Æ المكان

المكان يطلق:

تارة بمعنى ما يستقرّ عليه كما فى الحكم باعتبار طهارة مكان المصلّي.

و أخرى بمعنى الفضاء الذى يشغله الإنسان حين قيامه و قعوده، كما فى الحكم بعدم جواز الصلاة فى مكان يكون سقفه مشرفاً على الانهدام.

و ثالثة يطلق بالمعنى الشامل لذينك، كما فى المقام.

ولذا قال غير واحد من الاعلام ـ فى المقام ـ فى تعريف المكان: «انه الفراغ الذى يشغله بدن المصلّى أو يستقرّ عليه و لو بوسائط».(1)

و المعروف بيننا شرطية اباحة المكان فى صحة الصلاة، بل ادّعى الاجماع على ذلك،(2) ولم ينسب الخلاف إلاّ إلى الفضل بن شاذان.(3)


1- مدارك الأحكام: 3 / 215 ؛ جامع المقاصد: 2 / 114.
2- جواهر الكلام: 8 / 284 ؛ مدارك الأحكام: 3 / 217 ؛ مستند الشيعة: 4 / 401.

(83)


و اما عند غيرنا فالمسألة محلّ خلاف.(1)

و قد يستدلّ على الشرطية ـ بعد وضوح فقدان النص الخاص ـ بوجهين: الاجماع، و ان الحركات و الاّ كوان ما دامت منهيّاً عنها فلا يمكن تعلّق الأمر بها و وقوعها مصداقاً للواجب، فإنّ الشيء الواحد لا يمكن تعلّق النهى والأمر به.(2)

و كلاهما قابل للتأمّل.

امّا الاول فلأنّه لو تمَّ صغريً فلا يمكن الحكم بحجّيته، لاحتمال مدركيته و استناده الي الوجه الثاني.

و اما الثانى فلأن الاكوان بنفسها ليست جزءاً من الصلاة بل الجزء هو الافعال الخاصة، و هى على نحوين: السجود و غيره.

اما غير السجود ـ كالركوع مثلاً ـ فهو هيئة خاصّة بين أجزاء الانسان و لا يحصل به تصرّف زائد على أصل الكون فى المغصوب، فالمكلّف يخاطب بخطاب لا تدخل في المغصوب و لا يخاطب ـ على تقدير عصيانه و افتراض دخوله ـ لا ترفع يدك أو لا تنحنِ أو... فانّه باختلاف الهيئة لا يحصل تصرّف زائد. و لعل ذلك هو مقصود الفضل بن شاذان فى الكلام المنقول عنه: «لأنّه منهيّ عن ذلك صلّى أو لم يصلِّ».

و اما السجود فبما انه متقوّم بإلقاء الثقل و لايكفى فيه مجرّد المماسّة، فيتحقق بالاضافة إليه تصرّف زائد و يكون محرماً، فاذا فرض عدم ذلك ـ كما فى الصلاة ايماءا أو على الميّت أو


1- فقد نقل عنه فى الكافي: 6 / 94 : ان رجلاً «لو دخل دار قوم بغير اذنهم فصلّى فيها، فهو عاص ٍ في دخوله الدار، وصلاته جائزة، لأنّ ذلك ليس من شرائط الصلاة، لانه منهى عن ذلك صلّى أو لم يصلّ».
2- قال فى الشرح الكبير المذكور فى هامش مغنى ابن قدامة: 1 / 479: «لا تصح الصلاة فى الموضع المغصوب فى أظهر الروايتين واحد قولى الشافعي. والرواية الثانية يصح، و هو مذهب أبى حنيفة و مالك والقول الثانى للشافعي، لأنّ النهى لا يعود إلى الصلاة، فلم يمنع صحّتها، كما لو صلّى و هو يرى غريقاً يمكنه انقاذه فلم ينقذه».
3- مستند الشيعة: 4 / 401 ؛ مدارك الأحكام: 3 / 217 ؛ جواهر الكلام: 8 / 285.

(84)


افتراض اباحة خصوص موضع السجودـ فالصلاة تقع صحيحة بشكل‏كامل.

الناسى و الجاهل

ثم انه بناء على بطلان الصلاة فى المغصوب ولو بلحاظ السجود فهل يختص الحكم بحالة العلم بالغصبية أو يعمّ الجاهل و الناسي؟

اختار المشهور الاختصاص بحالة العلم لاختصاص النهى المقتضى للبطلان بالعالم و ارتفاعه عن الجاهل و الناسى بحديث الرفع.(1)

و قد يفصّل بين الجاهل و الناسي، فالأوّل ملحق بالعالم حتى مع فرض قصوره، بخلاف الثانى باعتبار انّ الرفع بلحاظ فقرة «ما لا يعلمون» ظاهرى و ليس واقعياً ـ وإلاّ يلزم محذور التصويب و اختصاص‏الأحكام بالعالمين بها ـ و ما دام الرفع بلحاظ حالة الجهل بالحكم ظاهرياً فيلزم كونه كذلك بلحاظ حالة الجهل بالموضوع لوحدة الفقرة، و مع ظاهرية الرفع يلزم بقاء الواقع على ما هو عليه حالة الجهل، فالغصب ما دام حراماً واقعاً فبالجهل لا يتغيّر عمّا هو عليه، غايته يكون المكلّف معذوراً ما دام جهله عن قصور، ولكن المعذورية لا تعنى زوال الحرمة، و مع بقاء الحرمة على حالها فلا يمكن ان يقع الفعل مصداقاً للواجب، فان الحرام لايقع مصداقاً للواجب، و هذا بخلافه فى الناسي، فان الرفع بلحاظه واقعي، اذ النسيان رافع للتكليف واقعاً بعد وضوح عدم امكان تكليف الناسي.

نعم من الوجيه الحاق الجاهل المركب و الغافل بالناسى لوحدة النكتة.

ثم انه قد يخصّص الحكم بالصحة فى حق الناسى بما إذا لم يكن هو الغاصب و إلاّ كان صدوره مبغوضاً ـ باعتبار ان نسيانه ناشي‏ء من سوء اختياره فى الغصب ـ و مع المبغوضيّة


1- جواهر الكلام: 8 / 293 ؛ مدارك الاحكام: 3 / 219.

(85)


لا يمكن التقرّب.

الاستقرار

هل يلزم فى مكان المصلّى استقراره و عدم تحرّكه، فلا تصح الصلاة فى السيارة والقطار و الطائرة؟ المناسب ـ فيما اذا فرض توفر الشرائط الآخر ى - العدم للبراءة بعد فقدان الدليل على الاشتراط.

و قد يتمسّك لاثبات الاشتراط بصحيحة عبدالرحمن بن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «لا يصلّي على الدابّة الفريضة إلاّ مريض يستقبل به القبلة و تجزئه فاتحة الكتاب و يضع بوجهه في الفريضة على ما امكنه من شيء و يؤمئ فى النافلة ايماءاً».(1)و قريب منها غيرها.

وفيه: انه لو اردنا الجمود على الفاظها فالمناسب الحكم بعدم جواز الصلاة على الدابّة حتّى مع وقوفها و توفر جميع الشرائط الأخرى و يكون عدم الكون على الدابّة شرطاً تعبّدياً اضافة الى سائر الشرائط الأخري، و بالتالى تكون الصحيحة أجنبية عن شرطية الاستقرار بل ناظرة الى اضافة شرط جديد فى مقابل الاستقرار و غيره من الشرائط.

و امّا إذا اردنا التجاوز عن الفاظها قليلاً و حملها على حالة فقدان الشرائط الأخرى فمن الواضح انّ الفقدان لايختصّ بالاستقرار، فانّ الصلاة على الدابّة فاقدة للاستقرار و القيام و الاستقبال والركوع و السجود، ولاقرينة على كون النهى من جهة خصوص فقد الاستقرار كى تكون دليلاً على شرطيته، و معه يعود التمسّك باصل البراءة بلامانع.

بل لا تصل النوبة الى اصل البراءة بعد روايات جواز الصلاة فى السفينة، كصحيحة جميل بن درّاج: «قال لأبى عبداللّه‏ عليه‏السلام تكون السفينة قريباً من الجُدّ(2)فأخرج و أصلي؟


1- وسائل الشيعة: 4 / 325 ، الباب 14 من ابواب القبلة، الحديث 1.
2- الجد بالضم والتشديد: شاطي‏ء النهر.

(86)


فقال: صلّ فيها، اما ترضى بصلاة نوح عليه‏السلام »(1) و غيرها.

و احتمال اختصاصها بحالة‏الضرورة غير موجود بعد فرض قربها من الجد، كما ان احتمال الخصوصية للسفينة ملغى عرفاً.

صلاة المرأة جنب الرجل

هل يجوز تقدّم المرأة فى موقفها على الرجل أو مساواتها له اثناء ادائهما للصلاة من دون حائل أو بُعد عشرة اذرع؟

فى المسألة قولان عندنا ـ و المنع هو المعروف بين اكثر المتقدّمين و الجواز مع الكراهة هو المعروف بين أكثر المتأخّرين(2) ـ و عند غيرنا.(3)

و منشأ الخلاف اختلاف الأخبار، فإنّها على طوائف ثلاث:

1 ـ فمنها ما دلَّ على عدم الجواز مطلقاً، كصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه‏السلام : «سألته عن المرأة تصلى عند الرجل فقال: لا تصلّى المرأة بحيال الرجل إلاّ أن يكون قدامها ولو


1- وسائل الشيعة: 4 / 320؛ الباب 13 من ابواب القبلة، الحديث 3.
ثم ان الصحيحة قد رواها الشيخ الصدوق فى الفقيه: 1 / 291/1323 عن جميل، و لم يذكر طريقه في المشيخة إليه، و انما ذكر طريقه الى جميل و محمد بن حمران، حيث قال: «وما كان فيه عن محمدبن حمران و جميل بن دراج فقد رويته عن أبى رضي‏اللّه‏ عنه عن سعد بن عبداللّه‏ بن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبى عمير عن محمد بن حمران و جميل بن دراج» مشيخة الفقيه: 17.
ومن هنا قد يشكل فى جميع روايات جميل التى يرويها الشيخ الصدوق عنه منفرداً بجهالة طريقه اليه بعد الإلتفات الى أنّ لجميل و محمد بن حمران كتاباً قد اشتركا فى روايته على ما نقل النجاشى فى ترجمة جميل.
و يمكن الجواب بأنّا لو لاحظنا الفقيه وجدنا ندرة ما رواية الشيخ الصدوق عنهما معاً، بل الغالب روايته عن كلّ واحد منهما منفرداً، و هذا بنفسه قرينة على أنّ كل ما يرويه عن كل واحد منهما منفرداً فهو يرويه بالطريق المتقدّم، أى هو يكتفى بذكر احدهما و يحذف الآخر.
2- مدارك الاحكام: 3 / 221 ؛ ذكرى الشيعة: 3 / 82 ؛ تذكرة الفقهاء: 2 / 415 ؛ جواهرالكلام: 8 / 303 - 305 ؛ مستند الشيعة: 4 / 411.
3- الشرح الكبير: 2 / 66.

(87)


بصدره»(1) و غيرها.

2 ـ و منها ما دلَّ على اعتبار وجود حاجز أو فاصل امّا بمقدار شبر أو بمقدار عشرة أذرع بل أكثر، من قبيل:

أ ـ صحيحة محمّد بن مسلم عن أبى جعفر عليه‏السلام : «المرأة تصلّى عند الرجل، قال: إذا كان بينهما حاجز فلا بأس».(2)

ب ـ و صحيحته الأخرى عن أحدهما عليهماالسلام : «سألته عن الرجل يصلّى فى زاوية الحجرة و امرأته أو ابنته تصلّى بحذاه فى الزاوية الأخري، قال: لا ينبغى ذلك، فان كان بينهما شبر أجزأه، يعنى اذا كان الرجل متقدّماً للمرأة بشبر»(3) بعد وضوح أنّ فقرة «لا ينبغي» ليست ظاهرة فى الكراهة المصطلحة بل فى الأعمّ، خلافاً لصاحب المدارك.(4)

و قد جاء فى الحدائق و المدارك، كلمة «ستر» بدل «شبر».(5) و اضاف فى الحدائق: «هكذا فى رواية الكافي»، ولكن الموجود فى مصادر الحديث بما فى ذلك الكافي(6) كلمة «شبر».

نعم الذى يقرّب كلمة «ستر» استبعاد كون الفاصلة بين زاويتى الحجرة بمقدار شبر.

و فقرة «يعنى إذا كان الرجل متقدّماً للمرأة بشبر» لا تصلح ردّاً على ذلك، فان الظاهر كونها زيادة من الشيخ الطوسي، ذكرها تفسيراً للرواية لاستبعاد تصدّى الامام عليه‏السلام بنفسه للتفسير بكلمة «يعني»، و لخلو نقل الكافى منها.


1- وسائل الشيعة: 5 / 127، الباب 6 من أبواب مكان المصلي، الحديث 2.
2- وسائل الشيعة: 5 / 129، الباب 8 من ابواب مكان المصلّي، الحديث 2.
3- وسائل الشيعة: 5 / 123، الباب 5 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 1.
4- مدارك الأحكام: 3 / 222.
5- الحدائق الناضرة: 7 / 180 ؛ مدارك الأحكام: 3 / 222.
6-الكافي: 3 / 298.

(88)


ج ـ و صحيحة معاوية بن وهب عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «سأله عن الرجل والمرأة يصلّيان فى بيت واحد، قال: اذا كان بينهما قدر شبر صلّت بحذاه وحدها و هو وحده، لاباس.»(1)

و لا يضرژ اشتمال سند الصدوق فى المشيخة إلى معاوية على محمد بن على ماجيلويه(2) بعد البناء على كفاية شيخوخة الإجازة فى اثبات الوثاقة.

د ـ و موثّقة عمّار عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلّى و بين يديه امرأة تصلّي؟ قال: لايصلّى حتّى يجعل بينه و بينها اكثر من عشرة اذرع، و ان كانت عن يمينه و عن يساره جعل بينه و بينها مثل ذلك، فان كانت تصلّى خلفه فلا باس و ان كانت تصيب ثوبه، و ان كانت المرأة قاعدة أو نائمة أو قائمة فى غير صلاة فلا بأس حيث كانت».(3)

3 ـ و منها ما دلَّ على الجواز مطلقاً، كرواية جميل عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «الرجل يصلّى و المرأة تصلّى بحذاه، قال: لاباس».(4)

و لكنها ضعيفة بالإرسال، إلاّ بناء على كفاية ورود أحد بنى فضّال فى السند لحجّية الرواية.

و يمكن استبدالها بصحيحة جميل نفسه التى رواها الشيخ الصدوق بسنده عنه عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام : «لا بأس أن تصلّى المرأة بحذاء الرجل و هو يصلّي، فإنّ النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله كان يصلّي وعائشه مضطجعة بين يديه و هى حائض، و كان إذا أراد أن يسجد غمز رجليها فرفعت رجليها حتّى يسجد».(5)

و السند تامّ كما يتّضح من خلال مراجعة المشيخة.(6)


1- وسائل الشيعة: 5 / 125، الباب 5 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 7.
2- مشيخة الفقيه: 31.
3- وسائل الشيعة: 5 / 125، الباب 5 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 7.
4- وسائل الشيعة: 5 / 125، الباب 5 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 6.
5- وسائل الشيعة: 5 / 122 ، الباب 4 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 4.

(89)


إلاّ أنّ المشكلة تبقى من حيث عدم مناسبة التعليل مع الحكم، و لذلك استظهر فى الوافي و الحدائق وقوع التصحيف و انّ الصواب: «لابأس أن تضطجع المرأة...».(1)

و يوهّن ما ذكر، اتفاق مصادر الحديث على كلمة «تصلّي».

والمشكلة يمكن التغلّب عليها بما أشار إليه غير واحد من الاعلام من ان المراد أنّ التقدّم لو كان مانعاً فهو لوجود المرأة بين يدى الرجل بلا خصوصية لصلاتها، و حيث قد ثبتت صلاة النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و عائشة بين يديه، فلا مانع على هذا من تقدمها حالة صلاتها.(2)

و بهذا يمكن الجمع بحمل الاخبار المانعة على الكراهة و ارتفاعها بالساتر او فاصل عشرة اذرع أو مقدار شبر حسب تفاوت مراتب الكراهة، بل ذهب بعض إلى ان نفس اختلاف الروايات فى تحديد الفاصل قرينة على تنزيهية الحكم.(3)

و دعوى صاحب الحدائق: عدم الدليل على الجمع بين الأخبار بالحمل على الكراهة أو الاستحباب و إن اتّخذه الفقهاء طريقاً مهيعاً فى جميع الأبواب، و كيف يحصل به صون الاخبار من التنافى و الخروج من العهدة مع تصريحهم بأنّ الأصل فى الأمر الوجوب و في النهى التحريم.(4)

مدفوعة بأنّ ما ذكر لو تمَّ فهو يتمّ فى حالة اشتمال احد الخبرين على الأمر و الأخر علي النهى دون مثل المقام الذى اشتملت فيه اخبار الجواز على كلمة «لابأس» الصريحة في الجواز فى مقابل النهى الظاهر فى الحرمة فيكون المورد من اجتماع النص و الظاهر فيؤوّل


1- مشيخة الفقيه: 17.
2- الوافي: 7 / 480 ؛ الحدائق الناضرة: 7 / 179.
واستظهر صاحب الوسائل فى الطبع القديم: 3 / 426 : سقوط حرف النفى و ان الصواب: «لابأس أن لا تصلّى ...».
3- مستند الشيعة: 4 / 412 ؛ جواهرالكلام: 8 / 306.
4- مدارك الاحكام: 3 / 222.
5- الحدائق الناضرة: 7 / 185.

(90)


الظاهر لأجل النص.

الحكم فى مكّة المكرّمة

ثم انه بناء على الحرمة أو الكراهة ينبغى استثناء مكّة المكرّمة، فانه لايحتمل التكليف بما ذكر بعد عسر التحرز عن ذلك لشدّة الزحام، مضافاً إلى صحيحة الفضيل عن أبي جعفر عليه‏السلام : «انّما سمّيت مكّة بكّة لإنّه يبتك(1) فيها الرجال والنساء. و المرأة تصلّى بين يديك و عن يمينك و عن يسارك و معك و لاباس بذلك، و انما يكره فى سائر البلدان».(2)

عموم الحكم و خصوصه

ثمّ ان النهى هل يختصّ بحالة تقارن الصلاتين، و باللاحقة فى حالة الاختلاف في الشروع، أو يعمّ السابقة ايضاً ؟

المنسوب الى المشهور عدم الفرق،(3) و هو وجيه، لأنّ عنوان المحاذاة الوارد فى الروايات ذو نسبة واحدة إلى السابق و المتأخّر و المقارن.

و لعلّ التوجيه المذكور أولى من التمسّك بقاعدة «انّ مانع صحّة الجميع مانع للبعض» كما جاء فى كلمات صاحب الجواهر،(4) إذ لا نعرف مستنداً للقاعدة المذكورة سوى حلاوة ألفاظها.

هذا و قد يتمسّك لاثبات فساد المتأخّرة خاصّة بأحد وجهين:


1- أي: يزدحم.
2- وسائل الشيعة: 5 / 126 ، الباب 5 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 10.
3- جواهر الكلام: 8 / 317.
4- جواهر الكلام: 8 / 318.

(91)


أ - ما استدلّ به صاحب المدارك من أنّ الأولى قد سبق انعقادها صحيحة ولا موجب لفسادها بالمتأخّرة بخلاف ما اذا تقارنتا، فانه لا أولوية لبطلان احداهما بالخصوص.(1)

وفيه: انّ ما ذكر لايصلح مستنداً بعد اطلاق النصوص.

ب ـ ما جاء فى كلمات الشيخ النراقي(2) من التمسّك بصحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى عليه‏السلام : «سألته عن إمام كان فى الظهر فقامت امرأة(3) بحياله تصلّى و هى تحسب انّها العصر هل يفسد ذلك على القوم؟ و ما حال المرأة فى صلاتها معهم و قد كانت صلّت الظهر؟ قال: لا يفسد ذلك على القوم و تعيد المرأة»؛(4) فإنّه لا وجه للتفصيل على تقدير اطلاق الحكم.

والكلام تارة يقع فى سند الصحيحة و أخرى فى دلالتها.

اما سنداً فقد رواها صاحب الوسائل فى موردين:

احدهما: فى مكان المصلّي، عن الشيخ الطوسى بسنده عن محمّد بن مسعود العيّاشى عن جعفر بن محمّد عن العمركى عن على بن جعفر عن أخيه.(5)

ثانيهما: فى أبواب صلاة الجماعة عن الشيخ الطوسى باسناده عن عليّ بن جعفر.(6)

و إذا كان الطريق الأوّل قابلاً للمناقشة باعتبار أنّ جعفر بن محمد مجهول الحال، بل و طريق الشيخ الى العيّاشى ضعيف بأبى المفضّل و جعفر بن محمّد بن مسعود - كما يتّضح من خلال مراجعة الفهرست(7)ـ حيث لم يوثّقا إلاّ انه يمكن الاستغناء عنه بالطريق الثاني


1- مدارك الاحكام: 3 / 224.
2- مستندالشيعة: 4 / 420.
3- فى نسخة (امرأته).
4- وسائل الشيعة: 5 / 130، الباب 9 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 1.
5- وسائل الشيعة: 5 / 130، الباب 9 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 1.
6- وسائل الشيعة: 8 / 399، الباب 53 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.
7- الفهرست: 139، رقم التسلسل 593.

(92)


لصحّة طريق الشيخ إلى كتاب عليّ بن جعفر كما يتّضح من خلال مراجعة المشيخة أو الفهرست،(1) بناء على وثاقة احمد بن محمّد بن يحيى و إلاّ كفتنا الطرق المذكورة فى الفهرست بعد ضمّ استظهار أنّ ما روى فى التهذيب او الاستبصار ببعض الطرق المذكورة فى المشيخة فهو مروى بباقى الطرق المذكورة فى الفهرست.

هذا كلّه سنداً.

و اما دلالة، فلاحتمال أن يكون الحكم بفساد صلاة المرأة اختلاف فرضها مع فرض الإمام أو لعدم تأخّرها عن الإمام الذى هو شرط فى صحّة الجماعة.


1- الفهرست: 88، رقم التسلسل 367 ؛ مشيخة‏التهذيب: 10 / 86.

(93)