2. الغسل

تقدّم فى الكتاب السابق ان للغسل موجبات ستّة، احدها الجنابة، وقد تَمَّ الحديث عن كل واحد منها بشكل مجمل. ونتحدّث هنا عن الجنابة بشيء من التفصيل ضمن النقاط التالية.

الجنـابــة

النقطة الاولي: بِمَ تتحقّق الجنابة؟

لا خلاف فى تحقّق الجنابة بخروج المنى ولو من دون جماع، وبالجماع ولو من دون خروج المني. وقد دلّت عليه جملة من النصوص.

فممّا دلَّ على الاول:

صحيحة‏الحلبي: «سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن المفخِّذ عليه غسل؟ قال: نعم إذا انزل»(1).

و صحيحة اسماعيل بن سعد الاشعري: «سألت الرضا عليه‏السلام عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى تنزل الماء من غير ان يباشر يعبث بها بيده حتى تنزل ،قال: اذا انزلت من شهوة فعليها الغسل»(2) وغيرهما.

و مما دلَّ على الثاني:

اطلاق قوله تعالي: « او لامستم النساء...»(3).



1 ـ وسائل الشيعة، باب 7 من أبواب الجنابة، حديث 1.
2 ـ وسائل الشيعة: 1/471، باب 7 من أبواب الجنابة، حديث 2.
3 ـ النساء / 43 .

(92)


و صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع: «سألت الرضا عليه‏السلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: اذا التقى الختانان(1) فقد وجب الغسل. فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال نعم»(2) وغيرها.

و هذا كله واضح.

و هل الحكم بتحقق الجنابة بخروج المنى يعمُّ المرأة ايضا او يختص بالرجل؟

المعروف بين الاصحاب من دون خلاف هو الاول، الا ان الروايات على طائفتين:

احداهما: دلت على تحقق الجنابة بذلك. وهى كثيرة تبلغ ثمانى روايات تقريبا.

و ثانيتهما: دلت على العدم. وهى كثيرة ايضا تبلغ ست روايات تقريبا.

فمن الطائفة الاولى صحيحة اسماعيل بن سعد الاشعرى المتقدمة وغيرها.

و من الطائفة الثانية صحيحة عمر بن يزيد: اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة ولبست ثيابي وتطيّبت فمرتْ بى وصيفة لى ففخّذت لها فامذيت انا وأمنت هي، فدخلنى من ذلك ضيق، فسألت ابا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن ذلك فقال: ليس عليك وضوء ولاعليها غسل»(3) و غيرها.

و قد يجمع بينهما بحمل الاولى على الاستحباب.

و قد يقرَّب الجمع المذكور بأن الطائفة الثانية صريحة فى نفى وجوب الغسل بخلاف الطائفة الاولي، فانها ظاهرة فى وجوبه فترفع اليد عن الظاهر ويحمل على الاستحباب بقرينة الصريح.

الا ان ما ذكر قابل للتأمل، فإن لسان «عليها الغسل» مع لسان «لا عليها غسل» هما من المتناقضان عرفا ولايقبلان الجمع، والضابط العام لمورد الجمع العرفى ـ على ما ذكر الشيخ النائينى وغيره(4)ـ فرض الكلامين المنفصلين كانهما كلام واحد اتصل بعضه


1 ـ ذكر الفخر الرزاى فى تفسير قوله تعالي:« وان كنتم جنبا فاطهروا» ان شفرى المرأة محيطان بثلاثة اشياء: ثقبة فى اسفل الفرج وهى مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة اخرى فوق هذه مثل احليل الذكر هي مخرج البول لاغير، والثالث فوق ثقبة البول موضع ختانها. وهناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك. وقطع هذه الجلدة هو ختانها، فاذا غابت الحشفة حاذى ختانها. لاحظ مفاتيح الغيب: 6/168.
2 ـ وسائل الشيعة: 1/469، باب 6 من أبواب الجنابة، حديث 2 .
3 ـ وسائل الشيعة: 1/475، باب 7 من أبواب الجنابة حديث 20.
4 ـ اجود التقريرات: 2/512 .

(93)


ببعض فاذا جمع العرف بينهما على التقدير المذكور وفسَّر احدهما على طبق ما يقتضيه الآخر ففى حالة الانفصال يلزم الجمع بينهما بذلك، كما لو فرض ان احد الدليلين كان يقول «عليها الغسل» والآخر يقول «لابأس بترك الغسل» فانه على فرض اتصال الثاني بالأول لايرى العرف بينهما تناقضا بل يرى الثانى قرينة على ان المراد من الاول الاستحباب، وهذا بخلافه فى محل الكلام، فان العرف يرى التناقض بينهما فى فرض الاتصال بنحو لا يمكن جعل احدهما قرينة على تفسير الآخر.

و عليه فالجمع العرفى بالحمل على الاستحباب امر غير ممكن.

والاولى ان يقال ان الطائفة الثانية ساقطة عن الحجية لهجران الاصحاب لها وعدم عمل احدٍ بها.

و مع التنزيل يمكن ان يجاب بشكل آخر، و هو ان التعارض بين الطائفتين تعارض مستقر، و حيث لامرجح لاحداهما على الاخرى من موافقة الكتاب او مخالفة التقية فتتساقطان، و بعد التساقط يرجع الى اطلاق ما دلَّ على وجوب الغسل بنزول المني، كموثقة عنبسة بن مصعب عن ابى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «كان على عليه‏السلام فى شيء الغسل إلاّ في الماء الاكبر»(1)، والنتيجة واحدة على كلا التقديرين.

اجل لو لم يكن لدينامثل الاطلاق المذكور فالنتيجة سوف تختلف على تقدير التساقط، اذ يلزم الرجوع الى اصل البراءة، حيث تشك المرأة فى اشتغال ذمتها بالصلاة المقيدة بالغسل، و الاصل هو البراءة من ذلك، فان ما اشتغلت به يقينا بعد نزول المني منها اصل الصلاة دون الصلاة المقيدة بالغسل.(2)

النقطة الثانية: اعتبار الشهوة

تقدم ان نزول المنى ولو من دون جماع موجب للجنابة، و هذا واضح، و لكن هل هو


1 ـ وسائل الشيعة: 1/473، باب 7 من أبواب الجنابة، حديث 11.
و المقصود من الماء الاكبر المني، و لعل توصيفه بذلك باعتبار كثرته بالقياس الى سائر السوائل التى تخرج من الفرج.
2 - هذا لو فرض ان المرأة لم تكن محدثة بالحدث الاصغر قبل نزول المنى و الاّ لزمها الجمع بين الوضوء والغسل للعلم الجمالي.

(94)


موجب لذلك مطلقا او بشرط ان يكون عن شهوة؟ قد يجاب بالايجاب فيقال:

بالنسبة الى المرأة لايكون نزول المنى منها موجبا للغسل الا اذا كان مع الشهوة.

و بالنسبة الى الرجل لايكون نزول المنى منه موجبا لذلك الا اذا كان مع الشهوة والفتور والدفق.

اما ان منى المرأة يلزم فيه ذلك، فلصحيحة اسماعيل بن سعد الاشعرى المتقدمة، حيث ورد فيها: «اذا انزلت من شهوة فعليها الغسل».

و اما ان منى الرجل يلزم فيه ذلك، فلصحيحة على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه‏السلام : «سألته عن الرجل يلعب مع المرأة ويقبّلها فيخرج منه المنى فما عليه؟ قال: اذا جائت الشهوة ودفع وفتر لخروجه فعليه الغسل، وان كان انما هو شيء لم يجد له فترة ولا شهوة(1) فلا بأس»(2).

و تقريب دلالتها واضح.

و سندها صحيح، فان الشيخ قد رواها بسنده عن على بن جعفر، وهو صحيح كما يتضح من خلال مراجعة الفهرست(3). على ان الحر العاملى قد رواها مباشرة من كتاب على بن جعفر، وطريقه اليه صحيح ايضا كما اشرنا الى ذلك فى الكتاب السابق فلاحظ(4).

هذا ويمكن الجواب:

اما بالنسبة الى منى المرأة فالمشهور لم يعتبر الخروج بشهوة فيما اذا جزم بكون الخارج منيا(5)، وهو قريب، اذا الخروج بشهوة هو من قبيل الشرط المسوق لبيان تحقق الموضوع، فان المنى لايخرج عادة الا مع الشهوة، فالتقييد بذلك فى صحيحة الاشعري هو من هذه الجهة وليس لبيان شرط زائد وراء اعتبار خروج المني.

واما بالنسبة الى الرجل فالمشهور لم يعتبر ايضا تحقق الصفات الثلاث فيما اذا جزم بكون الخارج منيا(6)، وهو قريب ايضا لنفس النكتة المتقدمة، وكأنه عليه‏السلام قال: اذا جاءت الشهوة و


1 - لعلّ عدم ذكر الدفق باعتبار انّه فى حالة المرض لا يلزم ذلك، كماتأتى الإشارة إليه فى النقطة الثالثة.
2 ـ وسائل الشيعة: 1/477، باب 8 من أبواب الجنابة، حديث 1.
3 ـ فهرست الشيخ الطوسي، ص 88، رقم 367 .
4 ـ دروس تمهيدية فى الفقه الاستدلالي، كتاب الصوم تحت عنوان «احكام عامة للصوم».
5- جواهر الكلام: 3 / 3.
6- جواهر الكلام: 3 / 3.

(95)


دفع و فتر فالخارج منى وعليه الغسل و إلا فهو ليس بمنى وبالتالى لايجب الغسل.

ومع التنزل يكفينا كون الوارد بحسب رواية الحر العاملى عن كتاب على بن جعفر:«فيخرج منه الشيء» بدل «فيخرج منه المني»، اذ يتعارض النقلان ويبقى اطلاق مادلَّ على وجوب الغسل بالانزال حجة بلا مقيّد ويلزم التمسك باطلاقه.

النقطة الثالثة: السائل المشكوك

اذا خرج من الشخص سائل وجزم بكونه منيا وجب عليه غسل الجنابة حتى مع فرض عدم اجتماع الصفات الثلاث فيه ـ كما تقدمت الاشارة اليه ـ، اذ الظاهر ان اعتبار اجتماع الصفات فى صحيحة على بن جعفر السابقة: «اذا جاءت الشهوة ودفع وفتر لخروجه فعليه الغسل» هو من باب كونها امارة على منوية السائل، فلو امكن فرضا احراز ذلك من خلال اللون او الرائحة او غيرهما من دون اجتماع الصفات المتقدمة لكفى ذلك فى وجوب الغسل.

و هكذا يجب الغسل لو فرض تحقق الجزم بالمنوية من خلال اجتماع صفتين او صفة واحدة من الصفات الثلاث المتقدّمة.

و عليه فاعتبار اجتماع الصفات الثلاث يختص بحالة عدم الجزم بمنوية السائل.

و الكلام يقع تارة فى الرجل واخرى فى المرأة.

اما الرجل فيعتبر للحكم بمنوية السائل فى حقه اجتماع الصفات الثلاث لصحيحة على بن جعفر المتقدمة. ولو فُقد واحد منها لم يجب الغسل تمسكا بمفهوم الشرط فيها.

وقوله عليه‏السلام : «وان كان انما هو شيء لم يجد له فترة ولاشهوة فلا بأس» لا يدل علي عدم الاكتفاء بانتفاء الفتور وحده او الشهوة وحدها، فان من المحتمل ـ على ما قيل(1) ـ كون التقييد بانتفائهما معا جاء من باب الغلبة الخارجية، اذ الغالب خارجا تلازم الفتور والشهوة.

هذا اذا لم تكن الواو فى فقرة «ولاشهوة» بمعني«او» والا فلا يعود اشكال من الاساس.

وما ذكر واضح اذا كان الرجل صحيحا.

واما اذا كان مريضا فتكفى صفتان: الفتور والشهوة، ولايعتبر الدفق لصحيحة ابن ابي


1- التنقيح فى شرح العروة الوثقي، كتاب الطهارة: 5/317.

(96)


يعفور عن ابى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «قلت له: الرجل يرى فى المنام ويجد الشهوة فيستيقظ فينظر فلا يجد شيئا، ثم يمكث الهون(1) بعد فيخرج، قال: ان كان مريضا فليغتسل، وان لم يكن مريضا فلا شيء عليه. قلت: فما فرق بينهما؟ قال: لأن الرجل اذا كان صحيحا جاء الماء بدفقة قوية، وان كان مريضا لم يجي‏ء إلا بعد»(2)، وصحيحة على بن جعفر المتقدمة وان كانت مطلقة وشاملة للمريض الا ان الصحيحة المذكورة تقيدها بغير المريض.

هذا كله فى الرجل.

واما المرأة فلم يرد نص يدل على اعتبار الخروج بدفق فى حقها بل صحيحة اسماعيل بن سعد الاشعرى المتقدمة: «اذا انزلت من شهوة فعليها الغسل» وغيرها دلت على اعتبار الخروج بشهوة لااكثر.

وعلى هذا يجب على المرأة الغسل اذا خرج منها سائل بشهوة حالة المداعبة.

وقد يدعم ذلك بأن المرأة لامنى لها بشكله المعروف فى الرجل بل منيّها هو السائل الذي يخرج منها حالة الشهوة(3) وعليه فكلما خرج منها سائل مع الشهوة وجب عليها الغسل، غايته يلزم تحفظا من مخالفة المشهور ضم الوضوء اليه اذا كانت محدثة بالاصغر.

و هذا شيء جيّد. ولكن لابدَّ من الالتفات الى ان مجرد خروج السائل حالة المداعبة لايكفى لوجوب الغسل على المرأة بل لابدَّ وان تتهيّج بحيث تبلغ الشهوة ذروتها الى حدٍّ يحصل لها الفتور حينما تقذف ذلك السائل والا فالسائل الذى يخرج مع الشهوة فى اول مراتبها يختلف عما يخرج بعد ذلك، والثانى هو منيّها الموجب لجنابتها. وصحيحة الاشعرى يمكن تطبيقها على ذلك، لأنها قالت: «اذا انزلت من شهوة فعليها الغسل»،


1 - هكذا فى الطبع القديم من وسائل الشيعة؛ و فى التهذيب: 1/369؛ الهوين، و المراد على كلاالتقديرين واحد، و هو المكث اليسير كما جاء فى الوافي: 6/401؛ و فى الكافي: 3/48: ثمّ يمكث بَعدُ.
2 ـ وسائل الشيعة: 1/478، باب 8 من أبواب الجنابة، حديث 3.
3 ـ قضية وجود المنى للمرأة وعدمه وقعت محلاً للخلاف من القديم، فقد نقل صاحب الجواهر فى كتاب الحجر من جواهره: 26/45 مانصه: «عن ارسطو واتباعه ان لامنى لها وانما تنفصل عنها رطوبة شبيهة بالمنى اذا امتزج بها منى الرجل تولد منها مادة الجنين، وذلك لوجود القوة العاقدة فى منى الرجل والمنعقدة فى رطوبة المرأة. وعن جالينوس واكثر الاطباء ان للمرأة منيا كالرجل وفى كل منهما قوة عاقدة ومنعقدة لكن منى الذكر اشد واقوى فى الفعل والتأثير من منى الأنثي...».

(97)


والانزال ـ اى انزال المنى ـ لايصدق الا فى الحالة الثانية.

النقطة الرابعة: كيفية غسل الجنابة

لغسل الجنابة كيفيتان: احداهما بنحو الترتيب والاخرى بنحو الارتماس.

الغسل الترتيبى

المشهور فى كيفية الغسل الترتيبي: غسل الرأس مع الرقبة اولاً ثم الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر.

وينبغى الحديث اولاً عن اعتبار الترتيب ما بين الرأس والرقبة وبين بقية الجسد وثانيا فى اعتباره ما بين الجانبين.

الترتيب بين الرأس وبقية الجسد

اما الترتيب بين الرأس والرقبة وبين بقية الجسد فالمشهور اعتباره بل لم يعرف الخلاف الا من الصدوقين وابن الجنيد، فانه قد يظهر منهم الاكتفاء بصبِّ الماء علي الجسد من دون اعتبار الترتيب رأسا(1).

واذا رجعنا الى الروايات وجدناها على طوائف ثلاث:

الاولي: ما دلَّ على نفى اعتبار الترتيب بالصراحة، وهى صحيحة هشام بن سالم...:«كان ابو عبداللّه‏ عليه‏السلام فيما بين مكة والمدينة ومعه ام اسماعيل فأصاب من جارية له فأمرها فغسلت جسدها وتركت رأسها، وقال لها: اذا اردت ان تركبى فاغسلي رأسك ففعلت ذلك، فعلمت ام اسماعيل فحلقت رأسها، فلما كان من قابل انتهى ابو عبداللّه‏ عليه‏السلام الى ذلك المكان، فقالت له ام اسماعيل: اى موضع هذا؟ قال لها: هذا


1 ـ قال فيه الفقيه: 1/46 «قال أبى رضياللّه‏ عنه فى رسالته اليَّ: اذا اردت الغسل من الجنابة...تناول الاناء بيدك وصبَّه على رأسك وبدنك مرتين وامرر يدك على بدنك كله...» ثم نقل عن والده ثانية: 1/49 «فإذا بدأت بغسل جسدك قبل الرأس فاعد الغسل على جسدك بعد غسل رأسك».
ومؤدّى العبارة الثانية ينافى مؤدّى العبارة الاولي، ومن هنا لا يمكن نسبة عدم اعتبار الترتيب بنحو الجزم اليهما.
ونقل الشهيد فى الذكري: 2/220 ما نصّه: «وابن الجنيد اجتزأ مع قلة الماء بالصبِّ على الراس وامرار اليد علي البدن تبعا للماء المنحدر من الرأس على الجسد». وكلامه ـ كماترى ـ ليس صريحا فى نفى اعتبار الترتيب.

(98)


الموضع الذى احبط اللّه‏ فيه حجك عام اول»(1).

الثانية: ما دلَّ على نفى اعتبار الترتيب بالإطلاق، كصحيحة زرارة: «سألت ابا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن غسل الجنابة فقال: تبدأ فتغسل كفيك، ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ومرافقك، ثم تمضمض واستنشق، ثم تغسل جسدك من لدن قرنك الي قدميك. وليس قبله ولا بعده وضوء. وكل شيء امسسته الماء فقد انقيته. ولو ان رجلاً جنبا ارتمس فى الماء ارتماسة واحدة اجزأه ذلك وان لم يدلك جسده»(2) وغيرها.

الثالثة: ما دلَّ على اعتبار الترتيب، كصحيحة زرارة الاخري: «قلت: كيف يغتسل الجنب؟ فقال: ان لم يكن اصاب كفه شيء غمسها فى الماء ثم بدأ بفرجه فانقاه بثلاث غرف ثم صبَّ على رأسه ثلاث اكف ثم صبَّ على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين فما جرى عليه الماء فقد اجزأه»(3) وغيرها.

هذه طوائف ثلاث.

والطائفة الاولى لابدَّ من حذفها من الحساب لأن هشام بن سالم نفسه روى القصة بعينها عن محمد بن مسلم عن ابى عبداللّه‏ عليه‏السلام بهذا الشكل: «..فقلت: اغسلى رأسك وامسحيه مسحا شديدا لاتعلم به مولاتك فإذا اردت الاحرام فاغسلى جسدك...»(4)، وحيث ان القصة واحدة فاحد النقلين هو الصحيح دون الآخر، ولازم ذلك سقوط النقل الاول عن الاعتبار لاحتمال ان الثانى هو الصحيح.

وعليه نبقى نحن والطائفتين الأخيرتين.

والمناسب تقييد الثانية بالثالثة كسائر موارد الاطلاق والتقييد، وتكون النتيجة بناء على ذلك اعتبار الترتيب بغسل الرأس والرقبة اولاً ثم بقية البدن.

هذا وقد يشكل على الجمع المذكور بالوجهين التاليين:

أ ـ ان لسان الروايات المطلقة آبٍ عن التقييد، لأن السائل سأل عن غسل الجنابة والامام عليه‏السلام اخذ بذكر امور مستحبة خارجة عن حقيقة الغسل، فلو كان الترتيب معتبرا لكان


1 ـ وسائل الشيعة: 1/507، باب 28 من أبواب الجنابة، حديث 4.
2 ـ وسائل الشيعة: 1/503، باب 26 من أبواب الجنابة، حديث 5.
3 ـ وسائل الشيعة: 1/502، باب 26 من أبواب الجنابة، حديث 2.
4 ـ وسائل الشيعة: 1/508، باب 29 من أبواب الجنابة، حديث 1.

(99)


من المناسب الاشارة اليه، وعدم الاشارة اليه يدل بوضوح على عدم وجوبه، وبالتالى يكون حمل الطائفة الثالثة على الاستحباب اولى من تقييد المطلقات، بل ذلك هو المُتعيّن.

و اذا قيل: ان عدم الاشارة اليه هو باعتبار ان الطائفة الثانية فى صدد بيان المستحبات والآداب فى الغسل دون الامور المعتبرة فيه بنحو اللزوم، وبناء على هذا لايكون السكوت عن الترتيب كاشفا عن عدم وجوبه.

قلنا: ان الحكيم اذا سأل عن كيفية شيء و تفاصيله فليس من المناسب له قصر نظره على بيان المستحبات و الغض عن الأمور اللازمة لو كانت بل المناسب هو العكس او الجمع بين الأمرين.

ب ـ إنّ الطائفة الثالثة التى اشارت الى اعتبار الترتيب لايمكن استفادة وجوبه منها، لأن الامور الاخرى المشار اليها فيها حيث انها مستحبة فبقرينة وحدة السياق يلزم حمل الترتيب على ذلك ايضا، ولا اقل من الاجمال وعدم امكان استفادة اللزوم.

وهذا مطلب وجيه بناء على كون الأمر والنهى موضوعين لإفادة الوجوب والتحريم، واما بناء على استفادة ذلك من حكم العقل فلا يمكن التمسك بقرينة وحدة السياق لأن الجميع مستعمل فى الطلب لا اكثر، غايته ان العقل يحكم فى بعضها بالاستحباب لثبوت الدليل من الخارج على الترخيص فى الفعل او الترك ويحكم بالوجوب فى بعضها الاخر لعدم ثبوت مثل ذلك، وهذا لايلزم منه اختلال السياق الواحد.

ومن خلال هذا اتضح ان الجمع بالحمل على التقييد قد يواجه الاشكالين المتقدمين.

هذا كله لو كانت الطائفة الثالثة بلسان صحيحة زرارة السابقة المشتملة على بيان المستحبات؛ الا ان هناك روايتين اخريين فى المقام تدلان على اعتبار الترتيب.

الاولي: صحيحة ثالثة لزرارة عن ابى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «من اغتسل من جنابة فلم يغسل رأسه ثم بدا له ان يغسل رأسه لم يجد بُدّا من إعادة الغسل»(1)، فإنها تدل بوضوح على اعتبار الترتيب بين الرأس وبقية الجسد من دون ان تشتمل على المستحبات.

ويرد عليها: انها تدل على اعتبار الترتيب بمعنى عدم جواز غسل بقية الجسد قبل الرأس ولاتدل على عدم جواز غسل تمام الجسد دفعة واحدة.

الثانية: صحيحة حريز الواردة فى الوضوء اذا جفَّ: «قلت: فان جفَّ الاول قبل ان


1 ـ وسائل الشيعة: 1/506، باب 28 من أبواب الجنابة، حديث 1.

(100)


اغسل الذى يليه، قال: جفَّ او لم يجف اغسل ما بقي. قلت: وكذلك غسل الجنابة؟ قال: هو بتلك المنزلة وابدأ بالرأس ثم افض على سائر جسدك. قلت: وان كان بعض يوم؟ قال: نعم»(1). ودلالتها واضحة.

وقد يشكل على سندها بأنها مضمرة بل قد يقال هى مقطوعة باعتبار ان الضمير في «قلت» يرجع الى عبداللّه‏ بن المغيرة الراوى عن حريز وليس الى حريز نفسه لتكون مضمرة، اى قلت له.

الا ان الاشكال المذكور ضعيف، اذ الاضمار لايضر بحجية الرواية بعد ما كان الراوي من اجلاّء الاصحاب الذين لاتليق بهم الرواية عن غير الامام عليه‏السلام .(2)

واما احتمال القطع فهو ضعيف، فان الظاهر ان كلمة «قلت» تعبير من حريز نفسه دون ابن المغيرة.

نعم يرد على هذه الرواية وسابقتها الاشكال الاول من الاشكالين السابقين، وهو ان لسان الطائفة المطلقة آبٍ عن التقييد فلاحظ.

و من كل هذا يتجلّى أنّ من يرى تمامية الاشكال الاول، فالمستند عنده فى اعتبار الترتيب بين الرأس وبقية الجسد ينحصر بالشهرة والاجماع المدّعي. واذا شُكك في الاجماع و انه مدركى فلا اقل من التنزل الى اعتبار ذلك بنحو الاحتياط اللزومي.

الترتيب بين الجانبين

هذا كله فى اعتبار الترتيب بين الرأس وبقية الجسد.

واما بين الجانبين ـ بناء على اعتباره بين الرأس والجسد ـ فالمشهور اعتباره ايضا. وخالف فى ذلك الشيخ البهائى والمجلسى وصاحب المدارك والذخيرة والوافي وغيرهم(3) فلم يعتبروا ذلك.

وقد يستدل للمشهور بصحيحة زرارة المتقدمة: «..ثم صبَّ على منكبه الايمن مرّتين


1 ـ وسائل الشيعة: 1/314، باب 33 من أبواب الوضوء، حديث 4.
2- و سيأتى فى مبحث التيمم جواب عام عن مشكلة الاضمار، لا يختص بما اذا كان الراوى من اجلاّء الاصحاب.
3 ـ الحبل المتين، ص 41؛ البحار: 78/54؛ مدارك الاحكام: 1/294؛ الذخيرة، ص 56؛ الوافي: 6/617.

(101)


وعلى منكبه الأيسر مرّتين فما جرى عليه الماء فقد أجزأه»(1) بناء على افادة الواو للترتيب كما هو المنسوب الى الفراء وغيره.(2)

وفيه: ان قول الفراء وغيره لا دليل على حجيته بعد عدم إفادته للاطمئنان؛ على انه معارض بقول السيرافى حيث ذكر: «ان النحويين واللغوين اجمعوا على انها لاتفيد الترتيب»(3).

و على تقدير التنزل يمكن ان يقال ـ كما اشار اليه الشيخ الهمدانى وغيره ـ انه في خصوص المقام لايقصد افادة الترتيب، فإنه بمجرد صبِّ الماء على المنكب الأيمن مرّتين لا يتحقق غسله بتمامه بما فى ذلك باطن القدمين كى يكون الصبُّ مرّتين علي المنكب الأيسر بعد ذلك متحققا بعد غسل تمام الايمن(4).

الطرف الأيسر ـ حيث انه لايجرى بنحو الخط المستقيم ـ ويكون ذلك كافيا بلاحاجة الي غسله ثانيا عند الصب بعد ذلك على الأيسر، اذ الصحيحة نفسها قالت: «فما جرى عليه الماء فقد أجزأه»، وهذا يعنى ان الصحيحة تدل على عدم اعتبار الترتيب بين الجانبين.

و عليه فالحكم باعتبار الترتيب بين الجانبين لابدَّ وان يكون مبنيا على الاحتياط تحفظا من مخالفة المشهور.

الرقبة

المشهور ان الرقبة ملحقة بالرأس فيجب غسلها معه. وخالف فى ذلك السبزواري والشيخ عبداللّه‏ صالح البحرانى والنراقى وغيرهم(5) وقالوا بانها ملحقة بالجانبين فيغسل الجانب الأيمن منها مع الجانب الأيمن للبدن والأيسر مع الأيسر.

وقد يوجّه ذلك بأن النصوص لما كانت خالية عن الاشارة الى الرقبة، وهى ليست جزءا من مفهوم الرأس فيلزم دخولها فى الجانبين.


1 ـ وسائل الشيعة: 1/502، باب 26 من أبواب الجنابة، حديث 2.
2 ـ مغنى اللبيب: 1/464.
3 ـ المصدر السابق.
4 ـ مصباح الفقيه: 3/362 .
5 ـ الذخيرة، ص 56؛ مستند الشيعة: 2/324 ونقل الشيخ يوسف البحرانى رأى الشيخ عبداللّه‏ فى حدائقه: 3/65.

(102)


الا ان المناسب مع ذلك ما ذهب اليه المشهور لا لأن الرقبة جزء من مفهوم الرأس بل لأن المستفاد من صحيحة زرارة السابقة: «... صبَّ على رأسه ثلاث اكف ثم صبَّ علي منكبه الايمن مرّتين وعلى منكبه الأيسر مرّتين»(1) وجوب غسل الرقبة مع الرأس بالرغم من عدم كونها جزءا من مفهومه، بتقريب انه لو لم يجب غسل الرقبة مع الرأس فسوف تبقى من دون غسل، اذ مايصبُّ ثانيا عل المنكبين لايصيب الرقبة لأنها اعلى من المنكبين وفوقهما.

وعليه فالمناسب غسل الرقبة مع الرأس و ان كانت مراعاة الاحتياط بغسلها مع الرأس ثم مع الجانبين امرا مناسبا.

الغسل الارتماسى

تقدم ان للغسل كيفيتين: الترتيب والارتماس. وحديثنا الى الآن كان عن كيفية الغسل الترتيبي.

واما الغسل الارتماسى فالمقصود منه غمس تمام البدن فى الماء دفعة واحدة عرفية من دون مراعاة الترتيب بين الرأس والجسد.

ويدل على ذلك صحيحة زرارة السابقة حيث ورد فيها: «... ولو ان رجلاً جنبا ارتمس فى الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وان لم يدلك جسده»(2) وغيرها، فإنّ تحقيق الارتماسة الواحدة بنحو الدفعة الحقيقية حيث انه متعسّر بل متعذّر فلابدَّ من كون المراد هو الدفعة العرفية، بمعنى غمس جميع أجزاء البدن تحت الماء فى وقت واحد عرفا.(3)

هذا ما عليه المشهور.

و ذهب صاحب الحدائق الى عدم اعتبار الدفعة العرفية ايضا وجواز التأنّى في الارتماس بشكل لاتتحقق الدفعة العرفية معه ـ كما لو فرض ان المغتسل يرفع رجله الاولى عن الأرض، ثمّ يضعها ويرفع الثانية، فإن الدفعة فى مثل ذلك لا تكون متحققة عرفا ايضا ـ لأن المقصود من الوحدة ما يقابل تعدّد الرمس بعدد أجزاء البدن الثلاثة، أي هى احتراز عن التعدّد المعتبر فى الغسل الترتيبى وليست بمعنى الدفعة.


1 ـ وسائل الشيعة: 1/502، باب 26 من أبواب الجنابة، حديث 2.
2 ـ وسائل الشيعة: 1/503، باب 26 من أبواب الجنابة، حديث 5.
3- وظاهر الصحيحة ان الارتماس رخصة وتخفيف والاصل هو الترتيب بقرينة التعبير بلفظ الإجزاء.

(103)


ثمّ قال قدس‏سره : و لكن ما ذكره المشهور ـ مع ذلك ـ احوط(1).

هذا وقد يقال فى الدفاع عن المشهور بأنّ مفهوم الارتماس يستبطن الغمس دفعة، فإنه عبارة عن تغطية البدن بالماء وستره لجميع أجزاءه، ومن الواضح ان التغطية لجميع اجزاء البدن بالماء لا تتحقق إلاّ دفعة و فى آن واحد، وحيث انّ تحقيق الدفعة الحقيقية أمر متعسّر بل متعذّر فيتعيّن كون المقصود الدفعة العرفية.


1 ـ الحدائق النّاضرة: 3/78.

(104)


(105)