النقطة الثامنة: مسح الرأس

الوظيفة فى الرأس مسحه ولا يجزي‏ء غسله. وهو ممّا لاخلاف فيه بيننا، لأن المأمور به عنوان المسح، وهو مغاير عرفا لعنوان الغسل.

ودعوى اجزائه باعتبار انه يشتمل على المأمور به و زيادة(3) ضعيفة، فإنّ ذلك يتمّ


1 ـ وسائل الشيعة: 1/317، باب 35 من أبواب الوضوء، حديث 3.
2 ـ وسائل الشيعة: 1/332، باب 42 من أبواب الوضوء، حديث 8.
3 ـ قال القرطبى فى تفسيره الجامع لأحكام القرآن: (6/90) «لو غسل متوضّي‏ء رأسه بدل المسح، فقال ابن العربي: لا نعلم خلافا ان ذلك يجزئه». ثم علّل ذلك بقوله: «جاء هذا الغاسل بما اُمر و زيادة». وقريب من ذلك ذكر ابن قدامة فى المغني: 1/118.

(78)


فى غير موارد المغايرة العرفية، والمفروض تحققها.

وهل يجوز المسح على الحائل كالعمامة؟ اتفقت الكلمة بيننا على العدم ـ خلافا لغيرنا، فإنّ منهم من قال بالجواز(1) ـ لأنّ المسح على الحائل ليس مصداقا للمسح المأمور به، وهو المسح على الرأس.

و هل يلزم مسح تمام الرأس؟ لا اشكال بيننا فى عدم لزوم ذلك ـ خلافا لغيرنا، فإنّ منهم من قال بلزوم ذلك(2) ـ ويكفى المسح على بعضه، وهو خصوص المقدَّم منه دون بقيّة الجوانب لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «مسح الرأس على مقدمه»(3) و غيرها. و بها يقيِّد اطلاق الآية الكريمة.

و ما دلَّ خلاف ذلك كصحيحة الحسين بن أبى العلاء: «قال ابو عبداللّه‏ عليه‏السلام : امسح الرأس على مقدّمه ومؤخّره»(4) وغيرها ساقط عن الحجّية، لهجران الاصحاب له.

و إذا قيل: لايكفى المسح على مطلق المقدَّم بل خصوص الناصية منه ـ وهو المقدار الواقع بين النزعتين فوق الجبهة ـ لصحيحة زرارة المتقدّمة: «..وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك» وغيرها، فانّ المورد من قبيل المطلق والمقيد فيلزم الجمع بتقييد المقدَّم بخصوص الناصية منه. ويظهر من صاحب الجواهر فى بداية كلامه الميل الى ذلك(5) وان تراجع عنه فى آخره قائلاً: «المسألة لا تخلو من اشكال، والاحتياط يقتضى الاقتصار على الناصية»(6).


1 ـ كالأوزاعى والثورى واحمد حيث جوّزوا المسح على العمامة على ما نقل الفخر الرّازى فى تفسيره مفاتيح الغيب: 6/146 .
2 ـ قال ابن قدامة فى المغني: (1/111) «لاخلاف فى وجوب مسح الرأس...واختلف فى قدر الواجب فروى عن أحمد وجوب مسح جميعه....».
و فى شرح صحيح الترمذى لإبن العربى المالكي: (1/51) «المشهور من قول مالك وجوب مسح جميع الرأس، يبدأ بيديه بالمقدم إلى القفا».
وفى بداية المجتهد لإبن رشد: (1/10) «ذهب مالك الى ان الواجب مسح الرأس كله، والشافعى و ابو حنيفة وبعض اصحاب مالك الى ان الفرض مسح بعضه. و حدّه ابو حنيفة بالربع وبعض اصحاب مالك بالثلث وبعضهم بالثلثين. و زاد البعض فاوجب مسح الاذنين ايضا باعتبار انهما جزء من الرأس، ففى المغنى لإبن قدامة (1/119) «و الأذنان من الرأس، فقياس المذهب وجوب مسحهما مع مسحه». وقد نقل ذلك عن الحنابلة الجزيرى فى كتابه الفقه على المذاهب الاربعة: (1/58).
3 ـ وسائل الشيعة: 1/289 باب 22 من أبواب الوضوء، حديث 1.
4 ـ وسائل الشيعة: 1/229، باب 22 من أبواب الوضوء، حديث 6.
5 ـ ونقل الشيخ البحرانى فى الحدائق الناضرة: 2/254 عن شيخه الصالح الشيخ عبداللّه‏ البحرانى اختيار ذلك وانه هو المفهوم من كلمات الاصحاب ما عدا الشهيد الثانى فى الروضة البهية.

(79)


قلنا: يمكن الجواب:

اوّلاً: ان القاعدة وان اقتضت تقييد المقدَّم بخصوص الناصية لما سبق إلاّ ان المسألة حيث انها عامّة البلوي، فيلزم أن يكون حكم الشرع فيها واضحا ومنعكسا على فتاوي الفقهاء، و بما انّ المعروف بينهم جواز المسح على مطلق المقدَّم فسوف يثبت انّ ذلك هو حكم الشرع، ومن ثمَّ يلزم حمل كلمة «الناصية» المذكورة فى صحيحة زرارة؛ اما على بيان افضل مواضع المسح من المقدَّم أو على بيان بعض افراد المطلق.

و يقرَّب ما ذكرناه اكثر لو التفتنا الى احتمال أن تكون صحيحة زرارة هى فى صدد بيان اعتبار المسح ببلّة الوضوء و تعيُّن ذلك و ليست بصدد بيان موضع المسح و انه خصوص الناصية.

وثانيا: ما قيل من انّ المراد من الناصية مجمل، فانه لا اتفاق على تفسيرها بالمقدار الواقع بين النزعتين فوق الجبهة بل البعض فسَّرها بمقدَّم الرأس(1)، وهذا بخلاف مقدَّم الرأس، فإنّ المراد منه واضح، و هو ما يقابل المؤخّر والجانبين، ومن الواضح انه كلما اجتمع ظاهر ومجمل فلا مجال لرفع اليد عن ظهور الظاهر باجمال المجمل(2).

وثالثا: مع التنزّل و تسليم اجمال كلمة «مقدَّم الرأس» واحتمال ارادة خصوص الناصية منها فالنتيجة تبقى كما هى ـ أى جواز المسح على مطلق الربع المقدَّم من الرأس ـ لأن مقتضى اطلاق الآية الكريمة جواز المسح على اى جزء من الرأس وقد خرج منه غير المقدَّم للاتفاق على عدم جواز المسح عليه، فيبقى غير مقدار الناصية من المقدَّم يشكّ فى خروجه عنه، فيتمسّك به لاثبات جواز المسح عليه.

النقطة التاسعة: مقدار المسح

المشهور بين الاصحاب كفاية المسح بمقدار المسمّى ولا يتعيّن مقدار معيّن خلافا لما يظهر من الشيخ الصدوق والسيد المرتضى والشيخ الطوسى من اعتبار المسح بثلاث


1 ـ جواهر الكلام: 2/180 .
2 ـ ففى القاموس والمصباح ومجمع البحرين تفسير الناصية بقصاص الشعر، بينما ذكر الطبرسى فى مجمع البيان عند تفسير قوله تعالي: «فيؤخذ بالنواصى والاقدام»: والناصية: شعر مقدّم الرأس. وفى الهداية لشيخ الإسلام الحنفي: (1/4) «المفروض فى مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس».
3 ـ مصباح الفقيه: 2/363.

(80)


اصابع مضمومة(1).

و يدلّ على الرأى المشهور اطلاق الآية الكريمة: « وامسحوا برؤوسكم»(2) فإنّ المسح بالرأس يصدق بالمسمّي.

و يؤكّد ذلك صحيحة زرارة: «قلت لأبى جعفر عليه‏السلام : ألا تخبرنى من أين علمت وقلت ان المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك، فقال: يا زرارة، قاله رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله ونزل به الكتاب من اللّه‏ عزّوجلّ لأنّ اللّه‏ عزّوجلّ، قال: «فأغسلوا وجوهكم» فعرفنا ان الوجه كله ينبغى أن يغسل ثمّ قال:« وأيديكم الى المرافق»فوصل اليدين الي المرفقين بالوجه، فعرفنا انه ينبغى لهما ان يغسلا الى المرفقين.

ثمّ فصّل بين الكلام فقال: « وامسحوا برؤوسكم» فعرفنا حين قال: «برؤوسكم» ان المسح ببعض الرأس لمكان الباء. ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال:« و أرجلكم إلى الكعبين» فعرفنا حين وصلهما بالراس ان المسح على بعضهما، ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم للناس فضيّعوه»(3).

و قد رواه المحمّدون الثلاثة بطرق صحيحة على ما ذكر صاحب الوسائل فى ذيلها فلاحظ.

و إذا قيل: كيف يستفاد التبعيض من الباء بعد انكار سيبويه مجيئها لذلك(4).

قلنا: يرد ذلك:

اولاً: انه لا دليل على حجّية قول سيبويه وغيره فيما اذا لم يحصل الاطمئنان منه خصوصا مع المعارضة بشهادة الاصمعى والفارسى وابن مالك وغيرهم بمجيئها لذلك(5).

وثانيا: ما القيمة لقول سيبويه وغيره بعد دلالة الرواية الشريفة على ارادة التبعيض من الآية الكريمة.

وثالثا: ان ارادة التبعيض من الآية الكريمة لا يتوقّف على كونه من احد معانى الباء بل تمكن استفادته من نفس ذكرها ولو لم تكن موضوعة له، فإنه لو لم يكن المقصود


1 ـ الفقيه: 1/28؛ النهاية، ص 14؛ وقد حكى خلاف السيد المرتضى المحقق فى المعتبر: 1/145.
2 ـ المائدة / 6.
3 ـ وسائل الشيعة: 1/290، باب 23 من أبواب الوضوء، حديث 1 .
4 ـ الكتاب: 4/217 .
5 ـ مغنى اللبيب: 1/142 .

(81)


افادة الاجتزاء بمسح البعض، فالمناسب التعبير ب «فامسحوا رؤوسكم» من دون باء.

و رابعا: انّ من المحتمل أن تكون الآية الكريمة على منوال قولنا: «امسح يدك بالحائط» الذى يقصد منه: امسح يدك ببعض الحائط لاجميعه على نحو تكون اليد هي الممسوحة لا الماسحة على عكس ما ينسبق إلى الذهن بادي‏ء الأمر.

و بكلمة أخري: ان التشكيك فى إرادة التبعيض يتمّ لو كان المقصود جعل اليد ماسحة و الرأس ممسوحا، أمّا إذا كان المقصود هو العكس ـ كما فى المثال ـ فارادة التبعيض جزمية.

ثمّ انه قد يقال: انّ مسح جميع الرأس وان لم يكن لازما إلاّ انّه يلزم أن يكون بمقدار ثلاث اصابع ـ كما تقدّم ذلك عن الشيخ الصدوق وغيره ـ لصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه‏السلام : «المرأة يجزئها من مسح الرأس ان تمسح مقدّمه قدر ثلاث اصابع و لا تلقى عنها خمارها»(1).

و أجاب الشيخ الهمدانى وغيره ب «منع ظهور لفظ الإجزاء فى ذلك، بل غايته الاشعار به وهو لا يصلح لتقييد المطلقات، إذ كثيرا مّا يكون متعلّق الإجزاء افضل افراد الواجب كما لايخفى على من تتبع الاخبار، بل لاحظ استعمالات العرف»(2).

وأضاف صاحب المدارك بأن قوة دلالة تلك الاخبار على الاكتفاء بالمسمّى تمنع من الجمع بالتقييد ويتعيّن حمل الصحيحة على بيان الاستحباب والافضلية».(3)

النقطة العاشرة: المسح دون الغسل فى الرجلين

الوظيفة فى الرجلين المسح دون الغسل، بلا خلاف بيننا فى ذلك.

و الوجه فيه واضح بناء على قراءة كلمة و ارجلكم بالجرّ كما دلّت عليه بعض الروايات(4).

و اما بناء على قرائتها بالنصب ـ التى هى قراءة حفص عن عاصم ـ فالأمر كذلك، لأنها معطوفة على محل «رؤوسكم» الذى هو النصب بالمفعولية.


1 ـ وسائل الشيعة: 1/293، باب 24 من أبواب الوضوء، حديث 3 .
2 ـ مصباح الفقيه: 2/350 .
3 ـ مدارك الاحكام: 1/209.
4 ـ ففى رواية غالب بن الهذيل: «سألت أبا جعفر عن قول اللّه‏ عزوجل «
وامسحوا برؤوسكم وارجلكم الي الكعبين» على الخفض هى أم على النصب؟ قال: بل هى على الخفض» وسائل الشيعة، باب 25 من أبواب الوضوء، حديث 10.

(82)


فالنتيجة على هذا واحدة على كلتا القرائتين، وهى لزوم المسح.

هذا ما عليه الامامية.

واما عند غيرهم فالمعروف لزوم الغسل(1) وقد يوجَّه ذلك:

اما على قراءة الجرّ فباعتبار ان الارجل عطف على الايدى فهى منصوبة ويلزم غسلها كالايدى وانما جرت من باب الاتباع نظير قولهم: «جحر ضبٍ خربٍ»، فان المناسب «خربٌ» بالرفع وانما جُرَّ بالاتباع لكلمة «ضبٍ».

واما على قراءة النصب فباعتبار ان «الارجل» اما عطف على الايدى ايضا، فيلزم غسلها كالأيدي، والتقدير: «واغسلوا ايديكم و أرجلكم»، او هى منصوبة بعامل مقدَّر، أى «امسحوا رؤوسكم واغسلوا أرجلكم»، كما فى مثل «علفتها تبنا وماءا باردا»، أي وسقيتها ماءا باردا.

هذا ما يمكن ان يقال فى توجيه لزوم غسل الارجل.

والجواب:

اما بناء على قراءة الجرّ فواضح، باعتبار ان الاتباع يصار اليه حيث لايمكن تصحيح الحركة الاعرابية بدونه، كما هو الحال فى كلمة «خربٍ»، وهذا بخلافه فى المقام، فإن وجاهة الجرّ لاتتوقّف على افتراض الاتباع، لإمكان ان يكون ذلك من باب العطف علي «رؤوسكم».

على أنّ جواز الاتباع يختص بحالة عدم وجود فاصل بين الكلمتين، اما مع وجوده ـ كحرف العطف فى المقام ـ فلا يجوز.

هذا مضافا إلى أن الاتباع يتّجه فى موارد الأمن من اللبس، اما مع عدمه ـ كما في المقام ـ فلا يحسن المصير اليه.

هذا على قراءة الجر.

واما على قراءة النصب، فالعطف على الأيدى مضحك، لأنه مع طول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه كيف يحتمل العطف خصوصا والجملة الاولى قد تمّت حيث قيل: «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق» ثم حصل شروع فى جملة جديدة، فقيل:


1 ـ نقل القرطبى فى الجامع لاحكام القرآن: 6/91 عن أبى العربي: «اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من ردَّ ذلك سوى الطبرى من فقهاء المسلمين والرافضة من غيرهم».
وذكر الرازى فى تفسيره (مفاتيح الغيب: 6/164) ان وجوب الغسل هو مختار جمهور الفقهاء والمفسّرين.

(83)


«وامسحوا برؤوسكم و أرجلكم»، وتمامية الجملة الاولى بنفسه مبعِّدة لاحتمال العطف على بعض مفرداتها.

و اما التقدير، فهو على خلاف الاصل و لا يصار اليه ما دام يمكن عدمه.

و لا يبعد أن يكون السبب فى الركون إلى هذه التوجيهات البعيدة ما رووه من اخبار تدلّ على وجوب الغسل، وصعب عليهم التفوه بنسخ الكتاب الكريم بتلك الاخبار راحوا الى توجيه الكتاب وتأويله بما يوافقها.

قال الجصّاص: ثبت بالنقل المستفيض المتواتر ان النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله غسل رجليه فيالوضوء و لم تختلف الأمّة فيه، و فعله هذا يدلّ على الوجوب حيث انه وارد مورد البيان. و ايضا رأي النبى قوما تلوح اعقابهم لم يصبها الماء، فقال: «ويل للاعقاب من النار اسبغوا الوضوء»، فانّه يدلّ على لزوم استيعاب الرجل بالغسل و الا فلا معنى لاثبات الويل على ترك غسل العقب(1).

و زاد القرطبي: انّ لفظ المسح مشترك يطلق بمعنى المسح تارة وبمعنى الغسل أخري، فيقال للرجل اذا توضّأ وغسل اعضاءه: «قد تمسَّح»، و يقال: «مسح اللّه‏ مابك اذا غسلك وطهّرك من الذنوب»(2).

وكان المناسب جعل الحاجةٍ الى تأويل كتاب اللّه‏ بتلك الوجوه البعيدة قرينة على عدم حقّانية تلك الاخبار لا العكس.

و قد جاء فى حديث محمد بن مروان:«قال ابو عبداللّه‏ عليه‏السلام : انّه يأتى على الرجل ستّون و سبعون سنة ما قبل اللّه‏ منه صلاة. قلت: كيف ذاك؟ قال: لأنه يغسل ما امر اللّه‏ بمسحه»(3).

النقطة الحادية عشرة: المقصود من الكعبين

وقع الخلاف فى تحديد المقصود من الكعبين. و للامامية فى ذلك قولان:

احدهما: ما هو المشهور من كونهما العظمين الناتئين فوق ظهر القدم المعبّر عنهما بقبتى القدمين.

وطبيعى ليس المقصود انّ الكعب بداية القبّة فقط، بل من بدايتها حتى المفصل بين


1 ـ احكام القرآن: 2/434 ـ 435.
2 ـ الجامع لاحكام القرآن: 6/92 .
3 ـ وسائل الشيعة: 1/294،باب 25 من أبواب الوضوء، حديث 2.

(84)


الساق والقدم.

ونقل السيّد المرتضى والشيخ على ذلك الاجماع. ونسبه المحقق الى فقهاء اهل البيت عليهم السلام(1).

ثانيهما: ما اختاره العلاّمة من كونهما المفصل بين الساق و القدم. ونسب التفسير المشهور بين الاصحاب إلى الاشتباه(2).

وذكر الشهيد الاول ان هذا التفسير ممّا تفرّد به العلاّمه(3).

نعم وافَقَهُ على ذلك فيما بعد الفاضل المقداد(4).

والأرجح هو التفسير المشهور، لا لاقتضاء تفسير اهل اللغة لذلك، فإن كلماتهم مختلفة او مجملة كما يتّضح الامر لمن راجعها(5) بل هو لمايلي:

أ ـ استفادة ذلك من روايات ظهر القدم، كموثّقة ميسر عن أبى جعفر عليه‏السلام : «ألا احكي لكم وضوء رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله ...ثمّ وضع يده على ظهر القدم ثمّ قال: هذا هو الكعب»(6) وغيرها، فإنه بناء على كونه المفصل فلايكون فى ظهر القدم بخلافه بناء على كونه قبّة القدم.

ب ـ التمسك بالروايات الدالة على عدم الحاجة الى استبطان الشراك عند المسح، كصحيحة زرارة وبكير الحاكية لوضوء النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «...ثم مسح رأسه وقدميه ببلل كفّه لم يحدث لها ماءا جديدا، ثم قال: ولا يدخل اصابعه تحت الشراك(7)»(8) وغيرها، بناء على ظهوره فى انتهاء المسح الواجب الى الشراك ـ لا الإكتفاء بمسح الشراك عن مسح البشرة ـ وكون موضع الشراك قبّة القدم دون المفصل.

ج ـ ان المسألة لشدّة الابتلاء بها يلزم ان يكون حكمها واضحا ومنعكسا على فتاوي


1 ـ الانتصار، ص 28؛ الخلاف: 1/16؛ المعتبر: 1/148.
2 ـ المختلف: 1/125 ـ 126، المسألة 78 .
3 ـ الذكري: 2/150 ونسب الفخر الرازى فى تفسيره: 6/165، القول الثانى الى الامامية، والحال ان القول الاول هو مذهب الامامية.
4 ـ كنز العرفان: 1/18.
5 ـ راجع: العين: 1/207؛ الصحاح: 1/213؛ القاموس: 1/129؛ المصباح المنير: 2/534؛ النهاية: 4/178؛ لسان العرب: 1/718.
6 ـ وسائل الشيعة: 1/275، باب 15 من أبواب الوضوء، حديث 9.
7 - الشراك: سير النعلين.
8 ـ وسائل الشيعة: 1/273، باب 15 من أبواب الوضوء، حديث 3.

(85)


الفقهاء، وحيث ان المعروف بينهم الى زمن العلاّمة تفسيره بقبّة القدمين، فيكشف ذلك عن كونه هو المتلقّى من الشارع يدا بيد.

ثم انه يمكن الاستدلال للعلاّمة بصحيحة زرارة و بكير المتقدّمة عن أبى جعفر عليه‏السلام حيث ورد فيها: «...فقلنا: أين الكعبان؟ قال: ههنا، يعنى المفصل دون عظم الساق(1)، فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: هذا من عظم الساق، والكعب أسفل من ذلك»(2)؛ فإنّ قوله: «ههنا يعنى المفصل دون عظم الساق» يدلّ عط انّ الكعب عبارة عن المفصل، اى مفصل الساق والقدم.

والحق ـ كما أفاد الشيخ الهمدانى وغيره(3) ـ انّ المراد من المفصل فى الصحيحة مجمل، فكما تحتمل ارادة المفصل المتصل بالساق، تحتمل ايضا إرادة المفصل الواقع فى وسط القدم، فإنه ـ على ما قيل ـ يوجد مفصل فى قبّة القدم ايضا، والفاظ الصحيحة صالحة للانطباق على ذلك.(4)

وبالجملة: انّ للإمامية فى المسألة قولين.

واما عند الجمهور فقد فُسِّرا بالعظمين الناتئين عن يمين الساق و شماله(5).



1 ـ يحتمل ان يكون هذا التفسير من كلام الراوي.
2 ـ المصدر السابق .
ثم ان النقل المذكور يوافق ما جاء فى الكافي: 3 / 26، و اما التهذيب: 1 / 76 فقد جاء النقل فيه هكذا: «... فقالا: هذا ما هو؟ قال: هذا عظم الساق».
3 ـ مصباح الفقيه: 2/417.
4 ـ و معنى الصحيحة على رأى العلاّمة: ... يعنى مفصل الساق والقدم الذى هو تحت عظم الساق، و على رأي المشهور:... يعنى المفصل الموجود فى قبّة القدم الذى هو دون عظم الساق.
وكلمة «دون» ليست بمعنى تحت ـ كما يريد العلاّمة ـ بل اما بمعنى غير أو بمعنى أسفل، فإنّ المفصل بالمعني المذكور هو بالتالى اسفل بلحاظ الساق وان لم يكن تحتها.
هذا كلّه بلحاظ السؤال الاول.
واما السؤال الثاني، فالمقصود منه واحد على كلا الرأيين، أى فقلنا: هذا ـ أى منتهى عظم الساق او العظمان الناتئان على يمين الساق و شماله ـ ما هو فقال:...
5 ـ قال الرازى فى مفاتيح الغيب: 6/165: «مذهب جمهور الفقهاء ان الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبى الساق» .
وقال القرطبى فى الجامع لاحكام القرآن: 6/96: «الجمهور على انهما العظمان الناتئان فى جنبى الرجل».

(86)


واستدل الجصّاص على ذلك بما يلي:

1 ـ لو كان فى كل رجل كعبان فتعبير الآية بالكعبين مناسب، اما لو كان فى كل رجل كعب واحد فالمناسب التعبير ب «الى الكعاب» كما قال تعالي: « ان تتوبا الى اللّه‏ فقد صغت قلوبكما»(1)، « وايديكم الى المرافق»(2)، حيث كان لكل واحدة قلب واحد ولكل يدٍ مرفق واحد.

2 ـ ورد فى حديث المحاربي: «رأيت رسول اللّه‏ فى سوق ذى المجاز وعليه جبة حمراء وهو يقول: «يا ايّها الناس! قولوا لا اله الا اللّه‏ تفلحوا» و رجل يتبعه ويرميه بالحجارة وقد ادمى عرقوبيه(3) وكعبيه وهو يقول: يا ايّها الناس لاتطيعوه فانه كذّاب، فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن عبدالمطلب. قلت: فمن هذا الذى يتبعه ويرميه بالحجارة؟ قالوا: هذا عبدالعزّى ابو لهب»، فانه يدلّ على انّ الكعب هو العظم الناتي‏ء فى جنبي الساق، لأنّ الرمية اذا كانت من وراء الماشى فهى لا تصيب ظهر القدم.

3 ـ ورد فى حديث النعمان بن بشير: قال رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : لَتُسَوُّنَّ صفوفكم او ليخالفنَّ اللّه‏ بين قلوبكم او وجوهكم. قال: فلقد رأيت الرجل منّا يلزق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكب صاحبه»، وهو يدل على ان الكعب هو العظم الناتي‏ء فى جنبى الساق فإنه بهذا المعنى يمكن ان يتصل كعب شخص بكعب شخص آخر ويحصل التماس بينهما، بخلاف ما اذا كان فى ظهر القدم فإنه لايمكن فيه التماس(4).

والجميع قابل للمناقشة.

اما الاوّل، فباعتبار ان العضو اذا كان واحدا فى مجموع البدن فلا يصح التعبير الاّ بالجمع، اما اذا كان اثنين بحيث كان فى احد الرجلين كعب و فى الاخرى كعب آخر فلا يتعيّن التعبير بالجمع بل يصح بالتثنية ايضا. ومجرد التعبير فى الآية المستشهد بها بالجمع لا يدلّ على انحصار الصحة به.

واما الأخيران، فباعتبار ان اقصى ما يدلاّن عليه هو استعمال كلمة الكعب فيما ذكر، لا


1 ـ التحريم / 4 .
2 ـ المائدة / 6.
3 ـ العُرقوب بالضم: عصب غليظ فوق العقب.
4 ـ أحكام القرآن للجصّاص: 2 / 436 .

(87)


على انحصار ذلك به.

ومن خلال هذا كله يتّضح ان المناسب تفسير الكعب بقبّة القدم للوجوه المتقدّمة.

النقطة الثانية عشرة: المسح على الخفّين

اتفقت كلمة الامامية على عدم جواز المسح على الخفّين، لأن المسح عليهما ليس مصداقا للمأمور به، وهو المسح على الأرجل.

وقال غيرهم بجواز ذلك(1)، ورووا عن جرير بن عبداللّه‏: «رأيت رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله توضّأ ومسح على خفّيه»(2).

وعن الحسن البصري: «حدّثنى سبعون من أصحاب الرسول صلي‏الله‏عليه‏و‏آله انه مسح علي الخفّين»(3).

بل رووا عن امير المؤمنين عليه‏السلام : «انه مسح على نعليه وقدميه ثم دخل المسجد ثم خلع نعليه ثمّ صلي»(4).

وجاءت احاديث أهل البيت عليهم‏السلام لترد بشدة على ذلك من قبيل:

صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه‏السلام : «سمعته يقول: جمع عمر بن الخطاب اصحاب النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله وفيهم على عليه‏السلام فقال: ما تقولون فى المسح عل الخفّين؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: رأيت رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله يمسح على الخفّين، فقال على عليه‏السلام : قبل «المائدة» او بعدها؟ فقال: لا ادري، فقال على عليه‏السلام : سبق الكتاب الخفّين(5)، انما انزلت «المائدة» قبل


1 ـ قال الرازى فى مفاتيح الغيب: 6/166: «اثبت جمهور الفقهاء جواز المسح على الخفين».
وقال الجصاص فى احكام القرآن: 2/437: «قال اصحابنا جميعا والثورى والحسن بن صالح والاوزاعي والشافعي: يمسح المقيم على الخفين يوما وليلة، والمسافر ثلاثة ايام وليالها. وروى عن مالك والليث: انه لا وقت للمسح على الخفين اذا ادخل رجليه وهما طاهرتان يمسح ما بدا له...».
2 ـ أحكام القرآن للجصاص: 2/437.
3 ـ مفاتيح الغيب: 6/167.
4 ـ المغنى لإبن قدامة: 1/166 .
5 ـ قال فى الوافي6: 303: يعنى ان المسح على الخفّين بدعة حدثت بعد ثبوت حكم المسح على الرجلين بنصّ القرآن، اذ لا خفاء فى ان الخف غير الرجل.

(88)


ان يقبض بشهرين أو ثلاثة»(1).

و حديث الكلبى النسابة عن الامام الصادق عليه‏السلام : «قلت له ما تقول فى المسح علي الخفّين؟ فتبسّم، ثم قال: اذا كان يوم القيامة و ردَّ اللّه‏ كلّ شيء الى شيئه و ردَّ الجلَّد الي الغنم، فترى اصحاب المسح أين يذهب وضوؤهم»(2).

النقطة الثالثة عشرة: الحاجب على اعضاء الوضوء

اذا شكّ المكلّف فى وجود حاجب على اعضاء وضوءه، فهل يلزمه الفحص وتحصيل الاطمئنان بالعدم(3)؟ نعم يلزمه ذلك، فإنّ الذمّة مشتغلة بغسل الوجه واليدين، فيلزم تحصيل الاطمئنان بالفراغ.

وقد يقال ـ ولعلّ ذلك هو المشهور بل ادّعى الشيخ الاعظم الاجماع عليه(4) ـ بعدم الوجوب للوجهين التاليين:

1 ـ التمسك باستصحاب عدم وجود الحاجب.

وفيه: انه مثبت، لأن الواجب تحصيل غسل الوجه واليدين، وهو ليس لازما شرعيا لعدم وجود الحاجب.

2 ـ إنّ سيرة المتشرّعة جارية على عدم الفحص فى الوقت الذى لا يخلو البدن غالبا من دم البرغوث والبق و غيره من الحواجب، و لو صدر الفحص من أحدهم نُسب الى الوسواس.

و قد تمسّك بالسيرة المذكورة جمع من الأعلام كصاحب الجواهر والشيخ الهمداني و غيرهما(5).



1 ـ وسائل الشيعة: 1/323، باب 38 من أبواب الوضوء، حديث 6.
ثمّ ان الذيل قد يوحى بانّ النبي(ص) كان يمسح على الخف قبل نزول المائدة، و فى هذا المجال يقول الصدوق فى الفقيه: 1/30؛ لم يعرف للنبي(ص) خفّ الاّ خفّا اهداه له النجاشى و كان موضع ظهر القدمين منه مشقوقا فمسح النبي(ص) على رجليه و عليه خفّاه، فقال الناس انه مسح على خفّيه.
2 ـ وسائل الشيعة: 1/322، باب 38 من أبواب الوضوء، حديث 4 .
3 ـ هذا البحث يأتى بكامله فى الغسل والتيمم ايضا.
4 ـ كتاب الطهارة للشيخ الاعظم، ص 141 .
5 ـ جواهر الكلام: 2/288؛ مصباح الفقيه: 3/64 .

(89)


وفيه: إنّ ذلك اما من جهة الغفلة أو الاطمئنان بالعدم، واما عند الشك فانعقاد السيرة على ما ذكر مشكوك، ويكفى الشك فى عدم امكان الاعتماد عليها بعد كونها دليلاً لبّيا يلزم الاقتصار فيه على القدر المتيقّن.

و مع التنزّل، يمكن أن يجاب بعدم الجزم باتصال السيرة المذكورة بعصر المعصوم عليه‏السلام كما ذكر الشيخ النائيني(1).

هذا كله إذا كان الشك فى وجود الحاجب.

و امّا إذا كان فى حاجبية الموجود، فيلزم الفحص وتحصيل الاطمئنان بالعدم ايضا لنفس النكتة المتقدّمة.

وقد يقال: ان هذا صحيح بمقتضى القاعدة إلاّ أنّ صحيحة على بن جعفر عن اخيه عليه‏السلام : «سألته عن المرأة عليها السوار والدملج(2) فى بعض ذراعها لاتدرى يجرى الماء تحته ام لا، كيف تصنع اذا توضّأت أو اغتسلت؟ قال: تحرّكه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه. وعن الخاتم الضيّق لايدرى هل يجرى الماء تحته إذا توضّأ ام لا، كيف يصنع؟ قال: ان علم ان الماء لايدخله فليخرجه إذا توضأ»(3)؛ دلت على عدم لزوم تحصيل العلم بوصول الماء وكفاية الشك، فلاحظ ذيلها.

ويمكن الجواب بأن صدرها يدلّ على لزوم تحصيل العلم، ومع التهافت بين الصدر والذيل لايبقى ما يمنع من التمسّك بمقتضى القاعدة.


1 ـ اجود التقريرات: 2/422.
2 ـ الدُمْلُج بضم الدال و اللام و اسكان الميم: شيء يشبه السوار تلبسه المرأة فى عضدها.
3 ـ وسائل الشيعة: 1/329، باب 41 من أبواب الوضوء، حديث 1.

(90)


(91)