المستثنيات من وجوب القضاء

ذكر المحقّق الحلّى انّ الموارد التى لا يجب فيها قضاء الصلاة سبعة: الصغر، والجنون، والاغماء، والحيض، والنفاس، والكفر الاصلي، و فاقد الطهورين.(1)

Æ الصغر و الجنون

اما عدم وجوب القضاء على الصغير اذا بلغ والمجنون اذا عقل فللوجهين التاليين:

1 ـ التمسّك بالاجماع و ضرورة المذهب بل الدين، كما جاء فى كلمات بعض الأعلام،(2) فانه لم يعهد من متشرّع أمر أولاده بالقضاء إذا بلغوا أوعقلوا.

2 ـ التمسّك بفكرة القصور فى المقتضي، فإنّ ادلّة وجوب القضاء السابقة مختصّة بالبالغ العاقل إذا نام أو نسي، فيتمسّك بالبراءة لنفى ذلك حتّى بناء على تبعيّة القضاء للأداء فى الأمر، فضلاً عمّا إذا كان بأمر جديد كما هو واضح.

Æ الإغماء

إذا تحقق الإغماء للمكلّف فى أوّل الوقت ثم زال قبل انتهاءه ولكنه نام أو نسى الإتيان بالصّلاة حتّى خرج الوقت، فلا اشكال فى وجوب القضاء عليه، للروايات السابقة.

و اما اذا كان الاغماء مستوعباً للوقت فالمشهور سقوط القضاء(3) إلاّ الصدوق فى «المقنع»(4) فاختار عدم السقوط، خلافاً منه للفقيه حيث اختار الاستحباب.(5)


1- شرائع الاسلام: 1 / 91، انتشارات استقلال.
2- جواهر الكلام: 13 / 2.
3- مدارك الاحكام: 4 / 287 ؛ جواهر الكلام: 4 / 13.

(103)


و منشأ الخلاف اختلاف الروايات، فقد:

1 ـ دلَّ كثير منها على السقوط:

كصحيحة أيّوب بن نوح: «كتب إلى أبى الحسن الثالث عليه‏السلام يسأله عن المغمى عليه يوماً أو اكثر هل يقضى ما فاته من الصلوات أو لا ؟ فكتب: لا يقضى الصوم و لا يقضي الصّلاة.»(1)

و صحيحة على بن مهزيار: «سأله ـ يعنى أباالحسن الثالث عليه‏السلام ـ عن هذه المسألة، فقال: لا يقضى الصوم و لايقضى الصلاة، و كل ما غلب اللّه‏ عليه فاللّه‏ أولى بالعذر»(2) و غيرهما.

2 ـ و دلَّ بعضها الآخر ـ و هى روايات متعدّدة أيضاً ـ على وجوب القضاء، كصحيحة عبداللّه‏ بن سنان عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «كلّ شيء تركته من صلاتك لمرض اغمى عليك فيه فاقضه إذا افقت»(3) و غيرها.

3 ـ و دلَّ ثالث على قضاء يوم واحد، كصحيحة حفص عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «سألته عن المغمى عليه، فقال: يقضى صلاة يوم».(4)

4 ـ ودلَّ رابع على قضاء ثلاثة أيّام من الشهر، كصحيحة أبى بصير: «قلت لأبي جعفر عليه‏السلام : رجل اغمى عليه شهرا أيقضى شيئاً من صلاته؟ قال: يقضى منها ثلاثة أيّام».(5)

وقد جمع المشهور بينها بالحمل على الإستحباب(6) ـ والاختلاف محمول علي


1- المقنع: 37.
2- الفقيه: 1 / 237.
و قد نقل الحرُّ العاملى عنه ذلك فى وسائله: 8 / 259، فى الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 4.
3- وسائل الشيعة: 8 / 259، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 2.
4- وسائل الشيعة: 8 / 259، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 3.
5- وسائل الشيعة: 8 / 264، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1.
6- وسائل الشيعة: 8 / 267، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 14.
7- وسائل الشيعة: 8 / 266، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 11.
8- تهذيب الأحكام: 3 / 304؛ الاستبصار: 1 / 460؛ الفقيه: 1 / 237؛ مدارك الأحكام: 4 / 288؛ جواهر الكلام: 4 / 13.

(104)


تفاوت مراتب الفضل - لصراحة الأولى فى نفى الوجوب و ظهور الثانية فى الوجوب فيتصرّف فى الثانية بالحمل على الاستحباب تقديماً للنصّ على الظاهر.

ثمّ انه مع التنزّل و فرض التعارض المستقر ـ و انكار الجمع العرفى بالحمل علي الاستحباب كما بنى عليه صاحب الحدائق (1) ـ تصل النوبة إلى الأصل بعد التساقط، و هو يقتضى البراءة على ما تقدّم. و بذلك تعود النتيجة كما هى من حيث نفى الوجوب.

هذا كله فى الاغماء المستوعب.

و امّا إذا مضت فترة من أوّل الوقت تسع الصلاة ثمّ تحقق الإغماء فهل يجب القضاء؟

قد يجاب بالايجاب لتنجّز التكليف بدخول الوقت و فرض سعته لأداء الصلاة الذي لازمه صدق عنوان الفوت الموضوع لوجوب القضاء. و روايات السقوط بالإغماء منصرفة عن مثل هذا الفرض.

و هو وجيه بناء على كون الموضوع لوجوب القضاء الفوت بشكل مطلق دون الفوت في الجملة ـ أى المستوعب لتمام الوقت ـ أو الفوت بمعنى عدم الاتيان بما هو واجب فى مجموع الوقت، كما يراه الشيخ الهمداني(2) و إلاّ فلايتم كما هو واضح.

الاغماء على نحوين

ثمّ إن الاغماء تارة يكون بلااختيار، و هو ما تقدّم الحديث عنه، و أخرى يكون بالاختيار، و هو المتعارف عند اجراء العمليات. و هل حكم هذا الثانى حكم الأوّل أو لا ؟


1- الحدائق الناضرة: 5 / 173؛ 6 / 358، 346؛ 7 / 185.
2- مصباح الفقيه، كتاب الصلاة: 602.

(105)


قد يستشكل فى الالحاق لوجهين:

1 ـ ما تمسّك به صاحب الحدائق و مصباح الفقيه من دعوى انصراف الروايات إلي الفرد الشائع، وهو الاغماء المتعارف الحاصل بلا اختيار ولا تعمّ الحاصل بالاختيار فانه نادر.(1)

وفيه: ان الندرة تمنع من اختصاص الاطلاق بالنادر لا من شموله له.

2 ـ ما تمسّك به صاحب الحدائق من أنّ صحيحة ابن مهزيار المتقدّمة عللت نفى وجوب القضاء بقاعدة «كل ما غلب اللّه‏ عليه فاللّه‏ أولى بالعذر» و حيث ان الحكم يدور مدار العلّة وجوداً و عدما، فيلزم اختصاص الحكم بالسقوط بحالة ثبوت العلّة، أى استناد الإغماء إلي غلبة اللّه‏ سبحانه؛ و بقية النصوص العارية عن التعليل المذكور و ان كانت مطلقة إلا انه يلزم تقييدها عملاً بقانون الاطلاق والتقييد.(2)

وفيه: ان ما ذكر وجيه، لو كان الاغماء عبثاً من دون أن تدعو الضرورة اليه، اما اذا كان كذلك ـ كما هو المتداول فى غرفة العمليات ـ فلايتمّ، إذ بعد فرض الضرورة الداعية اليه يكون المورد مصداقاً لعنوان «ما غلب اللّه‏ عليه»، فينبغى التفصيل على هذا بين الحالتين.

و لعل هذا الجواب أولى ممّا ذكره الشيخ الهمدانى من أنّ التعليل بقاعدة «كلّ ما غلب اللّه‏ عليه، فاللّه‏ أولى بالعذر» يدلّ على أنّ كل مورد كان مصداقاً لعنوان «غلب اللّه‏ عليه» فلا يجب فيه القضاء و لا يدلّ على أنّ المورد إذا لم يكن مصداقاً لذلك فيجب فيه القضاء حتي يلزم بذلك تقييد الروايات المطلقة. و عليه فالمطلقات تبقى على اطلاقها و يتمسّك بها لنفي وجوب القضاء فى مطلق الإغماء، لولا دعوى انصرافها المتقدّمة.(3)



1- الحدائق الناضرة: 11 / 11 ؛ مصباح الفقيه، كتاب الصلاة: 600 ـ 601.
2- الحدائق الناضرة: 11 / 12.
3- مصباح الفقيه، كتاب الصلاة: 600.

(106)


و وجه الاولوية: انّ الاستعانة بالتعليل الذى يجرى فى بعض افراد الإغماء لاجميعها يدلّ على ان طبيعى الإغماء لا يرتفع معه وجوب القضاء و إلاّ كان التعليل به ـ أى بنفس الإغماء ـ اولى من التعليل بغلبة‏اللّه‏، نظير تعليل وجوب اكرام العالم بانه هاشمي، فانّه يدلّ على أنّ طبيعى العالم لايجب اكرامه و إلاّ كان التعليل بنفس حيثية العالمية دون الهاشميّة أولي، و معه تكون الروايات المشتملة على التعليل مقيّدة للروايات المطلقة لا انه لا منافاة بينهما حتّى لا يلزم التقييد.

(107)


Æ الحيض و النفاس

و اما عدم وجوب القضاء على الحائض و النفساء فقد تقدّمت الاشارة إليه فى مبحث الطهارة من الكتاب الأوّل. ولكن هل يعمّ ذلك ما إذا كانا طارئين بسبب اختياري، كتناول المرأة للاقراص الخاصّة فى زماننا؟

المناسب ذلك، لاطلاق الدليل. و الى ذلك ذهب السيد العاملي، حيث قال: «ولو شربت المرأة دواء لتحيض أو لتسقط الولد، فتصير نفساء، لم يجب عليها القضاء للعموم. و به قطع الشهيدان».(1)

هذا ولكن صاحب الحدائق اختار وجوب القضاء، باعتبار اختصاص قاعدة «كل ما غلب اللّه‏ عليه فاللّه‏ أولى بالعذر» التى هى من القواعد الكلية والضوابط الالهية بما اذا لم يكن السبب اختيارياً.(2)

و الجواب عن ذلك واضح، فإنّ القاعدة المذكورة تمنع من اطلاق النصوص المشتملة عليها ولاتصلح لتقييد اطلاق غيرها من النصوص الخالية منها والتى لها موضوع آخر، فمثلاً إذا قيل: «لا تأكل الرمّان لأنّه حامض» فهو يدّل على أنّ كل حامض لايجوز أكله و ان لم يكن رمّاناً، و لا يدلّ على انّ كل ماليس بحامض من سائر الفواكه يجوز اكله حتى يعارض ما يدلّ على عدم جواز أكل التفّاح الحلو مثلاً.

Æ الكفر الاصلى

لا خلاف فى ان الكافر اذا اسلم لايجب عليه القضاء.(3)



1- مدارك الاحكام: 4 / 292.
2-الحدائق الناضرة: 11 / 12.
3- مدارك الاحكام: 4 / 489 ؛ الحدائق الناضرة: 11 / 3 ؛ جواهر الكلام: 13 / 6.

(108)


و قد يستدلّ لذلك ـ كما صنع فى الجواهر والحدائق(1)ـ بالحديث النبوى «الاسلام يجبّ ما قبله» و يجعل مخصّصاً للعمومات السابقة.

و هو كماتري؛ فانه لم يرد فى رواياتنا بطريق معتبر.(2)

و دعوى الانجبار بعمل المشهور، مدفوعة بعدم ثبوت التمسّك بالحديث فى كلمات القدماء، و المهمّ ـ كما هو واضح ـ عملهم، لانه المورث للاطمئنان.

هذا مضافا الى ان عملهم به يمكن ان لا يكون من باب ثبوت سنده عندهم بل لإنّ مضمونه مقبول عندهم للسيرة القطعية الآتية، و معه يكون المهمّ هو السيرة دونه.

و الأولى الاستدلال لذلك بالوجهين التاليين:

1 ـ التمسّك بالسيرة القطعية فى زمان النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و من بعده على عدم مطالبة من اسلم بالقضاء و إلاّ لاشتهر ذاك و ذاع.

2 ـ ان الكافر لا تكليف فى حقه حالة كفره بالقضاء ليسقط عنه بعد ذلك بالاسلام، فالتعبير بالسقوط مسامحة بعد عدم الثبوت المسبق، اما لعدم تكليف الكفّار بالفروع رأساً


1- جواهر الكلام: 13 / 6 ؛ الحدائق الناضرة: 11 / 3.
2- نعم روى فى عوالى اللئالي: 2 / 54، حديث 145 مرسلاً، و فى مناقب ابن شهرآشوب - على ما في بحارالأنوار: 40 / 230 ـ عن اميرالمؤمنين عليه‏السلام مرسلاً أيضاً ولكن بلفظ «هدم الاسلام ما كان قبله».
ورواه القمّى فى تفسير قوله تعالي: (و قالوا لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا....) فانه روى عن امّ‏سلمة انها قالت لرسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فى فتح مكة: بأبى أنت و أمى يا رسول اللّه‏، سَعد بك جميع الناس إلاّ اخى من بين قريش و العرب، رددت اسلامه و قبلت اسلام الناس كلهم، فقال رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : يا امّ‏سلمة ان اخاك كذّبنى تكذيباً لم يكذّبنى أحد من الناس، هو الذى قال لي: (لن نؤمن لك إلى قوله تعالي: كتاباً نقرؤه) قالت ام‏سلمة: بابى انت و امى يارسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله ألم تقل: ان الاسلام يجبّ ما قبله؟ قال: نعم، فقبل رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله اسلامه» لاحظ تفسير القمي: 2 / 27 ؛ و قد نقله عنه فى مستدرك الوسائل: 7 / 448 والحديث مرسل، و قد يصعب قبول بعض مضمونه.
و جاءت الإشارة إلى حديث الجبّ فى مجمع البحرين فى مادة جبب و فى شرح نهج البلاغه للمعتز لي: 20 / 10 و فى السيرة الحلبية: 3 / 105.
و جاء ايضاً فى قصة هبّار و ان النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قال له: «يا هبّار الاسلام يجبّ ما قبله» المنقولة فى تاريخ الخميس: 2 / 93 ؛ والسيرة الحلبية: 3 / 106 ؛ والاصابة لابن حجر: 3 / 566.

(109)


او لخصوصية للمقام، اشار اليها صاحب المدارك بقوله: «انه لايخاطب بالقضاء و ان كان مخاطباً بغيره من التكاليف؛ لامتناع وقوعه منه فى حال كفره و سقوطه باسلامه».(1)

و توضيحه: ان وجوب القضاء اذا كان يسقط بالاسلام فلا يمكن ثبوت التكليف به حالة الكفر؛ لعدم امكان امتثاله، فان الكافر حيث لا يمكنه الاتيان بالعمل الصحيح فكيف يكلّف به ؟

و إذا قلت: انه قادر على العمل الصحيح باعتبار قدرته على مقدمته، و هوالاسلام.

قلنا: المفروض انه بمجرد الاسلام يسقط وجوب القضاء فكيف يطلب منه معلّقاً علي الاسلام.

اذن، طلب القضاء من الكافر من دون ترتّب على اسلامه باطل؛ لعدم امكانه، و طلبه مترتّباً على اسلامه و ان كان ممكناً ولكنّه خلف الفرض.

هذا كلّه فى الكافر الأصلي.

و اما المرتد فيجب عليه القضاء إذا عاد إلى الاسلام بلاخلاف؛(2) لأنّه بعد عدم جريان الوجهين السابقين لايعود مانع من التمسّك بالعمومات المتقدّمة بلحاظه.

نعم اذا كان الارتداد عن فطرة فقد يتوقّف فى وجوب القضاء بناء على عدم قبول توبته واقعاً ايضاً، لا ظاهراً فقط.

هذا كلّه فى الكافر.

و اما المخالف للحق اذا استبصر، فمقتضى العمومات السابقة وجوب القضاء عليه، إلاّ انّ جملة من النصوص دلّت على عدم وجوب اعادة شيء عليه سوى الزكاة، كصحيحة


1- مدارك الاحكام: 4 / 289.
2- مدارك الأحكام: 4 / 292 ؛ جواهر الكلام: 13 / 14.

(110)


الفضلاء عن أبى جعفر و أبى عبداللّه‏ عليهماالسلام : «قالا فى الرجل يكون فى بعض هذه الاهواء: الحرورية و المرجئة والعثمانية و القدرية ثمّ يتوب و يعرف هذا الأمر و يحسن رأيه، أيعيد كل صلاة صلاّها أو صوم أو زكاة أو حج أوليس عليه اعادة شيء من ذلك؟ قال: ليس عليه اعادة شيء من ذلك غير الزكاة، لابدّ أن يؤدّيها، لانه وضع الزكاة فى غير موضعها وانما موضعها أهل الولاية»(1) و غيرها.

نعم هى مختصّة بالآتى بها على وفق مذهبه و لا تعمّ التارك لها رأساً أو الآتى بها بنحو فاسد عنده، و مقتضى العمومات فى مثلهما وجوب القضاء.


1- وسائل الشيعة: 9 / 216، الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

(111)


فاقد الطهورين

المعروف بين الاصحاب عدم وجوب اداء الصلاة فى الوقت على فاقد الطهورين بل أُدّعى عدم الخلاف فى ذلك.(1) و فى وجوب القضاء قولان.(2) و قد اختار المحقّق الحلّى السقوط.(3) و حكى السيّد المرتضى عن جدّه وجوب الأداء دون القضاء.(4) ونقل المحقق قولاً بوجوب الأداء والقضاء،(5) و علّق عليه فى المدارك بقوله: «لا اعلم به قائلاً».(6)

والوجه فى سقوط الأداء واضح، و هو ما أشار اليه السيد العاملى بقوله: «لأنّ الطهارة شرط فى الصلاة مطلقاً لقوله عليه‏السلام فى صحيحة زرارة: «لاصلاة إلاّ بطهور»، و قد تعذرت فيسقط التكليف بها، و يلزم من سقوط التكليف بها سقوط التكليف بالمشروط، و إلاّ فإن بقى الاشتراط لزم تكليف ما لايطاق، و إن انتفى خرج المشروط مطلقاً عن كونه مشروطاً مطلقاً، و هو باطل».(7)

و اذا قيل: ان نظير ذلك ورد فى الفاتحة و القبلة، فلاحظ صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‏السلام : «سألته عن الذى لايقرأ بفاتحة الكتاب فى صلاته، قال: لا صلاة له إلاّ أن يقرأ بها فى جهر أو اخفات»،(8) و صحيحة زرارة عن أبيجعفر عليه‏السلام : «لاصلاة إلاّ إلى القبلة»(9)، و هل يمكن الالتزام بسقوط وجوب الصلاة عند تعذّرهما؟!

قلنا: هذا وجيه لو لم نستفد من الأدلّة الأخرى مطلوبية الصلاة الفاقدة للفاتحة والقبلة،


1- مدارك الأحكام: 2 / 242 ؛ جواهر الكلام: 13 / 10.
2- مدارك الأحكام: 2 / 243.
3- شرائع الاسلام : 1 / 40، انتشارات استقلال ؛ المعتبر: 1 / 380.
4- الناصرية (الجوامع الفقهية): 190.
5- شرائع الاسلام: 1 / 40، انتشارات استقلال.
6- مدارك الأحكام: 2 / 242.
7- مدارك الأحكام: 2 / 242.
8- وسائل الشيعة: 6 / 37، الباب 1 من أبواب القراءة فى الصلاة، الحديث 1.
9- وسائل الشيعة: 4 / 312، الباب 9 من أبواب القبلة، الحديث 2.

(112)


من قبيل صحيحة عبداللّه‏ بن سنان «قال أبوعبداللّه‏ عليه‏السلام : إنّ اللّه‏ فرض من الصلاة الركوع والسجود، ألاترى لو أنّ رجلاً دخل فى الاسلام لا يحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبّر و يسبّح و يصلّي»،(1) و صحيحة زرارة السابقة عن أبى جعفر عليه‏السلام : «لاصلاة إلاّ إلى القبلة. قلت: اين حدُّ القبلة؟ قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه».(2)

ان قلت: كيف يسقط الأداء و قد ثبت ان الصلاة لاتسقط بحال، كما فى صحيحة زرارة الواردة فى المستحاضة و انّها «تصلّى و لا تدع الصلاة على حال»؛(3) فانه بعد عدم احتمال الخصوصية للمورد، يكون المفاد عامّاً لجميع المكلّفين، فقاعدة الصلاة لا تسقط بحال و ان لم تثبت باللفظ المذكور من خلال الروايات ولكن يكفى تصيّدها بالشكل المذكور.

قلنا: إنّ التمسّك بقاعدة لا تسقط الصلاة بحال فرع صدق الصلاة فى المورد، و هو منتف، اذ لا صلاة إلاّ بطهور.

هذا كلّه بالنسبة إلى الأداء.

و اما القضاء، فقد استدلّ غير واحد من الاعلام على وجوبه بعموم ما دلَّ على وجوب قضاء الفوائت.(4)

و إذا اشكل بأنّ اسم الفوات ليس بصادق لاختصاصه بمن خوطب بالأداء.

اجيب ـ كما فى الجواهر(5) ـ بأنّ وجوب القضاء على الساهى و النائم يدفع ذلك.

هكذا وُجّه القول بوجوب القضاء.

وفيه: أنّ صدق الفوت فرع وجود الأمر أو الملاك على الأقلّ، و فى المقام حيث لا أمر


1- وسائل الشيعة: 6 / 42، الباب 3 من أبواب القراءة فى الصلاة، الحديث 1.
2- وسائل الشيعة: 4 / 312، الباب 9 من أبواب القبلة، الحديث 2.
3- وسائل الشيعة: 2 / 373، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، الحديث 5.
4- مدارك الأحكام: 2 / 243؛ مستندالشيعة: 3 / 478؛ جواهرالكلام: 13 / 11.
5- جواهر الكلام: 13 / 11.

(113)


بالأداء فلا محرز للملاك، وبالتالى لا محرز لصدق عنوان الفوت و يكون التمسّك بعموم وجوب قضاء الفائتة لاثبات وجوب القضاء تمسّكاً بالعام فى الشبهة المصداقية و هو باطل، لأنّ الحكم لا يثبت موضوع نفسه.

و مثال الناسى و النائم لا يصلح ردّاً على ما ذكر بعد ما كان اطلاق الروايات لعنوان الفوت و الفائتة بلحاظهما دالاً على ثبوت الملاك فى حقهما.

هذا كلّه مضافاً الى أنّ مقتضى التعليل الوارد فى روايات المغمى عليه: «كل ما غلب اللّه‏ عليه فاللّه‏ أولى بالعذر»(1) نفى وجوب القضاء فى المقام كما هو واضح.

و إذا قيل: ان التعليل معارض بعموم وجوب قضاء الفائتة بالعموم من وجه، فكيف نتمسّك به ؟

قلنا: إنّ ظهور التعليل لو لم يكن اقوى فلا أقلّ من التساوى و التساقط و الرجوع الي اصل البراءة.

فالعموم ـ على هذا ـ ان لم يكن تامّاً رجعنا إلى البراءة ابتداء، و ان كان تامّاً رجعنا الي البراءة بعد المعارضة بالتعليل والتساقط.

هذا ويبقى الإحتياط بالقضاء بل بالأداء ايضاً قضيّة لا ينبغى الحياد عنها.


1- وسائل الشيعة: 3 / 259، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 3.

(114)