المشهور أنّ التمسك باطلاق دليل البيع و عدم التمسك يرتبطان بتسمية البيع للسبب و
المسبّب، فاذا كان البيع اسماً للسبب (العقد) يتحقق المجال للتمسك باطلاق دليله،
وأمّا اذا كان اسماً للمسبب (النقل) لايفسح المجال للتسمك بالاطلاق تجاه الشك في
صحة العقد (السبب) لعدم شمول دليل المسبب على السبب.
كما قال المحقّق النائيني رحمهالله : إن الفقهاء فرّعوا التمسّك بالاطلاقات في
ابواب المعاملات على كون الفاظها اسامي للاسباب دون المسببات.
فلو تعلق الامضاء بالاسباب و كان السبب المشكوك في اعتبار شيء فيه، يتمسّك لصحته
باطلاق ما يدل على امضائه بعد كونه مصداقاً عرفياً لما تعلق به الامضاء.
و لو تعلق الامضاء بالمسبّب لايكون امضاؤه امضاءً للسبب، فعند الشك يرجع الى
الاشتغال نظير الشك في المحصل.
والاطلاق الراجع الى امضاء المسبّب لايكون متكفّلاً لامضاء سببه وحيث ان المطلقات
في ابواب المعاملات كلها راجعة الى امضاء المسبّبات فيشكل التمسك بها.
وقد اجاب المصنف (الشيخ الانصاري رحمهالله ): بان تلك المطلقات و ان كانت ناظرة
الى المسبّبات لكن امضاء المسبّبات يدل بالملازمة على امضاء اسبابها؛ لان امضاء
المسبّب عين امضاء سببه فامضاء الاحراق بالنار المسبّب عن الالقاء عين إمضاء
الالقاء.
فقال إن اتجاه الشيخ محل نظر: لمنع الملازمة بقول مطلق.(١)
١. تقريرات المكاسب: ١ / ١١١ ـ ١١٢ .
و عليه لم يتحقق هناك مجال للتمسّك بالاطلاق اللفظي و أما الاطلاق المقامي فلا مانع
من التمسك به هناك.
كما قال المحقّق الاصفهاني رحمهالله : اِنّ المعروف في باب التمسّك باطلاق ادلة
البيع انه إن كان موضوعاً للسبب صحّ اطلاقه بجميع انحائه.
و أمّا ان كان موضوعاً للمسبّب فامضاوه و تقريره اجنبي عن امضاء اسبابه و تقريرها،
فكيف يستدل باطلاق دليل المسبّب لتصحيح السبب.
و تصحيحه (التمسك) بما علم من بناء المصنف (الشيخ الانصاري رحمهالله ) من الفرق
بين السبب والمسبّب بالمصدر و اسم المصدر، و أن إيجاد الملكية متحد مع وجودها
بالذات و يختلف بالاعتبار، و مع هذا الاتحاد يكون امضاء المسمى بالمسبب امضاء
للمسمّى بالسبب، و ليس حال السبب والمسبّب هنا كغيره من الاثنينية بين السبب و
المسبّب، المانعة من كون امضاء احدهما امضاءً للاخر، ـ اتجاه راشد على رأيه الشريف،
و لكن يمكن النقاش فيه ـ من وجوه شتى.
والتحقيق أن لسان الادلة الشرعية تارة لسان الإمضاء، وأنه للشارع اعتبار الملكية
بالعوض كما ـ أنّ ذلك الاعتبار ـ للعرف.
و اخرى ـ تكون لسان الادلة ـ لسان ترتيب الحكم الذي لازمه الامضاء.
فإن كان الاول ـ لسان الإمضاء ـ فلا محالة يكون موضوع القضية هو النقل العرفي، فان
اعتبار النقل شرعاً لابد أن يكون ـ متصلاً ـ باعتباره عرفاً، حتى يعقل عنوان
الإمضاء.
ومن البيّن أنّ طبيعي النقل العرفي باعتبار اصناف اسبابه له حصص ـ قِطع ـ كل منها
ملزومة لصنف من طبيعي السبب؛ فمقتضى امضاء طبيعي النقل العرفي لجميع حصصه امضاء
السبب الُمحصّص بجميع اطواره، فعلى طبق كل حصة ـ فرد من افراد المعاملة ـ عرفاً،
حصة ـ فرد ـ شرعاً.
و ان كان الثاني ـ لسان ترتيب الحكم ـ فبمناسبة الحكم و الموضوع ليس موضوع جواز
التصرف تكليفاً و وضعاً إلاّ النقل الشرعي و التمليك الشرعي، و هو غير قابل للتوسعة
والتضييق، ـ لان النقل هو الفعل فليس له المجال للاطلاق اللفظي ـ فلا يعقل فيه
الاطلاق الكلامي.
نعم يعقل فيه الاطلاق المقامي؛ بمعنى أنهّ إذا كان الشارع في مقام ترتيب الاثر على
النقل الشرعي الذي يختلف وجوداً و عدماً بوجود محقّقه ـ عامل ايجاده ـ شرعاً و عدمه
ـ عدم العامل ـ و مع ذلك لم يعيّن له محققاً خاصاً يعلم منه أنّ كل ما هو محقّق له
عرفاً فهو محقّق له شرعاً، و موارد الإستثناء من باب التخصيص في التلازم المستفاد
من اطلاق المقام»(١).
و مهما يكن فلإطلاق ادلة البيع هناك مجال قطعاً، ولايهمّنا الاختلاف في نوعية
الاطلاق ـ الكلامي و المقامي ـ بعد ما كانت نتيجة الاطلاق ـ الشمول و نفي الشكوك ـ
واحدة، و بالتالي فكون البيع اسماً للمسبّب لايمنع من تحقق الاطلاق(٢).
١. حاشية المكاسب: ١ / ٢٢ و ٢٣ .
٢. هناك مجال للتحقيق حول الاطلاق الكلامي في الكتب الاصولية.
١. اذا كانت المعاملات موضوعة للاسباب ـ العقود ـ يتحقق المجال للاطلاق و اذا كانت
موضوعة للمسبّبات ـ النقل ـ فلا مجال للتمسك بالاطلاق على ما هوالمشهور.
٢. اذا كانت المطلقات متعلقة بامضاء المسبّبات كانالاصل عندالشك هناك الاشتغال.
٣. يمكن التمسك بالإطلاق هناك على القول بالوضع للمسبب، على ما أفاده الشيخ
الانصاري؛ قائلا: أن ايجاد الملكية ـ السبب ـ يتحد مع وجود الملكية ـ النقل ـ
ذاتاً، فعليه لاينفك امضاء السبب عن امضاء المسبّب؛ فيشمل اطلاق دليل السبب على
المسبّب.
٤. يمكن التمسك هناك بالاطلاق المقامي على مسلك المحقّق الكمباني.
٥. لافرق بين الاطلاق الكلامي و الاطلاق المقامي في النتيجة.
١. ماهو الدليل لعدم جوازالتمسك بالاطلاق اذا كانت المعاملات موضوعة للمسبّبات؟
٢. ما هو الدليل لجواز التمسك بالاطلاق اذا كانت المعاملات موضوعة للاسباب؟
٣. ما هو المورد لاصالة الاشتغال في مجال السبب و المسبّب؟
٤. ما هو معنى القول بأنّ الفرق بين السبب و المسبّب هوالفرق بين المصدر و اسم
المصدر؟
٥. ما هو معنى الاطلاق المقامي؟
إنّ من آراء المحقّقين ما يرشدنا الى نفي السببية في باب المعاوضات المالية،
فيقال: إن العلاقة بين العقد و أثره ليست علاقة قائمة بين السبب و المسبّب، و عليه
فتنتفي الأرضية للبحث في تحقق الاطلاق لدليل البيع و عدم تحققه نتيجة للاختلاف في
تسمية المعاملة للسبب و المسبّب لانتفاء التسبيب هناك من الاساس.
كما قال المحقّق النائيني رحمهالله : «الحق بطلان ذلك ـ التسبيب ـ رأساً؛ و ذلك
لأنّ باب المنشأ بالفاظ الانشاء ليس من باب المسبّبات و الاسباب، بل هو من قبيل
ايجاد ذي الآلة بآلة ايجاد، فالآت العقود الآت لايجاد المعاني الانشائية بها.
توضيح ذلك: أنّ السبب يطلق على موردين:
الاول: الشيء الذي يكون من المقدمات الاعدادية لشيء آخر كما يقال: القاء البذر سبب
لصيرورته سنبلاً، أي انه من العلل المعدّة للسنبل، و ترتّب المُعَدّ له على المُعِد
ـ يتوقف ـ على امور خارجة عن فاعل ـ السبب ـ كتوقف السنبل على امور كثيرة بعد القاء
البذر من الامور الخارجة عن قدرة الزارع.
والثاني: العلة التامة للشيء الذي لايكون بينه و بينها امور غير اختيارية، مثل
الالقاء و الإحراق، فان الالقاء ـ في النار ـ علة تامة للاحراق و يكون الالقاء
فعلاً مباشرياً، و الاحراق فعلاً تولدياً، و كلاهما يستندان إلى الفاعل، لكن
الالقاء يستند اليه ـ بدون الواسطة ـ لكونه صادراً عنه بالمباشرة و أنه متعلق
ارادته أوّلاً ـ و بالذات، و الاحراق مستند اليه ـ مع الواسطة ـ لكونه مترتباً على
فعله المباشري و مقدوراً له بالواسطة، و متعلق ارادته ثانياً و بالعرض.
و اما الفعل المباشري ـ بدون التسبيب ـ الصادر عن الفاعل إِما ان لا يتوقف صدوره
عنه على آلة كايجاد النفس للصور الذهنية في صقعها.
او يتوقف صدوره عنه على آلة، كالكتابة المتوقفة على القلم، فاحتياج الكتابة الى
القلم لاتخرج الكتابة عن حيّز قدرة الفاعل اوّلاً و بالذات، لكن صدوره عنه كان
باستعانة القلم، فهو يكتب بالمباشرة، لا أنه يفعل شيئاً تترتب عليه الكتابة قهراً
مثل فعل الالقاء المترتب عليه الاحراق.
اذا ظهر ذلك، فنقول: صدور هذه المعاني ـ المعاملات ـ الايجادية عن الفاعل يكون
بالمباشرة، لكن باستعانة تلك الالفاظ في انشائها و ايجادها.
و هذه المنشآت ـ المعاملات ـ بنفسها مخترعات و موجودات بالايجاد و الانشاء إلاّ
أنها تحتاج الى آلة من قول او فعل، نحو حاجة الكتابة الى القلم، فلا يصّح وصفها
بالمسبّبات، ولا وصف آلاتها بالاسباب.
و على هذا فامضاء المنشأ بالانشاء (البيع مثلاً) عين امضاء انشائه بالآلة المعدّة
(العقد) لانشائه.
و ظهر انه لااشكال في التمسك بالاطلاقات لو كان باب المعاملات باب المنشأ و الانشاء
و آلة الانشاء»(١).
١. تقريرات: ١ / ١١٢ ـ ١١٧ .
و يمكننا تلخيص ما افاده المحقّق النائيني رحمهالله : بعبارة واضحة و هو أنّ جوهر كلامه ينتهي الى الفرق الموضوعي بين المباشرة و التسبيب، فان مباشرة الاعمال تختلف عن تسبيب الاعمال اختلافاً مبدئياً، فافاد معلناً أن العمل الانشائي ـ كالبيع مثلاً ـ يوجد بالانشاء مباشرة بدون و اسطة شيء آخر في ذاك الحقل و عليه فلا مجال للاشكال على شمول دليل المسبّب (البيع) على السبب (العقد) ذلك لأنّ المباشرة الحاكمة في المنشآت تنفي التوسيط و السببيّة عنها، و بالتالي فدليل المنشأ (البيع) هو دليل الانشاء (العقد)؛ لعدم التفكيك، و في ضوء ذلك الرأي يتمسك باطلاق ادلة البيع عند الشك في شرطية شيء او جزئيته للعقد و يُنفى الشك نتيجة للتمسك بالاطلاق.
قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : «التحقيق أن لفظ البيع (مثلاً) ليس اسماً للسبب،
و لا اسماً للمسبّب، بل إنّما هو إسم للاعتبار المبرز بمبرز خارجي فعلي أوقولي، و
اذن فلامانع من التمسك بالاطلاقات و العمومات الدالة على صحة البيع و لزومه»(١).
و عليه فدليل البيع هو دليل ذلك الاعتبار نفسه، فيتمسك باطلاق الدليل لصحة
المدلول(٢).
١. مصباح الفقاهة: ٢ / ١٠٠ .
٢. هناك مجال للتحقيق حول السبب و المسبّب في الكتب الاصولية و الفقهية.
١. في ضوء مسلك نفي السببية، يقال: بانّ الانشاء و المنشأ يختلفان عن
السبب و المسبّب.
٢. العقود ـ على رأي المحقّق النائيني ـ الآت لايجاد المعاني الانشائية بها، و ليست
اسباباً لها.
٣. صدورالمعاني الانشائية عن الفاعل يكون بالمباشرة باستعانة لفظ العقد.
٤. لا اشكال في التمسك بالاطلاق على مسلك نفي السببية عند الشك في شرطية شيءبالنسبة
الى المعاملات.
٥. التحقيق ان العهد المعاملي ليس اسماً للسبب و لاللمسبّب، بل هو اسم للاعتبار
المبرز بمبرزٍ ما، و اذن فلامانع من التمسك بالاطلاق.
١. ما هو الدليل على عدم كون الانشاءات و المنشأت من الاسباب و
المسبّبات؟
٢. ما هو معنى الآلة و ذي الالة في باب المعاملات؟
٣. ما هو الفرق بين المباشرة و التسبيب في قسم المعاملات المالية؟
٤. ما هو معنى الاستعانة من لفظ العقد في انشاء المعاملة؟
٥. ما هو معنى اعتبار المبرز بمبرزٍما؟
نتحدّث هنا في الرابطة القائمة بين التمسك بالاطلاق و بين وضع المعاملات للأعم
من الصحيح و الفاسد.
وتفصيل البحث فيمايلي:
قال الشهيد الثاني رحمهالله : «إنّ اطلاق البيع و غيره من العقود حقيقة في الصحيح،
مجاز في غيره؛ لوجود خواص الحقيقة و المجاز فيهما، كمبادرة المعنى إلى ذهن السامع
عند اطلاق قولهم: باع فلان داره، و من ثم حمل الاقرار به عليه، حتى لو ادعى ارادة
الفاسد لم يسمع اجماعاً، ولو كان مشتركاً بين الصحيح و الفاسد لقبل (صحّ) تفسيره
باحدهما كغيره من الالفاظ المشتركة، و انقسامه الى الصحيح و الفاسد اعم من
الحقيقة»(١).
١. مسالك الافهام: ٢ / ١٥٩ .
٢. هناك مجال للتحقيق حول الصحيح و الاعم في الكتب الاصولية.
فيثبت كون البيع و غيره حقيقة للصحيح المؤثر (جامع الأجزاء و الشروط) للتبادر.
ولكن للنقاش هنا مجال واضح(٢) كما قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : «و قد نوقش في
ذلك ـ رأي الشهيد ـ بان مفهوم البيع امر عرفي، و هو الذي يمضيه الشارع تارة و يردّه
اخرى، و عليه فلايعقل اخذ الصحة الشرعية في مفهومه إلاّ على القول بثبوت الحقيقة
الشرعية في الفاظ العقود، و هو بديهي البطلان؛ اذ على القول بالحقيقة الشرعية في
الفاظ العبادات فلاوجه لثبوتها في الفاظ المعاملات، و انّما هي موضوعة
للمفاهيم العرفية التى امضاها الشارع تارة و ردّها اخرى»(١).
و في ضوء هذه المناقشة لايمكننا المساعدة على كون البيع حقيقة للصحيح، ذلك لكون
المعاملات مفاهيم عرفية قطعاً، فلا ارضية لكونها حقيقة للصحيح المؤثر شرعاً و
الاستناد الى التبادر لايفيد شيئاً، لان التبادر هنا ليس متجسداً من وضع اللفظ كما
قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : «و اما ماحكاه عن الشهيد الثاني رحمهالله من
الاستدلال على الوضع للصحيح بالتبادر و صحة السلب عن الفاسد، و الاخذ بالاقرار،
فيرد عليه أنّ ذلك من جهة الانصراف الناشيء من القرائن الخارجية»(٢).
و قال الشيخ الانصارى رحمهالله : «و يشكل ما ذكره الشهيد، بان وضعها للصحيح يوجب
عدم جواز التمسك باطلاق نحو احل الللّه البيع، و اطلاقات ادلة سائر العقود في مقام
الشك في اعتبار شيء فيها ـ لان الشك هناك ينتهى الى الشك في تحقق المصداق، و لامجال
للتمسك بالعام في الشبهة المصداقية ـ مع أنّ سيرة علماء الاسلام التمسك بها في هذه
المقامات»(٣).
قال المحقّق الخراسانى تبعاً للشهيد رحمهالله : «لايبعد دعوى كونها ـ المعاملات ـ
موضوعة للصحيحة، و أنّ الموضوع له هو العقد المؤثر لأثر كذا شرعاً و عرفاً، ـ الى
ان قال ـ : ان كون الفاظ المعاملات اسامي للصحيحة، لايوجب اجمالها كالفاظ العبادات،
كي لايصحّ التمسك باطلاقها عند الشك في اعتبار شي في تأثيرها شرعاً؛ و ذلك لان
اطلاقها لو كان مسوقاً في مقام البيان، يُنزّل على أن المؤثّر عندالشارع هوالمؤثّر
عندالعرف، و لا يعتبر في تأثيره عنده غيرما اعتبر فيه عندهم، كما يُنزّل عليه اطلاق
كلام غيره، حيث اَنّه منهم ـ و هذا هو الاطلاق المقامي ـ .
و لو اعتُبر في تأثيره ما شك في اعتباره كان عليه البيان و نصب القرينة عليه، و حيث
لم ينصب، بان ـ ظهر ـ عدم اعتباره عنده ايضاً.
و لذا يتمسكون بالاطلاق في ابواب المعاملات مع ذهابهم الى كون الفاظها موضوعة
للصحيح»(٤).
١. مصباح الفقاهة: ٢ / ٩٤ .
٢. محاضرات: ٢ / ٤٠ .
٣. المكاسب: ص ٨٠ .
٤. كفاية الاصول: ١ / ٥٠ .
فعليه يكفي في تحقق المصداق، فهم العرف، والشك في شيء زائدٍ عليه ينفي بالاطلاق
المقامي، ولا يكون التمسك هناك من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية؛ لتحقّق
المصداق عرفاً.
و قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : «والتحقيق أنّ القول بوضع الالفاظ في المعاملات
للصحيح باطل جزماً؛ و ذلك لان البيع و نحوه من الفاظ المعاملات لمتوضع اِلاّ
لاعتبارات خاصة مبرزة بمبرز ما في الخارج.
فالبيع مثلاً موضوع لاعتبار تبديل العين بالعوض في الملكية المتعقب بالقبول اذا
أبرز في الخارج، سواء لحقه الإمضاء العرفي او الشرعي، او لم يلحقه، فيصدق عنوان
البيع على الاعتبار المبرز ولو لم يكن في العالم شرع و لاعاقل، سوى المتبائعين ، و
عليه فلادخل لامضاء العقلاء في صدق مفهوم البيع، فضلاً عن دخل الامضاء الشرعي فيه.
و معه جاز التمسك باطلاق دليله مهما شك في اعتبار شيء في صحته عرفاً او شرعاً، من
دون فرق.
و بذلك يظهر أن التمسك بالاطلاق على ما سلكناه أوسع من التمسك به على التقريب (من
صاحب الكفاية) المتقدّم»(١).
كما قال الامام الخميني رحمهالله : لاينبغي الريب في جواز التمسك بالعموم و
الاطلاق لرفع الشك في اعتبار شيء زائد على المسمّى سواء كانت الالفاظ لدى العقلاء
موضوعة للصحيح عندهم او الاعم.(٢)
و مهما يكن فلا مانع من التمسك بالاطلاق في باب المعاملات على شتّى المباني.
١. مصباح الفقاهة: ٢ / ١٠٠ .
٢. كتاب البيع: ١ / ٨٣ .
١. العقود حقيقة في الصحيح و مجاز في غيره، على رأي الشهيد.
٢. يشكل التمسّك بالاطلاق، على القول بوضع المعاملات للصحيح.
٣. يمكن التمسّك بالاطلاق المقامي، ولو قلنا بوضعالمعاملات للصحيح على رأي
المحقّقالخراساني.
٤. التحقيق ان القول بوضع الالفاظ في المعاملات للصحيح باطل جزماً، لان المعاملات
لم توضع اِلا لاعتبارات خاصة.
٥. يجوز التمسك بالاطلاق على القول بوضع المعاملات للاعتبار الخاص في مطلق الاحوال.
١. ما هو الدليل على أنَّ المعاملات موضوعة للصحيح؟
٢. ما هو الاشكال بالنسبة اِلى التمسك بالاطلاق على القول بالوضع للصحيح؟
٣. هل السيرة منالعلماء على التمسك بالاطلاق في المعاملات او على عدم التمسك؟
٤. ما هو الدليل على تحقق الاطلاق المقامي هناك؟
٥. ما هو الدليل على كون المعاملات موضوعة لاعتبارات خاصة؟
اذا شككنا في شرطية شيء اوجزئيته في صياغة معاملة، و لم يكن هناك عموم و اطلاق من الادلة اللفظية، يفسح المجال للاصول العملية و القواعد الفقهية، و هي كمايلي:
قال المحقّق صاحب الجواهر رحمهالله : انّ هناك يتمسّك:«باستصحاب بقاء سلطة المالك، التي ينبغي الاقتصار في الخروج عنها على المتيقّن»(١).
قال الشيخ الانصاري رحمهالله : «إن المرجع عند الشك في شرطية شيء هناك، اصالة
عدم الملك، [وقال:] فالخروج عن اصالة عدم الملك ـ في غير المتيقّن ـ مشكل».(٢)
إنّ أصالة عدم الملك هنا بحسب الحقيقة هي استصحاب عدم الملك، و عليه فيكون هذا
الاصل بالذات مع استصحاب بقاء الملك، من سنخ واحد (الاستصحاب) و يتّحدان بالانتاج
ايضاً، فانّ نتيجتهما هي الحكم بفساد المعاملة المشكوكة. و الاختلاف في التعبير
ناشيء عن الاختلاف في المنسوب اليه.
فاذا نجري الاصل بالنسبة الى المالك، نعبّر عنه باستصحاب بقاء الملك للمالك و اذا
نجري الاصل بالنسبة الى المشتري نعبّر عنه باصالة عدم الملك.
١. الجواهر: ٢٢ / ٢٢٠ .
٢. المكاسب، قسم البيع: ٨٤.
هذا اذا كان المقصود من العدم ـ في اصالة العدم ـ هو العدم النعتي، و أما إذا أردنا من العدم هناك، العدم الازلي، يختلف هذان الاصلان إختلافاً نوعياً؛ و النتيجة واحدة(١).
قال المحقّق الإيرواني رحمهالله : «لامانع من هذه الأصالة ـ البراءة ـ بناء على
جريان البراءة في الاحكام الوضعية، كما يظهر من استدلال الامام عليهالسلام بحديث
الرفع على فساد طلاق المكره و عتاقه، فينفي باصالة عدم الوجوب، وجوب كل خصوصية شك
فيها، بمعنى عدم دخلها في تأثير السبب، و عدم كونها من اجزاء السبب، و لايبقى معها
مجال للرجوع الى استصحاب عدم تحقق النقل و الانتقال؛ لأنّ هذا في مرتبة السبب، وذاك
في مرتبة المسبّب، و الاستصحاب اِنّما يقدّم على اصالة البراءة حيث يكونان في مرتبة
واحدة».(٢)
و قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : «و قد ناقش ـ في أصالة عدم الملك هناك ـ المحقّق
الايرواني رحمهالله ، بانه لامانع من جريان اصالة البراءة من الشروط التي يشك في
اعتبارها في تأثير العقود و الايقاعات كما يظهر من استدلال الامام عليهالسلام
بحديث الرفع على فساد طلاق المكره، و عتاقه.
و تندفع هذه المناقشة، بان حديث الرفع و ان كان يشمل الاحكام الوضعية ـ كشموله
للاحكام التكليفية ـ اِلا انّه لايعم خصوص الجزئية و الشرطية و المانعية؛ ضرورة
اَنّ هذه الامور الثلاثة امور غير قابلة للوضع (لكونها اموراً انتزاعية) فلا تكون
قابلة للرفع ايضاً، اِلا برفع منشأ انتزاعها.
و عليه فاذا شك في شرطية شيء او جزئيته او مانعيته لم يجز الرجوع فيها الى البراءة.
اما استدلال الامام عليهالسلام في بعض الروايات بحديث الرفع على فساد طلاق المكره
و عتاقه(٣) فهو بعيد عما نحن فيه؛ بداهة اَنّ صحة العقود و الايقاعات بنفسها قابلة
للوضع، فتكون قابلة للرفع ايضاً بحديث الرفع.
و من هنا يحكم بفسادها اذا صدرت كرهاً، و اذن فلا وجه لقياس الصحة و الفساد
بالجزئية و الشرطية و المانعية».(٤)
١. هناك مجال للتحقيق حول العدم الازلي في الاصول، خاصة في تقريرات
السيد الخوئي.
٢. حاشية المكاسب: ٨٩ .
٣. الوسائل: ١٣ / ٢٢٦ .
٤. مصباح الفقاهة: ٢ / ٢٧٠ و ٢٧١ .
إنّ اَصالة الفساد في المعاملات تنبثق من أصالة عدم الاثر، و تكون كقاعدة فقهية
متسالم عليها عند الفقهاء.
و معنى تلك القاعدة مايلي:
قال الفاضل النراقي رحمهالله : «و ملخص القاعدة، أنّ الاصل عدم ترتب الاثر اِلاّ
على ما علم ترتّبه عليه شرعاً، و لايعلم ذلك إلاّ بجعل الشارع، و لايحصل جعله اِلاّ
بنحو قوله البيع كذا... و إن علّم معناه، و علّم شرطاً له ايضاً، كما أنه علّم لزوم
التنجيز ـ و علّم أنّه ـ لايصح التعليق، فيحكم بتحقق هذه المعاملة بتحقق هذا ـ
المعنى ـ مع ذلك الشرط.
و ان لم يعلم له معنى ـ أو شرطاً ـ فيحكم بعدم ترتب الاثر كما هو مقتضى الاصل،
اِلاّ فيما علم تحقق المعاملة».(١)
و بعد تبيين معنى القاعدة تبيّن لنا أنّ مقتضى الاصل ـ عند الشك في صحة المعاملات ـ
هو الفساد. كما قال المحقّق الخراساني رحمهالله : «لو شك في اعتبار شيء فيها ـ
المعاملات ـ عرفاً، فلا مجال للتمسك باطلاقها في عدم اعتبارها، بل لابد من اعتباره؛
لأصالة عدم الاثر بدونه»(٢).
فتبيّن لنا أن هذا الاصل هو حاكم بلا معارض في المعاملات كافة كما قال المحقّق
النائيني رحمهالله : «الاصل في جميع موارد الشك في صحة المعاملة يقتضي الفساد؛
لأصالة عدم ترتّب الأثر على المعاملة الخارجية ـ التي شك في صحتها ـ و أصالة بقاء
متعلقها على ما كان عليه قبلها»(٣).
فتبيّن لنا بكل وضوح، أنّ مدرك القاعدة ـ اصالة الفساد ـ هنا، استصحاب العدم. كما
قال سيّدنا الاستاذ رحمهالله : «والوجه في ذلك، ـ الاصل ـ أنّ نتائج العقود و
الايقاعات ـ من الملكية و الزوجية و العتاق و الطلاق ـ امور حادثة و مسبوقة بالعدم،
كما أنّ نفس العقود و الايقاعات كذلك، فاذا شككنا، في تحققها في الخارج من ناحية
بعض ما يعتبر فيها من الشروط كان الاصل عدمه، و حينئذٍ فيحكم بفسادها»(٤).
فتمّ ما يقال: أنّ الاصل في المعاملات الفساد، و الصحة بحاجة الى الاثبات.
١. عوائد الأيّام: ١٥٢.
٢. كفايةالاصول: ١ / ٥٠ .
٣. اجود التقريرات: ١ / ٣٩٣ .
٤. مصباح الفقاهة: ٢ / ٢٧١ .
١. من الاصول العملية عند الشك في العقود، استصحاب بقاء الملك.
٢. اصالة عدم الملك تجرى عند الشك في صحة العقود.
٣. اصالة البراءة، تنفي الاشتراط عند الشك في شرطية شيء للعقد.
٤. البراءة تجري في مرحلة السبب و الاستصحاب يجري في مرحلة المسبّب.
٥. أصالة الفساد في المعاملات، تفيد عدم ترتيب الاثر على المعاملة التي شك في
صحتها.
١. هل تتم اركان الاستصحاب في بقاء الملكية ؟
٢. ما هو الفرق بين استصحاب بقاء الملك، واصالة عدم الملك؟
٣. ما هو الدليل على جواز التمسك بالبراءة هناك؟
٤. هل المقصود من عدم الملك هناك هو العدم النعتي او العدم الازلي؟
٥. ما هو مدرك الاعتبار بالنسبة الى اصالة الفساد؟