إذا شكّ فى نجاسة ماء فتارة يكون الشك بنحو الشك البدوى وأخرى بنحو الشك المقرون بالعلم الاجمالي.
إذا كان الشك فى نجاسة الماء وطهارته بدويا فلا اشكال فى الحكم بطهارته لوجهين:
1 ـ التمسك بقاعدة الطهارة المستندة إلي:
أ ـ موثّقة عمّار عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «...كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك»(1)، فإنّها بعمومها تشمل الماء.
ب ـ موثّقة حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن على عليهالسلام : «ما أبالى أ بول أصابني أو ماء إذا لم اعلم»(2)، فانه بعد فهم عدم الخصوصية لموردها ـ لو فرض ـ يمكن ان تستفاد منها قاعدة الطهارة العامّة.
ج ـ رواية حمّاد بن عثمان عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «الماء كلّه طاهر حتى يعلم انه قذر»(3)، فانها لو تمّت سندا ـ ولم يناقش من ناحية جعفر بن محمّد الذى هو مشترك أو مجهول ـ تصلح أن تكون دليلاً على قاعدة الطهارة فى خصوص الماء المشكوك.
2 ـ التمسك بالاستصحاب، فإنّ كل ماء هو طاهر بحسب أصل الخلقة، فإذا شك بعد ذلك فى تنجّسه استصحبت طهارته السابقة.
وهذا وجيه لو لم يعلم بانتقاض الطهارة الاصلية إلى النجاسة و إلاّ حكم بالنجاسة ـ لو شك فى بقائها ـ لاستصحابها ولم تجر قاعدة الطهارة امّا لفكرة القصور فى المقتضي او لتقدّم الإستصحاب على القاعدة.
امّا فكرة القصور فى المقتضي، فقد يصار اليها بتقريب انّ من المحتمل أن تكون كلمة
«قذر» الواردة فى موثّقة عمّار «حتى تعلم انه قذر» فعلاً ماضيا، أى قَذُرَ، والمقصود: حتي
تعلم انه قد تقذر، انّ هذا محتمل، ولا يجزم بكونها اسما، أى قَذِرٌ. وبناء على الفعلية
لايصح التمسك بالموثّقة فى موارد العلم بنجاسة الشيء سابقا والشك فى ارتفاعها
1 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1054، باب 37 من أبواب النجاسات، حديث 4.
2 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1054، باب 37 من أبواب النجاسات، حديث 5.
3 ـ وسائل الشيعة: 1 / 100، باب 1 من أبواب الماء المطلق، حديث 5.
(59)
وتبدّلها إلى الطهارة فعلاً، لأنّ الموثّقة بناء على هذا تحكم بطهارة كل شيء إلى أن يعلم بأنّه قد تقذر سابقا، وحيث قد فرض العلم بذلك فى محل كلامنا فلا يمكن الحكم بالطهارة. و بما انّ احتمال الفعلية ثابت فى الموثّقة كاحتمال الاسمية فهى على هذا مجملة ولايصح التمسّك بها إلاّ فى مورد الجهل بالحالة السابقة أو الشك فى التنجّس فعلاً بعد العلم بالطهارة سابقا.
واما فكرة تقّدم الإستصحاب على القاعدة، فقد تقرَّب:
اما بالحكومة بدعوى انّ مفاد قوله عليهالسلام : «لا تنقض اليقين بالشك» الذى هو مدرك حجّية الإستصحاب التعبد ببقاء اليقين وإعتبار المكلّف عالما ببقاء الحالة السابقة ـ وهي النجاسة فى المقام ـ وبذلك يرتفع موضوع القاعدة، و هو عدم العلم بالنجاسة ويتبدّل إلى العلم بها. وهذا ما بنى عليه الشيخ النائيني(1) وآخرون.
أو بدعوى انّ دليل الإستصحاب يتعارض مع دليل القاعدة فى مادّة الاجتماع ـ وهي الشك فى النجاسة فعلاً بعد العلم بها سابقا ـ ويلزم تقديم دليل الإستصحاب لأظهريته في الشمول للمادّة المذكورة بإعتبار اشتماله على كلمة «ابدا».
أو بدعوى ان العلم المأخوذ فى دليل القاعدة «حتى تعلم انّه قذر» لا يراد به العلم بما هو صفة نفسانية بل بما هو حجّة شرعية، للجزم بعدم الخصوصية له من هذه الناحية، وحيث ان الإستصحاب حجة شرعية فيكون متقدّما بالورود.
هذا كله فى غير موارد توارد الحالتين، واما فيها فيحكم بالطهارة، للقاعدة بعد عدم جريان إستصحاب النجاسة للمعارضة.
1 ـ فوائد الاصول: 4 / 680.
(60)
قد اتّضح من خلال الحكم بطهارة الماء المشكوك استنادا إلى قاعدة الطهارة او استصحابها حكم الأدوية المستوردة من بلاد الكفار والاطعمة المعلبة وغيرها ممّا لايشتمل على اللحوم وانّ المناسب هو الحكم بطهارتها لنفس النكتة، ولايبقى بعد ذلك مانع من جواز تناولها.
نعم فى خصوص اللحوم لا يجرى ذلك، لحاجتها إلى التذكية، والاصل عدمها.
ما تقدّم سابقا كان ناظرا إلى حالة الشك البدوى بالنجاسة.
وامّا إذا كان الشك فى النجاسة مقرونا بالعلم الاجمالي، فتارة يفترض حصر الاطراف وأخرى يفترض عدم ذلك.
امّا إذا كانت الشبهة محصورة فلا إشكال فى عدم جواز ارتكاب احد الطرفين بوضوء أو شرب أو غيرهما، لاحتمال كونه هو النجس، ولا مؤمِّن من ذلك بعد فرض عدم جريان القاعدة للمعارضة.
وهل يجوز الوضوء من كلا المائين، بأن يتوضّأ المكلّف بأحد المائين ثمّ يغسل مواضع الوضوء ـ التى مسَّها الماء الأول ـ بالماء الثانى ثمّ يصلّى بعد ذلك؟
أجاب الآخوند قدسسره بعدم جواز ذلك فى فرض قلّة كل واحد من المائين وعدم بلوغه مقدار الكر للعلم التفصيلى بنجاسة الاعضاء عند اصابة الماء الثانى لها اما لنجاسته او لنجاسة الماء الأوّل، وبما انّ الماء الثانى قليل لاتكفى مجرّد اصابته لتحقق الطهارة، فبعد غسل الاعضاء به يشك فى طهارتها، فتستصحب نجاستها المتيقّنة حال اصابته.
ولا يعارض الإستصحاب المذكور بإستصحاب طهارة الاعضاء المعلومة اجمالاً اما قبل الغسل بالماء الثانى أو بعده، وذلك للجهل بتاريخها ـ والإستصحاب لايجرى في مجهول التاريخ على رأيه قدسسره ـ بخلاف النجاسة، فإنّ تاريخها معلوم، وهو أول آن اصابة الماء الثانى للأعضاء.
و بهذا يتّضح انّ الوضوء بالطريقة المذكورة لا يكفى للحكم بصحة الصلاة لا لأجل بطلان كلا الوضوئين بل لمحذور نجاسة الاعضاء، فيلزم على هذا التيمم عند فرض
(61)
وعليه، فالقاعدة تقتضى عدم الاكتفاء بالوضوء بالشكل المذكور، مضافا إلى موثّقة عمّار الساباطى عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «سُئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في احدهما قذر لا يدرى ايّهما هو وحضرت الصلاة وليس يقدر على ماء غيرهما، قال: يريقهما جميعا ويتيمّم»(1).
نعم، عدم جواز اتباع الطريقة المذكورة وتعيّن التيمّم فى حالة بلوغ كل واحد من المائين مقدار الكرـ على تقدير شمول الموثّقة لمثل ذلك ـ مبنى على التعبّد وإلاّ فالقاعدة لاتقتضى ذلك(2).
إذا أريق ـ مثلاً ـ ماء أحد الانائين المعلوم نجاسة احدهما فهل وجوب الاجتناب عن الآخر يبقى مستمرّا؟ نعم يبقى مستمرّا سواء قلنا بمنجّزية العلم الاجمالى بذاته ـ كما هو رأى الشيخ العراقي(3)ـ أو بسبب تعارض الاصول، كما هو رأى الشيخ النائيني(4).
أما على الأول، فلأنّ المكلّف يعلم اجمالاً ـ قبل إراقة احدهما ـ بوجوب الاجتناب امّا عن هذا إلى حين الإراقة أو عن ذلك إلى الابد. و هذا العلم ثابت قبل الاراقة و بعدها و لا يختص بما قبل.
و امّا على الثاني، فلأن أصل الطهارة فى هذا الباقى معارض بأصل الطهارة فى ذاك قبل إراقته، أى انّ دليل أصل الطهارة ـ كموثّقة عمّار المتقدّمة ـ لا يمكن أن يشمل ذاك الاناء قبل إراقته وهذا الاناء بالفعل للعلم اجمالاً بنجاسة احدهما.
هذا كلّه فيما إذا كانت الشبهة محصورة.
1 ـ وسائل الشيعة: 1 / 116، باب 8 من أبواب الماء المطلق، حديث 14.
2 ـ كفاية الأصول: ص 179، طبعة مؤسسة آل البيت عليهمالسلام .
3 ـ نهاية الأفكار: 3 / 307.
4 ـ أجود التقريرات: 2 / 242. ويظهر ذلك من الشيخ الاعظم فى مواضع متعددة من الرسائل، من قبيل ما
ذكره فى مبحث ملاقى طرف الشبهة المحصورة، ص 253 من الطبعة القديمة.
(62)
وامّا إذا لم تكن محصورة، فالمعروف جواز ارتكاب بعض اطرافها.
ولابدَّ من معرفة حدَّ الشبهة غير المحصورة أوّلاً ثم معرفة الوجه فى جواز ارتكاب بعض اطرافها.
وفى هذا المجال قد يقال:
1 ـ ان المدار على الصدق العرفي، فما عَدَّهُ العرف غير محصور فهو كذلك.
والتأمّل فى ذلك واضح، فانّ عنوان غير المحصورة لم يؤخذ فى لسان الأدلّة ليكون المدار على فهم العرف.
2 ـ وقد يقال: انّ كلّ مَا عَسُرَ عدُّهُ فهو غير محصور.
والتأمّل فيه واضح ايضا، فانّ جعل المدار على العسر ان كان لاجل فهم العرف ذلك، فجوابه ما تقدّم من انّ عنوان غير المحصور لم يؤخذ فى لسان الادلّة ليكون المدار علي فهم العرف، و ان كان لأجل قاعدة نفى العسر والحرج فالمناسب جعل المدار لا على عسر العدَّ بل على عسر الاجتناب، فما عَسُرَ الاجتناب عنه جاز ارتكابه حتّى لو كانت الاطراف محصورة و ما «لايعسر فيه ذلك يجب الاجتناب عنه حتّى لو فرض عدم انحصار الاطراف.
3 ـ وقد يقال انّ العلم الاجمالى منجّز من دون فرق بين كون الاطراف محصورة أو لا، لحكم العقل بذلك على حدٍّ سواء، ومعه يكون البحث عن حدِّ الشبهة غير المحصورة لغوا، إذ لا أثر يختصّ بها ليبحث عن تحديدها.
نعم ربما تلازم كثرة الاطراف طروّ بعض العناوين المانعة من تنجيز العلم الاجمالي، كالعسر والحرج والخروج عن محل الابتلاء وما شاكل ذلك. وبناء على هذا تكون العبرة بطروّ العناوين المذكورة من دون فرق بين حصر الاطراف وعدمه، ومن ثَمَّ يكون البحث عن تحديد الشبهة غير المحصورة لغوا.
وفيه: انّ هذا وجيه لو لم يكن لعامل الكثرة بما هو تأثير فى سلب التنجيز عن العلم الاجمالي، ومن الوجيه ان يقال ذلك، سواء كنّا من القائلين بمنجّزية العلم الاجمالي بسبب تعارض الاصول ام من القائلين بمنجّزيته بذاته.
اما على الأوّل، فلأنّ المانع من جريان الاصول فى كل الاطراف ليس إلاّ لزوم محذور المخالفة القطعية والاذن فيها، وبما انه قد افترضنا كثرة الاطراف إلى حدٍّ لايمكن للمكلّف ارتكابها جميعا، فلا يعود مانع من شمول دليل الاصل لجميع الاطراف.
(63)
واما على الثاني، فلأنّ كثرة الاطراف توجب الاطمئنان بعدم انطباق المعلوم بالاجمال على الطرف الذى يراد ارتكابه، فانه كلّما ازدادت اطراف المعلوم بالاجمال ضَعُف احتمال انطباقه على كل طرف إلى حدٍّ يحصل الاطمئنان بعدم كونه هو، وبذلك يجوز ارتكابه للإطمئنان المذكور.
و من خلال هذا كلّه اتّضح حدُّ الشبهة غير المحصورة والوجه فى جواز ارتكاب بعض اطرافها.
أمّا حدُّها فهى الشبهة التى يحصل الاطمئنان بعدم انطباق المعلوم الاجمال فيها على كل واحد من اطرافها لكثرتها أو التى لا يمكن تحقق المخالفة القطعية فيها للكثرة المذكورة.
واما وجه جواز ارتكاب بعض الاطراف فهو للاطمئنان أو للأصل المؤمّن.
إذا لاقى شيء بعض اطراف الشبهة المحصورة، فهل يكون حكمُهُ حكمَهُ؟ المشهور هو الحكم بطهارته ومن ثَمَّ جواز ارتكابه لجريان أصل الطهارة فيه أو استصحابها بلا معارض.
اما كيف ذلك والحال انه يتشكّل بعد الملاقاة علم اجمالى جديد امّا بنجاسته او نجاسة طرف الملاقي؟
اجيب عن ذلك بما يلي:
الجواب الاول: ما ذكره الشيخ الأعظم من انّ تنجيز العلم الاجمالى فرع تعارض الاصول فى اطرافه، وهى ليست متعارضة فى العلم الثاني، لأنّ أصل الطهارة في الملاقى حاكم على أصل الطهارة فى الملاقى فتقع المعارضة بين الاصل فى الملاقي والاصل فى طرفه ويكون دليل الاصل مجملاً بلحاظهما، وبعد التساقط تصل النوبة إلي الاصل فى الملاقى بلا معارض.
و انما اختصت المعارضة بالاصلين الاولين، لانهما فى رتبة واحدة، والمعارضة لايدخل فيها إلا الاصول ذوات الرتبة الواحدة.
اما لماذا تختصّ المعارضة بذلك؟ يمكن تقريبه بأن الاصل فى الملاقى لايجرى إلاّ بعد سقوط الاصل فى الملاقى ـ فان الاصل المسبّبي، لايجرى مع الاصل السببى لأنه حاكم عليه ـ بسبب المعارضة مع الاصل فى طرفه، أى انّ جريانه هو فى طول سقوط كلا
(64)
الاصلين، والساقط بما هو ساقط لايصلح لمعارضة غيره، يعنى الاصل فى الملاقي(1).
الجواب الثاني: ما ذكره الشيخ العراقى من انّ العلم الثانى ليس بمنجّز، لتنجّز احد طرفيه بمنجّز سابق ـ وما تنجّز لايقبل التنجّز ثانية ـ وشرط منجّزية العلم الاجمالي قابليته لتنجيز معلومه على كل تقدير(2).
الجواب الثالث: ما ذكره غير واحد من ان الاصل فى طرف الملاقى بعد ما سقط بالمعارضة الاولي، فلا يدخل فى معارضة جديدة مع الاصل فى الملاقي، لأن الساقط لايعود.
و كل ما ذكر قابل للمناقشة:
اما الجواب الأول، فلأنّ تشخيص ظهور الدليل و اجماله قضية يرجع فيها إلى العرف دون الدقة، وهو لايرى إجمال دليل أصل الطهارة مختصّا بالإنائين بل يراه مجملاً بلحاظ الملاقى أيضا، أى يرى انّ شموله لجميع الثلاثة غير ممكن و لبعضها ترجيح بلا مرجّح. و إذا قلنا له انه مجمل بلحاظ الاولين فقط لانّهما فى رتبة واحدة لم يقبل ذلك و يراه كلاما مضحكا.
واما الجواب الثاني، فلأنّ التنجّز حيث انه قضية إعتبارية، فلا مانع من تنجّز المتنجّز، ولايلزم بذلك اجتماع المثلين المستحيل لاختصاصه بالامور التكوينية.
واما الجواب الثالث، فلأن قضية الساقط لايعود تختصّ بالسقوط التكوينى دون الإعتبارى الذى هو عبارة أُخرى عن عدم شمول دليل الأصل للساقط.
و بهذا كلّه اتضح انّ الاصول الثلاثة تدخل فى معارضة واحدة وتتساقط، وبالتالي لايمكن الحكم بطهارة الملاقي.
1 ـ رسائل الشيخ الاعظم: ص 253، الطبعة القديمة.
2 ـ نهاية الأفكار: 3 / 358 .
(65)
(66)