الطهارات الثلاث

المقصود من الطهارات الثلاث: الوضوء والغسل والتيمم.

ونتكلّم باختصار عن كل واحد من الثلاث.

1. الوضوء

يتركّب الوضوء من غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين.

ويدلّ على ذلك:

1 ـ إجماع الإمامية وضرورة مذهبهم.

2 ـ قوله تعالي:« يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين»(1)، فإن الظاهر كون الأرجل عطفا على محل المجرور كما تأتى الإشارة إليه ان شاء اللّه‏ تعالي.

3 ـ الروايات الخاصّة من قبيل صحيحة زرارة: «حكى لنا أبو جعفر عليه‏السلام وضوء رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فدعا بقدح من ماء، فأدخل يده اليمنى فأخذ كفّا من ماء فاسد لها علي وجهه من أعلى الوجه، ثم مسح بيده الجانبين جميعا، ثمّ أعاد اليسرى فى الإناء فاسد لها على اليمني، ثمّ مسح جوانبها، ثم أعاد اليمنى فى الإناء، ثم صبّها على اليسري، فصنع بها كما صنع باليمني، ثم مسح ببقيّة ما بقى فى يديه رأسه و رجليه ولم يعدهما في الإناء»(2) وغيرها.

ونتكلّم عن الوضوء ضمن النقاط التالية:


1 ـ المائدة: 6.
2 ـ وسائل الشيعة: 1 / 275، باب 15 من أبواب الوضوء، حديث 10.

(67)


النقطة الأولي: حدّ غسل الوجه فى الوضوء

انّ حدَّ الوجه الذى يجب غسله طولاً هو من قصاص الشعر إلى الذقن، عرضا بمقدار ما بين الوسطى والإبهام.

والوجه فى ذلك أمران:

أ ـ إن المفهوم عرفا من الوجه المأمور بغسله هو ما ذكر، فإنّ الوجه مأخوذ من المواجهة، والقسم المواجه منه هو ما ذكر.

ب ـ صحيحة زرارة عن الإمام الباقر عليه‏السلام : «اخبرنى عن حدِّ الوجه الذى ينبغى أن يوضّأ الذى قال اللّه‏ عزّوجلّ، فقال: الوجه الذى قال اللّه‏ وأمر اللّه‏ عزّوجلّ بغسله الذي لاينبغى لأحدٍ أن يزيد عليه ولاينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر وإن نقص منه أثم ما دارت عليه الوسطى والإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن وما جرت عليه الإصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه، فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال: لا»(1)، بتقريب أنّ قوله عليه‏السلام : «مادارت عليه الوسطى والإبهام» تحديد للمغسول من جهة العرض، وقوله: «من قصاص شعر الراس إلى الذقن» تحديد له من جهة الطول، وقوله: «وما جرت عليه الإصبعان من الوجه مستديرا، فهو من الوجه»، تأكيد لقوله: «مادارت...».

هذا من حيث دلالة الصحيحة.

واما من حيث السند، فقد رواها ـ على ما ذكر الحر العاملى ـ المحمّدون الثلاثة بطرق صحيحة، فلاحظ.

هذا ما عليه المشهور.

وخالف فى ذلك الشيخ البهائى وذكر ان المقصود: ضَعْ بداية الوسطى على قصاص الشعر، والإبهام على الذقن، ثم ثبِّت الوسط فى المركز وحرِّك الإصبعين بنحو يصير الإبهام فى موضع الوسطى وبالعكس؛ فما يتحصّل من الدائرة على الوجه هو المقدار الواجب غسله.

والصحيحة بناء على هذا تكون متكفّلة لبيان الدائرة الهندسية ـ التى يجب غسلها فى باب الوضوء ـ المتكوّنة من وضع الإصبعين على القصاص والذقن مع تحريكهما


1 ـ وسائل الشيعة: 1 / 284، باب 17 من أبواب الوضوء، حديث 1.

(68)


وليست متكفّلة لبيان حدِّ الوجه طولاً و عرضا.

ثمّ أضاف قائلاً: انه بناء على ما فهمه المشهور يلزم دخول النزعتين(1) فى حدِّ الوجه اللازم غسله، لأنّ قصاص الشعر من ناحيتهما واقع فوقهما مع انّ وجوب غسلهما أمر غير محتمل(2).

و ما ذكره قابل للتأمّل من جهات، نذكر من بينها:

الأولي: ان التحديد الذى اشار اليه عليه‏السلام قَصَدَ به بيان طريقة ميسَّرة يقوم المكلّف بتطبيقها حالة الوضوء، وبناء على فهم المشهور يكون تطبيق ذلك أمرا ميسَّرا حيث يفتح المكلّف اصبعيه ويضعهما على وجهه ويغسل ما بينهما من الأعلى إلى الأسفل بينما علي ما فهمه قدس‏سره لا يمكن تطبيق ذلك إلا قبل الوضوء، ومن أراد تطبيقه حالته كان وضوءه مضحكا للثكلى ويجزم بعدم كونه مطلوبا شرعا.

الثانية: انّ ظاهر قوله عليه‏السلام : «الوسطى والإبهام من قصاص...» انّ كلاً من الوسطي والإبهام يكونان من قصاص الشعر وكلتيهما ايضا يكونان إلى الذقن، فهما يشتركان في القصاص و فى الذقن، بينما على ما ذكره قدس‏سره تكون الوسطى على قصاص الشعر والإبهام على الذقن ولاتكون كلتاهما فى نقطة مشتركة.

الثالثة: ان ما بين الإبهام والوسطى لايتطابق غالبا مع المقدار ما بين القصاص والذقن فقد يكون أكبر ـ ولعله هو الغالب ـ فيلزم وجوب غسل مقدار أكبر ممّا بين القصاص والذقن، وهو أمر لايلتزم به، وقد يكون أقل فيلزم غسل مقدار أقل من ذلك، وهو ممّا لايلتزم به ايضا.

واما ما ذكره قدس‏سره من أنه بناء على فهم المشهور يلزم غسل النزعتين فيمكن دفعه بأن المقصود من قصاص الشعر: هو بداية منبت الشعر من مقدم الراس وليس من بدايته الشاملة للنزعتين، ومعه فلا يلزم دخولهما فى المحدود.

النقطة الثانية: وجوب البدأة فى غسل الوجه بالأعلى


1 ـ و هما البياضان فوق الجبينين.
2 ـ الاربعون حديثا، 102 ؛ الحبل المتين، 14.

(69)


المشهور بين الاصحاب وجوب البدأة فى غسل الوجه بالأعلى خلافا للمرتضي والحلّي(1) وغيرهما.

واستدل للمشهور بعدّة وجوه نذكر من بينها:

1 ـ التمسك بالروايات الحاكية لوضوء النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله كصحيحة زرارة المتقدّمة حيث ورد فيها: «فأخذ كفّا من ماء فاسد لها على وجهه من أعلى الوجه...»(2)، فانه يدلّ على أنّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قد اسدل الماء من اعلى وجهه.

وفيه: ان الفعل أعمّ من الوجوب.

وإذا قيل: تمكن استفادة الوجوب بعد ضمّ قاعدة الأسوة المستفادة من قوله تعالي: « لقد كان لكم فى رسول اللّه‏ أسوة حسنة»(3).

هذا مضافا إلى انّ العلاّمة والشهيد نَقَلا بعد ذكرهما لصحيحة زرارة انه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم قال: «هذا وضوء لا يقبل اللّه‏ الصلاة إلاّ به»(4).

قلنا: المقصود من التأسّى فعل الشيء بنفس النية المتحققة منه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله ، ولعله كان يسدلُ من الأعلى بنيّة الإستحباب دون الوجوب، ومعه فلا يثبت الوجوب.

واما ما نقله العلاّمة والشهيد، فهو مرسل لايمكن الإعتماد عليه.

2 ـ ان غسل الوجه المأمور به فى الآية الكريمة ينصرف إلى ما هو المتعارف خارجا بين الناس، وهو الغسل من قصاص الشعر.

وفيه: ان الصغرى لم تثبت. وعلى تقدير ثبوتها فالكبرى غير ثابتة، فان الانصراف الحجة هو ما كان بسبب كثرة الاستعمال دون مجرد غلبة الوجود.

3 ـ التمسّك برواية قرب الإسناد عن أبى جرير الرقاشي: «قلت لأبى الحسن موسى عليه‏السلام : كيف أتوضّأ للصلاة؟ فقال لا تعمق فى الوضوء(5) ولا تلطم وجهك بالماء لطما ولكن اغسله من أعلى وجهك إلى اسفله بالماء مسحا وكذلك فامسح الماء على ذراعيك و رأسك و قدميك»(6). ودلالتها واضحة حيث أمر عليه‏السلام بغسل الوجه من أعلى .


1 ـ الانتصار، ص 16 ؛ السرائر: 1 / 99.
2 ـ وسائل الشيعة: 1 / 284، باب 17 من أبواب الوضوء، حديث 1.
3 ـ الاحزاب: 21.
4 ـ منتهى المطلب: 1 / 58 ؛ ذكرى الشيعة: 2 / 121.
5 ـ الظاهر ان المقصود النهى عن التدقيق والوسوسة فى الغسل الوضوئي.

(70)


وناقش الشيخ الاعظم قدس‏سره فى ذلك بأن الأمر المذكور محمول على الإستحباب لتقييده بكونه على وجه المسح الذى هو ليس بلازم جزما(1).

ويمكن أن يضاف إلى ذلك بأنّ النهى فى الفقرتين الاوليتين حيث انه نهى رجحان لاالزام فبقرينة وحدة السياق يثبت انّ الأمر بالغسل من الأعلى هو للرجحان ايضا دون الإلزام.

وأجاب عن ذلك الشيخ الهمدانى وغيره بأن إرادة الإستحباب من بعض القيود بدليل خارجى لايوجب رفع اليد عن ظاهر الطلب بالنسبة إلى ماعداه، كما لو قال المولى لعبده: «إضرب زيدا أول الصبح فى داره» وعلم من الخارج انّ بعض الخصوصيات المذكورة غير لازمة، فانه لا ترفع اليد عن ظاهر الأمر بالنسبة إلى ما عداه ولايلزم من ذلك محذور الاستعمال فى معنيين(2).

وما افيد تامّ بناء على مسلك حكم العقل فى استفادة الوجوب والتحريم، وامّا بناء على استفادته من الوضع فلا يتمّ كما هو واضح.

هذا كلّه لو قطعنا النظر عن سند الرواية من ناحية أبى جرير الرقاشى ـ الذى هو مجهول الحال ـ و إلاّ فالإشكال فى الرواية اوضح.

و دعوى صاحب الحدائق انّ قرب الاسناد هو «من الاصول المعتبرة المشهورة، فلا يضرّ ضعف الراوي»(3) مدفوعة بأنّ شهرة الكتاب تقتضى عدم الحاجة إلى سند صحيح إليه لا إعتبار كلّ ما فيه. وهل يلتزم بصحّة كل ما فى الكتب الأربعة من باب انّها من الأصول المعتبرة المشهورة؟!

4 ـ التمسّك بدعوى تسالم الفقهاء وسيرة أصحاب الائمة عليهم‏السلام على الغسل من الاعلي.

وفيه: ان التسالم على الوجوب بعد احتمال المدركية ليس حجّة، لعدم الجزم بكاشفيته عن رأى المعصوم عليه‏السلام يدا بيد.

وسيرة اصحاب الائمة عليهم‏السلام على الغسل من الأعلى لو تمّت لا تدلّ على الوجوب بل هى تلتئم مع الإستحباب ايضا.

5 ـ التمسّك باصالة الاشتغال حيث لا يقطع بالفراغ مع النكس.


1 ـ وسائل الشيعة: 1/280، باب 15 من أبواب الوضوء، حديث 22.
2 ـ كتاب الطهارة، ص 210.
3 ـ مصباح الفقيه: 2/297 .
4 ـ الحدائق الناضرة: 2/233 .

(71)


وفيه:

أ ـ انّه بعد ثبوت اطلاق الآية الكريمة ـ الذى هو دليل اجتهادى ـ لا معنى للرجوع إلى الاصل الذى هو دليل فقاهتي.

ب ـ و لو قطعنا النظر عن الاطلاق فالاصل الجارى هو البراءة ـ على ما هو الصحيح فى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين ـ إلاّ بناء على انّ الواجب هو الطهارة المسبّبة دون نفس الغسل والمسح الذى لازمه صيرورة المقام من قبيل الشك فى المحصِّل، ولكنّه مرفوض، فانّ ظاهر آية الوضوء وجوب نفس الغسل والمسح.

ج ـ و مع التنزّل فوجوب الاحتياط فى موارد الشك فى المحصِّل الشرعى بعد كون وظيفة الشارع بيانه أول الكلام، بل مقتضى عموم أدلّة البراءة الشرعيّة عدمه.

و من خلال هذا كلّه يتّضح ان الحكم بوجوب غسل الوجه من الأعلى مشكل بعد اطلاق الآية الكريمة. نعم المصير إليه من باب الاحتياط تحفّظا من مخالفة المشهور أمر لازم.

النقطة الثالثة: غسل اليدين

يجب بعد اكمال غسل الوجه غسل اليدين ما بين المرفق إلى رؤوس الأصابع.

و ذلك ممّا لا كلام فيه، لدلالة آية الوضوء عليه بوضوح. وانما الكلام وقع في وجوب غسل المرفق وعدمه، فإنّ الآية الكريمة مجملة من هذه الناحية.

و دعوى المبرّد وسيبويه: «إذا كان الحدُّ من جنس المحدود دخل فيه، كقولهم: «بعت هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف»(1) خالية عن المدرك.

و دعوى انّ «الي» هى بمعنى «مع»، كما فى قوله تعالى « ويزدكم قوّة إلي قوّتكم»(2)، و « و لا تأكلوا أموالهم الى أموالكم»(3) ، « من أنصارى إلى اللّه‏»(4)، مدفوعة بأنّ ذلك قياس مع الفارق، فإنّ ارادة الغاية فى الشواهد المذكورة غير ممكنة بخلافه فى المقام.


1 ـ المغنى لإبن قدامة: 1/108؛ تفسير القرطبي: 6/86.
2 ـ هود / 52.
3 ـ النساء / 2 .
4 ـ الصف / 14. وقد ذكرت الدعوى المذكورة فى مغنى ابن قدامة: 1/107 .

(72)


نعم ورد فى بعض الأخبار البيانية:«..ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثم وضعه على مرفقه اليمني...ثم غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسري...»(1)، بناء على أنّ ظاهرها انّ كلّ ما يذكر فيها فهو واجب إلاّ إذا دلَّ دليل من الخارج على العدم.

ولكن هذا قابل للتأمّل، فإنّ الفعل اعمّ من الوجوب.

و لا يبقى بعد هذا إلاّ التسالم وعدم نقل الخلاف حتّى من العامّة إلاّ من زفر(2)، فإن تَمَّ ذلك بنحو يكون كاشفا عن رأى المعصوم عليه‏السلام فهو و إلاّ يعود الحكم مبنيّا على الاحتياط.

النقطة الرابعة: عدم جواز النكس فى غسل اليدين

المعروف بين الامامية وجوب غسل اليدين من المرفقين وعدم جواز النكس علي خلاف العامّة، فانّ المعروف بينهم جواز النكس بل كونه سُنّةً(3).

وقد يستدل على مشروعية النكس بقوله تعالي: «و أيديكم إلى المرافق»(4)، حيث عُبّر بـ «الي» الدالّة على الانتهاء والغاية.

وفيه: انّ «إلي» غاية للمحدود دون الحدِّ ـ كما فى قولك: اصبغ الجدار الى السقف واصقل السيف الى القبضة واخضب يدك إلى المرفق ـ و الاّ كان النكس واجبا وهو خلاف ما عليه الجمهور.

و لعلّ بيان حدِّ المغسول دون الغسل لأجل وضوح الأمر، فإنّ الوضع الطبيعي، يقتضى غسل اليد من الأعلى لا من الأسفل، وذلك لايحتاج إلى بيان و انّما الذى يحتاج الى بيان ايضاح المقدار الذى يجب غسله.

ويمكن أن تكون النكتة فى العدول إلى التعبير ب «إلي» بدلاً من التعبير ب «من» بالرغم من ان التعبير بها يدلّ على كلا المطلوبين، لأجل انه لو عُبِّر بها فلا يستفاد وجوب الغسل إلى رؤوس الأصابع لاحتمال كونه إلى الزند مثلاً بدليل صحّة قولك: «اغسل يدك من


1 ـ وسائل الشيعة: باب 15 من أبواب الوضوء، حديث 2 .
2 ـ المغنى لابن قدامة: 1/107؛ احكام القرآن للجصاص: 2/428 .
3 ـ لم نعثر على تحرير هذه المسألة فى كتب العامّة إلاّ فى التفسير الكبير للفخر الرازي: 6/163 حيث ذكر فى حكم من لم يغسل منكوسا ما نصه: «وقال جمهور الفقهاء انه لا يخل بصحة الوضوء الا انه يكون تركا للسّنة».
4 ـ المائدة / 6.

(73)


المرفق الى الزند».

وما دامت الغاية راجعة إلى المحدود فلا يبقى ما يدلّ على مشروعية النكس سوي الاطلاق وهو قابل للتقييد بالروايات، من قبيل ما ورد فى الأخبار البيانية: «ثم غمس كفَّه اليسرى فغرف بها غرفة فافرغ على ذراعه اليمني، فغسل بها ذراعه من المرفق الي الكف لايردها الى المرفق»(1)، فانّ التأكيد على عدم الردّ يمكن أن يستفاد منه ما ذكر.

و يؤيّد ذلك مكاتبة الامام الكاظم عليه‏السلام لعلى بن يقطين، حيث أمره عليه‏السلام ابتداء بالنكس فى الغسل حذرا عليه، و بعد ارتفاع ذلك كتب اليه: «ابتدي‏ء من الآن يا على بن يقطين وتوضّأ كما أمرك اللّه‏... و اغسل يديك من المرفقين... فقد زال ما كنَّا نخاف منه عليك»(2).

وضعف السند ب «محمّد بن اسماعيل و محمّد بن الفضل» حيث لم يوثّقا لا يمنع من التمسّك بها على مستوى التأييد.

النقطة الخامسة: الترتيب و الإرتماس فى الوضوء

غسل الوجه واليدين تارة يكون بنحو الترتيب و أخرى بنحو الارتماس.

أمّا الأوّل فهو القدر المتيقّن من الغسل المأمور به فى قوله تعالي:« فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق»(3).

واما الثانى فالمناسب البحث عن اصل جوازه تارة وعن كيفيته الصحيحة اخري.

اما بالنسبة إلى اصل جوازه فلا ينبغى التأمل فيه لاطلاق الغسل المأمور به فى الآية الكريمة.

وما ورد فى اخبار الوضوءات البيانية من صبِّه عليه‏السلام للماء على وجهه ويديه لا يدلُّ على حصر الصحّة بحالة الصب.

واما بالنسبة الى كيفيته الصحيحة، فتوجد مشكلتان لابدَّ من التغلب عليهما:

احداهما: انّ ظاهر قوله تعالي: « فأغسلوا...» طلب احداث الغسل لا الأعمّ منه ومن الابقاء، وبالغسل الارتماسى لا يتحقّق الاحداث بل الابقاء.

ثانيتهما: يلزم فى مسح الرأس والرجلين ان يكون ببلة الوضوء ـ كما تأتى الاشارة


1 ـ وسائل الشيعة: 1/272، باب 15 من أبواب الوضوء، حديث 3.
2 ـ وسائل الشيعة: 1/313، باب 32 من أبواب الوضوء، حديث 3.
3 ـ المائدة / 6.

(74)


إليه إن شاء اللّه‏ تعالى ـ وفى الغسل الارتماسى يتعذّر المسح بذلك، فانّ ماء النهر الذي ترمس فيه اليدان لايصدق على مجموعه عنوان ماء الوضوء. واليد المماسة له تكون مماسة لغير ماء الوضوء فيتعذّر المسح بها.

و تغلبا على المشكلة الاولى يلزم ان لا يقصد الوضوء باخراج العضو المرموس من الماءبل بادخاله مع التحفّظ على الغسل من الأعلى إلى الأسفل.

اجل من لا يسلِّم الظهور فى طلب الاحداث يجوز لديه الغسل بالاخراج ايضا.

وتغلبا على المشكلة الثانية يلزم ابقاء مقدار من الكف اليسرى بلا غسل ارتماسى لتغسل بصبِّ الماء عليها وامرار الكف اليمنى عليها، فإنه بذلك تكون بلة كلا الكفين بلة وضوئية.

والنتيجة: يجوز غسل الوجه ارتماسا بقصد الوضوء عند ادخاله مع مراعاة الأعلي فالأعلى بناء على اعتبار ذلك، و يجوز غسل اليدين بالنحو المتقدّم ايضا ما عدا مقدار الكف اليسري.

النقطة السادسة: جريان الماء

لااشكال فى كون المعتبر فى الوجه واليدين الغسل ولا يكفى المسح الذى هو مباين له مفهوما ومصداقا، وانما الاشكال فى اعتبار جريان الماء وعدمه.

و فى ذلك ثلاثة احتمالات:

1 ـ اعتبار استيلاء الماء مع الجريان، بمعنى الانتقال من جزء الى آخر.

2 ـ اعتبار وصول النداوة دون استيلاء الماء ودون جريانه.

وفرق هذا عن المسح ان المسح متقوّم بأمرين: وصول النداوة الى الممسوح، ومرور الماسح على الممسوح، وبناء على هذا الاحتمال يعتبر وصول النداوة دون مرور الماسح. نعم يعتبر مرور الماسح كمقدّمة لوصول النداوة لا من باب تقوّم الغسل المطلوب به.

3 ـ اعتبار استيلاء الماء ولو من دون جريانه وانتقاله من جزء الى آخر.

هذه احتمالات ثلاثة فى المقام.

اما الاحتمال الاول، فتدلّ عليه الآية الكريمة ـ فانّ مفهوم الغسل متقوِّم عرفا بالاستيلاء والجريان ـ و صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه‏السلام : «قلت له: أرأيت ما احاط به الشعر؟ فقال: كلّ ما احاط به من الشعر فليس للعباد ان يطلبوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجرى عليه الماء»(1).

(75)


واما الاحتمال الثاني، فقد يستدلّ عليه بموثّقة اسحاق‏بن عمّار عن جعفر عن أبيه انّ عليّا عليه‏السلام كان يقول: الغسل من الجنابة والوضوء يجزى منه ما اجزى من الدهن الذي يبلُّ الجسد»(1).

واما الاحتمال الثالث، فتدلّ عليه صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه‏السلام فى الوضوء، قال: «إذا مسَّ جلدك الماء فحسبك»(2).

والأرجح من هذه الاحتمالات هو الثالث، لدلالة صحيحة زرارة الأخيرة عليه.

وامّا موثّقة اسحاق، فيمكن أن يكون المقصود منها الكناية عن القلّة و انّه يكفى في الوضوء القليل من الماء ولا يلزم كونه كثيرا. وهذا المعنى ان لم يكن هو الظاهر بقرينة الذيل فلا أقلّ من لزوم حملها عليه لاظهرية صحيحة زرارة فى اعتبار استيلاء الماء و عدم كفاية التدهين، ومن المعلوم انّه كلّما اجتمع اظهر وظاهر أوَّل العرفُ الثانى بقرينة الأوّل.

ومن خلال هذا يتضح الجواب عما استدل به للاحتمال الاول، فان صحيحة زرارة‏الثانية لأظهريتها تتقدم على ظهور الآية الكريمة وصحيحة زرارة الاولي، و يلزم حمل الغسل على إرادة استيلاء الماء ولو من دون جريان، و ذكرِ الجريان على كونه احد فردى الغسل الواجب و الفرد الآخر هو الاستيعاب من دون جريان.

النقطة السابعة: المسح ببلّة الوضوء

المعروف بين علمائنا لزوم المسح ببلّة الوضوء التى هى على اليد ـ ولم يعرف الخلاف إلاّ من ابن الجنيد(3) ـ بينما المعروف بين غيرنا جوازه بل وجوبه بالماء الجديد(4).



1 ـ وسائل الشيعة: 1/335، باب 46 من أبواب الوضوء، حديث 3.
2 ـ وسائل الشيعة: 1/341، باب 52 من أبواب الوضوء، حديث 5.
3 ـ وسائل الشيعة: 1/341، باب 52 من أبواب الوضوء، حديث 3.
4 ـ حيث نقل عنه المحقق الحلّى فى المعتبر: 1/147، ما نصّه: «وقال ابن الجنيد: واذا كان بيد المتطهر نداوة يستبقها من غسل يده مسح بيمينه رأسه و رجله اليمني، و بيده اليسرى رجله اليسري، وان لم يستبق ذلك اخذ ماءا جديدا لرأسه و رجليه».
5 ـ قال ابن قدامة فى المغني: (1/17) «ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فضل عن ذراعيه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم...».
واستدلوا على ذلك بوجهين: ما نقلوه عن النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله من اخذه لرأسه ماءا جديدا، وان البلل الباقى على اليد مستعمل فلا يجزي‏ء المسح به.

(76)


و دليلنا على ذلك صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه‏السلام : «... وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك و ما بقى من بلّة يمناك ظهر قدمك اليمني. وتمسح ببلّة يسراك ظهر قدمك اليسري»(1) وغيرها. و بها يقيّد اطلاق الآية الكريمة.

ومايمكن الاستدلال به لإبن الجنيد ما يلي:

1 ـ اطلاق الآية الكريمة: « وامسحوا برؤوسكم...»(2).

و قد عرفت لزوم تقييده بصحيحة زرارة.

2 ـ الروايات الدالّة على لزوم المسح بالماء الجديد، من قبيل:

صحيحة معمّر بن خلاّد: «سألت أباالحسن عليه‏السلام أيجزى الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه، فقال برأسه: لا(3)، فقلت: أبماء جديد، فقال برأسه: نعم»(4).

وصحيحة أبى بصير: «سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن مسح الرأس قلت: أمسح بما علي يدى من الندى رأسي؟ قال: لا، بل تضع يدك فى الماء ثمّ تمسح»(5).

و رواية جعفر بن عمارة بن أبى عمارة: «سألت جعفر بن محمد عليه‏السلام امسح رأسى ببلل يدي؟ قال: خذ لرأسك ماءا جديدا»(6).

و هذه الرواية الأخيرة وان كانت ضعيفة السند بـ «جعفر» وغيره من المجاهيل إلاّ أنّ فى الاولتين كفاية.

والجواب:

أ ـ إنّ الطائفة المذكورة معارضة بمثل صحيحة زرارة السابقة، وحيث لايمكن الجمع العرفى بينهما فيلزم اعمال المرجّحات، وهى موافقة الكتاب ان كانت و إلاّ فمخالفة التقية. و الأوّل مفقود، فإنّ كلتيهما مخالفة لاطلاق الكتاب، فيتعيّن تقديم صحيحة زرارة لموافقة معارضها للتقية، لما تقدّم من كون المعروف بين الجمهور جواز المسح بالماء الجديد بل وجوبه.


1 ـ وسائل الشيعة، باب 31 من أبواب الوضوء، حديث 2.
2 ـ المائدة / 6.
3 ـ أى قال مشيرا برأسه: لا .
4 ـ وسائل الشيعة: 1/288، باب 21 من أبواب الوضوء، حديث 5.
5 ـ وسائل الشيعة: 1/287، باب 21 من أبواب الوضوء، حديث 4.
6 ـ وسائل الشيعة: 1/288، باب 21 من أبواب الوضوء، حديث 6.

(77)


ب ـ انّ الروايات المذكورة مهجورة لدى الاصحاب ولم يقل بها قائل، و الهجران مسقط للرواية عن الحجّية.

3 ـ الروايات الدالّة على جواز المسح بالماء الجديد امّا باطلاقها أو بتصريحها بذلك:

والمطلقة هى من قبيل صحيحة منصور بن حازم:«سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عمّن نسي ان يمسح رأسه حتى قام فى الصلاة، قال: ينصرف و يمسح رأسه و رجليه»(1).

والمصرّحة هى رواية أبى بصير عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «رجل نسى ان يمسح علي رأسه فذكر وهو فى الصلاة، فقال: ان كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه وعلي رجليه واستقبل الصلاة، وان شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته ان كانت مبتلّة وليمسح على رأسه، وان كان امامه ماء فليتناوله منه فليمسح به رأسه»(2).

والجواب: انّ مورد الروايات المذكورة خاصّ بحالة النسيان والتذكّر فى الصلاة، فلا تنفع مدّعى ابن الجنيد الذى هو اعمّ من ذلك.

على انّ مضمونها معرض عنه بين الاصحاب، فتسقط عن الاعتبار بناء على تمامية كبرى سقوط الرواية عن الحجّية باعراض المشهور عنها.

هذا مضافا الى اشتمال سند رواية أبى بصير على محمّد بن سنان الذى وقع محلاًّ للكلام، بل ان دلالتها قابلة للتأمّل فانها وان صرّحت بجواز المسح بالماء الجديد ولكن ذلك خاصّ بمورد الشك فى تحقّق المسح الذى تجرى فيه قاعدة الفراغ و لا تعمّ مورد تركه نسيانا بنحو الجزم بل صرّحت فى مثله بلزوم الاعادة من جديد.