و هو انشاؤه بالصيغة.(١)
توضيح الاشكال: انّ الانشاء هو ايجاد المعنى بواسطة اللفظ، فاذا كانت الصيغة في
التعريف ـ النقل بالصيغة ـ جزء البيع ينتهي الامر ـ عند انشاء البيع ـ الى انشاء
اللفظ باللفظ ـ انشاء الصيغة بالصيغة ـ و هو على خلاف الواقع.
و التحقيق أنه لامجال لهذا الاشكال، ذلك لعدم كون الصيغة جزءً للبيع. كما قال
المحقّق النائيني رحمهالله انه اشكل الشيخ رحمهالله على تعريف المحقّق الثاني
رحمهالله : ان البيع لو كان عبارة عن النقل بالصيغة بمعنى كون مهيّته عبارة عن
النقل بها لكان انشاؤها ـ المهية ـ بالصيغة مستلزماً لايجاد النقل بالصيغة بالصيغة
مع أنّ النقل بالصيغة لايقع بالصيغة، بل انما النقل يقع بها.
لايخفى ما فيه، فان الغرض من هذا التعريف جعل النقل بمنزلة الجنس البعيد للتعريف و
كلمة بالصيغة بمنزلة الفصل له، فيكون المجموع منهما معرّفاً للبيع فيقال: ان حقيقة
البيع نقل واقع بالصيغة، لا أن النقل بالصيغة واقع بها.
وهذا كما يقال: أن الانسان حيوان ناطق، اذ لايصح أن يرد عليه بانه في معنى ان
الحيوان الناطق ناطق كما لايخفى.(٢)
١. المكاسب، قسم البيع، ص ٧٩ .
٢. تقريرات المكاسب: ١ / ٩١ .
و قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله ردّاً على الاشكال بلزوم انشاء الصيغة بالصيغة:
أن الصيغة ليس جزءا مقوماً لماهية البيع، بل حال السبب ـ الصيغة ـ حال العين و
العوض المأخوذين في مقام تعريف البيع، بانه تمليك عين بعوض.
فانه من الواضح أن مفهوم العين و مفهوم العوض غير داخلين في مفهوم البيع، بل الغرض
أنّ البيع حصة من طبيعي النقل او من طبيعي التمليك، فالمدلول ذات تلك الحصة
الملزومة لسبب خاص، او لمتعلّق مخصوص.
وذات تلك الحصة قابلة للانشاء بالصيغة، فيتحصص بنفسالانشاء او بتعلقه بالعين.(١)
و قال سيدنا الاستاذ رحمهالله : لامانع من أن يكون البيع اسماً للنقل بالصيغة
المخصوصة و معه يمكن إنشاؤه بالصيغة.(٢)
ذلك لان التقيد ـ الاضافة الى النقل ـ جزء البيع و اما القيد ـ الصيغة ـ فهو خارج
عن ماهية البيع.
و كانّما التفت الشيخ رحمهالله الى الاشكال على اشكاله و بادر بدفعه فقال:
و لايندفع هذا بان المراد أن البيع نفس النقل الذي هو مدلول الصيغة، فجعله مدلول
الصيغة اشارة الى تعيين ذلك الفرد من النقل، لا أنه مأخوذ في مفهوم النقل حتّى يكون
مدلول بعت، نقلت بالصيغة ـ فلا تكون الصيغة قيداً للنقل بل تكون عنواناً مشيراً الى
النقل ـ لانه ان اريد بالصيغة خصوص بعت لزم الدور؛ لان المقصود معرفة مادة بعت ـ
فيتوقّف معرفة المادة (البيع) على الصيغة (بعت) و هذا هو توقف معرفة البيع على
معرفة نفس البيع ـ و ان اريد بها ما يشمل ملكت ـ و غيره ـ وجب الاقتصار على مجرد
التمليك و النقل، فيصبح ذكر الصيغة في التعريف لغواً؛ لعدم التأثير لذكر الصيغة
بدون الخصوصية؛ و عليه فليقتصر في التعريف بذكر النقل او التمليك مجرّداً. كما قال
المحقّق المامقاني رحمهالله : لو اراد مايشمل ملكت كان اللازم عليه ان يقتصر على
مجرد التمليك او النقل و لا يقيد بالصيغة المخصوصة.(٣)
الردّ على الاشكال: قال المحقّق الخراساني رحمهالله : و الظاهر تعيين الشق الثاني
ـ ما يوجب الاقتصار ـ و التحقيق عدم الاقتصار على النقل او التمليك ـ ذلك ـ للاشارة
ـ بواسطة ذكر الصيغة ـ الى عدم كفاية مطلق الصيغة ولو كانت كناية.(٤)
١. حاشية المكاسب: ١ / ١٥ .
٢. مصباح الفقاهة: ٢ / ٦٥ .
٣. غاية الامال: ١ / ١٧٢ .
٤. حاشية كتاب المكاسب: ص ٣ .
و قال المحقّق النائيني رحمهالله ان إشكال الشيخ رحمهالله : بان هذا التعريف
دوري، لان الصيغة المخصوصة هي صيغة بعت، فيكون تعريف المادة اعني البيع بما يشتق
منه ـ بعت ـ دوري، مندفع، بان الصيغة المخصوصة لاتختص بكلمة بعت بل هي اشارة إلى ما
يقع آلة لانشاء البيع، من الصيغ، فليس معرفة البيع متوقفاً على معرفة صيغة بعت حتى
يلزم الدور.(١)
اضف الى ذلك أن البيع هو العمل و الصيغة هو القول فلايكون هناك توقف الشي على نفسه،
كما قال المحقّق المامقاني رحمهالله إنه: لايلزم الدور لان المعرف انما هو معنى
البيع، و المأخوذ في التعريف اعني بعت عبارة عن اللفظ، فالموقوف هو المعنى و
الموقوف عليه هو اللفظ.(٢)
و يمكننا أن نقول: أن معرفة الموقوف (البيع) و معرفة الموقوف عليه تختلفان بالاجمال
و التفصيل، فلايكون أحدهما هو الاخر بعينه فلامجال للدور كما قال المحقّق صاحب
الجواهر رحمهالله : يمكن أن يدفع الدور بان الموقوف معرفة البيع بالرسم اوالوجه
الاتم و الموقوف عليه معرفته بالوجه الظاهر المعلوم (اجمالاً) لكل احد.(٣)
و اما الاشكال بلزوم الاقتصار بذكر النقل و عدم ذكر الصيغة، للزوم اللغوية، فهو
ايضا مما يمكن الالتزام به. ذلك لانّ ذكر الصيغة يمكن ان يلعب دوراً تجاه المعاطاة،
فكان التعريف مختصاً بالبيع العقدي فلا مبرز للاقتصار كما قال المحقّق الاصفهاني
رحمهالله : لاموجب للزوم الاقتصار؛ اذ عدم الخصوصية لبعت لا ينافي دخل الخصوصية
لمجموع ـ الصيغ ـ مع أن عدم الخصوصية لبعت لازمه الاقتصار على مجرّد الصيغة لاعلى
مجرد النقل و عدم كون الصيغة جزء مدلول البيع لايقتضي لغوية أخذ الصيغة في حدّه؛
لان البيع حصة من طبيعي النقل و التمليك، فأخذ الصيغة عاماً او خاصاً في تعريف
الحصة لازم.(٤)
و قد يحتمل انيكون المقصود منالاقتصار هنا هوالاقتصار على صيغتي «نقلت» و «ملكت».
١. تقريرات المكاسب: ١ / ٩٨ .
٢. غايةالامال: ١ / ١٧٤ .
٣. الجواهر: ٢٢ / ٢٠٥ .
٤. حاشية المكاسب: ١ / ١٥ .
والتحقيق ان الاقتصار على الصيغتين مما لايمكن المساعدة عليه، لعدم الدليل عليه.
كما قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله : و يحتمل بعيداً أن يكون مراده من النقل و
التمليك صيغتهما في قبال بعت لئلا يلزم الدور.(١) فلا يعتمد على الاحتمال البعيد و
لايعتبر المحتمل المستبعد.(٢)
١. المصدر السابق .
٢. البحث بحاجة الى التحقيق في حواشي المكاسب.
١. قد اشكل الشيخ الانصاري رحمهالله على المحقّق الثاني بان النقل بالصيغة لايعقل
انشاؤه بالصيغة.
٢. قال المحقّق الاصفهانى رحمهالله إن الصيغة في التعريف ليست جزءً مقوماً لماهية
البيع.
٣. قال السيد الخوئي رحمهالله : لامانع من ان يكون البيع اسماً للنقل بالصيغة
المخصوصة و مع ذلك يمكن انشاؤه بالصيغة.
٤. قال الشيخالانصاري رحمهالله : ان اريد بالصيغة في التعريف خصوص بعت لزم الدور.
٥. و قال الشيخ رحمهالله : و ان اريد مطلق الصيغة وجب الاقتصار على مجرد التمليك
او النقل فلا حاجة الى ذكر الصيغة.
١. ما هو الدليل عل عدم معقولية انشاء النقل بالصيغة بواسطة الصيغة؟
٢. إذا قلنا ان النقل في التعريف بمنزلة الجنس البعيد، و كلمة بالصيغة بمنزلة
الفصل، فهل يمكن انشاء البيع عندئذ بواسطة الصيغة؟
٣. اذا قلنا إنّ البيع حصة من طبيعى النقل، فهل تكون ذات تلك الحصة قابلة للانشاء
بالصيغة؟
٤. بيّن الاشكال بلزوم الدور، و بيّن اندفاعه.
٥. ما هو معنى وجوب الاقتصار على مجرد التمليك او النقل؟
بعد ما سطرنا عدة تعاريف في محاولة البيع و واجهنا اشكالات شتى، نصل الى تعاريف
اخرى سطرت بعد البحوث المشبعة في هذا الحقل و لعل هذه التعاريف تكون متكاملة
بالنسبة الى التعاريف السالفة.
و التفصيل فيمايلي:
قال العلامة الطباطبائى السيد بحرالعلوم رحمهالله : إن الاخصر و الاسد، تعريفه،
بانه: انشاء تمليك العين بعوض على وجه التراضى.(١)
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمهالله : فانه ـ التعريف ـ مع سلامته عن وصمة الدور
و المجاز، خال عن القيود المستدركة و الخارجة عن الحقيقة.(٢)
الذي يرشدنا إلى جودة هذا التعريف هو مرادفة التمليك مع البيع معناً فان البيع بحسب
الوضع هو تلميك العين بعوض.(٣)
و هذا هو أسدّ التعاريف؛ لانه لايواجه مشكلة الدور و المجاز.
و هوالذي سطّر في المكاسب كأجود تعريف للبيع.
و قال الشيخ الانصاري رحمهالله : الاولى تعريفه بأنّه انشاء تمليك عين بمال، و
لايلزمعليه شيء ممّا تقدّم ـ منالاشكالات الواردةعلىالتعاريف السالفة ـ .
١. مصابيح: ص .
٢. الجواهر: ٢٢ / ٢٠٦ .
٣. البحث بحاجة الى التحقيق في المصادر الاصلية.
نعم يبقى عليه ـ التعريف ـ امور :(١)
اِن اول هذه الامور هو الذي له صلة تامة بالتعريف فيلعب دوراً في استكمال التعريف،
فعليه نعرضه كمتمم للتعريف و بعد ذلك نعرض بقية الامور كاشكالات و نقوض حول
التعريف، ذلك رعاية للتنسيق.
قال الشيخ الانصاري رحمهالله : إنه ـ التعريف - موقوف على جواز الايجاب بلفظ
ملكت و اِلاّ لم يكن مرادفاً له.(٢) ذلك لانّ التعريف بحاجة ماسة الى الترادف
القائم بين المعرِّف و المعرَّف، و اذا لم يكن هناك ترادف لم يتحقق المجال للتعريف؛
لعدم إنطباق احد المتخالفين على الاخر.
و من حسن الحظّ أن التمليك ينطبق على البيع انطباق احد المترادفين على الاخر.
كما قال الشيخ الانصاري رحمهالله : فلو قال: ملكتك كذا بكذا كان بيعاً ؛(٣) فتم
التعريف.
يمكننا أن نقول أن تعريف البيع بانه انشاء تمليك عين بمال، ممّا لايمكن المساعدة
عليه، ذلك لان البيع ليس انشاء التمليك، بل البيع هو التمليك نفسه.
كما قال المحقّق الخراساني رحمهالله : انشاء التمليك ليس ببيع، و ليس المراد في
الاخبار بوقوعه بمثل باع و يبيع إلاّ نفس البيع لاإنشاؤه، و يرد عليه ايضا: أنّ
انشاء التمليك لايعقل انشاؤه.(٤)
كما قال المحقّق النائيني رحمهالله : أنه يرد عليه ـ التعريف الاشكال ـ الذي اورده
ـ الشيخ الانصاري رحمهالله ـ على تعريف جامع المقاصد بعينه ـ من أن النقل بالصيغة
لايكون قابلاً للانشاء بالصيغة ـ ضرورة استحالة انشاء انشاء التمليك؛ اذ لامعنى
لانشاء الانشاء.
١. المكاسب، قسم البيع: ص ٧٩ .
٢. المكاسب، قسم البيع: ص ٧٩ .
٣. المصدر: ص ٨٠ .
٤. حاشية كتاب المكاسب: ص ٣ و ٤ .
مضافاً الى ـ اشكال آخر و هو أن تعريف البيع بانشاء التمليك ـ يصدق على الايجاب وحده و لو لم يقترن بالقبول، مع أنه ليس بيعاً قطعاً؛ لكون تحقق البيع من البائع في ظرف تحقق القبول من المشتري.(١)
فانشاء التمليك الذي سطّر في التعريف كما يصدق على انشاء المتبائعين يصدق على انشاء البائع فحسب فيستلزم المحذور.
قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله : الصحيح أنّ الاشكال باستحالة انشاء انشاء
التمليك مندفع.
وجه الاندفاع أن الانشائية ليست جزءا مقوّماً لمعنى البيع، بل ـ كون الانشائية ـ
محصّصاً له ـ البيع ـ و ذات الحصة هي القابلة للانشاء الذي يصير ـ البيع ـ به
الانشاء ـ حصة.(٢)
وقال سيدنا الاستاذ رحمهالله : اِن ما وجّهه الشيخ الانصارى رحمهالله على المحقّق
الثاني رحمهالله يتوجّه على تعريفه حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة؛ لان الشيخ
رحمهالله قد عرّف البيع بانه انشاء تمليك عين بمال، و من الواضح أنّ انشاء التمليك
ليس إلاّ انشاء البيع بالصيغة المخصوصة.(٣)
فان الانشاء اللفظي في البيع ليس إلاّ الصيغة، فيقال: اِن كان المراد من الصيغة هي:
بعت، ينتهي الامر الى محدوز الدور.
و ان كان المراد من الصيغة. هو الاعم يلزم الاقتصار بذكر التمليك بدون ذكر الإنشاء.
و التحقيق أن المقصود من الانشاء في التعريف هو مطلق لفظ صالح لايجاد التمليك كما
هو الظاهر من كلام الشيخ و المصرّح في بيانه.
و عليه فلا مجال للدور هناك، و لامبرّر للالتزام بالاقتصار لعدم الدليل عليه. قال
الامام الخميني رحمهالله : اِنّ الانشاء غير البيع؛ فانّ حقيقته نفس التبديل
لاإنشاؤه.(٤) و عليه لايصح تعريف البيع بما هو خارج عن مفهومه.
و التحقيق: اَنه لامجال لهذا الاشكال، ذلك لأن معنى البيع بحسب تعريف الشيخ لم يكن
هو الانشاء الساذج، حتى يشكل بانّ البيع غير الانشاء.
بل المعنى هو التمليك المقيّد بالانشاء، و القيد هناك؛ يثمر التقييد في التمليك
فيكون التقيّد جزءاً للمعنى فحسب.
١. تقريرات المكاسب: ١ / ٩٩ .
٢. حاشية المكاسب: ١ / ١٦ .
٣. مصباح الفقاهة: ٢ / ٦٥ .
٤. كتاب البيع: ١ / ٦٦ .
و لاشك في أن تعريف الشيخ، بان البيع انشاء التمليك من التعاريف اللفظية التي
تفسّر معنى البيع في مستوى فهم العرف، و هو ـ التعريف ـ بهذه الخصوصية يكفينا في
البحث عن تبيين معنى البيع بحسب الفهم العرفي.
و يمكننا أن نقول أن تعريف الشيخ الانصاري رحمهالله للبيع أرقى التعاريف التي
سطّرت الى زمانه.
١. البيع هو انشاء تمليك عين بمال على رأي العلاّمة الطباطبائي و
الشيخ الانصاري رحمهالله .
٢. التمليك مرادف للبيع، فيصح الانشاء بلفظ ملَّكت.
٣. قد اشكل المحقّق الخراساني رحمهالله : أنّ انشاء التمليك ليس انشاء البيع.
٤. و قال المحقّق النائيني رحمهالله أنّ انشاء التمليك لايكون قابلاً للانشاء.
٥. قد يشكل بان انشاء التمليك يصدق على الايجاب وحده.
١. ما هو المقصود من سلامة التعريف عن وصمة الدور و المجاز، في كلام
المحقّق صاحب الجواهر رحمهالله هنا؟
٢. ماهو المقصود من كلام المحقّق الاصفهاني رحمهالله : أنّ الانشائية ليست جزءا
مقوماً للبيع؟
٣. هل الانشاء اللفظي في البيع هو صيغة العقد؟
٤. ما هو المقصود من قولنا حول التعريف: أنّ القيد خارج و التقيد داخل.
٥. هل يكون التعريف المتلو منالتعاريف اللفظية، او من التعاريف الحقيقية؟
توجد عدّة اشكالات على التعريف الذي ذكره الشيخ الانصاري رحمهالله و التفصيل
فيمايلي:
الملكية على الملكية:
قد يشكل فيقال: أنّ كلمة التمليك في التعريف ـ انشاء التمليك ـ ليس لها مكانة
هنا، لان الملكية هي السلطنة على الاموال لاعلى السلطنة.
كما قال المحقّق النائيني رحمهالله : الملكية جدة اعتبارية، لها نحو تحقق في
الاعتبار و بها تتبدّل الاموال.
و أما هي ـ الملكية ـ بنفسها فليست قابلة للتبديل؛ لانه ليس للمالك ملكية على
الملكية.(١)
و قال الامام الخميني رحمهالله : ان ما ذكره المحقّق النائيني رحمهالله من أن
الملكية من قبيل الجدة الاعتبارية ـ ينافي تفسيره ـ الملكية ـ بالاضافة.
و الحق: أنها من الاضافة الاعتبارية، و إن شئت قلت: أنّها ـ الملكية ـ أقرب في
الاعتبار الى الاضافة.(٢)
و التحقيق أن المقصود من الاضافة هناك ليس الاضافة المقولية، بل المراد منها هي
النسبة القائمة بين المال و المالك التي تنتهي الى مقولة الملك و الجدة.
١. منية الطالب: ١ / ٣٥ .
٢. كتاب البيع: ١ / ٢٢ .
قال سيدنا الاستاذ رحمهالله : ما ذكره الشيخ الانصاري رحمهالله ، من أن البيع
انشاء تمليك عين بمال، يتوجه عليه وجوه:
١. إن لفظ العين يشمل الاعيان المتمولة و غيرها، مع أنّ الشيخ رحمهالله اعتبر
المالية في العوضين، فلايكون تعريفه مانعاً عن دخول الاغيار في المحدود.(١)
و التحقيق أن مالية العين هناك تستبين من قرينة المقابلة بالمال.
٢. أنّه لو كان البيع انشاء تمليك عين بمال لزم منه أن يكون التبديل فيه في الاضافة
الملكية فقط، و قد عرفت خلاف ذلك فيما تقدم ـ بان التبديل في جهة الاضافة ـ و قلنا
أنّ البيع تبديل شيء بشيء في جهة الاضافة، لافي الاضافة الملكية، و لا في اضافة
المالية.(٢)
و التحقيق: أن اختلاف المعنى هناك انبثق عن اختلاف المبنى و عليه كان ذلك الاشكال
مصادرة واضحة.
٣. أنه لادليل على اعتبار المالية في الثمن، و إنما المناط في تحقق مفهوم البيع صدق
عنوان المعاوضة عليه.(٣) و التحقيق ان هذا الاشكال ايضاً ناشىء من الاختلاف في
المبنى.(٤)
١. مصباح الفقاهة: ٢ / ٦٦ .
٢. مصباح الفقاهة: ٢ / ٦٦ .
٣. مصباح الفقاهة: ٢ / ٦٦ .
٤. هناك مجال للتحقيق في المباني الفقهية.
قد يشكل بأنّ كلمة التمليك في التعريف ـ ليست شاملة، ذلك لأنّ البيع قد يتحقق
بالتبديل بلاتمليك كبيع الوقف.
كما قال الامام الخميني رحمهالله : لا دخل في الاضافة المالكية فيها ـ حقيقة البيع
ـ و وجود الاضافة المالكية بحسب الغالب لايوجب دخالتها في الماهية، و تقومها بها، و
الدليل عليه صدق عنوان (البيع) على بيع الاعيان الموقوفة فيما يجوز بيعها، مع أنه
لامالك لها، و لاسيما الموقوفات العامة، فاذا ملّكها وليّ الامر ـ كالمتولّي و
الحاكم ـ بالعوض، صدق عليه (البيع) عرفاً ولدى العقلاء بلا ريب. وكذا بيع الحاكم
الاجناس الزكوية و امثالها، لو قلنا: بانها ليست ملكاً لاحد بل عيّنها الشارع
لمصارف خاصة.(١)
و التحقيق: أن التمليك يشمل البيع بشتّى انواعه، حتى بيع الوقف، و ذلك لان البائع
هناك يملّك الموقوف ـ كوكيل عن المالك ـ فيتحقق التمليك، بحسب الاذن الشرعي و بما
أن المشتري يتملك الموقوف و يتحقق التملك بلااشكال، يستكشف عن تحقق التمليك لأن
التملك ـ في البيع ـ وثيق الصلة بالتمليك، كفرع للاصل. و كذلك في المال الزكوي.
قد يشكل بان اعتبار كون المعوض عيناً، مما لا دليل عليه، فلا يجب الالتزام به
كما قال الامام الخميني رحمهالله : إنّ ما هو المقصود هيهنا تحصيل مفهوم البيع
عرفاً سواء كان صحيحاً شرعاً ام لا، لا ما هو المؤثر شرعاً، و إلا كان اللازم تقييد
الموضوع بكل ما يعتبر في مؤثريته شرعاً.
و قد تعارف في عصرنا بيع حق عقلائي او اعتبار كذلك. فبيع المنافع و الحقوق بيع
عرفاً ولغة ولو فرض بطلانه.
و يؤيّد ما ذكرناه ـ من عدم اعتبار كون المبيع عينا في نظر العقلاء ـ عدم الاشكال
في عدم اعتبار كون العوض عيناً، و لاخلاف فيه، ولا شبهة في صدق عنوان «البيع» عليه،
و احتمال الالحاق شرعاً مقطوع الفساد.
و وجه التأييد: أنّ العوض و المعوّض يختلفان بالاعتبار حسب انشاء البيع، و أمّا
بحسب الواقع فكلّ من الثمن و المثمن عوض عن الاخر، فماهية البيع هي المبادلة
بينهما، و جعل كلّ منهما عوضاً عن الاخر، و بدلاً عن صاحبه.
فالعين بدل الثمن و عوضه، و الثمن بدل العين و عوضها، فكما لايعتبر في العوض ـ
بمعنى الثمن ـ كونه عيناً، كذلك في العوض الاخر الذي هو مبيع؛ لعدم الفرق بينهما من
جهة العوضية و المعوضية و من وقوع التبادل عليهما.
و لعل التزام الاعاظم ـ منهم الشيخ الانصاري ـ بالفرق بينهما ناش:
إما من كلام الفقهاء في مقام الفرق بين البيع و الاجارة: بأنّه نقل الاعيان و هي
نقل المنافع، و قد اشرنا إلى اتفاقهم ـ على فرض تحققه ـ لايكون كاشفاً عن المفهوم
العقلائي، ولاتثبت به اللغة و المعنى العرفي.
١. كتاب البيع: ١ / ٢٦ .
و إمّا من نحو قوله: البيع هو تمليك العين بالعوض، فالتزموا به في المبيع أن
يكون عيناً دون العوض.
و فيه أنّ صحة هذا التعريف أول الكلام. و الانصاف: أنّ توهّم الفرق بينهما تكلّف ـ
ولو فرض ثبوته ـ شرعاً فهو خارج عن محطّ بحثنا.(١)
و التحقيق: أنّ الفرق بين البيع و الاجارة عند العرف و العقلاء واضح و هو: أن البيع
عبارة عن تمليك العين، و الاجارة عبارة عن تمليك المنفعة، وعليه كان البيع وثيق
الصلة بكون المبيع عيناً. وها هو المتسالم عليه عند الفقهاء و الذي افاده الامام
الخميني قدسسره كان من منطلق الدقة العقلية و الذي يكفينا هناك هي الطريقة
العقلائية.
١. كتاب البيع: ١ / ٣١ ـ ٣٥ .
١. الملكية جدة اعتبارية، فليست بنفسها قابلة للتبديل، لانه ليس
للمالك الملكية على الملكية، هذا على مسلك المحقّق النائيني رحمهالله .
٢. قال الامام الخميني رحمهالله : الحق أنّ الملكية اضافة اعتبارية.
٣. إنّ لفظ العين في التعريف يشمل المال و ما هو ليس بمال فلايكون التعريف مانعاً.
٤. و يشكل بان لفظ التمليك لايكون جامعاً، لانه قد يتحقق البيع بالتبديل بلا تمليك
كبيع الوقف.
٥. ويشكل على كونالمبيع عيناً، لان بيع المنافع و الحقوق بيع عرفاً و لغة.
١. إنّ التمليك هناك من أية مقولة؟
٢. ما هو الفرق بين الاضافة الملكية و الاضافة المالية؟
٣. هل يكون بيع المال الموقوف من التمليك؟
٤. ما هو الدليل على اعتبار العينية في المبيع؟
٥. ما هو الفرق بين البيع و الاجارة عند العرف؟
ذكر الشيخ الانصاري رحمهالله عدّةَ نقوضٍ لتعريفه للبيع و هي كمايلي:
١ـ عدم الشمول لتمليك الدين على من هو عليه.
قال رحمهالله من النقوض: أنه ـ التعريف ـ لايشمل تمليك الدين على من هو عليه، فان
الانسان ـ المديون ـ لايملك مالاً ـ ديناً ـ على نفسه.
ـ فاجاب عنه اولاً بصحة التمليك المتجسدة من تعقل تملّك ما على نفسه و رجوعه إلى
سقوطه عنه، نظير تملّك ما هو ـ كلّي في ذمّة الغير و مساو لما في ذمته و سقوطه
بالتهاتر.
ـ وثانياً ـ أنه لو لم يعقل التمليك لم يعقل البيع ـ مع أن بيع الدين مما لاخلاف
فيه ـ اذ ليس للبيع لغة و عرفاً معنى غير المبادلة و النقل و التمليك و ما
يساويها.(١)
حاصل الجوابالاول، أنّه يمكن أنيتملك الانسان مالاً على نفسه، وتكون
نتيجته سقوط ذلك المال عن ذمته، ونظير ذلك أن يكون أحد مديوناً لغيره ديناراً و
اشترى الدائن متاعاً منالمديون بدينار كلي فيالذمة فان الدينارين يسقطان بالتهاتر.
و حاصل الجواب الثاني: أنه اذا لم يعقل تملّك الانسان لما في ذمته لم يعقل
بيعه ايضاً، اذ ليس للبيع لغة و عرفاً معنى غير المبادلة و النقل و التمليك و ما
يساويها من الالفاظ بأيّة لغة كانت.
و اجاب المحقّق النائيني رحمهالله عن النقض المذكور قائلاً: الصواب أن يقال:
بيع الدين على من هو عليه و ان كان صحيحاً، اِلاّ أن البيع لم يقع على ما في الذمة
بقيد كونه في الذمة، ليكون من قبيل مالكية الشخص لما في ذمته، و ذلك لانّه بهذا
القيد لايمكن تحققه في الخارج، و لاشبهة أنه يعتبر في المبيع ان يكون من الاعيان
الخارجية، بل يقع البيع على الكلّي، و هو منّ من الحنطة مثلاً فيصير المشتري اعني
المديون مالكاً لذلك الكلّي على البائع.
و حيث إن البائع كان مالكاً لمنّ من الحنطة على ذمة المديون، و هو المشترى فينطبق
ما على البائع على ما كان له على المديون المشتري فيوجب سقوط ذمة كليهما.
و هذا و ان لم يكن من التهاتر حقيقة اِلاّ أنه اشبه شيء به.(١)
قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله : إن السقوط ـ هناك ـ إن كان لكونه اثر ملكية ما
في ذمته فالشيء لايكون ثبوته علة لسقوطه عقلاً، و إن كان ـ السقوط ـ لعدم الاثر و
لغوية الاعتبار الذي لا اثر له فيسقط ففيه؛ انه اذا لم يعقل أن يملك الانسان ما في
ذمة نفسه، و لاجله يسقط فمانع البقاء مانع الحدوث، اذ لافرق فيما لايعقل بين زمان
طويل و قصير. و امّا تملّك ما يساوي ما في ذمته فهو معقول، و يترتب عليه الاثار من
بيعه و الصلح عليه و ابرائه.
نعم حيث أنه نظير الوفاء فيسقط.
و كونه وفاء، فرع الملكية فلا يعقل أن يكون مانعاً عنها.(٢)
و قال الامام الخميني رحمهالله ردّا على مسلك المحقّق الاصفهاني رحمهالله :
المسألة ليست عقلية، حتى يقال: لو صحّت مالكيته حدوثاً لصحّت بقاءً.
أو يقال: لايعقل ان يكون اثر الملكية سقوطها للزوم كون الشيء معدماً لنفسه.
بل هي عقلائية اعتبارية، لابدّ من تبعية العقلاء في اصل الاعتبار و مقداره و أمده.
و لاشبهة في اعتبار الانتقال حدوثاً؛ لابقاء الملكية و لااشكال فيه.(٣)
١. منية الطالب: ١ / ٤٣ .
٢. حاشية المكاسب: ١ / ١٦ .
٣. كتاب البيع: ١ / ٥٦ و ٥٧ .
قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : و التحقيق ان مالكية الانسان لذمته امر ذاتي
تكويني من غير أن يحتاج الى الثبوت الاعتباري، بديهة ان الثبوت الاعتباري انما يصحّ
فيما إذا لم يكن هناك ثبوت تكويني حقيقي و إلاّ لكان الاعتبار لغواً محضاً و تحصيلا
للحاصل.
و عليه فاذا ملك شخص شيئاً في ذمة غيره فقد ملكه بالملكية الاعتبارية و اذا انتقل
ذلك المملوك الى المملوك عليه تبدلت الملكية الاعتبارية بالملكية الذاتية
التكوينية، لما عرفت من لغوية الثبوت الاعتباري في موارد الثبوت الحقيقي و اذن فلا
مجال للمناقشة في بيع الدين ممن هو عليه باستحالة ملك الانسان لما في ذمته كما
لامجال لتوهم سقوط ذلك بعد التملك بل يوجب البيع تبدّل الاضافة الاعتبارية بالاضافة
الذاتية.
فالحجر الاساسي للمناقشة في بيعالدين ممن هو عليه انما هو خلط الملكية الذاتية
بالملكية الاعتبارية.(١)
و مهما يكن فالاجوبة المتلوة بشتّى اتجاهاتها تنتهي الى نتيجة واحدة و هي صحة تمليك
الدين ممن هو عليه.(٢) و هذا هو المطلوب. فعباراتنا شتّى و حسنك واحد، وكل الى ذاك
الجمال يشير.
١. مصباح الفقاهة: ٢ / ٦٩ ـ ٧٠ .
٢. البحث بحاجة الى الدقة و التحقيق في المصادر.
عرض الشيخ الانصاري رحمهالله لعدّة نقوض على تعريفه، منها:
١. تمليك الدين على من هو عليه، فان المديون لايملك ماعليه ـ الدين ـ لعدم تعقّله.
٢. قال الشيخ رحمهالله ردّاً على النقض، يمكن ذلك التمليك اذا تملّك المديون ديناً
متقابلاً على الدائن بمقدار دينه فيسقطان قهراً.
وقال: اذا لم يعقل التمليك هناك لم يعقل بيع الدين ـ ولاخلاف فيه ـ لان البيع مرادف
للتمليك.
٣. قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله : اِن كان السقوط هناك اثر التملك لما في الذمة
فالشيء لايكون ثبوته علة لسقوطه.
٤. وان كان السقوط لعدم الاعتبار في البقاء، فيقال إن مانع البقاء مانع الحدوث.
٥. قال السيد الخوئي رحمهالله : إن مالكية الانسان لما في ذمته من قبيل مالكية
الذاتية الحقيقية، لا من المالكية الاعتبارية الحقوقية.
١. ما هو الاشكال في تمليك الدين على من هو عليه؟
٢. ما هي عملية السقوط بالتهاتر؟
٣. ما هو المقصود من كلام المحقّق النائيني؛: بانّ البيع لم يقع على ما في الذمة
بقيد كونه ما في الذمة، بل يقع البيع على الكلي؟
٤. ما هو اثر تملك المديون ما يساوي ما في ذمته؟
٥. مسألة الملكية هنا عقلية او عقلائية؟