الصلاة فى القطبين
الصلاة فى وسائل النقل الحديثة
الصلاة ثانية
(162)
هناك عدةّ مسائل يمكن بحثها فى هذا المجال نذكر من بينها:
فى بعض مناطق الارض يطول الليل و النهار اكثر ممّا هما عليه عندنا، و لعله يبلغ كل واحد منهما ستة اشهر فى بعضها، فما هو حكم الصلاة ـ و هكذا الصوم ـ فى مثل ذلك؟
ذكر السيد الطباطبائى اربعة احتمالات فى المسألة:
1 ـ ملاحظة البلدان المتعارفة المتوسطة ـ مع التخيير بين افرادها ـ و تشخيص الاوقات على اساسها.
2 ـ سقوط التكليف بالصلاة والصوم.
3 ـ سقوط وجوب الصوم والاكتفاء بالنسبة الى الصلاة بصلاة يوم واحد وليلة واحدة.
4 ـ ملاحظة البلد الذى توطّنه المكلف سابقاً و تشخيص الاوقات على اساسه.
1- عدُّ ذلك من المسائل المستحدثة باعتبار انّ ابتلاء المسلمين بتلك المناطق حدث متأخّراً.
(163)
و قد استقرب قدس سره الاحتمال الاول و استبعد الثانى والثالث و ذكر الرابع كاحتمال.(1)
و كان من المناسب ذكر احتمال خامس، و هو ان يكون المدار على اقرب المناطقاليه و تشخيص الاوقات على اساسه، فانه لا فرق بين هذا الاحتمال و الاحتمال الاول من حيث درجة القرب و البعد.
و ربما يضاف احتمال سادس، و هو وجوب الهجرة من تلك المناطق ان امكنت و الا فيؤتى بالصلوات الخمس فى كل اربع و عشرين ساعة من باب الاحتياط.
و باتضاح احتمالات المسألة نقول:
اما الاحتمال الاول فقد يوجّه بما يذكره الفقهاء فى اكثر من مورد من رجوع غيرالمتعارف اليه، كما فى تحديد الوجه فى الوضوء بما دارت عليه الابهام و الوسطي، و الكر بالاشبار.
و مناقشة ذلك واضحة، فان الحوالة على المتعارف هناك هى للاطلاق المقامى المفقود فى المقام، فان الشارع حدّد للصلاة اوقاتاً معيّنة مفقودة فى الفرض فكيف تجب فى غيرها.
و اما الاحتمال الثانى فقد يوجّه بأنّ شرط الوجوب الاوقات الخاصة، و هى مفقودة في الفرض.
و يردّه: ان سقوط التكليف بالصلاة رأساً بعيد بعد ما بنى الاسلام عليها،(2) بل ان سقوط صلاة يوم واحد وليلة واحدة بلا مبرر، كما هو واضح.
و اما الاحتمال الرابع فقد يوجّه بالاستصحاب.
1- العروة الوثقي، كتاب الصوم، فصل طرق ثبوت الهلال، مسألة 10.
2- وسائل الشيعة: 1 / 13، الباب 1 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 1.
(164)
و يردّه: عدم المجال للاستصحاب بعد الانتقال الى بلد آخر له مشرق و مغرب آخر، بل انه فى الطريق قد تبدّل التكليف بمشرق و مغرب آخر، فلو روعى الاستصحاب فالمناسب مراعاة البلد الثانى دون السابق للانتقاض باليقين الجديد.
و اما الاحتمال السادس فوجهه ان وجوب الصلاة والصوم بعد ما كان باقياً ولايحتمل سقوطه، و لا دليل على التبعية لسائر البلدان فتجب الهجرة تحفّظاً على التكليف من الضياع. نعم اذا لم تمكّن فالاتيان بالصلاة فى كل اربع و عشرين ساعة أمر موافق للاحتياط.
و يردّه: ان سقوط التكليف بالصلاة رأساً و ان كان امراً بعيداً إلاّ ان سقوطه فيما زاد علي خمس صلوات فى مجموع السنة ليس بعيداً، اذ التكليف يكون باقياً ولكن فى حدود خمس صلوات، والزائد يكون مجريً للبراءة.
و بذلك يتّضح ان المناسب هو الاحتمال الثالث، فانه الموافق لدليل التوقيت بالاوقات الخمسة، بل هو المتعيّن بعد اختصاص الاستبعاد المتقدّم بالسقوط الكلي.
و منه يتضح ايضاً عدم الموجب لوجوب الهجرة.
وقد يورد على ما ذكر بايرادين:
1 ـ انصراف اليوم والليلة اللذين تجب فيهما خمس صلوات عن اليوم والليلة المعادلين لمجموع السنة.
وفيه: انّ دعوى الانصراف المذكورة لاتنفع بعد قصور المقتضى لوجوب ما زاد علي خمس صلوات فى مجموع السنة، فانه ـ المقتضى ـ منحصر بالاستبعاد، و هو مختصّ بالسقوط الكلي.
2 ـ ان التكليف بالظهرين لايمكن ثبوته فى حق اهل المناطق المذكورة؛ لأن الزوال ـ الذى هو بمعنى تجاوز الشمس عن قمّة الرأس ـ لايتصوّر فى حقهم.
(165)
وفيه: ان تفسير الزوال بما تقدّم لم يدلّ عليه دليل، بل هو بمعنى وسط النهار ـ كما دلّت عليه صحيحة زرارة(1) ـ المتحقق بعد مضيّ ثلاثة اشهر.
هذا بالنسبة الى الصلاة.
و اما الصوم، فالمناسب سقوط وجوبه لان الاسلام و ان كان قد بنى عليه الا ان ذلك عندالقدرة و التمكّن المفقودين فى تلك المناطق بسبب انعدام الموضوع، و هو شهر رمضان.
و لعله لهذا بنى الشيخ العراقى و جمع آخر من الاعلام على التفصيل بين الصلاة و الصوم بالنحو المتقدّم.(2)
و إذا قال قائل ان المناطق المذكورة خارجة عن موضوعات ادلةالأحكام و منصرفة عنها، كما يظهر من الشيخ النائيني، حيث قال معلّقاً على كلام السيد الطباطبائى بما نصّه: «الظاهر خروج هذا الفرض و اشباهه من الممتنعات العادّية عن موضوعات الاحكام».(3)
كان الجواب ان النتيجة على ما ذكر لا تختلف عمّا انتهى اليه سابقاً لو لم تكن اشد، حيث يلزم اجراء البراءة حتّى من وجوب صلاة يوم وليلة.
ثم انه بهذا اتضح حال المسافر الى كرة القمر و نحوها، فانه يأتى بالصلاة بمقدار الايام المتصوّرة فى حقه، فاذا كان مجموع الشهر فى حقه يوماً و ليلة كفاه اداء الصلاة بالمقدار المذكور و لايجب عليه الصوم.
تجوز الصلاة فى الطائرة والقطار والسيّارة ولو مع سعة الوقت ما دام يمكن الاتيان بها
1ـ وسائل الشيعة: 4 / 10 ، الباب 2 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 1.
2- هامش العروة الوثقى : 3 / 635، طبعة مؤسّسة النشر الاسلامي.
3- هامش العروة الوثقي: 3 / 635، طبعة مؤسّسة النشر الاسلامي.
(166)
و لا تضرّ الحركة التبعية، لما تقدّمت الإشارة إليه عند البحث عن مكان المصلّى من التمسّك باصل البراءة عن المانعية المحتملة بعد عدم الدليل عليها، بل لا تصل النوبة الي الاصل بعد وجود روايات جواز الصلاة فى السفينة.(1)
نعم قد يتصوّر لزوم المحذور احيانا من احدى ناحيتين:
1 ـ ان مسير وسيلة النقل قد ينحرف احياناً فى اثناء الصلاة عن القبلة.
والجواب: ان الانحراف اذا شكّ فيه فيبنى على عدمه للاستصحاب، و اذا جزم به انحرف المصلّى باتجاه القبلة كلما انحرفت وسيلة النقل عنه، كما دلّت عليه صحيحة الحلبي: «سأل ابا عبداللّه عليهالسلام عن الصلاة فى السفينة، فقال: يستقبل القبلة و يصف رجليه، فاذا دارت و استطاع ان يتوجّه الى القبلة و الاّ فليصلّ حيث توجّهت به، و ان امكنه القيام فليصلّ قائماً و الاّ فليقعد ثم يصلّي»(2) و غيرها، بعد ضمّ عدم احتمال الخصوصية للسفينة.
نعم قد يخصّ ذلك بحالة ضيق الوقت بقرينة صحيحة حمّاد بن عيسي: «سمعت ابا عبداللّه عليهالسلام يُسئل عن الصلاة فى السفينة، فيقول: ان استطعتم ان تخرجوا الى الجدد(3) فاخرجوا، فان لم تقدروا فصلّوا قياماً، فان لم تستطيعوا فصلّوا قعوداً و تحروا القبلة»،(4) بتقريب ان المقصود من الاستطاعة الكناية عن سعة الوقت لاداء الصلاة التامّة علي الساحل، فمع السعة لايجوز اداء الصلاة الناقصة فى السفينة.
2 ـ ان وسيلة النقل قد ترتفع أو تنخفض احياناً اثناء سيرها، فتختلّ بذلك الطمأنينة.
والجواب: إن اضطراب وسيلة النقل بالشكل المذكور تارة لا يوجب تحرّك المصلّى عن
1- وسائل الشيعة: 4 / 320، الباب 13 من أبواب القبلة.
2- وسائل الشيعة: 4 / 320، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 1.
3- الجد: شاطئ النهر. والجدد: الأرض الصلبة التى يسهل المشيء عليها.
4- وسائل الشيعة: 4 / 323، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 14.
(167)
والأوّل لايضرّ، لما تقدّم من جريان البراءة عن المانعية من الناحية المذكورة، بل يمكن ان يستفاد اغتفار مثل ذلك من روايات جواز الصلاة فى السفينة، من قبيل صحيحة جميل بن دراج حيث قال لأبى عبداللّه عليهالسلام : «تكون السفينة قريبة من الجدّ فأخرج و أصلّي؟ فقال: صلِّ فيها، اما ترضى بصلاة نوح عليهالسلام »(1)و غيرها.
والثانى يلزم فيه على المصلّى السكوت عن القراءة و الاذكار حتّى يعود له الاستقرار ـ مادامت الحركة يسيرة غير ماحية لصورة الصلاة ـ لموثقة السكونى عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «الرجل يصلّى فى موضع ثم يريد أن يتقدّم، قال: يكفُّ عن القراءة فى مشيه حتى يتقدّم الي الموضع الذى يريد ثمّ يقرأ».(2)
اذا دخل وقت صلاة الظهر مثلاً على المكلّف و هو فى وطنه و أدّاها ثم سافر الى بلد آخر، لم يدخل فيه الزوال، فهل يلزمه اداؤها ثانية إذا دخل؟ و هكذا الحال بالنسبة الى بقية الصلوات.
المناسب عدم الوجوب، لأنّ مقتضى اطلاق ما دلَّ على وجوب اداء الظهر عند تحقق الزوال(3) و ان كان هو لزوم ادائها ثانية إلاّ انّ ما دلَّ على وجوب اداء خمس صلوات فى اليوم واللية لا اكثر يقيّد(4) ذلك.
1- وسائل الشيعة: 4 / 320، الباب 13 من أبواب القبلة، الحديث 3.
2- وسائل الشيعة: 6 / 98، الباب 34 من أبواب القراءة فى الصلاة، الحديث 1.
3- من قبيل قوله تعالي: «اقم الصلاة لدلوك الشمس....» الاسراء: 78.
4- من قبيل صحيحة زرارة: «سالت اباجعفر عليهالسلام عما فرض اللّه عز و جل من الصلاة فقال: خمس
صلوات فيالليل و النهار...» و غيرها؛ وسائل الشيعة: 4 / 10، الباب 2 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث
1.
(168)
هذا اذا لم نقل بانصراف الاطلاقات عن الفرض المذكور و إلاّ كفى القصور فى مقتضي الوجوب بعد اقتضاء الاصل البراءة.