المطابقي لكلمة الصلح انما هو انشاء التسالم على امر معلوم، و من الظاهر ان هذا العنوان يغاير عناوين سائر العقود، إذ المنشأ فيها اولاً و بالذات عنوان اخر غير عنوان التسالم.
١. الجواهر: ٢٢ / ٢٠٦.
بداهة أن كل معاملة و ان كانت لاتصدر الاّ عن تسالم بين الطرفين على تلك
المعاملة، لكنّها غير عقد الصلح الذي يكون المنشأ فيه نفس هذا العنوان، فكم فرق بين
انشاء الصلح و بين معاملة وقع التسالم عليها من الطرفين.
نعم، انّ نتيجة انشاء الصلح بعقده قد تكون تمليك عين بعوض فتتحد مع نتيجة البيع، و
قد تكون تمليك عين مجاناً فتتحد مع نتيجة الهبة، وقد تكون تمليك منفعة بعوض فتتحد
مع نتيجة الاجارة.
و قد تكون تمليك منفعة مجانا فتتحد مع نتيجة العارية، و قد تكون نتيجة الصلح غير
تلك الأمور، كما اذا كان على حق غير قابل للبيع او على اسقاط لحق الدعوى، او على
تقرير أمر بين المتصالحين.
و مهما يكن فالصلح لايكون مصداقاً للبيع و لالغيره من العقود المعاملية الأخرى.
و ممّا يدلّنا على مغايرة الصلح و البيع مفهوماً، أنّ الصلح هو التسالم و البيع هو
تبديل المال بالمال.
و يؤكّد المطلوب اختلاف الصلح و البيع بحسب القواعد الادبية، و هو: أن الصلح يتعدّي
الى متعلقه بواسطة الحرف، فيقال: صالحتك على أن يكون هذا لك، و ذلك لي، و البيع
يتعدّي الى متعلقه بنفسه فيقال: بعتك هذا المتاع بكذا.(١)
فتبيّن لنا بكل وضوح ان مفهوم احدهما غير مفهوم الاخر و اذن فلا دليل على انتقاض
تعريف البيع بالصلح؛ لانهما متغايران مفهوماً.
و اما الفرق بين البيع و الهبة المعوّضة فهو بمايلي:
قال الشيخ الانصاري رحمهالله : و اما الهبة المعوّضة، و المراد بها هنا ما اشترط
فيها العوض، فليست انشاء التمليك بعوض على جهة المقابلة، و الاّ لم يعقل تملك
احدهما لاحد العوضين من دون تملك الاخر للاخر، مع ان ظاهرهم عدم تملك العوض بمجرّد
تملّك الموهوب بالهبة، ـ فلا يكون العوض جزءً اللهبة ـ بل غاية الأمر أن المتهب لو
لم يؤدّ العوض كان للواهب ـ خيار الفسخ ـ والرجوع في هبته.(٢)
١. البحث بحاجة الى التحقيق في المصادر الاصلية.
٢. المكاسب، قسم البيع: ص ٨٠ .
و بعبارة واضحة: ان حقيقة الهبة متقوّمة بتمليك الواهب ماله للمتهب تمليكاً
مجانيا من دون أن يعتبر العوض في ماهيتها، غاية الامر أنه قد يشترط فيها العوض
فتسمّى هبة معوضة.
و من الظاهر اَن اشتراط العوض فيها لايخرجها عن حقيقتها، اذ الشرط ليس عوضاً
للتمليك، ولا بدلاً عن المال الموهوب. بل شأن المشروط في الهبة، شأن سائر الشروط
المشروطة في بقية العقود.
والشاهد على صدق مقالنا أنه لو تخلّف المتهب عن العمل بالشرط لم تبطل الهبة، بل
يثبت للواهب خيار تخلّف الشرط.
و يؤكد ماذكرناه اعطاء العوض بدون الاشتراط ضمن الهبة، فانّ اعطاء العوض من المتهب
الى الواهب، يكون هبة أخرى، و ليس دخيلة في حقيقة الهبة الاولى الصادرة من الواهب.
فيتبيّن من ذلك انّ حقيقة الهبة متقوّمة بالتمليك المجاني، و هذا بخلاف البيع، فانه
متقوم باعتبار التبديل بين العوّض و المعوض.
و في نهاية المطاف قال الشيخ الانصاري رحمهالله : فقد تحقق ممّا ذكرنا أنّ حقيقة
تمليك العين بالعوض ليست الاّ بيعاً.
فلو قال: ملكتك كذا بكذا كان بيعاً، ولايصح ـ و لايقع ـ صلحاً و لاهبة معوضة و اِن
قصدهما؛ اِذ التمليك على جهة المقابلة الحقيقية ليس صلحاً و لاهبةً فلايقعان به(١)
و هذا هو المطلوب.
١. المكاسب، قسم البيع: ص ٨٠ .
١. من النقوض، انتقاض البيع بالصلح على العين فيصدق عليه البيع و كذلك بالنسبة الى
الهبة المعوّضة.
٢. قال الشيخ رداً على النقض: ان حقيقة الصلح و لو تعلّق بالعين ليس هو التمليك على
وجه المقابلة و المعاوضة بل معناه الا صلى هو التسالم.
٣. و ممّا يدلنا على مغايرة الصلح و البيع هو التغاير المفهومي، فان مفهوم البيع هو
تبديل المال بالمال و يتعدّي بنفسه.
و مفهوم الصلح هو التسالم و يتعدي بواسطة حرف الجر.
٤. و الفرق بين البيع و الهبة المعوضة هو أن الهبة بحسب الذات عبارة عن التمليك
المجاني و العوض يقع شرطاً للتمليك و لايكون عوضاً للتمليك.
٥. و صفوة الكلام أن التمليك على جهة المقابلة الحقيقية هو البيع فحسب.
١. هل يتّحد الصلح مع البيع في النتيجة؟
٢. ما هو الدليل على اختلاف الصلح و البيع بحسب الذات؟
٣. ما هي حقيقة الهبة بحسب صياغتها الاصلية؟
٤. هل يكون اعطاء العوض من المتهب الى الواهب، هبة اخرى؟
٥. ما هو المقصود من المقابلة الحقيقية هنا؟
قال الشيخ الانصاري رحمهالله : بقي القرض داخلاً في ظاهر الحد، و يمكن اخراجه بان مفهومه ليس نفس المعاوضة، بل هو تمليك على وجه ضمان المثل او القيمة، لامعاوضة للعين بهما، ولذا لايجرى فيه ـ القرض ـ ربا المعاوضة، ولا الغرر المنفي فيها، و لاذكر العوض و لا العلم به.(١)
و بعبارة واضحة: إنّ مفهوم القرض ليس نفس المعاوضة بل القرض عبارة عن تمليك المقرض
ماله للمقترض مع ضمان المثل او القيمة و ليست القرض معاوضة العين بالمثل اوالقيمة.
و عليه فلايجرى في القرض الخصائص التي تجري في البيع، و هي كمايلي:
١ـ الربا المعاوضي:
إنّ الربا المعاوضي باوصافه الخاصة لايجري في القرض، فيختلف الربا المعاوضي مع
الربا القرضي اختلافاً يرشد الى الاختلاف بين المعاملتين.
١. المكاسب، قسم البيع: ص ٨٠ .
٢ـ الغرر المنفي:
ان الغرر المنفي في المعاوضة على أساس النبوي المعروف: نهي النبي
صلىاللهعليهوآله عن بيع الغرر.(١) لا يجري في القرض، ذلك لان القرض خارج عن
نطاق الحديث خروجا موضوعيا.
٣ـ ذكر العوض و العلم به
يعتبر في البيع ذكر العوض و يعتبر العلم بالعوض، و لايعتبر ذلك في القرض لعدم
الحاجة الى ذكر العوض لأنّ القرض ليس معاوضة حتى يحتاج الى ذكر العوض و تعيينه بل
هو اعطاء المال المعلوم للمقترض اعانة للخير و احساناً للمحتاج حتّى يسدّ حاجته، و
يُرجع المقترض مثله للمقرض بعد انتهاء الاجل.(٢)
و يتبيّن لنا بكلّ وضوح أنّ اعطاء المال و استرجاع المثل ليس من المعاوضة بين العين
و العوض.
و من الجدير بالذكر أن اعطاء المال و استرجاع القيمة بعد مدّة من البيع نسيئة.
قال المحقّق النائيني رحمهالله : ثم إن الشيخ الانصاري رحمهالله قد اورد على
تعريفه بوجوه كثيرة لامحصل لشيء منها إلاّ سئوال الفرق بين البيع و بين القرض؛ اذ
كل منهما انشاء تمليك عين بمال.
والجواب عنه: هو كون العوض في البيع امراً مخصوصاً وقع طرفاً للمبيع، و كانت
المبادلة بينه و بين الاخر.
بخلاف القرض حيث أنّ التمليك فيه ليس بازاء العوض بل هو تمليك بضمان مثله في ذمّة
المقترض فهو من هذه الناحية اشبه بباب الضمانات، و ان كان من حيث توقفه على الانشاء
من باب العقود.(٣)
و قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله : إنّ مجرد قصد العوض لادخل له بالتعويض
التسبيبي فتارة يكون الشخص في مقام تبديل ماله بشيء فهو بيع.
١. سنن البيهقي: ٥ / ٣٣٨ .
٢. البحث بحاجة التحقيق في المصادر.
٣. تقريرات المكاسب: ١ / ٩٩ .
و اخرى: يكون المالك في مقام تمليك ماله ببدل واقعاً، فيقصد بتمليكه عدم المجانية ـ لاجعله بازاء شيء ـ فهو قرض، فهو في الحقيقة تمليك على وجه التضمين، لاتمليك محض و لاتضمين محض.(١) و هذا هو نهاية التحقيق.
قال المحقّق الخراساني رحمهالله : الصواب تعريفه: بتمليك العين بالعوض.(٢)و قال
العلامة الطباطبائي اليزدي رحمهالله : البيع هو: تمليك العين بالعوض.(٣)
و هذا هو المشهور عند الفقهاء، و المتبادر عند العرف، و تمّ المطلوب.
قال المحقّق النائيني رحمهالله : اجود التعاريف هو هذا التعريف ـ تعريف الشيخ
الانصاري ـ لكن مع اسقاط كلمة الانشاء، و تبديل لفظ التمليك بالتبديل.
فيقال: إن البيع تبديل عين بمال.
أمّا وجه اسقاط كلمة الانشاء فقد اتضح ـ انه لايعقل انشاء الانشاء ـ .
و أما وجه اختيار التبديل على التمليك، فلان البيع يرد أولاً على مبادلة المال
بالمال، و طرف الاضافة، و يلزمه التمليك.
فالمضمون الأوّلى من البيع هو التبديل لاالتمليك فيكون الأولى تعريفه بما هو مضمونه
الاولى(٤) واللّه العالم.
و التحقيق: ان التبديل اولى من التمليك بحسب اللغة، و اما بحسب الاصطلاح فالامر على
عكس من ذلك.
١. حاشية المكاسب: ١ / ١٨ .
٢. حاشية كتاب المكاسب: ص ٤ .
٣. حاشية المكاسب: ١ / ٦٠ .
٤. تقريرات المكاسب: ١ / ١٠٠ .
١. قال الشيخ الانصاري رحمهالله : بقي القرض داخلاً في ظاهر الحد.
٢. يمكن اخراج القرض عن التعريف، بان يقال: ان مفهوم القرض ليس نفس المعاوضة بل هو
تمليك مع ضمان المثل.
٣. لايجري في القرض مايجري في البيع، من الربا المعاوضي، و الغرر المنفي و معلومية
العوض.
٤. قال المحقّق النائيني رحمهالله : إنّ التمليك في القرض ليس بازاء العوض بل هو
تمليك بضمان مثله في ذمة المقترض.
٥. ان البيع عبارة عن تبديل عين بمال على رأي العلمين السيد اليزدي و المحقّق
الخراساني.
١. ما هو مفهوم القرض؟
٢. هل يجرى الربا في القرض؟
٣. ما هو الدليل على اخراج القرض عن تعريف البيع؟
٤. هل يكون لقصد العوض دخل في ماهية التعويض؟
٥. ما هي التصرفات التي بادر بها المحقّق النائيني رحمهالله بالنسبة الى تعريف
البيع على مسلك الشيخ الانصاري رحمهالله؟
قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله : الالتزام بالتمليك في جملة من الموارد مشكل:
منها بيع العبد ممّن ينعتق؛
و منها بيع العبد من نفسه؛
و منها شراء العبد تحت الشدّة.(١)
التحقيق: ان العبيد و ماله صلة بها ساقطة عن الاعتبار من الاساس و اما الاشكال في
بيعالدين على من هو عليه فقد اشبعنا البحث عنه.
و قال و منها: اشتراء آلات المسجد و القنطرة من الزكوة او من غلة العين الموقوفة
عليهما، فانه لايملك تلك الآلات احد؛ لفرض الوقف على الجهة لاعلى شخص او اشخاص
خاصة.
ـ و قد مرّ بنا أن مالكية الجهة نوع من المالكية شرعاً و عرفاً، فلا مجال للاشكال
على التمليك هناك ـ .
ومنها البيع بازاء سقوط الحق حيث لامعنى لحصول التمليك او التبديل بلحاظ الملكية
منالطرفين مع أنه بيع عرفاً. ـ و قد ألمحنا ضمن البحث السالف الذكر، أنّ ذلك
التبديل نوع من المصالحة ـ .
١. حاشية المكاسب: ١ / ١٦ .
و بالجملة فالالتزام بالتمليك الحقيقي في هذه الموارد لايخلو عن تكلّف.(١)
و لايبعد ان يقال: ان البيع جعل شيء بازاء شيء فيختلف أثره بحسب الموارد.
فاثره ـ قد يكون ـ ملكية العوضين كما في غالب الافراد ـ و قد يكون ـ سقوط ما في
الذمة كما في بيعالدين ممّن هو عليه ـ و قد يكون ـ قيام كل من العوضين مقام الاخر
فيما له من التعلق او الاضافة الى أحد او الى جهة، كالآلات المشتراة من غلة العين
الموقوفة.
و هذا المسلك و ان كان غير معروف و لامألوف اِلاّ أن المتبع هو البرهان واللّه هو
المستعان.(٢)
و التحقيق: أن هذا التعريف مما لايمكن المساعدة عليه، ذلك لان الشيء في التعريف ـ
جعل الشيء بازاء شيء ـ من اعم المفاهيم و أوسعها، فيصدق على كل شيء و عليه يشمل
البيع اكثر المعاملات المالية كما يشمل غيرها من الاعمال المتبادلة كجعل العمل
بازاء عمل، بل يشمل ذلك المفهوم جعل القول بازاء القول لصدق الشيء على القول.
كما قال الامام الخميني رحمهالله : و تعريفه ـ المحقّق الاصفهانى رحمهالله ـ بانّ
البيع جعل الشيء بإزاء الشيء، لايوافق العرف و اللغة، و يرد عليه من النقض
ماشاءاللّه.
كجعل شيء بازاء شيء مكاناً، و كالجعالة، و الطلاق خلعاً و مباراة، و الاجارة، و
الهبة المعوضة، و الصلح و كذلك جعل اللّه الثواب مقابل العمل الى غير ذلك. والعجب
منه حيث قال: هذا المسلك و ان كان غير معروف و لامألوف اِلا أن المتبع هو
البرهان.(٣)
و فيه أن كون ما ذكر خلاف المعروف و المألوف لدى العقلاء جميعاً اقوى دليل على
بطلانه؛ فان البيع من المعاني العرفية الاعتبارية، و لاسبيل للبرهان فيه اِن كان
مراده البرهان الاصطلاحي.
و لو اراد أنّ معناه عرفاً ولدى العقلاء ذلك، فلا معنى، لعدم معروفيته و مألوفيته.
مع أن ما ذكر ـ التعريف ـ ليس معناه ـ البيع ـ العرفي و العقلائي جزماً.(٤)
١. البحث بحاحة الى التحقيق في اقوال الفقهاء.
٢. حاشية المكاسب: ١ / ١٦ .
٣. حاشية المكاسب: ١ / ١٦ .
٤. كتاب البيع: ١ / ٦٨ .
قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : حقيقة البيع هي الاعتبار النفسانيالمظهر بمظهر
خارجي.
و عليه فاذا اِعتبر احد تبديل ماله بمال غيره في افق نفسه ثم اظهر ذلك بمبرز خارجي
صدق عليه مفهوم البيع جزماً.
و كذلك الحال في سائر الامور الانشائية من العقود و الايقاعات و الاوامر و النواهي.
و اذا ـ عرفت ذلك ـ جاز لك تعريف البيع: بانه انشاء تبديل شيء من الاعيان بعوض في
جهة الاضافة.(١)
وقال: الصحيح، في تعريف البيع أنه انشاء تبديل عين بعوض فيجهة الاضافة.(٢)
و التحقيق: ان هذا التعريف من التعاريف اللفظية التي تفسر معنى البيع، اِلا أن
صياغة التعريف ـ مقيدة بجهة الاضافة ـ ليست على مستوى فهم العرف.
قال الامام الخميني رحمهالله : و الظاهر ان اَسدّ التعاريف هو ما حكي عن المصباح،
اي مبادلة مال بمال. على ما هو الظاهر المتفاهم من كونها بين طرفين.
و البيع لدى العقلاء، امر اعتباري مضاف الى الطرفين.(٣)
و عليه اتّحد المعنى اللغوي مع المعنى العرفي و نعم الوفاق.
و يؤكده اصالة عدم النقل من المعنى اللغوي، فيتم المطلوب.
و قد يشكل: ان كلمة «مبادلة» في التعريف، لم تقع في محلها ذلك؛ لان في البيع لم تكن
عملية المفاعلة، و انما تكون هناك عملية التبديل.
كما قال المحقّق الخراساني رحمهالله : التعبير بالمبادلة لايخلو عن مسامحة، و حقه
أن يقال: تبديل مال بمال؛ فانه فعل الواحد لا الاثنين.(٤)
١. مصباح الفقاهة: ٢ / ٦١ و ٦٦ .
٢. نفس المصدر.
٣. كتاب البيع: ١ / ٧٠ .
٤. حاشية الكتاب المكاسب: ص ٢ .
و قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : الظاهر أنّ وزن (مفاعلة) للدلالة على المشاركة في
الغالب و المشاركة هي أن يفعل الواحد بالاخر ما يفعله حتى يكون كل منهما فاعلاً و
مفعولاً نحو ضارب زيد عمرواً.
و عليه فذكر المبادلة في تعريف البيع يقتضي أن يكون البيع عبارة عن مجموع فعل
البائع و المشتري؛ و لكن هذا واضح البطلان، ضرورة أن البيع ليس اِلاّ عبارة عن فعل
البائع فقط، و هو تبديل ماله بمال صاحبه.
و من البدهي أنّ هذا المعنى غريب عن معنى المفاعلة، و لاصلة بينهما بوجه، بل لو
فرضنا صدق مفهوم البيع على كل من فعل البائع و المشتري؛ لكان الصادر من كل منهما
بيعاً بنفسه.
و اذن فلا وجه لذكر كلمة المبادلة في تعريف البيع، كما صنعه صاحب «المصباح» و
تلقّاه جماعة بالقبول، بل لابد من تبديل لفظ المبادلة في تعريف البيع بكلمة
التبديل، فان التبديل هو الذي يتحقق بفعل البائع.
نعم يشترط رضا المشترى بفعل البائع و تحقق عنوان التبديل، و لكنه أجنبي عن قيامه
بالمشتري كقيامه بالبائع، و هذا بخلاف مفهوم المبادلة فانه معنى قائم بشخصين كما هو
الشأن في باب المفاعلة.(١)
فتبين لنا أن ذكر كلمة المبادلة في التعريف، لايخلو عن مسامحة.
و قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله : يفهم من هيئة المفاعلة التعمد الى ايجاد
المادة و لايفهم عمل الطرفين.(٢) و من الواضح أنّ هذا هو التأويل على خلاف القواعد
الصرفية.
و في نهاية المطاف إستبان لنا بكل وضوح أنّ أكمل التعاريف و أجملها هو التعريف الذي
بادر به الشيخ الانصاري رحمهالله و هو أنّ البيع عبارة عن: إنشاء تمليك عين
بعوض.(٣)
١. مصباح الفقاهة: ٢ / ٣٠ ـ ٣١ .
٢. حاشية المكاسب: ١ / ٢ .
٣. المكاسب: قسم البيع: ص ٩٠ .
١. البيع على رأي المحقّق الاصفهاني هو جعل الشيء بإزاء شيء.
٢. قال المحقّق الاصفهاني: الإلتزام بالتمليك في عدّة من الموارد مشكل: منها: بيع
الدين على من هو عليه، و منها: بيع الموقوفات، و منها: بيع المال بإزاء الحق.
٣. البيع على رأي السيد الخوئي رحمهالله : عبارة عن انشاء تبديل عين بعوض في جهة
الاضافة.
٤. البيع على رأي الامام الخميني رحمهالله : عبارة عن مبادلة المال بالمال.
٥. قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله : يفهم من هيئة المفاعلة التعمد الى ايجاد
المادة و لايفهم منها فعل الطرفين.
١. ما هو الاشكال الوارد على تعريف البيع على رأي المحقّق الإصفهاني؛؟
٢. ما هو المقصود من: جهة الاضافة، في تعريف البيع؟
٣. ما هو الدليل على صحة تعريف البيع بانه مبادلة المال بالمال؟
٤. هل يصِحّ التعبير بالمبادلة في تعريف البيع؟
٥. هل يكون مفهوم المفاعلة هو التعمد الى ايجاد المادة؟