(10)
(11)
الطهارة لغة:
الطهارة:
النظافة والنزاهة(1). ومن ذلك قوله تعالي:« إنَّما يُريد اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُم الرجسَ اَهلَ الْبَيت ويطهِّركم تَطهيرا»(2)، « ان اللّه اصطفاك وطهّرك»(3).و فى المصطلح الفقهى وقعت محلاً للخلاف؛ فقيل: هى الوضوء والغسل والتيمم إذا كانت مبيحة للدخول فى الصلاة، فيخرج مثل وضوء الحائض والجنب والتيمم للنوم وما شاكل ذلك.
وقيل: هى الثلاثة المذكورة من دون القيد المذكور، فيدخل ما ذكر.
و ربما يضاف إلى الثلاثة المذكورة رابع و هو إزالة الخبث. و بهذا الاعتبار صَحَّ تقسيم الطهارة إلى الطهارة من الحدث والطهارة من الخبث.
وقد وقع الخلاف فى انّ الطهارة المطلوبة شرعا هى اسم للسبب أو للمسبّب.
والثمرة فى ذلك تظهر فيما لو شك فى إعتبار جزء أو شرط فى الوضوء ونحوه، فانه بناء على كون المطلوب هو السبب، يكون المورد من موارد الشك فى التكليف الزائد فتجرى البراءة عنه، بينما بناء على كونه هو المسبب يكون المورد من موارد الشك في المحصّل، والمعروف فيه لزوم الاحتياط لقاعدة: «الاشتغال اليقينى يقتضى الفراغ اليقيني» وإستصحاب عدم تحقق الطهارة المسبّبة.
1 ـ العين: 4 / 19 ؛ القاموس المحيط: 2 / 79 .
2 ـ الأحزاب: 33 .
3 ـ آل عمران: 37.
(12)
الماء على نحوين: قليل لايبلغ مقداره الكر، وكثير يبلغ مقداره ذلك. وكلاهما ينفعل بملاقاة النجاسة إذا غيّرت أحد أوصافه الثلاثة. وهذا ممّا لاخلاف فيه.
وانما الخلاف وقع في:
هذه بعض الموارد التى وقع فيها الخلاف. وتوضيح الحال فيها كما يلي:
المعروف بين الاصحاب انفعال الماء بملاقاة عين النجس. و خالف في ذلك إبن أبي عقيل(1) والفيض الكاشاني(2) فاختارا العدم.
واستند المشهور فى الحكم بالانفعال إلى النصوص الكثيرة الدالة على ذلك والتى قيل ببلوغها مائتين(3) او ثلاثمائة(4) وهي:
1 ـ على ما حكاه
العلاّمة الحلى عنه فى «المختلف» ص 2.
2 ـ الوافي: 6 / 19؛ المفاتيح: 1 / 81.
3 ـ نقل ذلك فى «الرياض» عن بعض: 1 / 5.
4 ـ نقل ذلك الشيخ الاعظم فى طهارته عن بعض، ص 9.
(13)
من قبيل ما دَلَّ على عدم تنجّس الماء بالملاقاة إذا بلغ كرا، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «سُئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب؛ قال: إذا كان الماء قدرَ كرٍ لم ينجّسه شيء»(1) وغيرها، فانها بالمفهوم تدل على المطلوب .
و إذا نوقش فى دلالتها بعدم عموم الشيء فى المفهوم، لأن نقيض السلب الكلى هوالإيجاب الجزئي.
امكن الجواب بان المقصود هو اثبات الايجاب الجزئى فى مقابل دعوى الكاشانى للسلب الكلي.
ومن قبيل ما دلَّ على انّ ماء البئر لايفسد من دون تغيّر، معلّلاً بأنّ له مادّة، كصحيحة محمد بن اسماعيل عن الرضا عليهالسلام :«ماء البئر واسع لايفسده شيء إلاّ أن يتغير ريحه او طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لأن له مادة»(2) وغيرها؛ فان التعليل لا حاجة إليه، بناء على عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة.
ومن قبيل صحيحة العمركى عن على بن جعفر عن موسى بن جعفر عليهاالسلام : «سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرّات»(3)، فانّ شرب الخنزير من ماء الإناء لايساوق عادة ملاقاته لنفس الإناء، ومعه فلا وجه للأمر بغسله إلاّ تنجّس الماء القليل ـ بملاقاة الخنزير له ـ الملاقى لأطرافه.
و احتمال انّ الأمر بالغسل ليس للنجاسة شرعا بل هو نفسى بعيد، لإرتكاز كون الغسل بالماء منظفّا من القذارة وان طلبه هو لذلك. على انّ مادّة الغسل تستبطن عرفا الإزالة والتنظيف، وطلبها يستبطن عرفا طلب الإزالة والتنظيف، وذلك يدل على وجود نجاسة يطلب إزالتها.
وعليه فالإحتمال المذكور بعيد.
كما انّ احتمال كون الأمر بالغسل ارشادا لإزالة القذارة العرفية وليس لوجود نجاسة شرعية بعيد ايضا، فانّ بيان مثل ذلك ليس من وظيفة الشارع.
وبالجملة التشكيك فى إنفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة ـ بعد النصوص المذكورة وغيرها ـ أمر لامجال له.
1 ـ وسائل الشيعة: 1
/ 117، باب 9 من ابواب الماء المطلق، حديث 1.
2 ـ وسائل الشيعة: 1 / 105، باب 3 من أبواب الماء المطلق، حديث
12.
3 ـ وسائل الشيعة: 1 / 162، باب 1 من أبواب
الأسآر، حديث 2.
(14)
وفى مقابل ما تقدّم يمكن الاستدلال لعدم الانفعال بما يلي:
1 ـ ما ذكر فى الوافى من أنّ الماء القليل إذا كان ينفعل بملاقاة النجاسة فيلزم تعذّر التطهير به؛ لأنه بملاقاته للنجاسة ينجس، ومن ثَمَّ فلايمكن أن يطهّر؛ فإنّ فاقد الشيء لايعطيه(1).
وفيه:
أ ـ إنّ أقصى ما يلزم من ذلك عدم إنفعال الماء القليل لو كان واردا على النجاسة لاعدم تنجّسه حتّى لو كان مورودا. والتفصيل بين الوارد والمورود قولٌ معروف بين الاصحاب، والإلتزام به يكفى لردّ الكاشانى المدّعى للسالبة الكلية.
ب ـ لانسلّم لزوم تعذر التطهير على تقدير القول بالإنفعال، إذ بالإمكان الوصول إلي ذلك بإزالة عين النجاسة اوّلاً، ثم مزاولة عملية التطهير بعد ذلك. وغاية ما يلزم الإلتزام به، عدم تنجّس الماء القليل بالمتنجّس، لاعدم تنجّسه بعين النجاسة.
ج ـ على تقدير التنزل وإفتراض ان المتنجس ينجّس الماء القليل فلايلزم ايضا تعذّر التطهير به، لامكان الإلتزام بكون تنجسه من خلال عملية التطهير نفسها لايمنع من تحقق التطهير به وإنما المانع من ذلك خصوص ما إذا كان التنجّس حاصلاً من غير ذلك.
2 ـ
التمسك ببعض الروايات من قبيل:أ ـ صحيحة العلاء بن فضيل: «سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الحياض يبال فيها، قال: لابأس إذا غلب لون الماء لون البول»(2) وغيرها ممّا دلَّ على عدم الإنفعال إلاّ بالتغيّر.
وفيه: إنّ عنوان الحوض إذا لم يكن منصرفا إلى خصوص الكثير البالغ كرا فلا أقل من كونه مطلقا، فيقيّد بمقدار الكر فما زاد، للروايات المتقدّمة الدالّة على إنفعال القليل بمجرد الملاقاة.
ب ـ صحيحة زرارة عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير
1 ـ الوافي: 6 / 19.
2 ـ وسائل الشيعة: 1 / 104، باب 3 من أبواب الماء المطلق، حديث 7.
(15)
يستقى به الماء من البئر، هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: لابأس»(1)، بتقريب انه بناء على إنفعال الماء القليل بمجرد الملاقاة يلزم تنجّس ماء الدلو بما يتقاطر عليه عادة من الماء الملاقى لشعر الخنزير الذى هو نجس، وبالتالى يلزم عدم جواز التوضؤ به والحال انه عليهالسلام نفى البأس عن ذلك.
وفيه: ان الماء المتقاطر من الحبل متنجّس وليس عين النجاسة، وغاية ما تدلّ عليه الصحيحة المذكورة هو عدم إنفعال القليل بالمتنجّس لاعدم انفعاله بعين النجاسة.
على أنّه يأتى فيما بعد ان شاء اللّه تعالى ـ عند التفصيل بين ملاقاة النجس وملاقاة المتنجّس ـ وجود إحتمال آخر فى الصحيحة تكون معه أجنبية عن المقام رأسا.
ج ـ رواية أبى مريم الأنصاري: «كنت مع أبى عبداللّه عليهالسلام فى حائط له، فحضرت الصلاة، فنزح دلوا للوضوء من ركيّ(2) له، فخرج عليه قطعة عذرة يابسة، فاكفأ رأسه وتوضّأ بالباقي»(3).
وقد أجاب صاحب الوسائل عنها بحملها امّا على كون الدلو بمقدار كرٍ، أو حمل العذرة على العذرة الطاهرة من غير الإنسان، أو على كون المراد من الباقى هو الباقى فى البئر لا في الدلو(4).
وكل ما ذكر مخالف للظاهر.
والأولى مناقشتها من حيث السند ب «عبدالرحمن الكوفي» و«بشير»، فإنّه لم تثبت وثاقتهما(5).
1 ـ وسائل الشيعة: 1 / 125، باب 14 من أبواب الماء المطلق، حديث 2.
2 ـ الركيّ جمع الرّكيّة وهى البئر.
3 ـ وسائل الشيعة: 1 / 115، باب 8 من أبواب الماء المطلق، حديث 12.
4 ـ لاحظ: وسائل الشيعة فى ذيل الحديث السابق.
5 ـ توضيح المناقشة السندية: إن الشيخ نقل الرواية عن سعد بن عبداللّه بسنده إليه عن موسى بن الحسن عن
أبى القاسم عبدالرحمن بن حمّاد الكوفى عن بشير عن أبى مريم الأنصاري.
أمّا سعد ـ الذى هو سعد بن عبداللّه بن أبى خلف الأشعرى القمى ـ فلا اشكال فى وثاقته، حيث قال النجاشى في
حقه: «شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها»؛ رجال النجاشي، منشورات مكتبة الداوري، ص 126.
ولا اشكال أيضا فى صحّة طريق الشيخ إلى سعد، حيث قال فى مشيخة التهذيب: 10 / 73، ما نصه: «وما
ذكرته فى هذا الكتاب عن سعد بن عبداللّه فقد أخبرنى به الشيخ أبو عبداللّه عن أبى القاسم جعفر بن محمد بن
قولويه عن أبيه عن سعد بن عبداللّه. و أخبرنى به ايضا الشيخ رحمه اللّه عن أبى جعفر محمد بن على بن الحسين
عن أبيه عن سعد بن عبداللّه». وكلا الطريقين صحيح.
و اما موسى بن الحسن، فهو ثقة لقول النجاشي: «موسى بن الحسن بن عامر...ثقة، عين، جليل»؛ رجال
النجاشي، ص 290.
و أما أبو مريم، فهو ثقة لقول النجاشي: «عبدالغفار بن القاسم... أبو مريم الأنصاري...ثقة»؛ رجال النجاشي، ص
173. و عليه فلا مشكلة من حيث هؤلاء وتنحصر ـ المشكلة ـ بالكوفى وبشير.
اما الكوفي، فقد ذكره الشيخ فى فهرسته، ص 109، رقم 465 والنجاشى فى رجاله، ص 166 من دون توثيق،
بل النجاشى نقل رميه بالضعف.
و اما بشير، فالظاهر انه بشير بن سعيد ـ بقرينة ان الشيخ فى التهذيب: 3 / 286، قال: عنه، عن العباس، عن
عبدالرحمن بن حماد، عن بشير بن سعيد ـ و هو مجهول الحال، لعدم ذكره فى كتب الرجال.
(16)
هذا مضافا إلى صعوبة قبول مضمونها لِما أفاده الشيخ الأعظم بقوله: «إنّ احدا لايرضى أن يتوضّأ الامام عليهالسلام من هذا الماء»(1). بل إنّ مثل ذلك لايرتضى فى مطلق الإنتفاع ومن غير الإمام عليهالسلام ايضا، فضلاً عن الوضوء ومن الامام عليهالسلام .
ثم انه مع التنزّل وافتراض صحّة السند يلزم تحقق التعارض بين الرواية المذكورة ـ وما شاكلها ممّا كان واضحا فى عدم إنفعال الماء القليل ـ و بين الطائفة الأولي؛ والمقدّم هو الطائفة الأولى لسقوط معارضها عن الحجّية، لمخالفته للسنة القطعيّة، فإنّ روايات الطائفة الأولى لكثرتها تشكّل عنوان السنّة القطعية، فيكون المعارض ساقطا عن الحجّية فى نفسه، لإختصاص حجّية الخبر بما إذا لم يكن معارضا للكتاب والسنة القطعيّين.
بعد ان اتفق مشهور الأصحاب على إنفعال الماء القليل بملاقاة عين النجس، وقع الكلام بينهم فى أنّ الإنفعال يختصّ بملاقاة عين النجس أو يعمّ ما إذا لاقى المتنجّس أيضا.
إختار بعض الأعلام(2) الإختصاص بملاقاة عين النجس. وقد قُرِّب ذلك بأنّ مدرك الإنفعال بالملاقاة لايخلو من أحد امور ثلاثة: فإمّا هو الإجماع أو مفهوم روايات الكُر أو الروايات الخاصة. والكل غير صالح للتمسك به لإثبات الإنفعال بالمتنجّس.
أما الأول، فلأنه دليل لبّى ينبغى الإقتصار فيه ـ بعد عدم كونه لفظا صالحا للتمسك بإطلاقه - على القدر المتيقّن، وهو الإنفعال بعين النجس.
1 ـ كتاب الطهارة، ص 10.
2 ـ نسب اختيار ذلك إلى الآخوند الخراسانى وتلميذه الشيخ الاصفهاني.
(17)
و اما الثاني، فلأن منطوق مثل قوله عليهالسلام : «إذا كان الماء قدر كر لم ينجّسه شيء» سالبة كلية، ومفهومه نقيض ذلك، وهو موجبة جزئية، أى ان الماء إذا لم يبلغ كرا نجّسه شيء فى الجملة، والقدر المتيقّن هو عين النجس.
و اما الثالث، فلأنّ مورد الروايات الخاصة هو الملاقاة لمثل الدم و البول وغيرهما من أعيان النجاسة، ولا إطلاق فيها لملاقاة المتنجّس.
هذا ما يمكن به تقريب التفصيل المذكور.
والجواب: ان بعض الروايات الخاصة يشتمل على الإطلاق، من قبيل موثّقة سماعة عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «إذا أصاب الرجل جنابة فادخل يده فى الإناء، فلابأس إذا لم يكن أصاب يده شيء من المني»(1) وغيرها، فإنها تدلّ بالمفهوم على ثبوت البأس فى حالة إصابة اليد لشيء من المني، ومقتضى إطلاق المفهوم المذكور شمول البأس لحالة زوال عين المنى عن اليد.
ان قلت: هذا وجيه ولكن الإطلاق المذكور معارض بمثل صحيحة زرارة المتقدمة الواردة فى الإستقاء بشعر الخنزير، حيث تدل على عدم تنجّس ماء الدلو بالقطرات المتنجّسة بسبب الملاقاة لشعر الخنزير، وحيث ان المورد من موارد المطلق والمقيّد، فيلزم تقييد إطلاق مفهوم الموثقة بحالة وجود عين المني.
قلت: إنّ هذا يتمّ بناءً على نجاسة شعر الخنزير وكون الصحيحة قد نفت البأس بعد التسليم بذلك ولكن هذا غير ثابت، فلعلّها نفت البأس من باب البناء على عدم نجاسة شعر الخنزير.
1 ـ وسائل الشيعة: 1 / 114، باب 8 من أبواب الماء المطلق، حديث 9.
(18)
ج. الإنفعال بالمتنجّس الثانى وعدمهبعد التسليم بثبوت الإطلاق لموثّقة سماعة المتقدّمة يقتضى انفعال الماء القليل بالمتنجّس ايضا، فهل يحكم بانفعال القليل فيما إذا لاقى خصوص المتنجّس الأول أو يعمُّ ما إذا لاقى المتنجّس الثانى وما بعده؟
يمكن أن يقال بالإختصاص بالمتنجّس الأول، لأنّ مستند التعميم إما اطلاق الموثقة او التمسك بالإرتكاز العرفى القاضى بعدم الفرق بين المتنجّس الأول وما بعده، وكلاهما غير تام.
اما الأول، فلعدم اطلاق الموثقة لغير المتنجّس الأول كما هو واضح.
واما الثاني، فلأنّ الإرتكاز لايأبى عن ضعف النجاسة من خلال تعدّد الواسطة.