وجوب القضاء على الولى
العموم للمرأة
الفوات لعذر
التمكّن من القضاء
من هو الولي؟
التعميم لغير اليومية
ايجار الولى غيره للقضاء
(127)
يجب على وليّ الميّت قضاء ما فاته من صلوات - و هكذا الصوم - على ما هو المشهور بين الاصحاب. و نسب الخلاف الى السّيد المرتضى و ابن زهرة و ابن الجنيد، فحكموا بالتخيير بين القضاء و الصدقة عن كلّ ركعتين بمدّ من طعام. ولا دليل لهم على ذلك سوي دعوى الاجماع.(1)
و ربما يظهر من السبزوارى فى الذخيرة التوقف فى اصل الوجوب.(2)
و تدلّ على مختار المشهور:
صحيحة حفص بن البخترى عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال: يقضى عنه اولى الناس بميراثه. قلت: فان كان اولى الناس به امرأة، فقال: لا، إلاّ الرجال».(3)
1- مختلفالشيعة: 148 ؛ ذكرى الشيعة: 2 / 446 ؛ الحدائق الناضرة: 11 / 53 ـ 54 ؛ مستند الشيعة:
7 / 331.
2- الذخيرة: 387.
(128)
و رواية عبداللّه بن سنان عن الصادق عليهالسلام : «الصلاة التى دخل وقتها قبل أن يموت الميّت يقضى عنه اولى الناس به».(1)
والمهمّ هوالصحيحة، فإنّ الثانية قد رواها السيّد ابن طاووس فى كتابه: «غياث سلطان الورى لسكّان الثري»، و حيث انه لم يذكر طريقه الى من يروى عنهم فهى من المراسيل.
ولا وجه للتشكيك فى دلالة الاخبار على الوجوب ـ بتقريب انّ الوارد فيها كلمة «يقضي» و هى جملة خبرية لا يتبادر الوجوب منها و يكثر استعمالها فى المستحبّات ـ ثمّ التمسّك لاثبات الحكم بعد ذلك بالإجماع كما يظهر من الشيخ النراقي،(2) إذ يرد عليه ان الاجماع محتمل المدرك بل معلومه.
وما ذكر من التشكيك فى الدلالة يسرى الى صيغة الأمر ايضاً، و يلزم بالتالى عدم امكان استفادة الوجوب من الأخبار غالباً.
ثم ان الوجوب هل يختصّ بما اذا كان الميّت رجلاً ؟
قد يجاب بالايجاب ـ كما هو المنسوب إلى اكثر المتأخّرين(3) ـ امّا لدعوى انصراف لفظ الميّت الى خصوص الرجل أو لتقييده بقيد الرجل الوارد فى الصحيحة.
1- وسائل الشيعة: 10 / 331، الباب 23 من أبواب احكام شهر رمضان، الحديث 5.
2- وسايل الشيعة: 8 / 281، الباب 12 من أبواب قضاءالصلوات، الحديث 18.
3- مستند الشيعة: 7 / 332.
4- مستند الشيعة: 7 / 337.
(129)
و كلاهما كما تري.
إذ الانصراف ممنوع.
والتقييد لا موجب له بعد عدم ثبوت المفهوم للقيد.
و فى مقابل هذا قد يجاب بالتعميم، اما لما ذكره صاحب المدارك من غلبة اشتراك المرأة والرجل فى الأحكام(1) أو لما ثبت من وجوب قضاء الوليّ عن المرأة فى الصوم بعد ضمّ عدم القول بالفصل بينه و بين الصلاة، فلاحظ صحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «امرأة مرضت فى شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان، هل يقضى عنها ؟ فقال: اما الطمث والمرض فلا، و اما السفر فنعم».(2)و نحوها صحيحة أبى حمزة الثمالي.(3)
و تقريب الدلالة على الوجوب ـ على ما يستفاد من الشيخ الأعظم(4) ـ ان السؤال ليس عن اصل مشروعية القضاء عن الغير فانه واضح، خصوصاً فى حقّ محمد بن مسلم، فالسؤال هو عن الوجوب، و بما انه لايحتمل الوجوب فيحق غيرالوليّ فيختصّ الوجوب به.
و فيه:
اما بالنسبة إلى الأوّل فهو أشبه بالاستحسان. والتعبير عن الغلبة المذكورة بقاعدة الاشتراك ـ كما جاء فى كلمات صاحب الجواهر(5)ـ ليس الاّ تغييراً فى الألفاظ لا اكثر.
و اما بالنسبة إلى الثاني، فالصحيحة لا دلالة لها على الوجوب، فان السؤال عن اصل
1- مدارك الأحكام: 6 / 228.
2- وسائل الشيعة: 10 / 334، الباب 23 من أبواب احكام شهر رمضان، الحديث 16.
3- وسائل الشيعة: 10 / 330، الباب 23 من أبواب احكام شهر رمضان، الحديث 4.
4- رسالة القضاء عن الميّت (رسائل فقهيّة): 227.
5- جواهر الكلام: 17 / 45.
(130)
المشروعية وجيه بعد فرض تحقق الموت فى زمان لايمكن فيه القضاء، أى قبل خروج شهر رمضان.
و يوضح ذلك أكثر ما جاء فى صحيحة أبى بصير(1) عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «سألته عن امرأة مرضت فى شهر رمضان و ماتت فى شوّال، فأوصتنى ان اقضى عنها، قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه، قال: لاتقضى عنها، فإنّ اللّه لم يجعله عليها. قلت: فانّي اشتهى أن أقضى عنها و قد أوصتنى بذلك، قال: كيف تقضى شيئاً لم يجعله اللّه عليها، فان اشتهيت ان تصوم لنفسك، فصم».(2)
و عليه فمدرك كلا القولين قابل للمناقشة، ولكن المناسب بالرغم من ذلك هوالقول الأوّل ـ الذى عليه اكثر المتأخّرين ـ لا لما تقدّم من الوجهين بل لأنّ مدرك التعميم رواية عبداللّه بن سنان، و هى ضعيفة سنداً كما تقدّم فينحصر المدرك بصحيحة حفص، و هي واردة فى الرجل، و فى غيره يتمسّك بالبراءة.
هل يختص الوجوب بحالة الفوات لعذر أو يعمُّ حالة الترك العمدى أيضاً ؟
المناسب التعميم لاطلاق صحيحة حفص.
وقد يدّعى الاختصاص و يعلّل ـ كما فى الذكري(3) ـ امّا بدعوى الانصراف الى الغالب، و هو الترك العذري، أو بقاعدة «و لاتزر وازرة وزر اخري».(4)
1- لا يبعد أن يكون محمد بن يحيى الوارد فيالسند هو الخثعمى أو الخزاز، و كلاهما ثقة.
2- وسائلالشيعة: 10 / 333، الباب 23 من أبواب احكام شهر رمضان، الحديث12.
3- ذكرى الشيعة: 2 / 448.
4- الانعام: 164.
(131)
اما الأوّل، فلأن الندرة تمنع من اختصاص الاطلاق بالنادر، لا من شموله له.
و اما الثاني، فلأن القاعدة ناظرة الى العقاب الأخروى فقط.
على انه قد يقال: ان اطلاقها قابل للتقييد بصحيحة حفص.
هذا كلّه بناء على دلالة الأخبار على الوجوب.
واما بناء على مسلك الشيخ النراقي، فالمناسب الاقتصار على حالة الترك العذري؛ لأنّها القدر المتيقّن من الاجماع.
هل يلزم فى وجوب القضاء على الوليّ عدم تمكّن الميّت من القضاء بنفسه؟
قد يجاب بالإيجاب لدعوى الانصراف، و لكنّه كماتري، بل المناسب العكس واختصاص الحكم بحالة التمكّن لظهور صحيحة حفص: «الرجل يموت و عليه صلاة او صيام» فى ذلك، فان عنوان «عليه» لايصدق إلاّ بذلك.
هذا مضافاً إلى عموم التعليل فى صحيحة أبى بصير المتقدّمة: «فإنّ اللّه لم يجعله عليها»، فانه دالّ على اعتبار ذلك.
المشهور تفسير الولى ـ الذى يجب عليه القضاء ـ بالولد الاكبر، فلا يعمُّ الحكم الأناث و لا غير الأولاد من الرجال و لا غير الاكبر من الأولاد. و عن جماعة اطلاق الوليّ من غير تخصيص.(1)
(132)
و ما ذكر واضح على مسلك الشيخ النراقى القائل بانحصار مدرك الحكم بالاجماع .
و اما بناء على استفادة الحكم من الأخبار فالوجه:
اما بالنسبة للتخصيص بالذكور، فواضح بعد التصريح به فى صحيحة حفص المتقدّمة.
واما التخصيص بالولد الاكبر دون غيره من الورثة الذكور، فقد تقرب استفادته من صحيحة حفص بأنّ ظاهر قوله عليهالسلام : «اولى الناس بميراثه» امران: كونه شخصاً واحداً، و كونه اولى بلحاظ جميع الناس وليس بلحاظ كل طبقة متى ما كانت هيالوارثة، و لازم ذلك انحصار الولى بالولد الاكبر لزيادة حصّته على مثل الأب المشارك له فى الطبقة الاّ في فرضيات نادرة ـ كما لو كان اولاد الميّت عشرة، فإنّ سهم الأب الذى هو السدس يزيد علي ما يستحقّه كل ولد ـ ولزيادتها ايضاً على ما يأخذه بقيّة الأولاد الذكور، باعتبار اختصاصه بالحبوة.
هكذا قد يقرّب ما ذكر.
و يمكن أن يناقش بمايلي:
أ ـ لو كان المقصود خصوص الولد الاكبر فالمناسب التعبير به، فانه اوضح ولا يوجب الوقوع فى الايهام.
ب ـ ان حفصا لم يفهم إرادة خصوص الولد الاكبر، و لذلك سأل الإمام عليهالسلام بقوله: «فان كان اولى الناس به امرأة».
و فهمه و ان لم يكن حجّة علينا ـ إذ الحجة علينا نقله دون فهمه ـ ولكن المناسب للإمام عليهالسلام على تقدير خطأه فى فهمه ـ تنبيهه عليه، و عدم ذلك دليل العدم.
هذا و قد يتمسّك لاثبات إرادة الولد الاكبر بمكاتبة الصفار: «كتبت الى الأخير عليهالسلام :
1- مستند الشيعة: 7 / 334 ؛ جواهر الكلام: 17 / 39.
(133)
رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام، وله وليّان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعاً، خمسة أيّام احدالوليين و خمسة أيّام الآخر؟ فوقّع عليهالسلام : يقضى عنه اكبر ولييه عشرة أيّام ولاءاً ان شاء اللّه».(1)
و دلالتها و ان كانت واضحة ـ بعد عدم احتمال الخصوصية للصوم ـ الا انه تدلّ علي مطلبين لايلتزم لا اقل بثانيهما: نفى مشروعيّة قضاء غير الاكبر، و اعتبار الموالاة فى قضاء الصوم.
و حيث لا يجزم بانعقاد سيرة العقلاء ـ التى هى المدرك لحجّية الدلالة ـ على التفكيك بين الدلالات فى الحالة المذكورة، فيشكل التمسّك بها.
و من خلال هذا يتّضح انّ المناسب التمسّك بصحيحة حفص و تفسير الأولى بالأولي بلحاظ كل طبقة، فان كان واحداً تعيّن عليه القضاء، و ان كان متعدّداً ـ كما فى العمّين والخالين ـ استقرّ عليهما.
نعم حيث ان هذا مخالف للمشهور، فلابدّ من بناءه على الاحتياط دون الفتوي.
1- وسائل الشيعة: 10 / 330 ، الباب 23 من أبواب احكام شهررمضان، الحديث 3. رضياللهعنه
وقد نقل الحرُّ العاملى عن الشيخ الصدوق ما نصّه: «هذا التوقيع عندى مع توقيعاته الى محمد بن
الحسن الصفّار بخطّه عليه السلام».
(134)
هل يختصّ وجوب القضاء على الوليّ بخصوص الصلوات اليوميّة أو يعمّ مثل الصلاة الواجبة عليه بالنذر المؤقت؟
قد يقال بالتعميم لإنّ عنوان الصلاة الوارد فى صحيحة حفص: «الرجل يموت و عليه صلاة...» يعمّ مثل ذلك، و دعوى الانصراف الى اليوميّة لا موجب لها.
نعم دعوى الانصراف الى خصوص الواجب على الميّت بالاصالة دون ما ثبت بالاستئجار أو الولاية وجيهة، بل انّ ذلك يمكن استفادته من الصحيحة بقطع النظر عن دعوى الانصراف، فان الوارد فيها: «يقضى عنه اولى الناس...»، و الضمير المجرور عائد الى الميّت، أى يقضى عن الميّت اولى الناس، و هذا يعنى النظر الى حالة اشتغال ذمّة الميّت بالاصالة، فانّ القضاء فى حالة الاستئجار والولاية يكون عمن استؤجر له او عمّن له الولاية عليه لا عن الميّت نفسه.
هذا ولكن الجزم ببطلان دعوى انصراف الصحيحة الى خصوص اليوميّة أمر مشكل، فان كلمة «الصلاة» وردت فى تعبير السائل، والانسان العرفى حينما يسأل ناظر عادة الي خصوص اليومية، و معه فعدم تقييد الإمام عليهالسلام لجوابه يمكن أن يكون لذلك، فالاطلاق ـ على هذا ـ لايمكن الجزم به، والرجوع الى البراءة هو المحكّم، والاحتياط لاينبغى الحياد عنه للمتشرّع.
(135)
هل يجوز للولى ايجار غيره للقضاء عن الميت؟
اختار الشيخ النراقى و آخرون العدم، «لاصالة عدم السقوط عنه بفعل الغير، و استصحاب الوجوب، و عدم ثبوت جواز الاستنابة فى الصلاة عن الحيّ، و الولى حيّ والتكليف عليه».(1)
و يمكن أن يضاف الى ذلك ـ ولعله هو المقصود ممّا ذكر ـ ان ظاهر كل خطاب بمقتضي اطلاقه ـ و منه الخطاب المتوجّه الى الولى بالقضاء - اعتبار المباشرة و عدم السقوط بفعل الغير، فلابدّ لاثبات السقوط بفعل الغير من دليل، و هو مفقود.
هذا و لكن المناسب الجواز، لإنّ المستفاد من بعض الروايات فراغ ذمّة الميّت بفعل الغير ولو لم يكن هو الولي؛ فلاحظ صحيحة عمرو بن يزيد: «قلت لأبى عبداللّه عليهالسلام : نصلّي عن الميّت؟ فقال: نعم، حتّى انه ليكون فى ضيق فيوسع اللّه عليه ذلك الضيق، ثم يؤتى فيقال له: خفّف عنك هذا الضيق بصلاة فلان اخيك عنك ...»،(2)و لازم هذا ان الولى اذا آجر غيره للصلاة و أدّاها فقد فرغت ذمّة الميّت و لا يعود الوليّ مخاطباً بالقضاء.
و بذلك يتّضح وهن ما تقدّم من الاستدلال لاثبات عدم الجواز.
و منه يتّضح ايضاً وجه الاجتزاء بتبرّع الغير و سقوط القضاء بذلك عن الوليّ.
1- مستند الشيعة: 7 / 339 ؛ الحدائق الناضرة: 11 / 62 ؛ السرائر: 1 / 399.
2- وسائل الشيعة: 2 / 443 ، الباب 28 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.
(136)