البحث التاسع


المقارنة بين اصالة الفساد و اصالة الصحة:

إنّ الاصل الأوّلي في المعاملات هو اصالة الفساد، و الأصل الأوّلي في العبادات هو أصالة الصحة، فما هو العامل الذي اوجب إختلاف الاصلين في البابين؟
التحقيق أنّ الاختلاف هنا ناشئ عن‏الاختلاف في الارضية، فانّ للمعاملات ارضية للاستصحاب ـ كماتحدّثنا عنها ـ فيثمر الفساد فيها.
و للعبادات ـ بحسب طبيعتها الشرعية ـ مجال للبراءة فتثمر الصحة فيها، كما قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : «اذا شك في شرطية شيء للمامور به كان ذلك بعينه شكاً في تعلق الامر بالمقيّد به فيدفع ـ القيد عن العمل العبادي ـ باصالة البراءة، و اما الاقل ـ اعني به الطبيعي الجامع بين المطلق والمقيد ـ فهو مأمور به قطعاً.
أمّا اذا شك في شرطية شيء لصحة عقد او ايقاع، انعكس الامر؛ لأنّ ترتّب الاثر كالملكية او براءة الذمة على العقد او الايقاع الواجد لذلك الشرط معلوم، و ترتّبه على الفاقد مجهول فيدفع بالاصل.
و هذا هو الفارق بين الشك في شرطية شيء للمامور به (العبادة) و بين الشك في شرطية شيء للعقد و الايقاع».(١) و هذا هو اجود تحقيق في هذا المجال.

اتجاه آخر:

هناك إتجاه آخر، و هو مايقال: ان الاختلاف في الاصلين المتلوين ناشئ عن الاختلاف في نوعية الشرط.

١. مصباح الفقاهة: ٢ / ٢٧٥ .

فإذا كان الشرط من نوع الشروط العرفية يتحقق المجال للاستصحاب، ذلك لعدم تحقق المصداق المؤثر عرفاً، فيُستصحب عدم الاثر و يثمر الفساد.
و اما اذا كان الشرط من نوع الشروط الشرعية يتحقّق المجال للبراءة؛ ذلك لتحقق المصداق عرفاً، و يرفع الشك بحديث الرفع، و البراءة الشرعية.
و بما أن المعاملات من المفاهيم العرفية، ينتهي الشك في الشرطية هناك الى الشك في صحة المعاملة و تحققها عرفاً، فيفسح المجال للاستصحاب.
و أمّا العبادات فبما انها مجعولات شرعية، فالشك هناك في شيء زائد على ما صدق عليه اسم العبادة شرعاً، فيتحقق المجال لاصالة البراءة و تثمر الصحة في العبادة(١).

اصالة الصحة:

إن اصالة الصحة قاعدة فقهية عامة تشمل العبادات و المعاملات كافة و تثمر الصحة عند الشك في الصحة.
و معنى القاعدة هو ترتيب الاثر على كل عمل شك في صحته.
كما قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : «معنى اصالة الصحة هو ترتيب الاثر على العمل. [الى ان قال:] قد استقرّت السيرة القطعية من جميع المسلمين المتدينين على ترتيب آثار الصحة على اعمال الناس من العبادات و المعاملات، و العقود و الايقاعات»(٢).
فهذه هي قاعدة عامة تثمر الصحة في العبادات و المعاملات.

تقابل القاعدتين:

إنّ اصالة الصحة و اصالة الفساد تختلفان بحسب الذات، و يكون بينهما تقابل العدم و الملكة، فانّ معنى اصالة الفساد هو عدم ترتيب الأثر، و معنى اصالة الصحة، هو ترتيب الاثر.
و قد مرّ بنا أن نطاق اصالة الفساد هو المعاملات، و مرّ بنا أيضاً أنّ اصالة الصحة قاعدة كلية تشمل المعاملات ايضاً.
فهذه القاعدة ـ الصحة ـ تثمر صحة المعاملة، و تلك القاعدة ـ اصالة الفساد ـ تثمر الفساد في المعاملة و عندئذٍ نواجه بمشكلة التضارب بين القاعدتين.

١. هناك مجال للتحقيق حول الاصلين في القواعد الفقهية.
٢. مصباح الاصول: ٢ / ٣٢٤ و ٣٢٦ .

و التحقيق أنه لاتضارب هناك بين القاعدتين؛ ذلك لاختلاف المورد:
فانّ مورد اصالة الفساد هو الشك في دخل شرط في صياغة المعاملة الاصلية، و هو ينتهي الى الشك في تحقق المصداق عرفاً، كالشك في اشتراط القصد في الصحة، فإذن يحكم بفساد العقد بدون القصد.
و مورد اصالة الصحة هو الشك في اتيان الشرط المعلوم شرطيته للمعاملة كما اذا أُتي بالبيع ثم شك في وقوعه عن قصد (ولم تكن صورة العمل محفوظة) اِذن يحكم بصحة هذا البيع و تحققه عن قصد، نتيجة للتمسك بقاعدة: الصحة الفقهية، فتبيّن لنا بكل وضوح أنّ هاتين القاعدتين تختلفان مورداً و عليه فلاتضارب بينهما مع اختلاف المورد، و هو المطلوب.

 

الخلاصة:

١. الاصل الأوّلي في العبادات هو الصحة.
٢. الاصل الأوّلي في المعاملات هو الفساد.
٣. اصالة الصحة، قاعدة كلّية تشمل العبادات و المعاملات.
٤. مورد اصالة الفساد هو الشك في تحقق المصداق عرفاً.
٥. مورد اصالة الصحة هو الشك في صحة اتيان العمل.

الاسئلة:

١. ما هو الدليل على أن الاصل الأوّلي في العبادات هو الصحة؟
٢. ما هو الدليل على أن الاصل الاولي في المعاملات هو الفساد؟
٣. ما هو الفرق بين شرطية شيء للمأمور به، و بين شرطية شيء للعقد؟
٤. هل يتحقق التعارض بين اصالة الصحة و اصالة الفساد؟
٥. ما هو نوع التقابل القائم بين الاصلين؟

 

البحث العاشر

حول اصالة اللزوم


ما هو اللزوم؟

اِنّ المقصود من اللزوم هنا هو انجاز العقد المعاملي و ترتّب الاثر عليه و هو الاصل الأوّلي في العقود.
قال العلاّمة الحلّي رحمه‏الله : «الاصل في البيع ـ كعقد من العقود ـ اللزوم؛ لان الشارع وضعه مفيداً لنقل الملك، و الفرض تمكّن كل من المتعاقدين من التصرف فيما صار اليه، وَ اِنّما يتمّ باللزوم؛ ليأمن نقض صاحبه عليه»(١).
و عليه فاللزوم في العقود كقاعدة فقهية لها آثار ايجابية مهمة. فاللزوم في عقد البيع و التجارة و الصلح و ما شاكلها من العقود اللازمة، على وفق الاصل.
و الجواز في عقد الوكالة و العارية و الوديعة و ما شاكلها من العقود الجائزة على اساس دليله الخاص على خلاف الاصل.
كما قال الشهيد رحمه‏الله : الاصل في البيع اللزوم، و كذا سائر العقود، و يخرج عن الاصل في مواضع لعلل خارجة.(٢)
و عليه اذا شككنا في لزوم عقد و جوازه، يتمسك باصالة اللزوم فيحكم باللزوم، نتيجة للتمسك بالقاعدة(٣).

١. تذكرة‏الفقهاء: ١ / ٥١٥ .
٢. القواعد و الفوائد: ص ٢٩٦.
٣. هناك مجال للتحقيق حول قاعدة اللزوم في كتب القواعد الفقهية.

فعلى هذا الاساس، اذا وقع عقد البيع على المنهح الصحيح كان مقتضى القاعدة هو اللزوم، إِلا ان يثبت الخيار بالدليل الخاص، لان معنى اللزوم هو لزوم العمل بمقتضى العقد، و عدم جواز حلّ العقد من احد الطرفين بدون رضا الطرف الاخر. كما قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : «الاصل في البيع اللزوم، أي بناؤه عليه، لا على الجواز، و ان ثبت ـ الجواز ـ في بعض افراده».(١)

أدلة اللزوم:

يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة ـ اصالة اللزوم ـ بمايلي:
١. قوله تعالى: «اوفوا بالعقود»(٢).
مقتضى اطلاق الامر ـ اوفوا ـ و تعلّقه بالجمع المحلى باللام ـ العقود ـ هو وجوب الوفاء بكافة العقود، بمعنى الالتزام بمقتضاها، و هذا هو معنى اللزوم.
و اما ثبوت خيار الفسخ فهو اما بالتخصيص، كما في العقود اللازمة العهدية او بالتخصص كما في العقود الاذنية الجائزة.
قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : «طريقة الاصحاب الاستدلال بها ـ الاية ـ على اللزوم»(٣). و نعم الوفاق.
و قال الشيخ الانصارى رحمه‏الله : «فمنها ـ ادلّة اللزوم ـ قوله تعالى: «اوفوا بالعقود»دلّ على وجوب الوفاء بكل عقد، و المراد بالعقد مطلق العهد كما فسّر به في صحيحة ابن سنان المروية في تفسير على بن ابراهيم(٤). او ما يسمّى عقدا لغة و عرفاً.
و المراد بوجوب الوفاء: العمل بما اقتضاه العقد في نفسه، بحسب الدلالة اللفظية؛ نظير الوفاء بالنذر، فاذا دلّ العقد مثلاً على تمليك العاقد، ماله من غيره، وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له، فأخذه من يده بغير رضاه، و التصرف فيه كذلك نقض لمقتضى ذلك العهد، فهو حرام.
فاذا حرم بإطلاق الاية «اوفوا بالعقود» جميع ما يكون نقضاً لمضمون العقد ـ و منها التصرفات الواقعة بعد فسخ المتصرف من دون رضا صاحبه ـ كان هذا لازماً مساوياً للزوم العقد و عدم انفساخه بمجرد فسخ احدهما.

١. الجواهر: ٢٣ / ٣ .
٢. المائدة (٣) / ١ .
٣. الجواهر: ٢٨ / ٢٢٤ .
٤. تفسير القمي: ص ١٦٠.

فيستدل بالحكم التكليفي ـ وجوب العمل ـ على الحكم الوضعي؛ أعني فساد الفسخ من احدهما بغير رضا الاخر، و هو معنى اللزوم.
و قد حقق في الأصول أنه لامعنى للحكم الوضعي إلا ما انتزع من الحكم التكليفي(١)، و هو المطلوب.
و قال المحقّق النائيني رحمه‏الله إن دلالة الاية المتلوة على اللزوم فيما عدّ عقداً مما لااشكال فيه سواء قلنا بان الاحكام الوضعية منتزعة عن الحكم التكليفي كما هو مختار الشيخ الانصارى رحمه‏الله . أو قلنا بتأصلها في الجعل على ما هو المختار.
أمّا بناء على التأصل فمفاد قوله تعالى «أوفوا بالعقود»، هو أن العقد لازم لاينحل فيكون الأمر ارشاداً عليه و كناية عنه.
و امّا بناءً على الانتزاعية فمفاده وجوب الوفاء بكل عقد في كل زمان، و لازمه عدم تأثير فسخ.(٢)
و قد يشكل بأن دلالة الاية على وجوب الوفاء بجميع العقود توجب تخصيص الاكثر؛ لان اكثر العقود جائزة، كما قال المحقّق السيّد الطباطبايي: و فيه ـ العموم ـ نظر، من حيث خروج اكثر العقود منها.(٣)
و التحقيق أنه لامجال لهذا الاشكال؛ ذلك لان العقود الجائزة خارجة عن النطاق بالتخصّص، لابالتخصيص، و اذن فيرتفع الاشكال من الاساس.
قال الامام الخميني رحمه‏الله ردّاً على ذاك الاشكال: وفيه ـ مضافاً الى انّ كل تخصيص اكثريٍ ليس مستهجناً بل الاستهجان انما يلزم لو كان الداخل قليلاً جدّاً، و أمّا مع كثرته، كما في المقام فلا يكون مستهجناًـ انه لاشبهة في أنّ افراد العقود اللازمة ملأت الخافقين، و افراد العقود الجائزة في جنبها كالمعدوم.
و اما الخيارات كخيار المجلس و غيره، فليست من قبيل التخصيص في العموم بل هي تقييد في اللاطلاق .(٤)

١. المكاسب، قسم الخيارات: ص ٢١٥ .
٢. منية الطالب: ١ / ١٥٥ .
٣. رياض المسائل: ١ / ٥١١ .
٤. كتاب البيع: ١ / ١١٨ .

٢ـ قوله تعالى: «و لاتأكلوا اموالكم بينكم بالباطل».(١)
قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : «دلّ ـ قوله تعالى المتلو ـ على حرمة الأكل بكلّ وجه يسمّى باطلاً عرفاً ـ و عليه ـ فانّ اخذ مال الغير و تملكه ـ بالفسخ ـ بدون اذن صاحبه باطل عرفاً.
نعم لو دلّ ـ الدليل من قبل ـ الشارع على جوازه كما في العقود الجائزة بالذات، او بالعارض، كشف ذلك عن حق ـ مشروع ـ للفاسخ».(٢)
فتبيّن لنا بكل وضوح أنّ التصرف في المال المبتاع ـ أخذاً بالفسخ ـ بدون رضا المالك، لا مبرّر له، فيكون باطلاً قطعاً، و عليه فلابد من الالتزام بما افاده العقد و هذا هو معنى اللزوم.
و قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : «يمكن التمسك بالاية ـ المتلوة ـ لاثبات اللزوم، بمجموع المستثنى و المستثنى منه، فانّ الاية الشريفة في مقام حصر التملك الشرعي بالتجارة عن تراض.
و من الواضح جدّاً ان التملك بالفسخ مع عدم رضا الاخر ليس منها؛ فتدل ـ الاية ـ على اللزوم»(٣)، و الامر كما افاده.
٣ـ بناء العقلاء:
قد استقرّ بناء العقلاء ـ في معاملاتهم و عهودهم ـ على الالتزام بما يقتضيه العهد ـ العقد ـ و عدم نقضه.
و لاشك في أن نقض العهد مذموم عندهم، وهذا البناء مُمْضى من قبل الشرع، بالنسبة الى عقد البيع و الاجارة و الصلح و ما يماثلها، كما قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : «هذا ـ اللزوم ـ هوالصحيح؛ لقيام بناء العقلاء ـ من المتديّنين و غيرهم ـ على ذلك، وعليه فالشرط الضمني في كل عقد موجود على بقاء المعاهدة على حالها، و لا ينفسخ العقد بفسخ كل منهما كيف شاء، و اِلاّ لما استقرّ نظام المعاملات»(٤)، و الامر كما افاده.

١. البقرة / ١١٨ .
٢. مكاسب، قسم الخيارات: ص ٢١٥ .
٣. مصباح الفقاهة: ٤ / ٤٧ .
٤. مصباح الفقاهة: ٤ / ٢٢ .

 

الخلاصة:

١. الاصل الأوّلي في العقود هو اللزوم.
٢. إذا شككنا في لزوم عقد و جوازه، نتمسّك باصالة اللزوم.
٣. و اثبات الجواز في بعض العقود تابع لدليله الخاص.
٤. الدليل الاصلي لإثبات اللزوم، هو قوله تعالى: «اوفوا بالعقود».
٥. إذا لم يكن اللزوم حاكماً في العقود، لما استقرّ نظام المعاملات.

الاسئلة:

١. ما هو معنى اللزوم في العقود؟
٢. هل يكون مقتضى العقد هو اللزوم؟
٣. هل يمكن استفادة اللزوم من قوله تعالى: «لاتأكلوا اموالكم بينكم بالباطل»؟
٤. ما هو دور السيرة العقلائية حول اللزوم؟
٥. هل اللزوم من الاحكام الوضعية او التكليفية؟

 

البحث الحاديعشر


مشكلة الدلالة:

اِنّ آية «اوفوا بالعقود» في بداية النظر، تدلّنا على المطلوب و هو وجوب الوفاء بالعقد الذي يساوق اللزوم هنا.
و امّا لو لاحظنا دلالة الاية بدقة تامة، واجهنا مشكلة توجب النقص في الدلالة، ذلك لأنّ الاية ذات جهتين: من الارشادية و المولوية، و على اساس ذلك التعدد في الجهة تصبح تلك الاية مختفية الدلالة؛ فيقال يشكل علينا أن نستدل بهذه الاية على اللزوم؛ للاجمال و الاختفاء في الدلالة.
و سبيل‏الحلّ اتّجاهان:
١ـ الاتجاه بالايجاز، و هو بمايلي:
قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : «إِنّ الآية المباركة «اوفوا بالعقود» أظهر ما يدل على لزوم العقد».
و في دلالتها على اللزوم تقريبان مبنيان على أنّ اللزوم الذي هو حكم وضعي هل هو مجعول بجعل مستقل؟ ـ حسبما ما حققناه في الاصول ـ أَو أنه منتزع عن حكم تكليفي ـ حسبما يظهر من بعض كلمات الشيخ الانصاريـ .
فعلى المختار نقول في تقريب الدلالة: اَنّ قوله تعالى: «اوفوا بالعقود» بالدلالة المطابقية يدلّ على اللزوم، و يكون الامر ارشاداً الى جعل اللزوم.
و اللزوم هو عبارة عن ثبات الشيء و عدم تفككه بمفكك، و معلوم أنه ـ اللزوم ـ شيء ليس بيدالمكلف و تحت قدرته بحيث ـ لو شاء فعل، ولو شاء ترك ـ حتى يتعلق به الامر و النهي المولوي.
و ـ معلوم انه ـ مع كونه بنفسه قابلاً للجعل، و مما تناله يد الجعل المستقل يكون الامر في الاية ارشاداً الى جعله.
فالامر في هذه الجهة ارشادي، و المرشد اليه هو اللزوم الذي هو حكم شرعي وضعي مولوي و لامناقشة في دلالة الاية، على لزوم كلّ معاملة شك في لزومها أصلاً».(١)
٢ـ الاتجاه بالتفصيل و هو بمايلي:
قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : «و اشكل عليه ـ اللزوم ـ بان الامر في المقام يدور بين رفع اليد عن ظهور الامر في المولوية و حمله على الارشاد، و بين رفع اليد عن ظهور «اوفوا بالعقود» في جميع العقود، كالالتزامات الخارجية من النذر و العهد و غيرهما، و الالتزامات النفسية كالعقود من البيع و نحوه ـ فيحكم ـ بتخصيصها بالالتزامية الخارجية فقط، حتّى لايقال: إنّ الفسخ ليس من المحرّمات بل يختص الحكم بالوفاء في الاية بالنذر و العهد و نحوهما، من الالتزامات الخارجية، فلامرجح لرفع اليد عن ظهور الامر في المولوية و حمله على الارشاد، دون الثاني ـ الارشاد الى الإلتزامات الخارجية، لتحقق المجال للارشاد اليها بالقرينة القطعية ـ فتكون الاية مجملة، فلا يمكن الاستدلال بها على اللزوم.
و فيه أنّ هذا الدوران ممنوع جداً، فانّ معنى رفع اليد عن ظهور الامر، و حمله على الارشاد ليس هو ذلك، بل معناه أنا نرفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب التكليفي، و نحمله على الارشاد، و هذا لاينافي المولوية.
فالأمر على كل حال باق على مولويته، سواء حملناه على الارشادية أم لا، و لكن بمقتضى القرينة ـ عدم كون الفسخ من المحرمات الشرعية ـ نحمله على الارشادي المولوي.
و الوجه في ذلك هو ان هذا المعنى الارشادي غير ما ذكروه من حمل الامر على الارشاد مقابل المولوي، فانه ارشاد الى حكم العقل، كما في «اطيعوا اللّه‏ و اطيعوا الرسول»، فانه في موارد حكم العقل لامجال للمولوية، فلابدّ من حمل الاوامر الواردة في تلك المقامات على الارشادية، و كونها ارشاداً الى حكم العقل فقط.

١. تقريرات المكاسب: ص ١٨١ .

و هذا بخلاف حمل الامر على الارشاد مقابل الوجوب و التكليف، فانّه مع كونه ارشادياً فهو باق على مولويته ايضاً، فان امضاء العقد و جعله لازماً بحيث لاينفسخ بالفسخ، هذا ايضاً حكم مولوي و ثابت بجعل الشارع.
كما أنّ الامر بالوضوء عقيب الاحداث الناقضة للوضوء ارشاد الى بطلان الوضوء بها، والأوامر و النواهي المتعلّقة باجزاء الصلاة ارشاد اِلى المانعية أو الجزئية، و مع ذلك فهي كلها احكام مولوية، فان اجزاء الصلاة و موانعها كلّها مجعولة من قبل الشارع، فالامر بها مولوي محض، غاية الامر ليس الحكم تكليفياً.
و على هذا فاذا حملنا الامر بالوفاء بالعقود على الارشاد فلا يكون رفعاً لليد عن ظهور الامر في المولوية، بل انما هو رفع اليد عن ظهوره في الوجوب.
و على هذا فتدلّ الاية على لزوم‏الوفاء بكلّ عقد حتى العقود والالتزامات الخارجية.
و على هذا فمعنى «اوفوا بالعقود» أي اوفوا بجميع عهودكم و عقودكم و التزاماتكم النفسية و الخارجية، فيشمل ذلك عهداللّه‏ على العباد ـ العبادات ـ و ايضاً يشمل عهد العباد على‏اللّه‏ تعالى كالنذر و العهد واليمين، و يشمل عهد العباد بعضهم بعضاً كما في موارد العقود.
و على الاجمال فالاية وافية الدلالة على اللزوم دلالة مطابقية»(١).
و في ضوء ذلك البيان فلا اجمال في دلالة الاية، فالامر هناك ـ اوفوا ـ ارشاد الى اللزوم و مع هذا الوصف فهو مولوي، و لا تنافي بين الوصفين، ولا مانع من اتصاف الموصوف الواحد بالاوصاف المتعددة المتخالفة، و عليه فاللزوم حكم وضعي ارشادي مولوي.(٢)
و مهما يكن، فالاية المتلوة تدلّ على اللزوم في العقود المعاملية، فتصلح أن تكون متكفلة لاثبات اللزوم، على شتّى الاتجاهات.
و عليه يقال: إن المدرك الوحيد اللّزوم هو قوله تعالى «اوفوا بالعقود» و هو المطلوب.

١. مصباح الفقاهة: ٤ / ٣٢ و ٣٣ .
٢. يحسن بطالب العلم التحقيق حول الموضوع في الكتب الاصولية.

الخلاصة:

١. ان الامر في (اوفوا بالعقود) ظاهر في المولوية.
٢. القرينة القطعية ـ تناسب الحكم و الموضوع ـ تدل على أن الامر هنا ارشادي.
٣. التحقيق ان الامر هنا مولوي ارشادي.
٤. المقصود من الارشادي هنا هو الوضعي الذي يقابل التكليف، لا الارشادي العقلي الذي يقابل الامر الشرعي المولوي.
٥. اللزوم هو الحكم الشرعي الوضعي المولوي.

الاسئلة:

١. ما هو الاشكال في دلالة الاية على اللزوم؟
٢. هل يكون وجوب الوفاء هو اللزوم نفسه؟
٣. هل يكون نقض اللزوم كنقض العهد من المحرّمات الشرعية؟
٤. هل يشمل اللزوم الالتزامات النفسية و الالتزامات الخارجية أو يختصّ بالالتزامات الخارجية؟
٥. هل يكون جعل اللزوم بيد المكلف؟
 

البحث الثاني عشر

في تعريف البيع


ما هو البيع:

اِن البيع بحسب اللغة عبارة عن:المبادلة المالية كما قال الفيّومي: «والاصل في البيع مبادلة مال بمال، لقولهم: بيع رابح و بيع خاسر، و ذلك حقيقة في وصف الاعيان، لكنه اطلق على العقد مجازاً؛ لانه سبب التمليك و التملك».(١)
و اما بحسب الاصطلاح الفقهي لم يكن للبيع معنى خاص كمصطلح عند الفقهاء، و عليه توجد حول تعريف البيع تعابير شتّى أهمّها بمايلي:

١ـ البيع هو الانتقال؛

١ـ قال شيخ الطائفة رحمه‏الله : «البيع هو انتقال عين مملوكة من شخص الى غيره بعوض مقدّر على وجه التراضي».(٢) و هذا التعريف هو الذي ذكره ابن ادريس و العلاّمة الحلي بعين العبارة.(٣)

١. المصباح المنير: ١ / ٩٦ .
٢. المبسوط: ٢ / ٩٦ .
٣. السرائر: ص ٢١٢ ؛ تذكرة الفقهاء: ١ / ٣٦٢ .

و يستشكل عليه بأن ذلك تعريف باعتبار الاثر (الانتقال) و ليس تعريف البيع نفسه، اضف الى ذلك أن البيع فعل و الانتقال انفعال فلا ينطبق الفعل على الانفعال كما قال المحقّق الكركي رحمه‏الله أنه لايصح تعريف البيع بالانتقال؛ فان ذلك اثر، و ايضاً فانّ البيع فعل فكيف يكون (انفعالا) انتقالا.(١)
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : لايصح ذاك التعريف؛ لان البيع فعل فلايكون انتقالاً لانه انفعال؛ و لان الانتقال اثر البيع.(٢) و المقولات متضادة.(٣)
و قال الشيخ الانصارى رحمه‏الله : أمّا البيع بمعنى الاثر و هو الانتقال، فلم يوجد فى اللغة و لا في العرف.(٤)
ما هو المراد من التعريف؟
قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : يعلم ـ من التتبّع في الكلمات ـ عدم كون المراد لهم فيما يذكرونه من الحدود إلاّ الكشف في الجملة، نحو تفسير اهل اللغة لاالتحديد على طريقة اهل الميزان.(٥)
فالتحقيق: أن تعريف الشيخ رحمه‏الله و ان لم يكن تعريفاً حقيقياً بالحدّ و الرسم و لكنه توضيح المعنى للبيع بحسب الواقع، و الهدف الوحيد من التعريف هو تبيين المفهوم، و لاشك في أن التعريف المتلو يوضّح معنى البيع و يبيّن واقعه العملي، و يكون تعريفاً في مستوى فهم العرف.

٢ـ البيع هو العقد:

قال الفقيه الطوسي المشهدي محمد بن على بن حمزة رحمه‏الله : البيع عقد على انتقال عين مملوكة من شخص الى غير بعوض مقدر على جهة التراضي،(٦) و هو الذي ذكره الشهيد الاول(٧) و المحقّق الحلي(٨)، و قد سبقه (ابن حمزه) المحقّق الحلبي رحمه‏الله قائلاً: ان البيع عقد يقتضي استحقاق التصرّف في المبيع و الثمن.(٩) و قال العلاّمة الحلّي رحمه‏الله : الاقرب قول ابن حمزه؛ لنا أنه المتبادر الى الفهم عند الاطلاق فيكون حقيقة فيه.(١٠)

١. جامع المقاصد: ٢ / ٨ .
٢. الجواهر: ٢٢ / ٢٠٦ .
٣. البحث جدير بالتحقيق في المصادر.
٤. المكاسب: قسم البيع، ص ٨٠ .
٥. الجواهر: ٢٢ / ٢٠٥ .
٦. الجوامع الفقهيه، الوسيلة، ص ٧٠٤ .
٧. اللمعة الدمشقية: ٣ / ٢٢٢ .
٨. مختصر النافع، ص ١١٨ .
٩. الكافي، ص ٣٥٢ .
١٠. المختلف: ص ٣٤٧ .

و يردّ عليه أنّ هذا التعريف و إن لم يكن تعريفاً بالاثر، فمع الوصف لايمكن المساعدة عليه، لانّ العقد سبب للمعاملة الشرعية فلا يطلق المسبب على السبب اِلاّ على المنهج المجازي(١) كما قال الشهيد الثاني: و فيه ـ التعريف ـ نظر: لأنّ الاطلاق المذكور مجازي يجب الاحتراز عنه في التعريفات (٢) قال المحقّق الكركي رحمه‏الله : و فيه ـ تعريف البيع بالعقد ـ نظر، فان المفهوم من بعت ليس هو عقد البيع قطعاً، و انما المفهوم منه هو المفهوم من ملكّت ، فانّ كلاّ منها ايجاب للبيع، و لو كان المفهوم من بعت هو عقد البيع لما صحّ الايجاب بملكّت، و لان البيع هو المقصود بالعقد لانفسه، و كيف يصحّ تعريف المسبب بالسبب و هو غيره و استعمال لفظه فيه مجاز،(٣) فلا يتم التعريف.
اضف الى ذلك أن العقد من مقولة اللفظ و البيع من مقولة المعنى فلا صلة بين المقولتين، كما قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله بانه لامبرّز للتعريف المتلو: لانه ـ العقد ـ لفظ من مقولة الكيف ـ و البيع فعل ـ و المقولات العشرة متبائنة، فلا يصدق بعضها على بعض، و حمل العقد على المعنى المصدري ليكون فعلا بعيدٌ جدّاً.(٤)
و قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله ردّا على التعريف المتلو: انّ البيع من مقولة المعنى دون اللفظ مجرداً.(٥)

٣ـ البيع هو النقل:

قال المحقّق الكركي رحمه‏الله : الاقرب أنّ البيع هو نقل الملك من مالك الى آخر بصيغة مخصوصة.(٦) و يقال: إن هذا المعنى هو المتبادر من البيع و بما أن النقل من مقولة المعنى من جانب، و لم يكن انفعالاً (انتقالاً) من جانب آخر، لايرد عليه ـ التعريف بالنقل ـ ما يرد على التعريفين المتلوين. كما قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : الظاهر أنه النقل؛ للتبادر.

١. البحث بحاجة الى التحقيق.
٢. مسالك الأفهام: ١ / ١٣٢ .
٣. جامع المقاصد: ٢ / ٢٠٨ .
٤. الجواهر: ٢٢ / ٢٠٦ .
٥. المكاسب: ص ٧٩ .
٦. جامع المقاصد: ٢ / ٢٠٨ .

ولان النقل هو الموافق لتعاريف البيع، بخلاف غيره؛ اذ لايراد ببعت مثلاً معنى الانتقال كما هو ظاهرو لاالعقد، و اِلاّ لكان ـ البيع ـ ايجاباً و قبولاً معاً و هو معلوم البطلان.
و كذا البائع فانه ليس بمعنى الناقل، و لابمعنى الموجب و المقابل.
و المطّرد في الجميع هو النقل، فيكون البيع موضوعاً له، اجراءً له على الاصل من لزوم التوافق مع الامكان.(١)
و اشكل على هذا التعريف الشيخ الانصارى رحمه‏الله قائلاً: و يرد عليه ـ التعريف ـ أنّ النقل ليس مرادفاً للبيع و لذا صرّح العلامة في تذكرة الفقهاء(٢) بان ايجاب البيع لايقع بلفظ نقلت، و جعله من الكنايات.(٣)
و التحقيق: اَن النقل اعم من البيع، و التعريف بالاعم مما لابأس به.
و قال المحقّق الاصفهاني رحمه‏الله : والتحقيق أن الغرض ان كان تعريف ماهية البيع فالنقل ليس جنساً للبيع و لا من لوازمه الخاصة فالتعريف فاسد، و ان كان تعريف المعاملة بما يشير اليها فالتعريف لفظي و تكفي فيه الملازمة الغالبية بين البيع و النقل(٤) و الامر كما أفاده.

١. الجواهر: ٢٢ / ٢٠٦ و ٢٠٧ .
٢. تذكرة الفقهاء: ١ .
٣. المكاسب، قسم البيع، ص ٧٩ .
٤. حاشية المكاسب: ١ / ١٥ .

الخلاصة:

١. البيع بحسب اللغة عبارة عن مبادلة مال بمال.
٢. ليس للبيع معنى معيّن بحسب الاصطلاح الفقهي.
٣. التعريف الاول: البيع هو انتقال عين مملوكة من شخص الى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي.
٤. التعريف الثاني: البيع عقد على انتقال عين مملوكة من شخص الى غيره بعوض مقدّر على جهة التراضي.
٥. التعريف الثالث: البيع هو نقل الملك من مالك الى اخر بصيغة مخصوصة.

الاسئلة:

١. ما هو الاشكال في تعريف البيع بالنقل؟
٢. ما هو الغرض الاصلي من التعريف هنا؟
٣. هل يصح تعريف البيع بالعقد؟
٤. هل البيع من مقولة المعنى؟
٥. هل النقل مرادف للبيع؟