حددت الروايات الشريفة الكر من حيث المساحة تارة ومن حيث الوزن أخري.
اختلف الأعلام فى تحديد مساحة الكر. ومنشأ ذلك أمران: اختلاف الروايات، والإختلاف فى كيفية فهمها. و أهمّ تلك الأقوال إثنان:
أحدهما: ما بلغ حاصل ضرب الأبعاد الثلاثة للماء 27 شبرا. هذا هو المنسوب إلي القمييّن(1) والشيخ الصدوق(2).
ثانيهما: ما بلغ حاصل ضرب ابعاده الثلاثة 87 42 شبرا. وهذا هو المنسوب إلي المشهور(3).
توجيه القول الأول:
استدلّ على القول الأول بروايتين:
الأولي: صحيحة اسماعيل بن جابر:« قلت لأبى عبداللّه عليهالسلام : الماء الذى لاينجسه
1 ـ حكاه العلاّمة (قدّس سره) عن القميّين فى المختلف: 1/183.
2 ـ المقنع، ص 10؛ الفقيه: 1 / 6.
3 ـ مستند الشيعة: 1 / 60.
(19)
شيء، قال: ذراعان عمقه فى ذراع وشبر سعته»(1)، بتقريب إنّ الذراع عبارة عن شبرين. والسعة لايُراد بها الطول أو العرض بل ما يسعه السطح المعبَّر عنه بالقطر.
وظاهر تحديدها بذراع وشبر، كونها كذلك من جميع الجهات، وذلك لايتم إلاّ في الشكل الدائري.
وفى تحصيل حجم الجسم الاسطواني: يضرب نصف القطر × نصف المحيط × العمق وحيث أنّ نسبة المحيط إلى القطر ثلاثة إلى واحد تقريبا وان كانت بالدقة تساوي: 722 ـ فنصف المحيط = 21 4 شبرا.
وبالتالي: يصير حاصل الحجم: 211 × 214 × 4 = 27 شبرا.
هذا ما يمكن به تقريب الصحيحة. وهو كماترى يرتكز على مقدّمات ثلاث:
أ ـ انّ الذراع يساوى شبرين لااكثر.
ب ـ انّ المراد من السعة ما يسعه السطح، أى القطر دون الطول او العرض.
ج ـ انّ الملحوظ فى الصحيحة هو الشكل الدائرى دون المربع الذى تكون النتيجة بناء عليه 36 شبرا(2).
والمقدّمة الأولى تستند إلى الوجدان الخارجي.
والثانية إلى فهم العرف.
والثالثة إلى ما اشير إليه سابقا.
الثانية: رواية اسماعيل بن جابر الثانية: «سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الماء الذي لاينجسه شيء، فقال: كرّ. قلت و ما الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار فى ثلاثة أشبار»(3).
بتقريب ان الإقتصار على ذكر بعدين يدلّ على انّ الثالث مساوٍ لهما، ولذا حذف. وبعد ضرب الابعاد الثلاثة بعضها ببعض تكون النتيجة 27 شبرا.
والتقريب المذكور وجيه لو لم يحتمل كون السكوت عن البعد الثالث نشأ عن إفتراض كون الشكل مدوّرا ـ الذى لايحتاج بيانه إلى افتراض ابعاد ثلاثة بل إلى بعدين: العمق والقطر ـ و إلاّ لم تكن النتيجة 27 شبرا بل 41 20(4).
1 ـ وسائل الشيعة: 1 / 121، باب 10 من أبواب الماء المطلق، حديث 1 .
2 ـ 3 × 3 × 4 = 36 .
3 ـ وسائل الشيعة: 1 / 118، باب 9 من أبواب الماء المطلق، حديث 7 .
4 ـ 211 × 21 4 × 3 = 4120.
(20)
هذا كله من حيث دلالة الروايتين. وقد إتضح أنّ دلالة الثانية إذا كانت قابلة للتأمل فدلالة الأولى تامّة.
واما من حيث السند، فقد يشكل على الأولى بأنّ ظاهر الحر العاملى فى الوسائل أنّ الشيخ ينقلها من كتاب محمد بن أحمد بن يحيى الذى له طرق صحيحة إليه فى المشيخة والفهرست(1) إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك، فانه يرويها بطريق خاص فى الاستبصار(2) يشتمل على أحمد بن محمد بن يحيى ،وفى التهذيب(3) على احمد بن محمد بن الحسن، وكلاهما لم يرد فى حقه توثيق خاص فى كتب الرجال.
أجل، هما من مشايخ الاجازة المعروفين، فإذا قبلنا كبرى كفاية شيخوخة الإجازة في اثبات الوثاقة ـ كما عليه المشهور ـ فلا اشكال.
وأمّا بالنسبة إلى الرواية الثانية، فيمكن التأمل فى سندها بإعتبار اشتماله على ابن سنان، وهو بهذا العنوان الإجمالى مردّد بين عبداللّه الثقة الجليل وبين محمد الذى وقع محلاً للكلام. هذا لو لاحظنا السند فى الكافي(4) وأمّا لو لاحظناه فى التهذيب، وجدنا انّ الوارد هو عبداللّه تارة ومحمد أخري(5).
وعليه فالرواية ساقطة عن الإعتبار، لعدم احراز كون الوارد فى سندها عبداللّه.
توجيه القول الثانى :
استدل على القول الثانى بروايتين:
الأولي:
صحيحة أبى بصير: «سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال:
إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف(6) فى مثله، ثلاثة أشبار ونصف فى عمقه فى الأرض، فذلك الكر من الماء»(7)، بتقريب أنها ناظرة إلى المربع الذى يحدد بابعاد ثلاثة، والبعد
2 ـ الاستبصار: 1 / 10.
3 ـ تهذيب الاحكام: 1 / 41.
4 ـ الكافي: 3 / 3.
5 ـ تهذيب الأحكام: 1 / 37، 42.
6 ـ المناسب: ونصفا؛ إلاّ ان الوارد فى المصادر الثلاثة فى كلا الموضعين «ونصف» بالرفع إلا التهذيب: 1 /
42، فانه ورد فيه فى الموضع الأول: «ونصفا».
7 ـ وسائل الشيعة: 1 / 122، باب 10 من أبواب الماء المطلق، حديث 6.
(21)
الثالث هو مساوٍ للأولين. ونتيجة ضرب الأبعاد الثلاثة بعضها ببعض هو ما اختاره المشهور(1).
اما كيف نثبت ان البعد الثالث مساوٍ للأولين؟ ذلك ببيانين:
أ ـ ان تحديد بعدين بشكل مساوٍ مع السكوت عن الثالث يدل على انه مثلهما، ولذا سكت عنه.
وجوابه ما تقدّم من إحتمال كون المنظور هو المدوّر الذى يكتفى فى بيانه ببعدين.
ب ـ انّ الصحيحة قد اشارت فى متنها إلى البعد الثالث، بتقريب ان قوله «ثلاثة» في جملة «ثلاثة أشبار ونصف فى عمقه فى الارض» ليس بدلاً من كلمة «مثله» بل هو مجرور بحرف جرّ مقدّر، اى فى ثلاثة اشبار... وبهذا تكون الأبعاد الثلاثة مذكورة: فأحدها اشير إليه بجملة «ثلاثة أشبار ونصفا»، و ثانيها اشير إليه بكلمة «فى مثله»، أي فى مثل المقدار السابق، وبهذا تمت الإشارة إلى الطول والعرض، وثالثها ـ وهو العمق ـ اشير إليه بجملة «فى ثلاثة أشبار ونصف فى عمقه فى الأرض».
وهذا البيان ينسب إلى الشيخ البهائى فى كتابه المعروف ب «الحبل المتين»(2).
وجوابه واضح، فإن الاصل عدم التقدير ولايصار إليه إلابدليل .
وعليه، فالصحيحة لم يثبت نظرها إلى المربع ذى الأبعاد الثلاثة ويحتمل نظرها إلي المدور الذى يحدد ببعدين، والنتيجة آنذاك لا تكون ما ذهب إليه المشهور بل شيئا آخر(3).
الثانية:
رواية الحسن بن صالح الثورى عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «إذا كان الماء فى الركي(4) كرّا لم ينجسه شيء. قلت: وكم الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار و نصف طولها، فى ثلاثة أشبار و نصف عمقها، فى ثلاثة أشبار ونصف عرضها»(5). هكذا رواها الشيخ فى الإستبصار.
1 ـ 213 × 21 3 × 213 = 8742.
(22)
إلا انه يمكن الإشكال بأن جملة «ثلاثة أشبار ونصف طولها» ذكرت فى كتاب الإستبصار فقط بل فى بعض نسخه(1) ولم تذكر فى التهذيب والكافي(2). ومعه فلايجزم بالإشارة إلى البعد الثالث، وبالتالى سوف يحتمل نظرها إلى المدوّر الذى تكون النتيجة بناء عليه مخالفة لما عليه المشهور.
هذا كلّه مضافا إلى ضعف سند الرواية بالثورى نفسه، حيث لم تثبت وثاقته.
علاج التعارض:
اتضح ممّا تقدم ان القول الثانى المنسوب إلى المشهور لايمكن المصير إليه لضعف مستنده. وبذلك يتعيّن المصير إلى القول الأول بناء على تمامية سند صحيحة اسماعيل الأولى ولو بإعتبار كفاية شيخوخة الإجازة فى اثبات الوثاقة. هذا ولكن لو تنزّلنا وافترضنا تمامية مستند كلا القولين فما هى النتيجة آنذاك؟ والجواب: انه حيث يتعذّر الجمع العرفى بين الطائفتين فالتعارض مستقر، ومعه تلزم ملاحظة المرجّحات ـ من موافقة الكتاب أو مخالفة العامة ـ ان كانت، و حيث انها مفقودة ايضا فيتعيّن التساقط. وبعد التساقط يتعيّن الرجوع إلى العام الفوقانى الدال على انفعال كل ماء بملاقاة النجاسة(3). و بذلك تكون النتيجة موافقة لما عليه المشهور؛ لأن الخارج من العموم المذكور هو ما بلغ 8742، واما الأقل من ذلك فهو مشمول للعموم المذكور، فيتمسّك به ويحكم بالإنفعال. ولايضر فى التمسّك به اجمال مخصصه بعد كون المخصص منفصلاً و إجماله مفهوميا.
هذا من حيث الإنفعال.
1 ـ على ما نقل فى هامش الإستبصار، فلاحظ.
2 ـ التهذيب: 1 / 408؛ الكافي؛ 3 / 2.
3 ـ من قبيل صحيحة شهاب بن عبد ربه: «اتيت أبا عبداللّه عليهالسلام اسأله فابتداني، فقال: ان شئت فاسئل يا شهاب وان
شئت اخبرناك بما جئت له، قلت له: اخبرنى جعلت فداك. قال: جئت تسألنى عن الجنب يسهو فيغمز يده فى الماء
قبل ان يغسلها. قلت: نعم. قال: إذا لم يكن اصاب يده شيء فلابأس»، وسائل الشيعة، باب 45 من أبواب الجنابة،
حديث 2.
(23)
واما لو شك فى كفاية المرّة عند الغسل به فإستصحاب النجاسة ـ بناء على جريان الإستصحاب فى الشبهات الحكمية ـ يقتضى عدمها وبالتالى يحكم ببقاء النجاسة.
هذا كله لو افترضنا تمامية مستند كلا القولين.
والكلام نفسه يأتى دون أيّ تغيير فيما إذا افترضنا عدم تمامية مستند كلا القولين.
وردت فى تحديد وزن الكر روايتان:
احداهما: مرسلة ابن أبى عمير عن بعض أصحابنا عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «الكرّ من الماء الذى لاينجسه شيء ألف ومائتا رطل»(1) الدالة على تحديده ب 1200 رطل(2). و هى وان كانت مرسلة، إلاّ انّ المرسل حيث انّه من أحد الثلاثة الذين قال الشيخ عنهم بأنهم لايرسلون ولايروون إلاّ عن ثقة(3) فتكون حجة على ما هو المشهور بين الاعلام.
ثانيتهما: صحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبداللّه عليهالسلام :«...والكرّ ستمائة رطل»(4) الدالة على تحديده ب 600 رطل.
وكلمة «الرطل» حيث لم يحدد المقصود منها ـ وانه الرطل المكى الذى هو ضِعفُ العراقى أو الرطل العراقى الذى هو نِصفُ المكى ـ فربما يقال بسقوط الروايتين عن الإعتبار لإجمالهما.
إلا انه بالرغم من ذلك ذهب المشهور إلى تحديد وزن الكُرّ ب 1200 رطل بالعراقي ونصف ذلك بالمكّي.
وقد قيل فى توجيه ذلك: ان الصحيحة وان كانت مجملة فى تحديد المراد من 600
رطل وانه كذلك بالعراقى أو بالمكّى إلاّ انه لا اجمال فيها من حيث دلالتها على انّ الكرّ
1 ـ وسائل الشيعة: 1 / 123، باب 11 من أبواب الماء المطلق، حديث 1.
2 ـ الرطل: ظرف خاص تكال فيه الاشياء لمعرفة مقدارها كلّتر فى زماننا. وكان رطل اهل العراق مغايرا الرطل
اهل مكة، فرطل اهل مكة ضعف رطل اهل العراق، وقد قيل بأن 1200 رطل عراقى المعادلة ل 600 رطل مكي
تساوى 377 كيلو غراما أو أقل من ذلك بمقدار يسير.
3 ـ العدّة فى الاصول، ص 63 .
4 ـ وسائل الشيعة: 1 / 124، باب 1 من أبواب الماء المطلق، حديث 3.
(24)
لايزيد على 600، سواء فَسَّرنا الرطل بالمكّى ام بالعراقي.
وإذا ثبت هذا الظهور فى الصحيحة أمكن أن نستعين به فى رفع الإجمال عن المرسلة التى قالت: ان الكُر 1200 رطل و يتعيّن كون المقصود ذلك بالعراقي، إذ لو كان المقصود ذلك بالمكى تلزم زيادة الكر على 600 رطل التى نَفَتها الصحيحة بظهورها.
و هكذا الحال بالنسبة إلى المرسلة، فانها و ان كانت مجملة من حيث كون المقصود 1200 رطل بالعراقى أو بالمكّى إلاّ أنها ظاهرة فى انّ الكرّ لايقل عن المقدار المذكور مهما فَسَّرنا الرطل. وبالظهور المذكور يتعيَّن ان يكون المقصود من الرطل فى الصحيحة هو المكي إذ لو كان المقصود هو العراقى يلزم كون الكر أقل من 1200 رطل، وهو خلاف ظاهر المرسلة.
وبالجملة: كلما كان لدينا دليلان، احدهما ظاهر فى معنيً معيّن والآخر مجمل، فبظهور الأول تمكن الإستعانة لرفع الإجمال فى الثاني.
هذا كله على تقدير البناء على حجّية مراسيل ابن أبى عمير و انها كمسانيده.
واما بناء على انكار ذلك ولو بتقريب ان خمسة تقريبا من مشايخ ابن أبى عمير قد شُهد بشهادة معارضة بضعفهم، ونحن نحتمل ان احد هؤلاء الخمسة هو المقصود في تعبير ابن أبى عمير حينما ارسل وقال«عن بعض اصحابنا»، ومعه لايمكن التمسك بعموم الشهادة بوثاقة كل من يروى عنه ابن أبى عمير، لأن التمسك بها تمسك بالعام فى الشبهة المصداقية، انه بناء على انكار حجية مراسيل ابن أبى عمير يمكن أن يقال: ان الموقف السابق لايتغيّر ويلزم ان يكون الكر 1200 بالعراقي.
والوجه فى ذلك: ان مقتضى العموم الدال على نجاسة الماء بمجرد ملاقاة النجاسة هو تنجّس جميع افراد المياه بذلك بما فى ذلك الكُر، غير انه ثبت بالمخصص المنفصل استثناء عنوان الكر، وهذا المخصص ذو مفهوم مجمل مردد بين السعة والضيق فيلزم الاقتصار فيه على القدر المتيقّن وهو 1200 رطل بالعراقى المعادل ل 600 رطل بالمكي، واما الأقل من ذلك فحيث يشكّ فى خروجه من العام، فيتمسّك بعمومه تطبيقا للقاعدة الاصولية التى تقول:«إذا خصص العام بمخصص منفصل وكان مفهومه مجملاً، فهو حجة فيما زاد على القدر المتيقّن ولايسرى اجماله إلى العام لفرض انفصال المخصص».
اتضح ممّا سبق ان الكر بحسب الوزن يساوى 1200 رطل بالعراقى المعادلة ل 600
(25)
رطل بالمكي، و بحسب المساحة يساوى 27 شبرا على رأى و 87 42 شبرا على رأي
المشهور. وإذا قارَنّا بين المساحة والوزن فهل نجدهما متطابقين؟ ادعى البعض انه وَزَنَ الكُر
فكان يعادل 24 شبرا تقريبا، وعن آخر انه كان يعادل 28 شبرا، وعن ثالث انه كان يعادل
36 شبرا، وعن رابع انه كان يعدل 33 شبرا(1).
ولايبعد صواب الجمع.
والوجه فى ذلك، اختلاف الماء باختلاف المناطق، ففى بعضها قد يكون مشتملاً علي الاملاح او الجص او غير ذلك فيكون وزنه اثقل، وفى بعضها الآخر يكون ذلك فيه أقل فيخف وزنه، وفى ثالث يفترض الماء مقطرا فيكون وزنه اخف بكثير.
وبهذا نخرج بالنتيجة التالية: لايمكن اعطاء وزن واحد للكر الذى مساحته 27 شبرا بل ربما يزيد الوزن على المساحة المذكورة احيانا وربما ينقص.
وبعد هذا الاختلاف فالمدار على ماذا؟ فهل هو على الوزن او على المساحة؟ يمكن ان يقال بكون المدار على ماسبق تحققه، فإذا كان الماء مشتملاً على الاملاح وسبق الوزن الأشبار فالمدار على الوزن.
ونكتة ذلك: ان الشارع المقدس قد جعل ميزانين للكُر، فأيّهما سبق كفى فى الحكم بتحققه. ولاغرابة فى ذلك، فان الماء إذا كان خليطا بالاملاح فلايسرع إليه الفساد عند ملاقاة النجاسة له، بخلاف ما لو كان صافيا فانه يسرع إليه ذلك.
إذا كان لدينا ماء نشك فى كريته وفرض ملاقاة النجاسة له، فهل يحكم بتنجّسه؟
والجواب: إذا احرزنا الحالة السابقة من الكرية او عدمها حكمنا بما تقتضيه
لإستصحابها، ومع عدم احرازها يحكم بالطهارة لإستصحابها وبقطع النظر عنه يمكن
التمسك بقاعدة الطهارة المستفادة من موثقة عمار الساباطى عن أبى عبداللّه 7، قال:
1 ـ نقل ذلك فى مستمسك العروة الوثقي: 1 / 158.
(26)
«كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر»(1).
هذا وقد يحكم ـ عند عدم احراز الحالة السابقة ـ بالتنجس لأحد الوجوه التالية:
1 ـ التمسك بعموم مادلَّ على تنجس كل ماء لاقى نجاسة، كموثقة شهاب المتقدمة.
وفيه: انه تمسك بالعام فى الشبهة المصداقية ـ لخروج الكر منه ويشك فى فردية المشكوك للعام او للمخصص ـ ، وهو غير جائز، بتقريب ان لدينا حجتين، و ادخال المشكوك تحت احدهما بلامرجّح.
2 ـ التمسك بقاعدة الشيخ النائينى 1: القائلة بأن الإستثناء من الحكم الإلزامى او ما يلازمه إذا تعلق بعنوان وجودي، فلابدّ عرفا من احراز ذلك العنوان فى ارتفاع الحكم الإلزامي او ما يلازمه(2). و لازم ذلك انّ الحكم بالإنفعال لايجوز رفع اليد عنه مع عدم احراز الكرية.
وفيه: انّ القاعدة المذكورة وان تمسك بها الشيخ النائينى فى موارد متعددة إلاّ انها غير ثابتة.
3 ـ التمسك بقاعدة المقتضى والمانع، بتقريب ان الملاقاة مقتضية للتنجّس و الكرية مانعة، و مع احراز المقتضى والشك فى وجود المانع يبنى على تحقق المقتضي.
وفيه: ان القاعدة المذكورة لم يحرز ثبوتها لدى العقلاء ولاتستفاد من النصوص وان كان يظهر من صاحب الجواهر فى بعض المواضع من جواهره البناء عليها(3).
4 ـ التمسك بإستصحاب العدم الازلى للكُرية، بتقريب ان موضوع الإنفعال مركب من القلة والملاقاة، والجزء الأول محرز بالإستصحاب والثانى بالوجدان فيثبت الحكم بالانفعال.
وفيه: ان ما ذكر وجيه بناء على حجية الإستصحاب فى الاعدام الاولية.
5 ـ التمسّك بإستصحاب العدم النعتى للكريّة، بتقريب ان أصل الماء هو المطر، وهو ينزل قطرة قطرة، ومعه يكون كل ماء مسبوقا بالقلة حين نزوله مطرا فتستصحب قلته، و بضمّ الإستصحاب الى الوجدان يثبت تمام الموضوع للحكم بالانفعال.
وفيه: ان القلة المحرزة فى بدء الخلقة لاتجرى فى الفروض العادية التى يؤخذ فيها
1 ـ وسائل الشيعة: 2 / 1054، باب 37 من أبواب النجاسات، حديث 4.
2 ـ اجود التقريرات: 2 / 195؛ فوائد الاصول: 3 / 384.
3 ـ من قبيل ما ذكره فى مسألة الإختلاف فى تقدم اسلام الولد على موت أبيه وعدمه حيث حكم باستحقاقه
الارث، لأن الولاية مقتضية للارث والكفر مانع ـ وليس الاسلام شرطا ـ فمع الجزم بتحقق المقتضى والشك في
تحقق المانع يلزم الحكم بتحقق المقتضي، فلاحظ الجواهر: 40 / 504.
(27)
ماء من البحر دفعة فى ظرف كبير يشك فى كونه كرا.
وبهذا يتضح ان الرجوع إلى أصل الطهارة او استصحابها يبقى بلامانع عند من يري بطلان الوجوه الخمسة المذكورة.
(28)