وسائل اثبات النجاسة

ثبوت الطهارة للأشياء لا يحتاج إلى دليل بعد اقتضاء قاعدة الطهارة لذلك. نعم مع فرض كون الحالة السابقة هى النجاسة فاثباتها يحتاج إلى دليل خاص بعد تقدّم الإستصحاب على قاعدة الطهارة ـ للحكومة أو غيرها(1) ـ أو قصور دليل القاعدة فى نفسه عن الشمول لموارد الشك فى الطهارة فعلاً مع العلم بثبوت النجاسة سابقا.

هذا بالنسبة إلى الطهارة.

واما النجاسة فلا تثبت إلاّ بمثبت خاص. وفى ذلك المثبت أقوال ثلاثة:

1 ـ العلم، والبيّنة، وخبر العدل الواحد، واخبار ذى اليد. ويمكن نسبة هذا إلي المشهور ولاأقل فى غير خبر العدل الواحد.

2 ـ الاكتفاء بمطلق الظنّ؛ وهو مختار الحلبي.(2)

3 ـ عدم الثبوت إلا بالعلم؛ وهو مختار ابن البرّاج من المتقدّمين و الشيخ النراقى من المتأخرين(3).

ثمّ إنّ النجاسة كما تثبت على رأى المشهور بالوسائل الأربع المتقدمة، كذلك الطهارة تثبت بذلك فى حالة حاجتها إلى اثبات.

ونتكلّم أوّلاً عن وسائل الإثبات الأربع على رأى المشهور ثمّ عن الرأيين الآخرين.

العلم

امّا ثبوت النجاسة بالعلم فلا اشكال فيه لبيانين:

1 ـ انّ الحجّية والطريقية هما من اللوازم الذاتية لكل علم طريقي، كيف و إليه تنتهي


1 ـ يأتى توضيح ذلك ان شاء اللّه‏ تعالى فى مبحث الماء المشكوك نجاسته.
2 ـ الكافى فى الفقه، ص 140.
3 ـ جواهر الفقه، ص 9؛ مستند الشيعة: 1 / 247؛ نعم أضاف الشيخ النراقى الى العلم أخبار ذى اليد.

(47)


حجية كل حجية، ولولا حجيته الذاتية استحال اثبات اى حقيقة.

2 ـ ان العلم بالنجاسة أخذ غاية فى قاعدة الطهارة، فبتحققه لايمكن تطبيقها.

ثمّ إنّه قد يلحق الإطمئنان بالعلم لانعقاد السيرة العقلائية التى لم يردع عنها علي العمل به.

البيّنة

وامّا البيّنة فهى وإن لم يدل دليل على حجّيتها بعنوانها فى خصوص المقام إلاّ انه قد تقرَّب حجّيتها بالبيّانات التالية:

1 ـ التمسك بما دلَّ على حجّيتها فى باب القضاء كقوله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فى صحيحة هشام بن الحكم: «انّما اقضى بينكم بالبيّنات و الإيمان، وبعضكم ألحن بحجّته من بعض فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فانّما قطعت له به قطعة من النار»،(1) فانه و ان كان خاصّا بباب القضاء إلاّ انه يمكن الاستدلال به فى المقام لاحد التقريبين التاليين:

أ ـ التمسك بفكرة الاولوية على ما ذكره الشيخ الهمداني، ببيان انّ جعل الحجّية لبيّنة المدّعى بالرغم من معارضتها بمثل قاعدة اليد و غيرها من الامارات الثابتة فى جانب المنكر يستلزم بالاولوية حجيتها فى مثل المقام الذى لا معارض فيه سوى أصل الطهارة أو استصحابها(2).

وفيه: منع الاولوية لاحتمال أنّ غرض الشارع فى الوصول إلى الواقع فى باب الخصومة أقوى من غرضه فى الوصول إليه فى باب النجاسة، فلا يلزم من جعل الحجّية هناك جعلها هنا.

ب ـ إنّ قوله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله :«انّما اقضى بينكم بالبيّنات» ـ بعد الالتفات إلى انّ كلمة البيّنة لغة هى بمعنى ما يتبيّن به الشيء و يكون حجّة عليه ـ يدّل على وجود حجّتين و أنّ ما هو حجّة فى نفسه فأنا أستند إليه فى باب القضاء و جعلته حجة فيه و أحكم من خلاله بينكم.

وحيث ان الثابت تاريخيا انه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله كان يستند فى باب القضاء إلى شهادة عدلين وقد طبّق البيّنة على ذلك، فيثبت انّ شهادة عدلين هى حجة فى نفسها و من دون اختصاص بباب القضاء تمسّكا بالاطلاق، حيث لم يقل صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : انّما اقضى بما هو بيّنة فى خصوص باب القضاء.


1 ـ وسائل الشيعة: 18 / 169، باب 2 من أبواب كيفية الحكم، حديث 1.
2 ـ مصباح الفقيه: 1 / 609، الطبعة القديمة.

(48)


و فيه: ان الصحيحة ليست مسوقة لبيان ما هو حجة فى نفسه ليتمسّك بالاطلاق بل لبيان انّ البيّنة حجّة فى باب القضاء.

2 ـ التمسّك برواية مسعدة بن صدقة عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قِبَل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا أو امرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة»(1)، فانها تدلّ على أنّ الاصل فى الأشياء هو الحل و لا ترفع اليد عنه إلاّ بالعلم بالحرمة أو قيام البيّنة عليها.

واُشكل على ذلك بما يلي:

أ ـ انّ الرواية تدّل على حجّية خصوص البيّنة على الحرمة لا مطلق البيّنة.

وفيه: ان العرف لايفهم خصوصية للحل بل يفهم انّ الحجّية مجعولة للبيّنة فى مقابل أى أصل ترخيصى سواء كان أصل الحل او أصل الطهارة.

ومع التنزّل يمكن أن يقال انّ البيّنة على نجاسة الشيء هى بيّنة على نفى حلّيته، فتكون حجّة من هذه الحجّة.

ب ـ ان كلمة «البيّنة» لم يثبت كونها حقيقة شرعية فى شهادة العدلين، فانها لغة بمعنى ما يتبيّن به الشيء كما فى قوله تعالي: « حتى تأتيهم البيّنة»(2)«بالبيّنات والزبر»(3) وغير ذلك، وإرادة خصوص شهادة العدلين اصطلاح متأخّر، ولايبعد ان تكون الصحيحة ناظرة إلى المعنى اللغوي، والمقصود: حتى تقوم على التحريم حجة ودليل.

وفيه: ان الصحيحة وصلتنا من طريق الإمام الصادق عليه‏السلام ، ومن البعيد ان كلمة «البيّنة» لم يتم فيها النقل ـ إلى المعنى الاصطلاحى الجديد ـ إلى زمانه المبارك.

و نظرة عابرة إلى كلمة «البيّنة» فى باب القضاء والشهادات والحدود تورث الاطمئنان للفقيه بماذكرناه.

ج ـ انّ الرواية ضعيفة السند ب «مسعدة» لعدم ثبوت وثاقته. وكون رواياته متقنة وخالية من الاضطراب لا يدلّ على وثاقته ـ بل على فضله كما هو واضح ـ ولا يوجب


1 ـ وسائل الشيعة: 12 / 60، باب 4 من أبواب ما يكتسب به، حديث 4.
2 ـ البيّنة: 1.
3 ـ فاطر: 25 .

(49)


الوثوق بصدورها.

3 ـ التمسّك بالإجماع حيث ادّعى انّ المستفاد من كلمات الفقهاء المفروغية عن حجّية البيّنة على الاطلاق.

ان قلت: ان الاتفاق لو كان متحققا فهو محتمل المدرك فلا يكون حجة، إذ حجّية الاجماع ناشئة من كاشفيته يدا بيد عن رأى المعصوم عليه‏السلام ، ومع احتمال المدرك ـ كرواية مسعدة أو روايات باب القضاء ـ لا يمكن الجزم بكاشفيته.

قلت: قد تقرّب حجّية الاجماع فى المقام و ما شاكله بالبيان التالي: إنّ مستند الإجماع إذا كان هو رواية مسعدة فذلك سبب لتحقق الوثوق بها، وإذا كان مستندا إلى استفادة الكلية من روايات باب القضاء فذلك يؤكّد عرفية الاستظهار المذكور، وإذا كان غير مستند إلى ما تقدّم فهو اجماع تعبّدى كاشف عن موافقة المعصوم عليه‏السلام .

و هذا البيان لو تمَّ فهو المطلوب و إلاّ فاثبات حجّية البيّنة بعنوانها مشكل. نعم بناء على حجية خبر العدل الواحد ـ كما سيأتى ـ تثبت حجّية البيّنة من باب انّها اخبار عدل واحد و زيادة.