خبر العدل الواحد

بعد الفراغ عن حجّية خبر العدل الواحد فى الاحكام وقع الكلام فى حجّيته في الموضوعات.

وقد استشكل جماعة فى حجّيته، بدعوى انّ اية النبأ لو تمت دلالتها على حجّية خبر العدل فهى لا تختصّ بالاحكام إلاّ ان دلالتها ليست تامة لعدم ثبوت المفهوم لها، وغير آية النبأ ـ كقوله عليه‏السلام : «العمرى وابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّى فعنّى يؤدّيان»(1) ـ لا يعمُّ الموضوعات، لأنّ الإمام عليه‏السلام يؤدّى الاحكام دون الموضوعات.

وفى مقابل ذلك قد يستدلّ على الحجّية بما فى المستمسك من التمسك بنفس أدلة حجّية الخبر فى الاحكام، ببيان أنّ الاخبار عن الموضوع اخبار عن الحكم بالالتزام، وحيث انّ الأدلّة المذكورة لاتختصّ بما إذا كان الاخبار عن الحكم بالمطابقة بل تشمل ما إذا كان بالالتزام فيثبت المطلوب(2).


1 ـ وسائل الشيعة، باب 11 من أبواب صفات القاضي، حديث 4.

(50)


وفيه: انّ هذا تامّ لو كان دليل الحجية يقول هكذا: خبر الثقة حجة فى الاحكام، فإنّ مثله يصح التمسك باطلاقه، ولكنه ليس كذلك بل هو يقول: «...فما أدّيا إليك عنّى فعنّي يؤدّيان»، وموضوع الحجّية فى مثل هذا هو ما اُدّى عن الإمام عليه‏السلام ، وواضح أنّ ما يؤدّي عنه عليه‏السلام يختصّ بالاحكام دون الموضوعات.

والاولى الاستدلال على المطلوب بما يلي:

1 ـ سيرة العقلاء المنعقدة على العمل بخبر العدل بل الثقة فى مطلق امورهم، وحيث انه لاردع عنها من الشرع فيثبت امضاؤها.

وإذا قيل: إنّ رواية مسعدة المتقدمة صالحة للردع، حيث حصرت الحجّية بالعلم والبيّنة.

قلنا: هى لاتصلح لذلك، لأنّ قوة الردع لابدَّ وأن تتناسب مع قوّة المردوع عنه، وحيث إنّ السيرة على العمل بخبر الثقة قوية الاستحكام جدّا، فلو لم تكن مرضية للشرع لزم صدور الردع عنها بشكل مكثف، كما نرى ذلك فى القياس، ولا يكفى الردع عنها برواية أو روايتين.

هكذا ينبغى الجواب عن رواية مسعدة.

ولا يكفى الجواب بأنّها ضعيفة السند ب «مسعدة» أو بأنّ كلمة «البيّنة» ليست بمعني شهادة عدلين بل بمعنى ما يتبيّن به الأمر، وخبر الثقة حيث انه انعقدت السيرة على العمل به من دون ردع فيصدق عليه ذلك، فيكون حجّة بمقتضى الرواية المذكورة.

و وجه عدم الاكتفاء بما ذكر:

اما بالنسبة إلى الأول؛ فلأنّ ضعف سند الرواية لا يعنى الجزم بعدم صدورها بل يبقي صدورها أمرا محتملاً، و معه يعود الردع عن السيرة أمرا محتملاً.

واما بالنسبة إلى الثاني؛ فلما تقدّم عند البحث عن حجّية البيّنة.

2 ـ إنّ ما دلَّ على حجّية خبر العدل فى الاحكام يدلّ بالاولوية على حجّيته في الموضوعات، فانّ ما يترتّب على الاخبار عن الحكم أكبر ممّا يترتب على الاخبار عن الموضوع.

الّلهم إلاّ أن يدّعى أنّ باب العلم حيث انه منسدّ فى الأحكام بخلاف الموضوعات فلا


1 ـ مستمسك العروة الوثقي: 1 / 38 .

(51)


يبقى مجال للأولوية، ولكن ذلك مجرد دعوي، وعهدتها على مدّعيها.

3 ـ التمسك بالروايات الخاصّة الدالّة على حجّية خبر الثقة فى موارد خاصّة، فإنّ دلالتها فى الموارد المذكورة لو تمّت فيمكن أن تثبت الحجّية بنحو القضيّة الكلية، اما من باب تنقيح المناط أو لأن كثرة الموارد يوجب الجزم بأنّ ذوق الشارع هو الحجيّة بشكل كلي.

ونذكر من بين تلك الروايات ما يلي:

أ ـ صحيحة حفص بن البخترى عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «الرجل يشترى الأمة من رجل، فيقول: إنّى لم أطأها، فقال: ان وثق به، فلا بأس أن يأتيها»(1).

و فيه: لعلّ ذلك من باب حجّية أخبار صاحب اليد إذا كان ثقة وليس لحجّية خبر الثقة بشكل مطلق.

ب ـ صحيحة معاوية بن وهب عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «قلت: جرذ مات فى زيت أو سمن أو عسل، فقال: اما السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله، والزيت يبيعه ويبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به»(2)، فإنّه لولا حجّية البيان و وجوب القبول يكون وجوب الاخبار و البيان لغوا.

و فيه: إنّ من المحتمل أن تكون حجّية أخبار البائع من باب كونه صاحب يد وليست لحجّية خبر الثقة، كيف ووثاقة البائع لم تفرض.

ج ـ صحيحة هشام بن سالم عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «رجل وكَّل آخر على وكالة فى أمر من الأمور و أشهد له بذلك شاهدين، فقام الوكيل فخرج لامضاء الأمر، فقال: اشهدوا أنّي قد عزلت فلانا عن الوكالة...قال: ان الوكيل إذا وُكّل ثمّ قام عن المجلس فأمره ماض ابداً والوكالة ثابتة حتّى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة»(3).

د ـ صحيحة اسحاق بن عمّار عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «سألته عن رجل كانت له عندي دنانير و كان مريضا، فقال لي: ان حدث بى حدث فاعطِ فلانا عشرين دينارا واعطِ اخي بقية الدنانير، فمات ولم اشهد موته فأتانى رجل مسلم صادق، فقال لي: انه امرنى أن أقول لك: انظر الدنانير التى امرتك أن تدفعها إلى أخي، فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها فى المسلمين ولم يعلم أخوه أنّ عندى شيئا، فقال: أرى ان تصدق منها بعشرة


1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 503، باب 6 من أبواب نكاح العبيد والاماء، حديث 1 .
2 ـ وسائل الشيعة: 14 / 461، باب 43 من أبواب الأطمعة المحرّمة، حديث 1.
3 ـ وسائل الشيعة: 13 / 286، باب 2 من احكام الوكالة، حديث 1.

(52)


دنانير»(1)، فإنّ المراد الصادق فى نفسه الذى هو عبارة أخرى عن الثقة لا الصادق فى شخص الخبر المذكور بقرينة اضافة الوصف إلى الراوى دون الخبر.

ولعلّ هاتين الصحيحتين أحسن الروايات دلالة على حجّية خبر الثقة في الموضوعات.

إلاّ انّ التمسك بهما مبنى على فهم عدم الخصوصية لموردهما كما هو واضح. ومن خلال هذا يتّضح ان الدليل المهم على حجّية خبر الثقة فى الموضوعات هو السيرة والاولوية المتقدّمتان، و مقتضاهما حجّية خبر الثقة وإن لم يكن عدلاً.

اخبار ذى اليد

المشهور حجّية أخبار اليد وان لم يكن ثقة. وقد استدلّ على ذلك بالوجهين التاليين:

1 ـ التمسك بالروايات الخاصة، من قبيل:

أ ـ رواية الزيت المتقدّمة عن معاوية بن وهب حيث ورد فيها: «يبيعه ويبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به»، امّا بتقريب أنّ وجوب أخبار ذى اليد بدون حجّيته لغو؛ أو بتقريب انّ قوله عليه‏السلام : «ليستصبح به» ظاهر فى المفروغية عن تحقق الاستصباح و لزومه عند اخبار ذى اليد، ولا وجه لذلك إلاّ حجّيته.

وقد تمسّك بهذه الرواية الشيخ النراقى وغيره(2).

وفيه: انّ أخبار ذى اليد فى الروايات المذكورة نحو من اقرار البائع على نفسه برداءة مبيعه الموجب لحصول الاطمئنان عادة، وهى إن دلّت على الحجّية فانّما تدلّ عليها في المورد المذكور دون غيره ممّا لا يكون كذلك.

على انه يرد على خصوص التقريب الأول أنّ الأمر بالاخبار مع عدم وجوب القبول لا لغوية فيه لاحتمال أن تكون النكتة هى الخروج عن العهدة التى تفرض عرفا على البائع فى امثال المقام كلزوم اخباره بعيوب المبيع.

ب ـ موثّقة عبداللّه‏ بن بكير: «سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن رجل اعار رجلاً ثوبا فصلّي فيه وهو لا يصلّى فيه، قال: لايعلمه. قلت: فان اعلمه، قال: يعيد»(3)، فانّها تدلّ ـ بضمّ


1 ـ وسائل الشيعة: 13 / 483، باب 97 من أبواب الوصايا، حديث 1.
2 ـ مستند الشيعة: 1 / 253.
3 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1069، باب 47 من أبواب النجاسات، حديث 3 .

(53)


عدم الاستفصال ـ على المطلوب بعد التسليم بظهور قوله:«وهو لا يصلّى فيه» فى انه لا يصلّى فيه لنجاسته:

اما بتقريب انّ النهى عن الاعلام يدلّ على وجوب القبول على تقدير الاعلام، وليس ذلك إلا لحجّية اخبار صاحب اليد.

أو بتقريب أنّ وجوب الإعادة يدلّ على حجّية اخبار صاحب اليد بالنجاسة و إلاّ فلاوجه لوجوب الاعادة.

وفيه: ان كلا التقريبين قابل للتأمّل.

اما الأول؛ فلاحتمال أن يكون النهى عن الاعلام لا لحجّية أخبار صاحب اليد تعبّدا، بل لأنّ الاخبار يوجب وثوق المستعير عادة بتحقّق صلاته مع النجس، ومن ثَمَّ يوجب وقوعه فى مشقّة الاعادة.

واما الثاني؛ فلإحتمال أن يكون وجوب الاعادة لتحقق الوثوق عادة بوقوع الصلاة فى النجس و ليس لحجّية أخبار صاحب اليد تعبّدا.

هذا مضافا إلى أنّ الموثقة تدلّ بالمطابقة على وجوب الاعادة وبالالتزام على حجّية أخبار ذى اليد، وحيث أنّ المدلول المطابقى ساقط عن الحجّية ـ لما هو الثابت جزما من عدم وجوب الاعادة على من صلّى فى النجس مادام جاهلاً ـ فيلزم سقوط المدلول الالتزامى عن الحجية ايضا لتبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية فى الحجية، كما هى تابعة لها فى أصل الوجود خلافا لجماعة كالشيخ النائيني(1) و غيره حيث انكروا التبعية فى مقام الحجّية.

على أنّ الموثّقة معارضة فى نفس موردها بصحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام : «فى رجل صلّى فى ثوب رجل أيّاما، ثمّ انّ صاحب الثوب اخبره انه لايصلّي فيه، قال: لايعيد شيئا من صلاته»(2).

ج ـ رواية بكر بن حبيب: «سئل ابو عبداللّه‏ عليه‏السلام عن الجبن وانه توضع فيه الانفحة(3)


1 ـ فوائد الاصول: 4 / 755 .
2 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1069، باب 47 من أبواب النجاسات، حديث 4.
3 ـ الانفحة هى معدة ابن المعز، فانه إذا مات حالة ارتضاعه استخرجت منه وعصرت فى شعر مبتل باللبن فتجمد كالجبن ويستفاد منها كخمرة لصنع الجبن.

(54)


من الميتة، قال: لا تصلح، ثم ارسل بدرهم فقال: اشتر من رجل مسلم ولا تسأله عن شيء»(1)، فان النهى عن السؤال يدلّ على لزوم القبول على تقدير أخبار صاحب اليد.

وفيه: إنّ من المحتمل أن يكون المقصود لا تسأله و إلاّ فقد يحصل لك العلم من اخباره، فيجب عليك العمل به لأجل حصول العلم.

ويحمتل أن يكون المقصود لا يجب عليك السؤال دفعا لتوهّم وجوبه، وهذا لا يدلّ على انه لو سأل فالعمل بالجواب لازم.

هذا من حيث الدلالة وقطع النظر عن ضعف السند من ناحية بكر بن حبيب نفسه، لعدم ثبوت وثاقته والاّ فالأمر اشكل.

د ـ الأخبار الدالّة على طهارة ما فى أيدى المسلمين و اسواقهم من لحوم وجلود(2). وقد تمسّك بذلك صاحب الجواهر(3).

وفيه:

اولاً: ان الروايات المذكورة أجنبية عن المقام، لأنّ الحكم بالطهارة فيها لا لاخبار صاحب اليد بل لنفس اليد، ولذا يحكم بالطهارة حتى لو لم يخبر بها.

وثانيا: انّها خاصّة بموردها ولايمكن التعدّى منه إلى كلّ يد، كما لو كان لشخص ثوب نشكّ فى طهارته، فانه لايمكن الحكم بطهارة لمجرّد اليد.

وثالثا: انّ ما ذكر ـ على تقدير تماميته ـ خاصّ باثبات الطهارة باخبار ذى اليد ولايعمّ الاخبار بالنجاسة، ولعل للشارع تسامحا خاصّا فى اثبات الطهارة دون النجاسة.

و رابعا: لعلّ الحكم بالطهارة فيما ذكر لا لليد ولا لاخبار صاحبها بل لاصالة الطهارة.

2 ـ السيرة العقلائية المنعقدة على تصديق صاحب اليد فى إخباره عن كلّ ما يرتبط بما تحت يده ـ من ذلك اخباره بطهارته أو نجاسته ـ ولعله بنكتة أخبريته من غيره بما تحت يده.

و هذه السيرة إذا كانت ثابتة حقّا ولم تكن مختصّة بحالة وثاقة صاحب اليد، فهي المعتمد بعد عدم ردع الشارع عنها، ولا حاجة معها إلى الاستشهاد على حجّية اخبار صاحب اليد بأنه لولاها يلزم اختلال النظام حيث:

يلزم عدم جواز شراء الخبز واللبن وغيرهما ممّا تصيبه يد البائع، لاستصحاب نجاسة


1 ـ وسائل الشيعة: 17 / 91، باب 61 من أبواب الاطعمة المباحة، حديث 4.
2 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1071، باب 50 من أبواب النجاسات.
3 ـ جواهر الكلام: 6 / 180.

(55)


يده المعلومة عند الاستنجاء وغيره، ومن ثَمَّ يلزم الحكم بنجاسة تلك الاشياء.

ويلزم ايضا الاجتناب عن أوانى الناس و فرشهم وغير ذلك ممّا يكثر الابتلاء به عند المعاشرة للعلم القطعى بملاقاة هذه الاشياء للنجاسة ولو مرّة واحدة فى العمر.

ويلزم ايضا الحكم بنجاسة لحوم الحيوانات و جلودها و اصوافها لملاقاتها للدم الخارج حين الذبح، ومع الشك فى طروّ المطهر تستصحب النجاسة فى جميع ما ذكر إلي أن يعلم بالمزيل، ولا مخلص من ذلك إلا البناء على حجّية أخبار ذى اليد.

و وجه عدم الحاجة إلى الاستشهاد بما ذكر ـ مضافا إلى اختصاصه باثبات الطهارة ـ ان الحكم بذلك يمكن أن يكون من باب دخول المورد غالبا تحت كبرى توارد الحالتين، إذ كما يعلم بنجاسة الاشياء المذكورة فى وقت ما كذلك يعلم بوصول الماء اليها فى وقت آخر، ومعه لا يمكن الحكم بجريان إستصحاب النجاسة للمعارضة، فتصل النوبة إلي أصل الطهارة بعد تساقط الاستصحابين.

أدلّة الحلبى و مناقشتها

تقدّم سابقا انّ النجاسة لا تثبت ـ لدى المشهور ـ إلاّ بأمور أربعة: العلم و البيّنة وخبر العدل و خبر ذى اليد. وخالف فى ذلك الحلبى فاختار ثبوتها بالظّن ايضا. وقد استدلّ على ذلك بعدّة وجوه، نذكر من بينها:

1 ـ انّ الأمور الشرعية مبتنية على الظّن، فيلزم الاعتماد على الظن فى المقام ايضا.

2 ـ ان ترجيح المرجوح على الراجح قبيح.

3 ـ صحيحة عبداللّه‏ بن سنان: «سأل أبى أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن الرجل يعير ثوبه لمن يعلم انه يأكل الجرى ويشرب الخمر فيرده أيصلّى فيه قبل أن يغسله؟ قال: لا يصلّى فيه حتي يغسله»(1)، فان النهى عن الصلاة قبل غسل الثوب ليس إلاّ من جهة الظن بتنجّسه لكونه فى معرض ملاقاة النجاسة(2).

و الكل كما تري:

امّا الأول، فلأنّ الأمور الشرعية من أحكام و موضوعات لم تبتنِ على مطلق الظن بل


1 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1095، باب 74 من أبواب النجاسات، حديث 2.
2 ـ الكافى فى الفقه: ص 140.

(56)


على الظنون الخاصّة إلاّ فى موارد معدودة كالقبلة و ركعات الصلاة.

واما الثانى، فلعدم لزوم ترجيح المرجوح بعد اقتضاء الأصل للطهارة.

و اما الثالث، فلأن الصحيحة معارضة بصحيحة عبداللّه‏ بن سنان الأخري: «سأل أبي أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام وأنا حاضر أنى أعير الذمّى ثوبى وأنا اعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده عليَّ، فاغسله قبل أن أصلّى فيه؟ فقال أبو عبداللّه‏ عليه‏السلام : صلِّ فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فانك اعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجّسه فلا بأس ان تصلّى فيه حتى تستيقن انه نجّسه»(1)، فانها إذا كانت مغايرة للأولى لتعدّد الواقعة فتسقط بالمعارضة، وإذا كانت نفسها فتسقط عن الإعتبار ايضا لعدم تعيّن ما هو الصادر واقعا.

وعليه، فلا دليل على حجّية الظنّ فى اثبات النجاسة بل ان الدليل على عدم حجّيته ثابت وهو اطلاق دليل قاعدة الطهارة.

دليل ابن البراج ومناقشته

تقدّم انّ ابن البرّاج يرى عدم ثبوت النجاسة إلاّ بالعلم. وقد استدلّ على ذلك:

1 ـ بأنّ الطهارة معلومة بالأصل، و شهادة الشاهدين لا تفيد إلاّ الظنّ، ولايترك المعلوم بالمظنون(2).

2 ـ ويمكن أن نضيف إلى ذلك الروايات الدالّة على قاعدة الطهارة من قبيل: موثّقة عمّار عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «..كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك»(3).

و موثّقة حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن على عليه‏السلام : «ما ابالى أ بول اصابنى او ماء إذا لم اعلم»(4).

وكلاهما كماتري:

اما الأول، فلأن البيّنة مثلاً إذا ثبتت حجيتها فسوف يكون رفع اليد عن أصل الطهارة رفعا بما يعلم كونه حجّة من قبل الشارع.


1 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1095، باب 74 من أبواب النجاسات، حديث 1.
2 ـ جواهر الفقه: ص 9 .
3 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1054، باب 37 من أبواب النجاسات، حديث 4.
4 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1054، باب 37 من أبواب النجاسات، حديث 5.

(57)


واما الثاني، فلأن العلم فى الروايات المتقدمة مأخوذ بنحو الطريقية دون الموضوعية، ولازم ذلك تقدّم البيّنة وغيرها من الامارات على دليل إعتباره بالحكومة، فإنّ دليل حجّيتها يجعلها بمثابة العلم تعبّدا فى الطريقية.

(58)