النجاسات

تقدم فى الكتاب السابق(1) الحديث بشكل موجز عن النجاسات، ونتحدّث هنا بشيء من التفصيل عن أهمّها، وهو الكافر والمسكر.

أ. نجاسة الكافر

المعروف بين اصحابنا الحكم بنجاسة الكافر بل ادّعى على ذلك الإجماع فى كلمات غير واحد(2) خلافا لغيرنا، فإن المعروف عندهم الطهارة(3) ـ اجل فى خصوص الكتابى يظهر من بعض الحكم بالطهارة(4).

والكلام يقع تارة فى الكتابى وأخرى فى غيره.

نجاسة الكتابى

استدل على نجاسة الكتابى بالوجهين التاليين:

الأول: التمسك بقوله تعالي: « انما المشركون نجس فلايقربوا المسجد الحرام...»(5) بعد الإلتفات إلى ان الكتابى مصداق للمشرك لقوله تعالي: « وقالت اليهود عزيز ابن اللّه‏ وقالت النصارى المسيح ابن اللّه‏...سبحانه عما يشركون»(6).

وفيه: انه لم يثبت كون المراد من النجس النجاسة الشرعية الإعتبارية، لعدم الجزم


1 ـ أى كتاب: دروس تمهيدية فى الفقه الاِستدلالي، قسم العبادات.
2 ـ كالمحقق فى المعتبر: 1 / 95 والشيخ فى التهذيب: 1 / 223 والسيد فى الانتصار: ص 10 و غيرهم.
3 ـ فقد قال ابن قدامة فى المغني: 1 / 43: «الآدمى فهو طاهر، وسؤره طاهر سواء كان مسلما او كافرا عند عامة اهل العلم».
4 ـ كالشيخ فى النهاية: 9 / 58، والمفيد على ما نقل عنه المحقق فى المعتبر: 1 / 96، والاسكافى والعماني على ما نقل عنهما فى جواهر الكلام: 6/42، وغيرهم.
5 ـ التوبة: 28 .
6 ـ التوبة: 30 و 31.

(29)


بتشريع النجاسة بالمعنى المذكور آنذاك، بل من المحتمل ارادة القذارة المعنوية. ويؤكد ذلك تفريع المنع عن الإقتراب من المسجد الحرام، فإنه لايتناسب مع ارادة النجاسة الاعتبارية ما دامت ليست متعدية.

ومع التنزّل، فبالإمكان دعوى ان كلمة المشركين فى القرآن الكريم تستعمل احيانا فى مقابل اهل الكتاب ـ ولعل ذلك هو المراد فى آيتنا الكريمة ان لم يدع الإنصراف إليه ـ كما فى قوله تعالي: « ما يودّ الذين كفروا من اهل الكتاب ولا المشركين ان ينزّل عليكم من خير....»(1)، «لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين منفكّين حتى تأتيهم البيّنة»(2)، « انّ الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين فى نار جهنّم»(3). وعليه فلا يمكن الإستدلال بالآية الكريمة للمناقشتين المتقدمتين.

الثاني: التمسك بالروايات الخاصة. وهى كثيرة نذكر من بينها:

1 ـ صحيحة سعيد الاعرج: «سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن سؤر اليهودى والنصراني، فقال: لا»(4)، بتقريب ان النهى عن السؤر لاوجه له إلاّ نجاسته المسبّبة عن نجاسة الملاقي.

وفيه: انه لا ارتكاز واضح على عدم حرمة السؤر إلاّ من ناحية نجاسته بل من المحتمل حرمته لا لذلك، كما فى النهى عن سؤر الجنب والحائض.

2 ـ رواية أبى بصير عن أحدهما عليهماالسلام : «فى مصافحة المسلم اليهودى والنصراني، قال: من وراء الثوب، فان صافحك بيده فاغسل يدك»(5)، بتقريب انه لا وجه للأمر بغسل اليد إلاّ تنجّسها.

وفيه: انه لابدَّ من حمل الأمر المذكور على الإستحباب دون الإرشاد إلى النجاسة و إلا عاد المحذور فى المصافحة من وراء الثياب ايضا للزوم تنجّسها.

هذا مع امكان المناقشة فى السند ب «وهيب بن حفص» فى طريق الكليني، و ب «القاسم» فى طريق الشيخ، فإن كلاًّ منهما يحتمل انطباقه على غير الثقة فلاحظ.


1 ـ البقرة: 105 .
2 ـ البيّنة: 1.
3 ـ البيّنة: 6.
4 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1020، باب 14 من أبواب النجاسات، حديث 8.
5 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1019، باب 14 من أبواب النجاسات، حديث 5.

(30)


3 ـ صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه‏السلام : «فى رجل صافح رجلاً مجوسيا، فقال: يغسل يده ولايتوضّأ»(1)، بتقريب انّ الأمر بالغسل وان لم يقيّد بافتراض الرطوبة إلاّ انه لابدَّ من الحمل عليه للإرتكاز القاضى بعدم التأثر مع الجفاف، ولما دلَّ على أن «كل شيء يابس زكي»(2).

وفيه: انه كما يحتمل نظر الصحيحة إلى حالة الرطوبة، يحتمل نظرها إلى طروّ القذارة المعنوية على اليد بسبب المصافحة ولو مع افتراض الجاف، وبذلك يكون الأمر بالغسل حكما أدبيا و اخلاقيا.

و إذا قيل: ان الحمل على ذلك خلاف الظاهر، فلا يمكن المصير اليه.

قلنا: ان الأمر يدور بين مخالفتين للظاهر، فإما ان يقيد الأمر بالغسل بحالة وجود الرطوبة وهو تقييد على خلاف الظاهر، أو يحمل الأمر على كونه ادبيا، ولامرجح للأول على الثاني.

4 ـ صحيحة محمد بن مسلم الاخري: «سألت أبا جعفر عليه‏السلام : عن آنية اهل الذمة والمجوس، فقال: لاتأكلوا فى آنيتهم و لا من طعامهم الذى يطبخون و لا فى آنيتهم التي يشربون فيها الخمر»(3).

وفيه: انها ادلُّ على طهارتهم الذاتية و إلاّ لم يكن وجه لتقييد الآنية بما يشربون فيها الخمر ولا الطعام بما يطبخونه.

5 ـ صحيحة على بن جعفر حيث سأل أخاه موسى بن جعفر عليه‏السلام «عن النصراني يغتسل مع المسلم فى الحمام، قال: إذا علم انه نصرانى اغتسل بغير ماء الحمام إلا ان يغتسل وحده على الحوض، فيغسله ثم يغتسل»(4)، فإنها نهت عن الإغتسال من الأحواض الصغيرة مع حضور النصرانى واغتساله منها وجوّزت الإغتسال منها مع وجود المسلم وحده على الحوض وعدم مشاركة النصرانى معه.

وتقريب الدلالة: ان المحذور مع حضور النصرانى على الحوض لا ينشأ من تنجّس ماء الحوض بسبب اصابة النصرانى له بيده، فان ذلك غير محتمل بعد اعتصام ماء الاحواض الصغيرة باتصالها بالمادة، بل ذلك اما من جهة تساقط القطرات من بدن


1 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1018، باب 14 من أبواب النجاسات، حديث 3.
2 ـ وسائل الشيعة: 1 / 248، باب 31 من أبواب احكام الخلوة، حديث 5.
3 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1018، باب 14 من أبواب النجاسات، حديث 1.
4 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1020، باب 14 من أبواب النجاسات، حديث 9.

(31)


النصرانى او من جهة ملامسة النصرانى لحواشى الحوض، والمحذور من الجهتين المذكورتين لايتم إلا بناء على نجاسة الكتابي.

6 ـ صحيحة هارون بن خارجة: قال: «قلت لابى عبداللّه‏ عليه‏السلام : انى اخالط المجوس فآكل من طعامهم؟ فقال: لا»(1)، بتقريب ان النهى ليس عن مؤاكلة المجوس بل هو عن الأكل من طعامهم، ولا وجه للنهى عن ذلك سوى كونه بلحاظ النجاسة.

واحتمال ان يكون النهى لا لتنجّس الطعام بإصابة المجوسى له بل لإصابة النجاسات ـ التى يزاولها المجوسى ـ له مدفوع بأن ذلك على خلاف الإطلاق، بل مخالف ايضا، لإضافة الطعام إلى المجوسى الظاهرة فى كون تصدّيه و مباشرته له هو الموجب لذلك.

هذه بعض الروايات المستدل بها على نجاسة الكتابي. وقد اتضح تمامية بعضها دلالة و سندا.

وفى مقابل ذلك روايات اخرى تدل على الطهارة، من قبيل:

1 ـ صحيحة العيص بن القاسم: «قال: سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن مؤاكلة اليهود والنصرانى والمجوسي، فقال: إذا كان من طعامك و توضّأ فلا بأس»(2)، فإنها تدل على طهارة الكتابى من ناحيتين: من تجويز مؤاكلته ومن الأمر بتوضّأه ـ اى غسله ـ قبل المؤاكلة.

2 ـ صحيحة عبداللّه‏ بن سنان: سأل ابى أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام وانا حاضر: انى اعير الذمي ثوبى وانا اعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده عليَ فاغسله قبل ان اصلّي فيه؟ فقال ابو عبداللّه‏ عليه‏السلام : صلّ فيه ولاتغسله من اجل ذلك، فانك اعرته ايّاه وهو طاهر ولم تستيقن ان نجّسه، فلابأس أن تصلى فيه حتى تستيقن انه نجّسه»(3) .

3 ـ صحيحة ابراهيم بن أبى محمود: «قلت للرضا عليه‏السلام : الجارية النصرانية تخدمك وانت تعلم انها نصرانية لا تتوضّأ ولاتغتسل من جنابة، قال: لابأس تغسل يديها»(4).

4 ـ الروايات الدالّة على جواز نكاح الكتابية متعة أو مطلقا(5).

و عليه فالمسألة تشتمل على طائفتين من الاخبار.


1 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1019، باب 14 من أبواب النجاسات، حديث 7.
2 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1076، باب 54 من أبواب النجاسات، حديث 1.
3 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1095، باب 74 من أبواب النجاسات، حديث 1.
4 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1020، باب 14 من أبواب النجاسات، حديث 11.
5 ـ وسائل الشيعة: 14 / 414، باب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر.

(32)


و فى مقام العلاج قد يقال ـ كما ذكره صاحب الحدائق(1) وغيره ـ بلزوم ترجيح الطائفة الاولى اما لموافقتها للكتاب الكريم« انّما المشركون نجس....»(2) او لموافقتها للتقية، لما تقدم من اتفاق غيرنا على الطهارة.

وفيه: ان اعمال المرجّحات فرع التعارض المستقر، وهو منتفٍ لامكان الجمع عرفا بحمل الاولى على التنزّه، فانها ظاهرة فى النجاسة بينما الثانية صريحة فى الطهارة، و مع اجتماع النص و الظاهر يؤوّل العرف الاظهر بقرينة النص.

ان قلت: هذا وجيه لو لم يطبق الاصحاب على الحكم بالنجاسة، اما بعد اطباقهم علي ذلك و وضوح اطلاعهم على روايات الطهارة ـ لأنها لم تصلنا إلا بواسطتهم وضوح دلالتها على الطهارة بحيث لايحتمل انهم فهموا منها النجاسة ـ فسوف يكشف ذلك عن أحد أمرين: اما وجود خلل من حيث النقل فى روايات الطهارة، اطلعوا عليه دوننا او وجود ارتكاز واضح بينهم على النجاسة انتقل إليهم يدا بيد من المعصوم عليه‏السلام ، ولأجله لم يولوا اهتماما لروايات الطهارة.

قلت: ان تطابق الاصحاب على الحكم بالنجاسة غير ثابت على ما تقدّمت الاشارة إليه سابقا.

و مع التنزّل، فبالامكان افتراض احتمال ثالث فى حكمهم بالنجاسة، وهو تقديم روايات النجاسة لموافقتها للكتاب الكريم أو للتقية، باعتقاد ان اعمال المرجحات أمر لازم حتى فى موارد امكان الجمع العرفي، فإنّ فكرة تقدم الجمع العرفى على اعمال المرجّحات لم تكن واضحة لدى المتقدمين كما هى عليها اليوم، فلاحظ كلام شيخ الطائفة فى مسألة نجاسة وطهارة الخمر التى وردت فيها اخبار تدل على الطهارة صريحا واخبار تأمر بالغسل منها، فانه حمل اخبار الطهارة على التقية بالرغم من امكان الجمع عرفا بحمل الاخبار الآمرة بالغسل على الاستحباب(3).

ولاحظ كلام صاحب الحدائق فى مسألتنا حيث تحامل على من يجمع عرفا بحمل الظاهر على النص ويقدِّم ذلك على اعمال المرجّحات قائلاً:«...فعدولهم عما مهّده ائمتهم إلى ما احدثوه بعقولهم واتخذوه قاعدة كلية فى جميع أبواب الفقه بآرائهم من غير


1 ـ الحدائق الناضرة: 5 / 172.
2 ـ التوبة: 28 .
3 ـ تهذيب الاحكام: 1 / 280.

(33)


دليل عليه من سُنّة ولاكتاب جرأة واضحة لذوى الالباب...»(1).

ثم انه قد يشكل على الجمع العرفى فى مسألتنا بالحمل على التنزّه، بانّ ذلك وجيه فى باب الاحكام التكليفية ـ كما لو قيل: اغتسل للجمعة ولابأس بترك غسل الجمعة، فان حمل الأول على الإستحباب وجيه ـ دون الاحكام الارشادية، كما فى المقام، فان اخبار النجاسة ترشد إلى نجاسة الكتابى ولايمكن حملها على التنزّه، إذ لامعنى لاستحباب النجاسة.

والجواب: ان الحكم بعدم قبول الاحكام الارشادية للحمل المذكور وان كان رأيا معروفا يبنى عليه بعض الفقهاء و لكنه قابل للمناقشة، فانّ من الوجيه ان تكون النجاسة ـ التى هى مجرد إعتبار شرعى - ذا مراتب مشككة يقتضى بعضها لزوم الاجتناب بخلاف بعضها الآخر.

ومن خلال هذا كله اتضح ان مقتضى الصناعة هو الحكم بطهارة الكتابى إلا ان التحفظ من مخالفة الاصحاب يقتضى تنزّل الفقيه من الفتوى بالطهارة إلى الاحتياط.


1 ـ الحدائق الناضرة: 5 / 173.

(34)


نجاسة غير الكتابى

واما غير الكتابى فمستند الحكم بنجاسته منحصر بتسالم الاصحاب و إلاّ فالآية الشريفة لم تتم دلالتها، والروايات لو تمَّ الاستدلال بها على النجاسة فهى مختصّة بالكتابي.

نعم فى خصوص الناصبى قد يتمسك مضافا إلى التسالم بموثقة عبداللّه‏ بن ابى يعفور عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «...وايّاك ان تغتسل من غسالة الحمام ففيها تجتمع غسالة اليهودى والنصرانى والمجوسى والناصب لنا اهل البيت وهو شرّهم، فانّ اللّه‏ تبارك و تعالى لم يخلق خلقا انجس من الكلب، وان الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه»(1).

الا انه قد يتأمّل فى الاستدلال بها بعدم وضوح كون المراد منها النجاسة الشرعية، فانه بملاحظة التعبير بكلمة «وهو شرّهم» يحتمل ارادة النجاسة المعنوية.

والعمدة على هذا هو تسالم الأصحاب.

وهل تحقيق المراد من الكافر ـ وانه كل من كان منكرا للألوهية او التوحيد او الرسالة او ضروريا من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضروريا بحيث يرجع انكاره إلي انكار الرسالة كما فعل السيداليزدي(2) نافع فى هذا المجال؟ المناسب هو النفي، بناء على كون المستند الآية الكريمة او الروايات، فانه لم يؤخذ فيها عنوان الكافر ليبحث عن المراد منه.

أجل بناء على كون متعلق تسالم الفقهاء هو الكافر بعنوانه يكون تحقيق ذلك وجيها.