البحث الاوّل

ما هو العقد؟

إنّ للعقد معانٍ شتّى و أهمّها معنيان:
١. المعنى المشهور عند كافّة الفقهاء.
٢. المعنى المختار عند المحقّقين الاصوليين.
و تفصيل البحث بمايلي:
قال المحقّق صاحب‏الجواهر رحمه‏الله : العقود جمع العقد، و هو لغة: ضدّ الحلّ،(١) و شرعاً: قول من المتعاقدين، أوقول من احدهما و فعل من الاخر، رتّب الشارع الاثر المقصود عليه ـ إلى أن قال: ـ يتبيّن من كلام الفقهاء: تعريف (العقود) بأنها المشتملة على الايجاب و القبول؛ أو بانّها المشتملة على رضى الطرفين؛ أو بانّها المتضمنة لقصد الجانبين، ـ و يتبين ـ : تعريف (الايقاعات) بانّها ايجابات، أو بانّها قصد من جانب واحد، أو بانّها رضى كذلك(٢). فالعقد بحسب الاصطلاح الشرعي، هو الايجاب و القبول. كما قال المحقّق الحلّي رحمه‏الله : العقد اسم للأيجاب و القبول(٣).
و هذا هو المشهور عند الفقهاء و المتيقّن من الادلّة، و أصحّ مصاديق العقد وأتمّها.
و على هذا الاساس كانت المعاملة المعاطاتية خارجة عن نطاق العقد خروجا موضوعيا، فلا يمكننا أن نتمسّك بأدلّة العقود تجاه صحّة المعاطاة و لزومها.

١. لسان العرب: ٣ / ٢٩٦ .
٢. الجواهر: ٢٢ / ١ .
٣. شرائع الاسلام: ٣ / ١٧٧ .

والتحقيق أن العقد هو العهد الموثّق، كما قال المحقّق الخراساني رحمه‏الله : انّ العقد  عهد مؤكّد.(١) و ذلك؛ لان العقد لغةً هو العهد الآكد. كما قال ابن منظور: العقد: العهد، و الجمع العقود و هي أوكد العهود؛ عاقدته أو عقدت عليه فتأويله: الزمته ذلك باستيثاق.(٢) و هذا هو معناه العرفي و الشرعي، ذلك؛ لعدم ثبوت النقل عن المعنى اللغوي. و هذا المعنى من العقد هو المختار عند المحقّقين، كما قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : أنّ معنى العقد لغة و عرفاً هو العهد المؤكد. و قال في تقرير اخر: العقد عبارة عن العهد الموثق.(٣)
و قال المحقّق الاصفهاني رحمه‏الله : كان العقد في قوله تعالى «اوفوا بالعقود» عبارة عن العهد المؤكد.(٤)
و قال سيدنا الاستاذ رحمه‏الله : و معنى العقد ـ مع توصيف هو ـ العهد الوثيق كما صرّح به بعض أهل اللغة.(٥) و هذا معناه العرفي، بحسب الاستعمال. و العقد الشرعي ينطبق على كل ما صدق عليه عنوان العقد عرفاً(٦).
و قد يتوهم أن العقد ينصرف الى العهد اللفظي ـ الايجاب و القبول ـ و هذا المعنى هو المتبادر من العقد عرفاً، و عليه فلا يصدق العقد على المعاطاة؛ للشك في مصداقيتها للعقد.
و يقال ردّا على هذا التوهم، أن العقد اللفظي إنما يكون أتم المصاديق و ليس تمام المصداق.
كما قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : و توهّم اعتبار اللفظ في صدق العقد واضح البطلان، فان العقد عبارة عن شدّ احد الالتزامين و عقده بالاخر، سواء كان هناك لفظ أم لم يكن، فيعمّ المعاطاة(٧).

١. حاشية على المكاسب: ص ١٥ .
٢. لسان العرب: ٣ / ٢٩٧ .
٣. منية الطالب: ٢ / ٨٩ ؛ تقريرات المكاسب: ١ / ١١٢ .
٤. حاشية المكاسب: ١ / ٦٣ .
٥. القاموس: ١ / ٣١٥ .
٦. مصباح الفقاهة: ٢ / ١٦٨ .
٧. المحاضرات: ٢ / ٦٧ .

 فعليه لامجال لتوهم التبادر هناك و ذلك؛ لان نطاق العقد بحسب العرف و اللغة واسع فيشمل العهد اللفظي و الفعلي، اِلاّ أنّ العهد اللفظي أتمّ مصاديق العقد و أكملها، و الذي يؤكّد المطلوب (العقد هو العهد) ما ورد في صحيحة  عبداللّه‏بن سنان عن الامام الصادق عليه‏السلام أنّه قال: «قوله تعالى «اوفوا بالعقود» ـ اي ـ بالعهود»(١). فالعقود هيالمعاهدات العقلائية بشتّى أنواعها(٢). و بما أن العقد لم يكن مرادفا للعهد، طبعا كان العقد قسم من العهد و هو العهد الموثق، جمعا بين المفهومين بحسب فهم الفقهاء.

اقسام العقود:

إنّ تقسيم العقود ـ موجزاً ـ هو تقسيمه باللازم و الجائز، و اما التقسيم بالتفصيل فهو بمايلي: قال المحقّق النائيني؛ إنّ العقود تنقسم إلى اذنية و عهدية، و المراد بالاذنية ما يتوقف على الاذن حدوثاً و بقاءً، كالوكالة. وفي ادراجها في العقود مسامحة.
و المراد بالعقود العهدية هي ما تشمل على العهد و الالتزام، و هي تنقسم الى تعليقية و تنجيزية.
و المراد بالتعليقية ما كان المنشأ معلّقاً على امر كالوصية، و المراد بالتنجيز ما لم تكن كذلك ـ كالبيع ـ و كل واحد منهما ينقسم الى تمليكية و غير تمليكية ـ فالتعليقية التمليكية كالوصية التمليكية، و غير التمليكية كالوصية العهدية، و التنجيزية التمليكية كالبيع و غير التمليكية كالصلح على الحقوق ـ .
و التمليكية ـ التنجيزية ـ تنقسم اِلى ما يتعلق بالاعيان، و اِلى ما يتعلق بالمنافع، و كلّ واحد منهما إمّا معوضة أو غير معوضة.
فالمعوضة المتعلقة بالاعيان مثل البيع، و غير المعوضة المتعلقة بها كالهبة.
و أما العقود التمليكية ـ التنجيزية ـ المعوضة المتعلقة بالمنافع فكالاجارة.
و اما غير المعوضة المتعلقة بالمنافع فكالعارية(٣).
فاصبحت الاقسام سبعة و لكل قسم اثار ايجابية على الصعيد الاقتصادي.

١. تفسير القمي: ١ / ١٦ .
٢. هناك مجال واسع للتحقيق و المطالعة حول العقد في التفاسير و المعاجم.
٣. تقريرات المكاسب: ١ / ٨١ ـ ٨٣ .

الخلاصة:

١. إن ابرز مصاديق العقد، هو العقد اللفظي.
٢. العقد هو العهد، لغة و عرفاًو نصّاً.
٣. ينقسم العقد الى اللازم و الجائز على ما هو المشهور.
٤. إن العقد ينقسم الى الاذني و العهدي، و العهدي تنقسم الى التعليقي و التنجيزي و كل منهما ينقسم الى التمليكي و غير التمليكي على ما افاده المحقّق النائيني.
٥. اقسام العقد بحسب التفصيل سبعة.
 

الاسئلة:

١. هل يشمل العقد المعاطاة؟
٢. ما هو الدليل على ان معنى العقد عرفاً هو العهد؟
٣. ما هو الفرق بين العقد و الايقاع؟
٤. ما هو معنى العقد التعليقي؟
٥. هل العقد اللازم هو العقد العهدي؟

البحث الثاني


الادلّة العامة على صحة المعاملات:

ان الادلة التي تدل على صحة المعاملات، تكون على قسمين:

١ـ الدليل العام بالنسبة الى النوع الخاص.
٢ـ الدليل العام بالنسبة الى شتّى الانواع.

اما الاول: ـ الدليل للنوع الخاص ـ فهو عبارة عن الدليل الذي دلّ على صحة معاملة خاصة و شرعيتها، كدليل البيع و دليل الاجارة و دليل المضاربة و ما يماثلها، فلكلٍّ عموم في اطاره الخاص. و نأخذ بالتمثيل من دليل البيع، و هو قوله تعالى:«أحلّ اللّه‏ البيع»(١) فان لفظ البيع بحسب الصياغة الادبية، مفرد محلّى باللام،و ليست اللام هنا للعهد قطعاً، فتكون للجنس طبعاً، فاذن له ـ البيع ـ ارضية مساعدة للعموم، ومن حسن الحظ انه تماميّة مقدمات الحكمة هنا، فيتحقق له ـ البيع ـ الشمول لكافّة البيوع.
فدلّ قوله تعالى: «احلّ اللّه‏ البيع» على حلّية (الصحة، بتناسب الحكم و الموضوع) البيع بشتّى انواعه.
كما قال شيخ الطائفة رحمه‏الله في البيع الذي يشك في صحته من جهة الربا: الاصل جوازه ـ جواز البيع المشكوك ـ؛ لقوله تعالى: «احلّ اللّه‏ البيع»(٢). فيتبين من بيان الشيخ أن مفاد الاية المتلوة، هو عموم الجواز، كقاعدة كلية ـ الاصل ـ يمكن التمسك بها تجاه الشك في جواز بيع من البيوع.
و قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : الاية ـ المتلوة ـ تدلّ على مشروعية مسمّاه ـ البيع ـ مطلقاً بحالها لامعارض لها(٣). فالاية دليل عام يشمل كافة البيوع.

١. البقرة / ٢٧٤.
٢. المبسوط: ٢ / ٩٣ .

و قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله إن لقوله تعالى «احل اللّه‏ البيع» عموماً: حيث أنه يدلّ على شمول الحكم لجميع افراد مدخوله(١) و الاشكال بأنّ الاية تكون في مقام اصل التشريع فلا اطلاق لها، مجال له، لأنّ الاية بحسب صياغتها الادبية تكون عامة شاملة، و بما أن البيع من الامور الامضائية لا تكون الاية في مقام اصل التشريع بل تكون في مقام البيان. و يؤكد ذلك تحريم الربا هناك.
و مهما يكن فالاية المتلوة تكون من الادلة العامة التي تفيد الصحة، بالنسبة الى مختلف البيوع.
و اماالثاني: الدليل العام لمختلف الانواع، فهو مايلي:
١. قوله تعالى: «لاتأكلوا اموالكم بينكم بالباطل اِلا ان تكون تجارة عن تراضٍ».(٢)
بما أن كلمة التجارة واجدة لشروط الاطلاق بحسب المعايير الاصولية، و بما أن نطاقها اوسع من مدى معاملة خاصة، دلّت الاية المتلوة على صحة كل معاملة مالية تصدق عليها التجارة مع التراضي عرفاً.
فتكون الاية من الأدلة العامة التي تدل على الصحة لمختلف المعاوضات. كما قال المحقّق صاحب الجواهر رحمه‏الله : المراد بها ـ التجارة ـ مطلق المعاوضة، نحو قوله تعالى: «إلا أن تكون تجارة عن تراض»، كما عن مجمع البحرين قال: التجارة بالكسر هي انتقال شيء مملوك من شخص إلى آخر بعوض مقدر على جهة التراضي(٣)، لا أنّ المراد بها الصناعة المعروفة، و ان قيل: انها المتبادر منها، بل هو المستفاد من اهل اللغة، إلاّ أنّ ذلك لاينافي ارادة غيره منه في خصوص المقام (بحث المعاملات) لمعلومية عدم اعتبار ذلك في التجارة المبحوث عنها هنا(٤). فالمراد بالتجارة في باب المعاملات مطلق المعاوضة المالية عن رضا المتعاملين، وفقاً للمعنى اللغوي فتم المطلوب.

١. الجواهر: ٢٢ / ٢١٩ .
٢. محاضرات: ٥ / ١٥١ .
٣. النساء / ٢٨ .
٤. مجمع البحرين: ٣ / ١٠٣ .
٥. الجواهر: ٢٢ / ٥ .

البحث عن نوعية الاستثناء في اية التجارة:

من الجدير بالذكر أن الاستثناء في الاية ـ إلا أن تكون تجارة ـ يمكن أن يكون من الاستثناء المتصل، و يمكن ان يكون من الاستثناء المنقطع، و التفصيل مايلي:
قال المحقّق النائيني رحمه‏الله ان كان الاستثناء من نوع المنقطع: يفيد نفوذ كل تجارة عن تراض لخروجها ـ موضوعاً ـ عن اكل المال بالباطل.
و ان كان من نوع المتّصل: يكون معنى الآية: لاتتصرّفوا في اموالكم بنحو من الانحاء فانّه باطل إلا تجارة عن تراض.(١)
و هناك بحث حول صياغة الاية الادبية، نراه جديراً بالذكر و هو بمايلي: قال سيدنا الاستاذ رحمه‏الله : إنّ الاية الشريفة دلّت على انحصار جواز التصرف في اموال الناس بما يكون تجارة عن تراض عرفاً.

و بيان ذلك بوجهين:

الوجه الاول أنّ المراد من الاكل في الاية الكريمة ليس هو الازدراد على ما هو معناه الحقيقي، بل انما هو كناية عن التملك، و إن لم يكن ذلك المال من جنس المأكولات كالدار و البستان و الدكان و اشباه ذلك و قد تعارف هذا النحو من الاستعمال في القرآن الكريم و في كلمات الفصحاء، بل في غير العربية ايضاً.
ثم إنّ دخول الباء السببية على كلمة الباطل و مقابلتها في الآية مع التجارة عن تراض قرينتان على توجه الاية الى فصل الاسباب الصحيحة للمعاملة عن الاسباب الفاسدة.
و عليه فان كان الاستثناء متصلاً ـ كما هو الظاهر و الموافق للقواعد العربية ـ كان مفاد الاية أنّه لايجوز تملّك اموال الناس بسبب من الاسباب فانه باطل، الاّ ان يكون ذلك السبب تجارة عن تراض، و اذن فتفيد الآية حصر الاسباب الصحيحة للمعاملة بالتجارة عن تراض.
و ان كان الاستثناء منقطعاً كانت الآية ظاهرة ابتداء في بيان الكبرى الكلية لكل واحد من اكل المال بالباطل و التجارة عن تراض، من غير أن تتعرّض للحصر(٢).

و مهما يكن فالاية المتلوة تكون من الادلة العامة التي تدلّ على صحة مطلق المعاهدات العقلائية المالية(٣).

١. منية الطالب: ١ / ١٢٤ ـ ١٢٥ .
٢. مصباح الفقاهة: ٢ / ١٢٣ .
٣. هناك مجال للتحقيق حول الموضوع في حواشي كتاب المكاسب.

الخلاصة:

١. الادلة العامة على صحة المعاملات على قسمين:
١) أن يكون نطاق الدليل نوعاً خاصاً. ٢) أن يكون نطاق الدليل شتّى الانواع.
٢. قوله تعالى: «احل اللّه‏ البيع»، دليل عام على صحة نوع خاص.
٣. قوله تعالى: «تجارة عن تراضٍ» دليل عام على صحة الانواع المختلفة.
٤. اذا كان الاستثناء في آية التجارة، متصلاً تفيد الآية حصر الاسباب الصحيحة بالتجارة عن تراض.
٥. اذا كان الاسثتناء هناك منقطعاً، تصبح الآية ظاهرة في بيان الكبرى الكلية لكل من الاكل بالباطل، و التجارة عن تراض.

الاسئلة:

١. ان قوله تعالى: «احلّ اللّه‏ البيع» من العمومات او المطلقات؟
٢. ما هو معنى التجارة بحسب اللغة و الشرع؟
٣. مقتضى ظاهر الآية ـ التجارة ـ هل هو حصر الاسباب؟
٤. ما هو المبرّر للاستثناء المتصل هناك؟
٥. اذا كان الاستثناء منقطعاً هناك، هل يستفاد منه العموم؟

البحث الثالث


في عمومات الاخبار و السيرة:

توجد هناك عدّة روايات ترشدنا الى صحة المعاملات بصفة عامة، و نكتفي بعرض ما تمسّك به الفقهاء ـ على المشهور ـ في ذاك الحقل و هو بمايلي:
١ـ النبوي المعروف: «الناس مسلطون على اموالهم»(١).
اِنَّ هذا الحديث يدلّ على تسلط المالك على ماله مطلقاً؛ فيجوز له التصرّف فيه بالبيع و الاجارة و الصلح و ما يماثلها على المنهج المشروع.
كما قال الشيخ الانصاري رحمه‏الله : «كان النبوي عمومه باعتبار انواع السلطنة»(٢). و قال المحقّق الاصفهاني رحمه‏الله : «السلطنة على المال هي القدرة على التصرفات فيه، فيعمّ المباشري و التسبيبي المعاملي»(٣).
و عليه فالنبوي المتلو من الأدلة العامة التي دلّت على صحة المعاملات المالية بشتّى انواعها، والدلالة على المطلوب تامة.
و انما الاشكال كلّه في السند و المسند، لان الحديث مرسلٌ و لم يرد في الجوامع الروائية المعتبرة(٤). و عليه فلا يمكننا ان نستدل به على اثبات المطلوب كدليل معتبر، و اما الاستناد إليه تأييداً للمقال فله مجال، اذن فالحديث من المؤيدات العامة، و ليس من الادلة العامة.

١. بحارالانوار: ٢ / ٢٧٢ .
٢. المكاسب: ص ٨٣ .
٣. حاشية المكاسب: ص ٣٤ .
٤. يحسن بطالب العلم التحقيق حول السند.

٢ـ ما رواه زيد الشحام ـ في الصحيح ـ عن الامام الصادق عليه‏السلام انه قال: «قال  رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في حديث طويل: لايحلّ دم امرىٍء مسلم و لا ماله إلاّ بطيبة نفسه»(١).
قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : إنّ لفظ الحلّ في الرواية الشريفة إنّما نسب الى المال، و هو إمّا من الاعيان الخارجية أو من المنافع، و على كلا التقديرين فلا معنى لحلية ذلك اِلا باعتبار ما يناسبه كالتصرف.
و اذن فيراد من حلية المال، حلية التصرف فيه ـ بالبيع و الاجارة و الصلح و غيرها ـ حسب ما تقتضيه مناسبة الحكم و الموضوع.
و على هذا فمعنى الرواية أن الشارع المقدس لم يرخّص في التصرف في مال امرئ مسلم اِلا بطيب نفسه(٢).
دلت هذه الصحيحة باطلاقها على صحة مطلق المعاهدات المالية المتجسدة عن طيب‏النفس و رضا المالك و الدلالة تامة و عليه فالصحيحة من الادلة العامة التي تدلنا على صحة المعاهدات و العقود المالية بشتّى انواعها.
كما قال الامام الخميني رحمه‏الله انّ قوله عليه‏السلام (و لايحل...) تعليل للمقصود بالقاء كبرى كليّة(٣) و هذا هو المطلوب.
٣ـ قوله تعالى: «اوفوا بالعقود»(٤)؛ إنّ هذه الآية من الأدلة العامة في باب المعاملات، ولكن مفادها هو اللزوم فحسب فلا تؤدّى دوراً في شرعية العقود و صحتها الشرعية. وعليه فتعرضها ضمن البحوث التالية، كدليل وحيد على أصالة اللزوم.

١. الوسائل: ١٩ / ٣، باب ١، ح ٣ .
٢. مصباح الفقاهة: ٢ / ١٦٤ .
٣. كتاب البيع: ١ / ٦٥.
٤. المائدة / ١ .

٤ـ السيرة العقلائية: إنّ السيرة بحسب الذات من الأدلة اللّبية، و ليس لها عموم و لا اطلاق، في الصناعة الاصولية، ولكن لها في باب المعاملات المالية نطاق واسع؛ ذلك لأنّ المعاهدات التي تتعلق بالاموال عند العقلاء تنطلق بحسب الحقيقة من منطلق سيرهم العقلائية، و بما أنّ المعاوضة العقلائية وثيقة الصلة بالسيرة العقلائية، نرى بكل وضوح أنّ لها شمولاً لكافة المعاوضات بحسب الواقع، و عليه يمكننا أن نقول بأن السيرة من الادلة التي لها دور كبير في تسنيد المعاملات المالية و تثبيتها، بشتّى انواعها. و بالتالي فالسيرة و ان لم تكن من العمومات التي لها آثار ايجابية  مهمّة إلاّ أنّ لها شمولاً هائلاً بحسب الواقع.(١)

إمضائية المعاملات ارضية للعموم:

إنّ المعاملات ليست تشريعاً حديثاً من قبل الشرع، بل هي تعهدات مالية بين الناس من قديم الزمن، و قد أمضاها الشارع بصفة عامة إلاّ في موارد خاصة، كما قال المحقّق النائيني رحمه‏الله : إنّ المعاملات باجمعها امضائية.(٢) و عليه تنطلق عمومية المعاملات من منطلق المعيشة العامة.
كما قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : إنّ المعاملات امور عرفية عقلائية و ليست من الماهيات المخترعة للشارع المقدس، و انما هي ماهيات اخترعها العقلاء قبل هذه الشريعة لتمشية نظام الحياة.
ثم لما جاء النبيالاعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، لم يخالفهم في هذه الطريقة المستقرة عندهم، ولم يتصرف فيها تصرفاً اساسياً، بل امضاها على ما كانت عندهم، نعم قد تصرّف في بعض الموارد، كالمعاملة الربوية و ما شاكلها و زاد في بعضها قيداً او جزءً لم يكن معتبراً عند العقلاء كاعتبار البلوغ في المتعاقدين.
فلو شككنا في اعتبار شيء فيها ـ المعاملات ـ شرعاً، كان الشك في أمر زائدٍ على ما كان معتبراً عندهم، و في مثله لامانع من التمسك بالإطلاق و لو على القول بكونها موضوعة للصحيحة.(٣)
فتمّ ما يقال: أنّ إمضائية المعاملات تفسح المجال للعموم.

١. هناك مجال للتحقيق حول السيرة، في ادلة المعاملات.
٢. منية الطالب: ١ / ٩٧ .
٣. محاضرات: ١ / ١٩٤ و ١٩٦ .

 

الخلاصة:

١. إن دليل السلطنة ضعيف السند، فلا يمكن الاستناد اليه.
٢. ان حديث «لا يحلّ» تام دلالة و سنداً؛ فهو من الأدلة العامة.
٣. السيرة العقلائية بعيدة المدى في قسم المعاملات.
٤. المعاملات كلها امضائية وليست من المخترعات الشرعية.
٥. إنّ إمضائية المعاملات تفسح المجال للاطلاق.

الاسئلة:

١. هل حديث السلطنة تام من ناحية الدلالة؟
٢. دلالة حديث «لايحل» على الشمول، هل هي بنحو العموم أو الاطلاق؟
٣. ما هو الدليل اللّبي؟
٤. هل السيرة من الأدلة العامة؟
٥. ما معنى امضائية المعاملات؟

البحث الرابع


مكانة الاطلاق حول المعاملات:

إن اصالة الاطلاق من الادلة اللفظية المهمة التي تلعب دوراً ايجابياً تجاه المعاملات.
و عليه فاذا شككنا في اشتراط العربية ـ مثلاً ـ في صحة إنشاءالبيع، كان مقتضى اطلاق دليل البيع «احلّ اللّه‏ البيع»(١) هو نفي الاشتراط باللغة العربية، فيحكم بصحة الانشاء باللغة الفارسية ـ مثلاً ـ نتيجة للتمسك باصالة الاطلاق. و لامجال لاستصحاب عدم انتقال الملك؛ ذلك لانّ الدليل اللفظي (الاطلاق) حاكم على الاصول العملية، فمع اصالة الاطلاق لايفسح المجال للاصل العملي.
و كذلك الحكم بالنسبة الى الاجارة و الصلح و غيرهما، فيتمسّك باطلاق دليلها، رفعاً للشك الطارى‏ء عليها.

نكتتان جديرتان بالذكر حول الاطلاق:

الاولى: جهة البيان؛
إن البيان قد يكون في جهة خاصة ـ بحسب ظهور اللفظ ـ و تكون الارضية للاطلاق في تلك الجهة فحسب، و لايصحّ التمسك بالاطلاق هناك في جهة اخرى؛ لكونها خارجة عن مدى الاطلاق.

١. البقرة / ٢٧٤ .

كما قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : «اذا كان المتكلم في مقام البيان من جهةٍ، و لم يكن في مقام البيان من جهة اخرى، فلا مانع لاطلاق كلامه من الجهة التي كان في مقام البيان من تلك الجهة دون الجهة الاخرى، كقوله تعالى: «كلوا ممّا أمسكن» فانّه اذا شك في اعتبار الإمساك من الحلقوم في تذكيته و عدم اعتباره فلامانع من التمسك باطلاق الآية الكريمة من هذه الناحية و الحكم بعدم اعتبار الامساك من الحلقوم.
و أما اذا شك في طهارة محل الامساك وعدمها فلا يمكن التمسك باطلاق الآية من هذه الجهة، لأن اطلاقها غير ناظر اليها أصلاً، فلا تكون الآية في مقام البيان من هذه الجهة، فلا محالة يحكم عندئذ بنجاسته(١).
و كذلك جواز أكل المال في آية «لاتأكلوا» يكون بياناً في جهة حلية التصرف و لايكون ناظراً الى طهارة المال المأخوذ و نجاسته، فليس له اطلاق من هذه الجهة.
الثانية: صدق الاسم؛
اِنّ الشك الذي يكون كموضوع للتمسك بالاطلاق، عبارة عن الشك الذي يتعلق باشتراط شيء زائد على ما صدق عليه الاسم، كالشك في صحة البيع المعاطاتي من ناحية الشك في اشتراط اللفظ ـ الصيغة ـ في صحة البيع زائداً على كونه مصداقاً للبيع عرفاً، فيتمسك باطلاق «احلّ‏اللّه‏ البيع» و ينفي ذلك الاشتراط و يثبت الصحة بلااشكال.
و امّا اذا كان الشك في صدق الاسم فينتهي الامر الى الشبهة في المصداق، و لايمكن التسمك بالعام في الشبهة المصداقية، لان العام و كذا المطلق يتكفّل بيان الحكم و ليس محققاً للموضوع.
كما قال سيّدنا الاستاذ رحمه‏الله : يحسن بنا ـ قبل بيان التمسك باطلاق ادلة المعاملات ـ ان نبيّن أمراً، و هو أنّ التمسك بالاطلاق يتوقف على احراز انطباق الطبيعة، التي اخذت في موضوع الحكم او متعلقه على الفرد المشكوك فيه، بحيث يتمحض الشك في شمول الحكم للفرد و المشكوك فيه، و أمّا لو كان الشك في اصل الصدق فانه لا يجوز معه التمسك بالاطلاق(٢). و عليه فاذا شككنا في صحة بيع الهازل، فلايجوز التمسك بالاطلاق هنا، لعدم صدق البيع عليه عرفاً(٣).

١. محاضرات: ٥ / ٣٦٦ .
٢. مصباح الفقاهة: ٢ / ٩٦ .
٣. يحسن بطالب العلم التحقيق حول الجهتين في الكتب الاصولية.

 

الخلاصة:

١. للاطلاق كأصل لفظي مهم، مكانة بارزة في المعاملات.
٢. إنّ اطلاق قوله تعالى «أحلّ اللّه‏ البيع» ينفي كلّ ما يشك في دخله جزءً او شرطاً للبيع زائداً على صدق الاسم.
٣. إن لدليل الصلح و الاجارة و غيرهما اطلاق يتمسك به في مورده.
٤. لابد في محاولة الاطلاق من تشخيص جهة البيان.
٥. لامجال للتمسك بالاطلاق اِلاّ بعد صدق الاسم.

الاسئلة:

١. هل يتحقق التعارض بين اصالة الاطلاق، و استصحاب عدم الملك؟
٢. هل يكون قوله تعالى: «احلّ اللّه‏ البيع» من المطلقات أو من العمومات؟
٣. ما هو معنى جهة البيان في محاولة الاطلاق؟
٤. ما هو الطريق لتشخيص جهة البيان؟
٥. ما هو الدليل لعدم جواز التمسك بالاطلاق قبل صدق الاسم؟