3. التيمّـم

كيفية التيمم ـ على ما هو المشهور ـ ضرب باطن اليدين معا دفعة على الأرض، ثمّ مسح الجبهة والجبينين بهما من قصاص الشعر الى الحاجبين والطرف الأعلى للأنف، ثمّ مسح ظاهر الكفّ اليمنى بباطن اليسرى ثمّ اليسرى بباطن اليمنى من الزند إلى اطراف الأصابع.

و الحديث عن ذلك يقع ضمن النقاط التالية:

النقطة الاولي: ضرب اليدين على الأرض

ذهب المشهور إلى لزوم ضرب اليدين على الأرض و لا يكفى مجرّد وضعهما عليها من دون ضرب. وخالف فى ذلك الشهيد الأوّل والمحقّق الثانى بل المحقّق الحلّى في ظاهر الشرائع ـ فإنه عبَّر عند بيان كيفية‏التيمم بالوضع ـ وغيرهم(1) حيث اكتفوا بالوضع.

وقد يستدلّ للمشهور بأن الروايات على طائفتين: فبعضها عبّر بالوضع وبعضها الآخر عبّر بالضرب.

فمن الأوّل: صحيحة أبى أيوب الخزّاز عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «سألته عن التيمم، فقال: ان عَمّارا اصابته جنابة فتمعك(2) كما تتمعك الدابّة، فقال له رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : يا عمّار تمعكت كما تتمعك الدابّة؟ فقلت له: كيف التيمم؟ فوضع يده على المِسْحِ(3)، ثم رفعها فمسح وجهه، ثمّ مسح فوق الكفّ قليلاً»(4) وغيرهما.



1 ـ الذكري: 2/259؛ جامع المقاصد: 1/48؛ شرايع الاسلام: 1/39.
2 - أى تمرغ فى التراب.
3 ـ المِسح بكسر الميم: البساط. هكذا ذكر فى هامش الكافي: 3/62 وقريب منه ورد فى الوافي: 6/580.
4 ـ وسائل الشيعة: 2/976، باب 11 من أبواب التيمم، حديث 2.

(106)


و من الثاني: موثقة زرارة: «سألت أبا جعفر عليه‏السلام عن التيمم، فضرب بيده على الأرض ثمّ رفعها فنفضها، ثمّ مسح بها جبينة و كفيه مرّة واحدة»(1) و غيرها.

و حيث ان الطائفة الاولى من قبيل المطلق والثانية من قبيل المقيّد فيلزم الجمع بالتقييد و اعتبار خصوص الضرب.

و يمكن التأمل فى ذلك بأن لسان الطائفة الثانية لسان الاخبار، وهو لا يدل علي اعتبار خصوص الضرب، اذ لعل الاستعانة به من باب كونه احد فردى التخيير.(2)

والمناسب الاستشهاد للطائفة الثانية بصحيحة اسماعيل بن همام الكندى عن الامام الرضا عليه‏السلام : «التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين»(3) وغيرها كى لايرد ما تقدم.

هذا لو سلّم ان الطائفة الاولى من مصاديق الاطلاق، و ربما يرفض ذلك لان شرط تحقق الطلاق وجود ما يدل على الجامع، و التعبير بالوضع لا يدل عليه، لأنّ الصادر من الامام عليه‏السلام جزئى خارجي، و هو اما الضرب بخصوصه او ذلك الفرد بخصوصه، فالمورد ليس من مصاديق الاطلاق و التقييد، و بناء على هذا ربما يكون المناسب هو التخيير لقوة ظهور التعبير بالوضع فى ارادة الوضع بدون ضرب، و بذلك يكون الامام عليه‏السلام قد فعل الاثنين معا فيثبت التخيير.

ومن خلال هذا يتضح التأمل فيما ذكره الشهيد الاول بقوله: «والظاهر انه ـ الضرب ـ غير شرط لأن الغرض قصد الصعيد وهو حاصل بالوضع»(4) والمحقق الثانى بقوله: «واختلاف الاخبار و عبارات الاصحاب فى التعبير بالضرب والوضع يدل على ان المراد بهما واحد فلا يشترط فى حصول مسمى الضرب كونه بدفع واعتماد كما هو المتعارف»(5).

و وجه التأمّل:

امّا فى الأوّل، فلأنّ ظاهر الطائفة الثانية كون الغرض قصد الصعيد من خلال الضرب لا بأى شكل اتفق.


1 - وسائل الشيعة: 2 976، باب 11 من ابواب التيمم، حديث 3.
2 - الا ان يقال ان ظاهر الفعل فى مقام التعليم هو الوجوب التعييني.
3 ـ وسائل الشيعة: 2/978، باب 12 من أبواب التيمم، حديث 3.
4 ـ ذكرى الشيعة: 2/259.
5 ـ جامع المقاصد: 1/ 489.

(107)


وامّا فى الثاني، فلأنّ لازمه الغاء قاعدة الجمع العرفى بحمل المطلق على المقيّد من الاساس.

النقطة الثانية: ضرب كلتا اليدين على الأرض

يجب ضرب كلتا اليدين على الارض و لايكفى ضرب يد واحدة.

وقد يفهم الخلاف من العلامة والاردبيلي، فإن الاول قال: «الاظهر من عبارة الاصحاب وجوب مسح الوجه والكفين معا، فلو مسح باحدهما لم يجزي‏ء ويحتمل الجواز»(1). والثانى قال: «ثم الظاهر ايضا عدم وجوب المسح بالكفين لخلو الاخبار الكثيرة عنه»(2). وظاهر الاكتفاء بمسح الوجه بيد واحدة جواز الاكتفاء بضرب يد واحدة ايضا.

ونسب الخلاف فى المسألة ايضا ال ابن الجنيد حيث اجتزأ بالمسح باليد اليمني(3).

وما ذكروه قابل للمناقشة ـ سواء كان مقصودهم جواز الاكتفاء بضرب الارض بيد واحدة ام كان مقصودهم جواز مسح الوجه بيد واحدة وان كان يلزم ضرب الارض بكلتا اليدين ـ فإن الآية الكريمة: « فامسحوا بوجوهكم وايديكم»(4) وبعض الاخبار(5) وان كانا مطلقين ولايدلان على اعتبار ذلك ـ فيتمسك باطلاقهما، وبقطع النظر عنه يمكن التمسك بأصل البراءة، فإن اشتغال الذمة بالصلاة المقيّدة بالتيمم المشتمل على ذلك مشكوك فتجرى البراءة عنه ـ إلا ان بعض الاخبار الأخرى يمكن استفادة ذلك منها، كصحيحة الكاهلي: «سألته عن التيمم قال: فضرب بيده على البساط فمسح بهما وجهه ثم مسح كفيه احداهما على ظهر الاخري»(6) وغيرها، فان المقصود من اليد الجنس الشامل


1 ـ تذكرة الفقهاء: 2/194.
و قريب من ذلك ذكر فى النهاية: 1/208 حيث قال: «و فى اجزاء مسح الوجه بكفّ واحدة اشكال».
2 ـ مجمع الفائدة والبرهان: 1/237.
3 ـ ذكرى الشيعة: 2/265؛ مختلف الشيعة، ص 51.
4 ـ المائدة / 6.
5 ـ كصحيحة الخزاز المذكورة فى وسائل الشيعة، باب 11 من أبواب التيمم، حديث 2 وصحيحة الكندي المذكورة فى الباب 12 من أبواب التيمم حديث 3.
6 ـ وسائل الشيعة: 2/976، باب 11 من أبواب التيمم، حديث 1.

(108)


لكلتا اليدين بقرينة قوله: «فمسح بهما وجهه». وظاهر الفعل فى مقام التعليم الوجوب.

ومشكلة الاضمار فى الصحيحة يمكن التغلب عليها ببيان عام لايختص بما اذا كان الراوى من اجلاء الاصحاب الذين لا تليق بهم الرواية عن غير الامام عليه‏السلام .

وحاصله: ان ذكر الضمير من دون مرجع معهود يرجع اليه قضية على خلاف ماهو المتداول فى اساليب التعبير، ومعه فمتى ما ذكر الحكيم فى كلامه ضميرا من دون مرجع فلابدَّ من وجود مرجع معهود يصلح رجوعه اليه، وحيث لا مرجع معهود سوي الامام عليه‏السلام فيتعيّن رجوع الضمير اليه.

ان قلت: لعل هناك مرجعا معهودا بعهد خاص بين الطرفين غير الامام عليه‏السلام قد اتكلا عليه، ومعه فلا يتعيّن عود الضمير الى الامام عليه‏السلام .

قلت: هذا وجيه لو فرض احتكار الطرفين الرواية على نفسهما ولم يسجلاها في اصلهما الخاص، اما بعد تسجيلها فيه لتستفيد منها جميع الاجيال الى يوم القيامة فلابدَّ من وجود مرجع معهود بين الجميع الى اليوم المذكور، وحيث انه لا مرجع معهود كذلك سوى الامام عليه‏السلام فيتعيّن عود الضمير اليه.(1)

هذا كله فيما اذا لم يكن الراوى من اجلاء الاصحاب الذين لاتليق بهم الرواية عن غير الامام عليه‏السلام والا فلا تعود حاجة الى التشبث بالبيان المذكور كما هو واضح.

النقطة الثالثة: الضرب و المسح بباطن اليدين

المعروف بين الفقهاء من دون نسبة الخلاف الى احد لزوم كون الضرب والمسح بباطن اليدين ولايكفى ذلك بظاهرهما.


1- و قد يتمسّك ببيان آخر لاثبات حجيّة مطلق المضمرات، و حاصله: ان ظاهرة الاضمار نشأت من رضي‏الله‏عنه تقطيع الاخبار، فانّ الراوى يسأل احياناً الامام عليه السلام أسئلة متعددة و يصرّح باسمه فى البداية و يكتفى بارجاع الضمير اليه فى بقية الاسئلة، و لمّا أخذ اصحاب الحديث بتقطيع الاحاديث بعد ذالك و تقسيمها على الابواب المختلفة برزت ظاهرة الاضمار، و من هنا فالإضمار لا يضرُّ.
و ممّن بنى على هذا صاحب الجواهر حيث قال فى جواهره:16/223، عند حديثه عن خبر المروزي:«و اضماره ـ بعد معلومية عروضه من تقطيع الاخبار لا من اصل الرواية كما بيّن فى محله ـ غير قادح».
و فيه ان تمامية البيان المذكور فرع احراز كون المسؤول فى البداية هو الامام (ع)، و هو اوّل الكلام.

(109)


وقد وُجِّه ذلك بأن الاخبار المتقدمة دلت على لزوم ضرب اليدين على الارض، والمتعارف ضرب خصوص الباطن، ولو كان المراد ضرب الظاهر او الأعم لاحتاج ذلك الى تنبيه، وعدمه يدل على ارادة المعهود المتعارف، وهو الضرب بخصوص الباطن(1).

وهذا ان تمَّ فهو وإلا فالحكم باعتبار ذلك ينبغى ابتناؤه على الاحتياط تحفّظا من مخالفة الأصحاب.

النقطة الرابعة: اشتراط ضرب اليدين دفعة

ذكر صاحب الحدائق ان ظاهر الاصحاب اشتراط ضرب اليدين دفعة ولايكفي التعاقب لصحيحة محمد بن مسلم: «سألت ابا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن التيمم فضرب بكفيه الأرض...»(2) وغيرها، فإن ظاهرها الضرب دفعة وليس على التعاقب(3).

والظهور المذكور ان تَمَّ فهو والا فالحكم باعتبار الدفعة ينبغى ابتناؤه على الاحتياط تحفّظا من مخالفة الأصحاب.

النقطة الخامسة: مقدار المسح من الوجه

وقع الكلام فى تحديد المقدار الذى يجب مسحه من الوجه:

فقيل يلزم مسح الجبهة فقط. وممن اختار ذلك الشيخ النراقى والبحراني(4).

وقيل: يلزم مسح الجبينين والحاجبين. واختار ذلك الشيخ الصدوق(5).

وقيل: يلزم مسح الوجه كله. ونسب ذلك الى والد الشيخ الصدوق(6).

وقيل: بالتخيير بين مسح بعض الوجه وجميعه. وممن اختاره المحقق فى المعتبر(7).



1 ـ مدارك الاحكام: 2/218؛ جامع المقاصد: 1/490؛ جواهر الكلام: 5/182.
2 ـ وسائل الشيعة: 2/979، باب 12 من أبواب التيمم، حديث 5.
3 ـ الحدائق الناضرة: 4/332 .
4 ـ مستند الشيعة: 3/438؛ الحدائق الناضرة: 4/343.
5 ـ الفقيه: 1/57.
6 ـ مدارك الاحكام: 2/219.
7 ـ المعتبر: 1/386 قال قدس‏سره : ...فيكون مخيرا بين مسح الوجه او بعضه لكن لايقتصر على اقل من الجبهة. وقد اومأ الى هذا ابن أبى عقيل فقال: ولو ان رجلاً يتيمم فمسح بعض وجهه اجزأه، لأن اللّه‏ تعالى يقول: «
فامسحوا بوجوهكم».

(110)


هذا من حيث الاقوال فى المسألة.

وينبغى ان يكون واضحا عدم لزوم مسح الوجه بتمامه للتعبير بالباء فى الآية الكريمة:

فامسحوا بوجوهكم»(1). وقد اشير الى ذلك ايضا فى صحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه‏السلام : «....ثم فصل بين الكلام فقال: « وامسحوا برؤوسكم» فعرفنا حين قال: «برؤوسكم» ان المسح ببعض الرأس لمكان الباء...»(2)، فان موردها وان كان هو مسح الرأس فى الوضوء إلا انه لا فرق من هذه الناحية بين ذلك وبين مسح الوجه فى التيمم.

وبعد هذا نقول:

اما الجبهة فلا توجد رواية تدل على وجوب مسحها بعنوانها سوى موثقة زرارة حسب نقل الشيخ الطوسي: «سألت ابا جعفر عليه‏السلام عن التيمم فضرب بيده على الارض ثم رفعها فنفضها ثم مسح بها جبهته وكفيه مرة واحدة»(3) بعد عدم احتمال تعدد المنقول.

هذا مضافا الى اشتمال طريق الشيخ على احمد بن محمد بن يحيى العطار الذى لم تثبت وثاقته الا بناء على تمامية كبرى وثاقة مشايخ الاجازة مطلقا او خصوص المعروفين منهم.

وعليه فلا يبقى دليل على وجوب مسح الجبهة سوى التسالم ودعوى الضرورة، ففى

المستند: وجوب مسح الجبهة محل وفاق بين المسلمين بل هو من ضروريات الدين(4).

واما الجبينان فقد ورد ذكرهما فى صحيحة زرارة: «قال ابو جعفر عليه‏السلام : قال رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله ذات يوم لعمار فى سفر له: يا عمار بلغنا انك اجنبت فكيف صنعت؟ قال: تمرغت يا رسول اللّه‏ فى التراب فقال له: كذلك يتمرغ الحمار أفلا صنعت كذا، ثم أهوي بيديه الى الارض فوضعهما على الصعيد، ثم مسح جبينه (جبينيه)(5) باصابعه وكفيه


1 ـ المائدة / 6.
2 ـ وسائل الشيعة: 2/980، باب 13 من أبواب التيمم، حديث 1.
3 ـ تهذيب الاحكام: 1/207، حديث 901 وقد اشار فى وسائل الشيعة اليه فى ذيل حديث 3 من الباب 11 من ابواب التيمم.
4 ـ مستند الشيعة: 3/437.
5 ـ الوارد فى الفقيه: 1/57: جبينيه.

(111)


احداهما بالاخري»(1) وغيرها.

والمناسب على هذا وجوب مسحهما، الا ان الشيخ النراقى اجاب عن الصحيحة بأن الفعل لايدل على الوجوب ومن المحتمل استحبابه، فإن التيمم يشتمل على مستحبات ايضا ولايختص بالواجبات.

هذا مضافا الى لزوم حمل لفظ الجبين على الجبهة ولو مجازا، فإن وجوب مسحها مجمع عليه فلو لم تحمل عليه يلزم عدم وجود دليل على وجوب مسحها(2).

هذا ما ذكر. وهو كماتري:

اذ يرد على الاول ان ظاهر الاخبار البيانية الوجوب ما لم تقم قرينة على الخلاف.

وعلى الثانى ان عدم اشتمال الجبهة على دليل يدل على وجوب مسحها لو كان يشكّل محذورا فيمكن دفعه بتفسير لفظ الجبين بما يعم الجبهة ولايتوقف على تفسيره بخصوصها، خصوصا اذا لاحظنا انه قد جاء اللفظ المذكور بصيغة التثنية دون الافراد.

واما الوجه فقد ورد ذكره فى صحيحة الكاهلى المتقدمة: «سألته عن التيمم، فقال: فضرب بيده على البساط فمسح بهما وجهه....»(3) وغيرها.

والمناسب فى مقام الجمع حمل المراد من الوجه على الجبهة والجبينين، فإن من مَسَحَهما يصدق عليه انه قد مسح وجهه، بخلاف العكس، فإن اطلاق الجبهة او الجبينين وارادة تمام الوجه ليس عرفيا.

على ان اعتبار مسح تمام الوجه امر قد قام الدليل على خلافه، كما تقدمت الاشارة اليه.

وبهذا يتضح ان الواجب مسح الجبهة والجبينين.

و هل يلزم مسح الحاجبين ايضا؟ ظاهر الشيخ الصدوق و الشهيد الاول و المحقق الثانى ذلك(4).

و هو وجيه لو كان المقصود مسح شيء منهما من باب المقدمة العلمية والا فوجوب


1 ـ وسائل الشيعة: 2/977، باب 11 من أبواب التيمم، حديث 8.
2 ـ مستند الشيعة: 3/439 وقريب منه ذكر فى الحدائق الناضرة: 4/343.
3 ـ وسائل الشيعة: 2 / 976، باب 11 من أبواب التيمم، حديث 1.
4 ـ الفقيه: 1 / 57، ذكرى الشيعة: 2 / 263، جامع المقاصد: 1 / 491.

(112)


مسحهما لايمكن الالتزام به بعد عدم الدليل عليه. ولذا قال فى المدارك: «اما مسح الحاجبين بخصوصهما فلم اقف على مستنده»(1).

النقطة السادسة: مقدار مسح اليدين

المشهور بين الاصحاب لزوم مسح اليدين من الزند الى رؤوس الأصابع خلافا للصدوقين(2) ـ حيث اوجبا المسح من المرفقين الى رؤوس الاصابع ـ وبعض الاصحاب حيث اكتفى بالمسح من اصول الاصابع ـ موضع القطع فى السرقة ـ الى رؤوسها(3).

والمناسب ما ذهب اليه المشهور لصحيحة الكاهلى المتقدمة: «..ثم مسح كفيه احداهما على ظهر الاخري...»(4) وغيرها ،فان الكف هى اليد من الزند الى رؤوس الاصابع.

واوضح منها صحيحة زرارة حيث ورد فيها: «...فوضع ابو جعفر عليه‏السلام كفّيه علي الأرض ثم مسح وجهه وكفّيه ولم يمسح الذراعين بشيء»(5).

ولا ينافى ذلك ما ورد فى صحيحة الخزاز المتقدمة:«..ثم مسح فوق الكف قليلاً»(6) وغيرها لامكان كونه من باب وجوب المقدمة العليمة.

هذا كله فيما ذهب اليه المشهور.

واما ما ذهب اليه الصدوقان فقد يستدل له بصحيحة محمد بن مسلم: «...ثم ضرب بشماله الارض فمسح بها مرفقه الى اطراف الاصابع....»(7) وغيرها.

الا انه كماترى للزوم حمل ذلك على الاستحباب بعد اظهرية بل صراحة السابقة في نفى وجوب المسح من المرفق.

واذا قيل: ان الجمع بالحمل على الاستحباب متعذّر لأن الطائفتين متكفّلتان بيان


1 ـ مدارك الاحكام: 2 / 222.
2 ـ الامالى للشيخ الصدق، ص 515. وقد نقل خلاف والده العلامة فى المختلف، ص 50.
3 ـ هذا الرأى قد نقله الحلى فى سرائره: 1 / 137، عن بعض الاصحاب من دون تشخيصه.
4 ـ وسائل الشيعة: 2 / 976، باب 11 من أبواب التيمم، حديث 1.
5 ـ وسائل الشيعة: 2 / 976، باب 11 من أبواب التيمم، حديث 5.
6 ـ وسائل الشيعة: 2 / 976، باب 11 من أبواب التيمم، حديث 2.
7 ـ وسائل الشيعة: 2 / 979، باب 12 من أبواب التيمم، حديث 5.

(113)


الحكم الإرشادى ـ اى الارشاد الى كيفية تحقق الطهارة بالتيمم ـ دون المولوي، وما يقبل الجمع عرفا بالحمل على الاستحباب هو خصوص الأحكام المولوية دون الإرشادية، إذ لامعنى الإستحباب تحقق التيمم بالمسح من المرفقين.

قلنا: المبنى المذكور قابل للتأمل ـ كما تقدّمت الإشارة الى ذلك فى ابحاث سابقة(1) ـ لوجاهة ان تكون للطهارة‏ـ بعد كونها اعتبارا شرعيا ـ مرتبتان: مرتبة دانية ـ وهي المرتبة اللازمة ـ تتحقق بالمسح من الزند، ومرتبة عالية ـ وهى مرتبة الكمال ـ تتحقق بالمسح من المرفق.

ومع التنزل وتسليم عدم امكان الجمع العرفى المذكور يتحقق التعارض المستقر ويلزم اعمال المرجّحات التى هى موافقة الكتاب ومن ثم مخالفة التقية، والنتيجة تبقي كما هى لاتتغير، فان مقتضى اطلاق قوله تعالي: «فامسحوا بوجوهكم وايديكم»(2) كفاية المسح ببعض اليد، فإن التقدير فامسحوا بوجوهكم وبايديكم، ووجود الباء المقدّرة فى الأيدى يدل على كفاية مسح بعضها الذى يتحقق بالمسح من الزند، وهذا يعنى ان الطائفة الاولى التى استدل بها المشهور هى الموافقة لإطلاق الكتاب الكريم.

ومع غض النظر عن ذلك يكفى مخالفتها للتقية، فان الشافعى وابا حنيفة واصحابهما والثورى وابن ابى سلمة والليث ذهبوا الى اعتبار المسح من المرفقين(3).

هذا كله بالنسبة الى رأى الصدوقين.

واما ما نسب الى بعض الاصحاب فتدل عليه مرسلة حماد بن عيسى عن بعض اصحابنا عن ابى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «..فامسح على كفيك من حيث موضع القطع....»(4).

ولكنها لارسالها و اعراض المشهور عنها لا تصلح للحجية و معارضة ما سبق.


1 - لاحظ: ص 42.
2 ـ المائدة / 6.
3 ـ الأم للشافعي: 1 / 49، وقد نقل القرطبى ذلك عن الجميع فى تفسيره الجامع لاحكام القرآن: 5 / 239.
4 ـ وسائل الشيعة: 2 / 980، باب 13 من أبواب التيمم، حديث 2.

(114)

(115)