ثم انه ينبغى أن يكون واضحا انّ الإشكال فى المسكر منحصر بحيثية طهارته و نجاسته وإلاّ فحرمة تناوله ينبغى عدم الإشكال فيها للنصوص الكثيرة، كصحيحة الفضيل بن يسار: «ابتدأنى أبو عبداللّه عليهالسلام يوما من غير أن أسأله فقال: قال رسولاللّه صلياللهعليهوآله : كل مسكر حرام، قال: قلت: اصلحك اللّه كله؟ قال: نعم الجرعة منه حرام»(1) وغيرها.
بناء على نجاسة مطلق المسكر أو خصوص الخمر يقع الكلام فى نجاسة الاسپيرتو.
و فى هذا المجال نقول:
1 ـ اما الاسپيرتو الطبي، فهو لايتّخذ من الخمر عادة بل من مواد أخرى ولكنه مسكر وتضاف إليه بعض السموم ليمتنع الفسّاق من شربه.
و نجاسته تبتنى على الحكم بنجاسة مطلق المسكر، ومن لايبنى على ذلك أو يبني عليه ولكنه يرى انصراف كلمة «المسكر» الواردة فى الروايات إلى ما تعارف شربه يلزمه الحكم بالطهارة لقاعدة الطهارة.
2 ـ و أمّا الاسپيرتو المتخذ من الخمر من خلال عملية التبخير والتقطير، فقد يحكم بطهارته بدعوى انّ التبخير يوجب الاستحالة وسلب اسم الخمر، كما هو الحال فى بخار البول.
و فيه: انّ القياس المذكور مع الفارق، فانّ تبخير البول يوجب تصاعد الذرّات المائية
التى لايصدق عليها عنوان البول بخلاف تبخير الخمر، فانه يوجب تصاعد المادّة
1 ـ وسائل الشيعة: 17 / 259، باب 15 من ابواب الاشربة المحرّمة، حديث 1.
(41)
المسكرة ـ الكحول ـ بدرجة أكبر وصيرورة الخمر اكثر تركيزا حيث ينفصل بالتقطير المائع الخليط. و أهل الفسوق يتداولون هذا النوع من الخمر، لانه اكثر تركيزا.
وعليه، فالمناسب نجاسة هذا النوع من الاسپيرتو بناء على نجاسة الخمر.
3 ـ واما الاسپيرتو المتخذ من الخساب، فهو سمّ محض و ليس من المسكر فى شيء. ومقتضى قاعدة الطهارة الحكم بطهارته حتى بناء على نجاسة الخمر بل مطلق المسكر.
وقع العصير العنبى المغلى محلاً للبحث بين الاصحاب من ناحيتين:
الأولي: حرمته بالغليان وعدمها.
و لااشكال فى حرمته بالغليان فى الجملة إلى أن يذهب ثلثاه فيحل آنذاك. وقد دلت على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «كل عصير اصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه»(1) وغيرها.
ومقتضى الاطلاق عدم اناطة الحرمة بالاسكار بل الغليان بنفسه موجب لذلك وان ذهب البعض إلى الملازمة بين الغليان والاسكار(2).
والحكم بالحرمة فى الجملة لاخلاف فيه، وانما الخلاف وقع من بعض الجهات: من قبيل انّ غليان العصير إذا لم يكن بالنار بل بسبب حرارة الشمس ونحوها فهل يحل بطبخه حتى يذهب ثلثاه؟
ذهب البعض ومنهم شيخ الشريعة الاصفهاني(3) إلى انه لا يحلُّ بذلك بل بالتخليل، بدعوى انه لو غلى بنفسه صار مسكرا بل خمرا؛ بإعتبار ان مادة الاسكار ـ الكحول ـ لا
تظهر بالغليان بالنار بل تظهر تدريجا فى حالة تصاعد درجة حرارة العصير ببطيء، وذلك
ما يتحقق فيحالة غليان العصير لابالنار، ومادام يصير خمرا، فلايحلُّ إلاّ بالتخليل لحلّية
1 ـ وسائل الشيعة: 17 / 223، باب 2 من أبواب الاشربة المحرّمة، حديث 1.
وكلمة العصير على ما ذكر الشيخ يوسف البحرانى فى الحدائق الناضرة: 5 / 125، مصطلح يختص بعصير العنب.
وتؤيده صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج التى تقدمت الاشارة اليها عند البحث عن نجاسة بقية المسكرات غير
الخمر. وخالف فى ذلك جماعة، منهم شيخالشريعة فى رسالته: «افاضة القدير فى احكام العصير: ص 11، فاختار
التعميم.
2 ـ نسب ذلك إلى الوحيد البهبهانى وتلميذه السيد بحر العلوم، فلاحظ: رسالة افاضة القدير: ص98.
3 ـ افاضة القدير: ص 20.
(42)
و من قبيل انّ ذهاب الثلثين بغير النار هل يوجب حلية العصير المغلى بالنار ايضا أو يختص ذلك بما إذا كان بالنار.
ومن قبيل انّ حرمة العصير هل تتحقق بالغليان او تحصل قبل ذلك حينما ينشّ(1) بناء على ثبوت تغاير بين الغليان والنشيش خلافا لبعض اللغويين(2).
وتحقيق الحال فى هذه الجهات وما شاكلها ينبغى ايكاله إلى مبحث الاطعمة والاشربة كما هو واضح.
الثانية: نجاسة العصير العنبى بالغليان وعدمها.
والمشهور ذهب إلى تحقق النجاسة بذلك، بل قد يدّعى عليه الاجماع إلا ان الشيخ النراقى قال: «الذى يظهر لي: ان المشهور بين الطبقة الثالثة الطهارة وبين الثانية النجاسة، واما الاولى فالمصرح منهم بالنجاسة اما قليل او معدوم»(3)، وعلى هذا فالاجماع ليس بثابت.
واحسن ما يمكن التمسك به صحيحة معاوية بن عمار: «سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل من اهل المعرفة بالحق يأتينى بالبختج ويقول: قد طبخ على الثلث وانا اعرف انه يشربه على النصف أ فأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال: خمر، لاتشربه. قلت: فرجل من غير اهل المعرفة ممّن لانعرفه يشربه على الثلث ولايستحله على النصف يخبرنا ان عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقى ثلثه يشرب منه؟ قال: نعم»(4)، فان البختج هو العصير المطبوخ على ما ذكر الفيض الكاشاني(5)، واطلاق تنزيله منزلة الخمر يقتضى ترتيب جميع اثارها التى منها النجاسة بناء على نجاستها.
وقد اشكل على ذلك بعدّة اشكالات، نذكر من بينها مايلي:
1 ـ انه لم يثبت كون البختج عبارة عن مطلق العصير المطبوخ ـ وان فسّره الكاشاني
بذلك ـ ولعلّه حصّة خاصّة من العصير المطبوخ وهى التى تعرف ب «الرُّب»، ومن
1 ـ النشيش هو الصوت السابق على غليان الاجزاء.
2 ـ كصاحب «اقرب الموارد» حيث اختار الاتحاد، فلاحظ مادة نشَّ، من اقرب الموارد.
3 ـ مستند الشيعة: 1 / 241 .
4 ـ تهذيب الاحكام: 9 / 122.
5 ـ الوافي: 20 / 654.
(43)
المحتمل كون هذه الحصة مسكرة بالخصوص والتنزيل كان بلحاظها.
2 ـ ان الصحيحة حسب نقل الشيخ الكلينى لاتشتمل على لفظة «خمر»(1)، أى ان الوارد هكذا: «فقال: لاتشربه»، وانما الشيخ نقلها مشتملة على ذلك(2)، والاصل العقلائى عند دوران أمر اللفظ بين كونه زائدا أو ناقصا وان اقتضى عدم الزيادة، وهو مقدّم على اصالة عدم النقيصة ـ لأن الانسان قد يغفل فيحذف لفظا ولكن من البعيد ان يغفل ويزيد لفظا ـ إلا ان ذلك يتم فيما إذا تساوى الناقلان فى الضبط، اما بعد ان كان الكلينى اضبط من الشيخ ـ على ما قيل ـ بإعتبار ان الشيخ كثيرا ما يزيد أو ينقص فيتعارض النقلان ولايبقى لدينا مثبت لوجود لفظة «خمر»، ومن ثم لايمكن التمسك بالصحيحة.
هذا مضافا إلى أنّ نسخ التهذيب ليست متفقة على اثبات لفظة «خمر»، فالكاشاني والحر العاملى نقلا الحديث عن التهذيب من دون اثبات ذلك، فلاحظ(3).
3 ـ إنّ من المحتمل أن يكون التنزيل خاصا بلحاظ حرمة التناول فقط، إذ لم يقل: «خمر فلا تشربه»، لتكون حرمة الشرب تفريعا على التنزيل المطلق و بيانا لبعض النتائج المترتّبة عليه، بل قيل: «خمر لاتشربه»، ولعل المقصود هو خمر من زاوية حرمة الشرب فقط بحيث تكون جملة «لاتشربه» تفسيرا لقوله «خمر» و أشبه بعطف البيان.
و من خلال كل هذا يتّضح عدم وجود دليل على نجاسة العصير العنبى المغلى ويتعيّن الرجوع إلى أصل الطهارة بناء على عمومه لموارد الشك فى النجاسة الذاتية وعدم اختصاصه بموارد الشك فى النجاسة العارضة و اِلاّ لزم الرجوع إلى الاصول الطولية، كأصل الطهارة فى الفم أو اليد الملاقيين للعصير.
ولايخفى أنّ الرجوع إلى أصل الطهارة فى العصير أو فى الملاقى انّما يتمّ لو فرض عدم جريان استصحاب الطهارة فيهما وإلاّ كان هو المحكّم على ما هو المعروف.
ثمّ انّه قد يفصّل فى نجاسة العصير العنبى بما أفاده شيخ الشريعة الإصفهاني، وهو انّ
الغليان إذا كان من قِبَل نفس العصير ينجس ولا يطهر إلاّ بالتخليل، وإذا كان بالنار
فلاينجس بل يحرم وتزول حرمته بذهاب ثلثيه، وقد تقدّم توجيه ذلك فيما سبق و انّ
العصير بغليانه من قِبَل نفسه يصير خمرا حقيقة، فلا يطهر إلاّ بالتخليل ،وهذا بخلاف ما إذا
1 ـ الكافي: 6 / 421 .
2 ـ تهذيب الاحكام: 9 / 122.
3 ـ الوافي: 20 / 655 .
(44)
غلى بالنار، فإنّه لم تثبت من الروايات إلاّ حرمته الزائلة بذهاب الثلثين.
و ما ذكره وجيه لو تمّت الصغرى و انّ الغليان لا بالنار يوجب الخمرية حقيقة، و هو أمر لم يثبت.
وامّا نبيذ الزبيب الذى قد يعبّر عنه تسامحا بعصير الزبيب، فالمشهور طهارته عند الغليان، فإنَّ صحيحة معاوية المتقدّمة لو تمّت دلالتها على النجاسة فهى خاصّة بالبختج الذى هو بمعنى العصير المطبوخ، ونبيذ الزبيب ليس مصداقا للعصير، فإنّ من المحتمل كون المقصود من العصير: كل سائل اعتصر من جسم، والزبيب لجفافه ليس فيه رطوبات لتعتصر، ومن هنا كان التعبير عنه بعصير الزبيب مجازا وان حاول شيخ الشريعة توجيه تعميمه بنحو الحقيقة ـ «بدعوى انه بعد صبِّ الماء على الزبيب وامتصاصه له يصدق على ما يعتصر منه بعد ذلك عنوان العصير ولا يلزم فى السائل المعتصر أن يكون أصليا»(1) ـ إلاّ انّ ذلك مجرّد توجيه لاينتفى معه احتمال الاختصاص.
وعليه فالبحث فى نبيذ الزبيب ينحصر بلحاظ الحرمة، فالماء إذا وضع فيه الزبيب ثم غلى هل يحرم؟
والبحث بهذا اللحاظ وإن كان مرتبطا بكتاب الاطعمة والاشربة إلاّ انه على نحو الاجمال نقول: قد يستدلّ على الحرمة بالإستصحاب التعليقي، بأن يشار إلى الزبيب ويقال: هذا حينما كان عنبا كان عصيره يحرم لو غلى والآن حينما جفَّ هو كذلك.
وقد وجّهت إلى هذا الإستصحاب عدّة اشكالات نذكر منها:
1 ـ و هذا ناظر إلى كبرى الإستصحاب التعليقي، وهو أنّ أركان الإستصحاب ليست تامّة فى أيّ إستصحاب تعليقي، فإنّ الجعل لاشك فى بقائه، والمجعول لايقين بحدوثه، والحرمة على نهج القضية الشرطية أمر منتزع عن جعل الحرمة على موضوعها المقدّر الوجود ولا أثر للتعبّد به.
2 ـ وهذا كسابقه ناظر إلى كبرى الإستصحاب التعليقي. ومحصّله: إنّ الإستصحاب
التعليقى يثبت بقاء الحكم المشروط، وهو لايقبل التنجّز، وما يقبله و هو الحكم الفعلى ليس
موردا للاستصحاب، واثبات الفعلية عند وجود الشرط بإستصحاب الحكم المعلّق غير
1 ـ افاضة القدير فى أحكام العصير: 5.
(45)
ممكن، لأن ترتّب الفعلية عند بقاء الحكم المشروط مع افتراض تحقق الشرط عقلى و ليس شرعيّا.
3 ـ وهذا كسابقه ايضا. و محصّله: ان إستصحاب الحكم المعلّق معارض دائما بإستصحاب الحكم المنجّز، فنحن كما نعلم انّ الزبيب حينما كان عنبا كان يحرم لو غلى و بالإستصحاب يثبت بقاء ذلك كذلك نعلم بأنّ ماء الزبيب قبل أن يفترض غليانه كان حلالاً بالفعل و إذا غلى نشك فى بقاء تلك الحلية الفعلية، فيستصحب بقاؤها و تحصّل بذلك معارضة بين الاستصحابين.
4 ـ إنّ إستصحاب الحرمة المعلّقة إستصحاب فى شبهة حكمية وهو لايجرى بناء على الرأى القائل بعدم جريان الإستصحاب فى الأحكام الكلية للمعارضة، أى معارضة بقاء الحكم السابق بإستصحاب عدم جعل و تشريع الحكم بلحاظ المقدار الزائد.
5 ـ وهذا الإشكال خاص بالمقام. ومحصّله: إنّ شرط جريان الإستصحاب وحدة الموضوع، وهى مفقودة، لا لأنّ عنوان الزبيب مغاير لعنوان العنب ليقال هما بالنظر العرفى واحد؛ بل لأنّ مصبّ التحريم ليس هو عنوان العنب بل عنوان العصير، فإنّ الوارد فى الروايات ذلك دون عنوان العنب، و من الواضح ان العنوان المذكور مفقود في الزبيب، فانه لجفافه ليس فيه رطوبات لتعتصر ويصدق عليها عنوان العصير، وإذا لاحظنا الماء الذى صُبَّ على الزبيب فهو ليس عصيرا ومعتصرا من الزبيب، بل هو ماء خليط بالزبيب.
وهذا الإشكال وجيه، ولأجله لايجرى الإستصحاب التعليقى فى المقام حتى لو رفضنا الإشكالات السابقة من جهة عدم تماميّة مبانيها.
والنتيجة: إنّ ماء الزبيب لا يمكن الحكم عليه عند غليانه بالحرمة من خلال الإستصحاب التعليقى لما ذكر.
(46)