الباب الأوّل

التشبيه

تعريف التشبيه

التشبيه لغة: التمثيل، و الشبيه: المثل، و ينتزع عن هذا التماثل، التلبيس، و الاستواء؛ و ذلك لأنّ ازدياد الشبه بين شيئين قد يؤدي الى حصول اختلاط فيما بينهما، فيتولد عن ذلك مشكلات في تمييز أحدهما عن الآخر، قال تعالى: «مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتُ»(1).
و أما في الاصطلاح: فالظاهر أن التشبيه الاصطلاحي لا يختلف عن التشبيه اللغوي، إلاّ في كونه أكثر تفصيلاً، حيث ذكروا أنه: «عقد مماثلة بين شيئين أو أكثر، لاشتراكهما في صفة أو أكثر، بأداة مخصوصة، لغرض من الأغراض».
 

أركان التشبيه

يلاحظ من التعريف المتقدم، أن التشبيه يرتكز على أربعة أركان، هي: المشبه، و المشبه به، و أداة التشبيه، و وجه الشبه.

1. آل عمران: 7.

1. المشبه: و هو ما يراد تشبيهه بغيره، و هذا هو الركن الأساسي، الذي يجيء التشبيه لخدمته، و توضيح مزاياه، و صفاته، فإذا نظرت إلى قوله تعالى: «فَأَوْحَيْنَا إلى مُوْسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ فَاَنْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَاَلْطَّوْدِ العَظِيمِ»(1)، تجد أن الغرض الذي لأجله سيق التشبيه راجع الى الفرق الناتج عن الضرب بالعصا.
2. المشبه به: و هو ما يراد تشبيه غيره به، كالطود العظيم في المثال المتقدم. و هذان الركنان هما طرفا التشبيه.
3. أداة التشبيه: و هو اللفظ الدالّ على التشبيه، الذي يربط المشبه بالمشبه به، سواء كان حرفا، أم اسما، أم فعلاً، و فيما يلي نتكلم عن بعض هذه الأدوات:
الكاف: و هي أكثر أدوات التشبيه استعمالاً، و لا يليها إلاّ المشبه به، أو ما ينتزع عنه المشبه به. فالأوّل: كقول الامام علي عليه‏السلام : «صاحب السلطان كراكب الأسد، يُغْبَطُ بموقعه، و هو أعلم بموضعه»(2)، و الثاني كقوله تعالى: «وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاَخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيْما تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ»(3) لوضوح أنّه ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء، بل المراد تشبيه حالها في نضرتها، و بهجتها، و ما يعقبها من الهلاك و الفناء، بحال النبات، يكون أخضر ناضرا، ثم ييبس، فتطيره الرياح، كأن لم يكن(4).

1. الشعراء: 63.
2. نهج البلاغة، الحكمة 263.
3. الكهف : 45.
4. لم يلها المشبه، لكونه مخبرا عنه، فلو دخلت عليه الكاف لامتنع الاخبار عنه.

كأن: و هي بعكس الكاف، لا يليها إلاّ المشبه. و أحسن مواقعها، عند ما يقوى الشبه بين الطرفين، و لا يكاد الرائي يميز بينهما لقوة تماثلهما؛ و لذلك قالت بلقيس ـ و قد أتى سليمان عليه‏السلام بعرشها من اليمن، و أمر أن ينكر لها ـ حين وقع بصرها عليه: «كَأَنَّهُ هُوَ»(1)، و لم تقل: هكذا هو؛ لأنّ التعبير الأخير يفيد التغاير مع وجود الشبه لا غير، بخلاف الأول، فإنه يفيد شدة التطابق بين العرشين، و أنهما سواء.
و هي لا تفيد التشبيه دائما، بل أكثر إفادتها له، عند ما يكون خبرها جامدا، و إذا كان مشتقا فهي للظن غالبا.
مثل و شبه و نحوهما: كالأفعال المأخوذة منهما: و هما كالكاف في الاستعمال، قال الشاعر:
وَ الوَجْهُ مِثْلُ الصُّبْحِ مُبْيَضُّ و الفَرْعُ شِبْهُ اللّيلِ مُسْوَدُ
4. وجه الشبه: و هو الوصف الذي قصد تشريك الطرفين فيه، كحسن الظاهر و خطر الباطن، في قول الامام علي عليه‏السلام : «مثل الدنيا كمثل الحية ليّن مسّها، قاتل سُمّها»(2).

1. النمل: 42.
2. نهج البلاغة، الكتاب 68.

 

تقسيمات التشبيه

التقسيم الأوّل: ينقسم التشبيه بلحاظ الأداة و وجه الشبه، من حيث حذفهما و إثباتهما الى أربعة أقسام:
1. التشبيه المرسل المفصل، و يعرف بالتشبيه التام: و هو التشبيه الذي ذكرت فيه الأركان الأربعة جميعا. و يعتبر هذا القسم أول مراتب التشبيه الخالية عن المبالغة؛ و ذلك لأنّ المبالغة ـ التي حقيقتها هنا ادعاء أن المشبه عين المشبه به ـ لا تتلاءم مع وجود الأداة، و وجه الشبه؛ لأن الأداة تفصل بين الطرفين و تميزهما عن بعضهما، و ذكر الوجه يحصر التشابه بينهما في جهة مخصوصة، و هي الصفة أو الصفات المذكورة. و من أمثلة هذا القسم قول البحتري:

قُصُورٌ كَالكَواكِبِ لامِعَاتٌ                                         يَكدْنَ يُضِئْنَ لِلسَّارِي الظّلاَما

2. التشبيه المرسل المجمل: و هو ما ذكر فيه الأداة، و حذف منه وجه الشبه، فالإرسال من ناحية الأداة، و الإجمال من ناحية الوجه. نحو قوله تعالى: «وَ لَهُ الجَوَارِ المُنْشَئَاتُ فِى البَحْرِ كَالأعْلاَمِ»(1).
3. التشبيه المؤكد المفصل: و هو ما حذف منه الأداة، و ذكر فيه وجه الشبه، فالتأكيد باعتبار حذف‏الأداة، والتفصيل باعتبار ذكر الوجه. و من أمثلته قول الشاعر:

أنتَ نَجْمٌ فِي رِفْعَةٍ وَ ضِياءٍ                                     تَجْتَلِيكَ العُيُونُ شَرْقا وَ غَرْبا

4. التشبيه المؤكد المجمل، و يعرف بالتشبيه البليغ. و هو ما حذف منه الأداة و الوجه معا، و في هذا القسم يصل التشبيه الى الذروة في المبالغة، كما أشرنا الى ذلك آنفا. و من أمثلته قوله تعالى: «وَ سُيِّرَتِ الجِبَالُ فَكَانَتْ سَرابا»(2)، أي: كالسراب في كونها تُرى على هيئة شيء و هي ليست بشيء.
التقسيم الثاني: تقسيمه باعتبار وجه الشبه من حيث تحققه في الطرفين و عدمه، إلى ضربين:

1. الرحمان: 24.
2. النبأ: 20.
3. يس : 39.

1. التشبيه التحقيقي: و هو ما يكون وجه الشبه فيه موجودا في الطرفين حقيقة، كما في قوله تعالى: «وَ الْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرْجُونِ القَدِيمِ»(3)، فإنّ التقوس كما  هو موجود في الهلال حقيقة، كذلك هو في العرجون القديم(1).
2. التشبيه التخييلي: و هو ما يكون وجه الشبه فيه موجودا في أحد الطرفين، أو في كليهما، على سبيل التخييل و التأويل، كقول الإمام علي عليه‏السلام يصف حال الناس في أيامهم المقبلة: «فتن كقطع الليل المظلم»(2).
فوجه الشبه و هو الظلمة، و إن كان موجودا في المشبه به حقيقة لكنه غير موجود في المشبه إلاّ تخييلاً.
التقسيم الثالث: تقسيمه باعتبار ظهور التشبيه و خفائه إلى قسمين:
1. التشبيه الصريح: و هو التشبيه الذي يكون ظاهرا في العبارة؛ لوضع طرفي التشبيه فيه في قالب من قوالب التشبيه المعهودة. و ما تقدم من أمثلة كلها من باب التشبيه الصريح.
2. التشبيه الضمني: و هو التشبيه الذي لا يكون ظاهرا في الكلام، بل يفهم منه تلميحا؛ لعدم وضع الطرفين في صورة من صور التشبيه المعهودة، و يكون المشبه به فيه برهانا على إمكان ما أسند الى المشبه، كما في قول أبي تمام:
لا تُنْكِري عَطَلَ الكريمِ مِنَ الغِنى فَالسَيْل حَرْبٌ لِلمكانِ العَالِي

1. قال الخليل: أصل العِذْقِ، و هو أصفر عريض، يشبه الهلال إذا انمحق. و العذق هو العنقود من العنب أو النخلة. أقول: و الظاهر من بعض الروايات، أن العرجون إنما يشبه الهلال بعد أن يمضي عليه ستة أشهر، فيكون أكثر يبوسة و تقوسا؛ و لذا قال: (كالعروجون القديم).
2. نهج‏البلاغة، الخطبة 102.

أي: لا تنكري خلو الرجل الكريم من الغنى، فإن ذلك ليس عجيبا؛ لأن قمم الجبال، و هي أشرف الأماكن و أعلاها، لا يستقر فيها ماءالسيل. فهو واقعا يريد أن يشبه الرجل الكريم، المحروم من‏الغنى، بقمة الجبل و قد خلت من السيل، لكنه لم يصرح بذلك، بل الشطر الثاني من البيت منفصل عن الأول تمام الانفصال، و صالح للاستقلال. و من هذا القسم أيضا قول المتنبي:
فإن تَفُقِ الأنامَ و أنتَ مِنْهُم فإنّ المسْكَ بَعضُ دَمِ الغَزالِ
فإنه لما ادعى أن الممدوح قد فاق الناس، حتى صار أصلاً برأسه، و كان هذا مما يدعو إلى التعجب؛ لكونه كالممتنع ظاهرا، فبين إمكانه، بأن شبه هذه الحال، بحال المسك الذي هو من الدماء، ثم لا يعد منها؛ لما فيه من الأوصاف الشريفة، التي لا توجد في الدماء، و لكنه أضمر هذاالتشبيه في النفس و لم يصرح به.
و يتّضح من الأمثلة المتقدمة، أن التشبيه الضمني يمتاز عن غيره بأُمور:
1. أن التشبيه فيه غير مصرح به، بل يلمح و يستنتج من المعنى.
2. عدم وجود ترابط لفظي بين المشبه و المشبه‏به، بل كل منهما صالح للإستقلال عن الآخر.
3. إن المشبه في هذا التشبيه يثير فكرة فيها غرابة، فلا يسلم بها السامع تسليما مباشرا، و إنما يحتاج في القبول بها الى دليل يقنعه، و يرسخ اعترافه بها، فيأتي بالمشبه‏به؛ لكونه‏يصلح مثلاً وشاهدا، تقربه العقول بداهة، وتطمئن‏إليه‏القلوب سليقة.

1. البقرة: 275.

التقسيم الرابع: تقسيمه باعتبار انعكاس طرفيه و عدمه الى ضربين:
1. التشبيه المقلوب: و هو عبارة عن التشبيه الذى يجعل فيه ما كان الأصل فيه أن يكون مشبها به مشبها، و ما كان الأصل أن يكون مشبها مشبها به؛ قصدا إلى إيهام أن ما صار مشبها به، أتم في وجه الشبه من الذي صار مشبها، حتى صار هو الأصل، و الآخر الفرع، إعتمادا على القاعدة المعروفة: من كون الوجه في المشبه به أتم، و لذا أطلق عليه ابن الاثير في كنز البلاغة اسم: «غلبة الفروع على الأصول». و من أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: «قَالُواْ إِنّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا»(1)، فإن المقصود في الأصل : أنهم جعلوا الربا كالبيع، فقلب مبالغة فيه، زعما أن الربا أولى بالحلّ من البيع، حتى جعلوه أصلاً بالقياس عليه، و من أمثلته في الشعر، قول محمد بن وهيب:
وَ بَدَا الصّباحُ كأنّ غُرَّتَهُ وَجْه الخليفةِ حِينَ يُمْتَدَحُ
2. التشبيه غير المقلوب: و هو بخلافه، و قد تقدم ما يصلح مثالاً له.
التقسيم الخامس: تقسيمه باعتبار وجه الشبه، من حيث كونه صورة منتزعة من متعدد إلى قسمين:
1. التشبيه التمثيلي: و هو ما كان وجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدد، كما في قوله تعالى: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِيْنَةٌ وَ تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِى الأَموَالِ وَ الأولاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَاما وَ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَ رِضْوَانٌ»(1)، حيث شبّه حال الدنيا، و ذهاب نعيمها، و قلّة نفعها، بحال النبات، الذي يخلب الأنظار بنضرته، ثم يصفر فجأة، و ييبس و يصبح حطاما و هشيما تطيره الرياح. فإنك تجد أنّ وجه الشبه في هذا التشبيه ـ و هو الإغترار بالشيء، و التكالب عليه، ثم زواله و انقضاؤه فجأة كأن لم يكن ـ منتزعة من متعدّد.
2. التشبيه غيرالتمثيلي: و هو ما لم يكن وجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدد، كما في قول المتنبي:
وَ مَا المَوتُ إلاّ سَارِقٌ دَقَّ شَخْصُه يَصولُ بلا كَفِّ وَ يَسعى بِلا رِجْلِ

1. الحديد: 20.

فوجه الشبه و هو الخفاء و عدم الظهور مفرد، موجود في كل واحد من الطرفين، و  ليس صورة منتزعة من عدة أشياء.
 

أغراض التشبيه

أغراض التشبيه تعود في الغالب إلى المشبه، و إليك أهمّها:
1. بيان إمكان المشبه: فيما لو كان المشبه أمرا غريبا، يمكن أن يخالف فيه، و يدعى امتناعه، فيؤتى له بمثل متفق على إمكانه؛ لتزول تلك الغرابة من الذهن. كقوله تعالى: «إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ»(1)، و كما في قول ابن الرومي:
قَدْ يَشيبُ الفتى و ليسَ عَجيبا أنْ يُرى النَوْرُ فِي القَضيبِ الرّطيبِ
فإنّ التشبيه الضمني لا يأتي إلا لتحقيق هذا الغرض.
2. بيان حاله: و ذلك حينما يكون المشبه مبهما غير معروف الصفة، فيشبه بما هو معروفها عند المخاطب، كما في قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِما»(2).
و التشبيه لهذا الغرض مما يعتمد عليه علماء التربية؛ لإيصال العلوم إلى أفكار الناشئة.

1. آل عمران: 59.
2. يونس: 27.

3. بيان مقدار حاله: في القوة و الضعف، و الزيادة و النقصان، و نحو ذلك من الصفات التي تخضع للمقاييس، و تستجيب للتحديد. و ذلك فيما إذا كان المشبه معلوم الوصف على نحو الإجمال، من دون أن يكون محدد المقدار لدى المخاطب، فيشبّه بشيء معلوم المقدار عنده. كما في قوله تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسلام وَ  مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقا حَرَجا كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِى السَّمَاءِ»(1). حيث إنّ الإنسان البعيد عن اللّه، المتخبط في ظلام الضلال، تنسد عليه الطرق، فيضيق صدره عن تحمل ذلك، فبيّن لنا مقدار هذا الوصف، و أنه على أتم ما يكون، بتشبيهه بالضيق الحاصل لمن يصعد في السماء، حيث يضيق تنفسه، و يصبح على شفير الموت.
4. تقرير حاله في ذهن السامع: و أكثر ما يكون ذلك في الأمور المعنوية؛ لاحتياجها الى تثبيت و تقرير في النفس، فتشبه بصورة حسيّة؛ و ذلك لأن النفس بطبعها تميل إلى الأمور المحسوسة، و تنبو عن المعاني المجردة، فإذا برزت الأفكار المعنوية في صورة حسية قوي الإيمان بها،(2) و التأكّد من صحّتها، كما في قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَى‏ءٍ إلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَ مَا هُوَ بِبَالِغِهِ»(3)، و مثله ما نسب إلى أمير المؤمنين عليه‏السلام :
وَ مَنْ يَصْحَبْ الدّنيا يَكُنْ مِثْل قَابِضٍ عَلى الْماء خَانَتْهُ فُروجُ الأصَابِع
5. تزيينه في عين السامع: و ذلك لأجل الترغيب فيه، بتشبيهه بشيء حسن. كما في قوله تعالى: «وَ حُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللّؤْلُؤ الْمَكْنُونِ»(4).
6. تقبيحه في عين السامع: و ذلك ليرغّب عنه، بتشبيهه بشيء قبيح. كما في قوله تعالى: «وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْنَاهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إلى الاَْرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ»(5).

1. الأنعام: 125.
2. و لذا قال ابراهيم الخليل 7 لما قال له الباري «ألم تؤمن» : قال: «بلى و لكن ليطمئن قلبى» .
3. الرعد: 14.
4. الواقعة 22ـ23.
5. الأعراف: 176.

و قد يعود الغرض من التشبيه إلى المشبه به، و ذلك على ضربين:
أ) إيهام أن المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه، و يتحقق ذلك في التشبيه المقلوب، كما في قول البحتري:
فىِ حُمرةِ الوَرْدِ شَيءٌ مُنْ تَلَهُّبِهَا وَ لِلقَضَيبِ نَصِيبٌ مِنْ تَثَنِّيهَا
فادعى أنّ حمرة الورد إنما هي قبس بسيط من تلهب و جنتيها، و أن الليونة في القضيب النضر، إنما هي مكتسبة من ليونة جسدها، قصداً إلى الإيحاء بأنّ المشبه الأصلي ـ المرأة ـ قد أصبح مشهوراً بهذه الصفات، حتى صار أصلاً يقاس عليه.
ب) بيان الاهتمام بالمشبه به، كتشبيه الجائع وجهاً كالبدر في الإشراق و الإستدارة بالرغيف. و أطلق السكاكي على التشبيه المشتمل على هذا النوع من الغرض «إظهار المطلوب».
 

شروط التشبيه

ذكر القدماء أنه يشترط في التشبيه ـ غير المقلوب ـ شرطان:
1. أن يكون وجه الشبه في المشبه به أتم منه في المشبه.
2. أن يكون المشبه به أعرف بوجه الشبه و أشهر من المشبه.
و الحق، أن الأمر يختلف باختلاف الغرض من التشبيه، فإن كان الغرض من التشبيه هو بيان الإمكان، فيشترط أن يكون وجه الشبه في المشبه به مسلماً عند المخاطب، حتّى يؤمن عن طريقه بالمشبه الغريب.
و إن كان الغرض بيان الحال، فيشترط أعرفية حال المشبه به و أشهريتها.
و إن كان الغرض بيان مقدار الحال، فيشترط أن يكون مقدار المشبه به معروفاً للمخاطب، مع كونه على حد مقدار المشبه، لا أزيد و لا أنقص، ليتعين مقدار المشبه على ما هو عليه.
و إن كان الغرض تقرير الحال، فيشترط أن يكون المشبه به أتم و أشهر، لأن النفس إلى الأتم و الأشهر أميل، فالتشبيه به لزيادة التقرير و التقوية أجدر.
و إن كان الغرض هو التزيين أو التقبيح، فيشترط أن يكون حسن المشبه به، أو قبحه أتمّ و أشهر بنظر السامع.
هذا بالنسبة للأغراض العائدة إلى المشبه، و أما بالنسبة للغرضين العائدين الى المشبه به، فالغرض الأول يقتضي أن يكون وجه الشبه في المشبه أتم و أشهر بحسب الواقع، حتى يصدق الادعاء المذكور. و الغرض الثاني يستدعي الطمع في الحصول على المشبه به، و لذا قال عنه السكاكي: «إنه لا يحسن المصير اليه إلا في مقام الطمع في شيء».
و الحاصل أن إطلاق القدماء لقاعدة أتمية المشبه به في وجه الشبه، كما يستفاد من قول المعري:
ظَلَمْناكَ في تشبيهِ صُدْغَيْكَ بِالمِسْكَ وَ قَاعِدةُ التَّشْبِيهِ نُقْصَانُ مَا يَحْكِي
غير مسلم.

 

اسئلة و تمرينات

1. اشرح التشبيهات التالية، و بيّن نوعها، و اذكر الغرض منها:
أ) «كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَ فَرْعُها فى السَّمَاءِ»(1).
ب) «وَ مَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلاّ كَلَمْحِ البَصَرِ»(2).
ج) «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَروا بِرَبِّهِمْ أَعمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ»(3).
د) «مَثَلُ الَّذينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللّه‏ِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً»(4).
ه) «و تَكُونُ الجِبَالُ كَالْعِهْنِ المَنْفُوشِ»(5).
و) قال الامام علي عليه‏السلام : «فإنما مثلكم و مثلها كَسَفْرٍ سلكوا سبيلاً فكأنهم قد قطعوه»(6).
ز) و قال عليه‏السلام أيضاً: «الحلم غطاء ساتر، و العقل حسام قاطع، فاستر خلل خُلُقك بحلمك، و قاتل هواك بعقلك»(7).

1. ابراهيم: 24.
2. النحل: 77.
3. ابرهيم: 18.
4. العنكبوت: 41.
5. القارعة: 5.
6. نهج البلاغة، الخطبة 99.
7. نهج البلاغة، قصار الحكم، 424.

ح) و قال عليه‏السلام أيضاً: «أما واللّه‏ لقد تَقَمَّصَها ابن أبي قُحافة، و إنه ليعلم أنّ محلي منها محلُّ القطب من الرحا»(1).

ط) إذا غامَرْتَ في شرفٍ مَرُومٍ فَلا تَقْنَعْ بما دون النّجُومِ
فطَعْمُ الموتِ في أمرٍ حقيرٍ كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيم(2).
ي) و إذا أشار مُحَدِّثاً فكأنّهُ قردٌ يُقَهْقِهُ أو عجوزٌ تلطمُ(3).
ك) كرمٌ تَبيّنَ في كلامِك ماثلاً و يَبينُ عِتْقُ الخيلِ من أصواتِها(4)
ل) إنّ القلوبَ إذا تَنَافَرَ وُدُّها مِثْلُ الزجاجةِ كَسْرُها لا يُجْبِرُ
م) و كَأَنَّ البرْقَ مُصْحَفُ قَارٍ فانْطِبَاقاً مَرَّةً وَ انْفِتَاحَا(5)
ن) كَمْ نِعمَةً مَرَّتْ بِنا وَكأَنّها فَرسٌ يُهَرْوِلُ أ َو نَسيمٌ عَاري
س) كَأنَّ سَمَاءَنا لَمّا تَجَلّتْ خِلالَ نُجومِها عِنْد الصّباحِ
رياضُ بَنَفْسَجٍ خَضِلٍ نَداهُ تَفَتَّحَ بَينَهُ نَورُ الأَقَاحِي(6)
ع) أَحِنُّ لَهُمْ وَ دُونَهُم فَلاةٌ كَأنَّ فَسيحَها صَدرُ الحليمِ
ف) العُمْرُ مِثلُ الضَّيْفِ أَو كَالطَّيفِ لَيسَ لَهُ إقامه
ص) ضَحوكُ إلى الأبطالِ وَ هوَ يَرُوعُهُمْ وللسَّيفِ حَدٌ حِينَ يَسطُو وَ رَوَنَقُ(7)
ق) فَالعَيشُ نَومٌ وَالمَنيةُ يَقْظَةٌ وَ المَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سَارِ(8)
ر) وَ بياضُ البازي أَصدَقُ حُسْناً إنْ تَأَمَّلْتَ مِنْ سَوادِ الغُرابِ(9)

1. نهج البلاغة، الخطبة 3.
2. للمتنبي.
3. للمتنبي.
4. للمتنبي.
5. لابن المعتز.
6. لابن المعتز، و الخضل: الرطب.
7. للبحتري.

8. للتهامي.

9. للبحتري.

ش) وَ مُكَلِّفُ الأَيَّامِ ضِدَّ طِباعِها مُتَطلِّبٌ في الماءِ جَذْوَةَ نارِ(1)
ت) كَأَنَّ مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُسِنا وَ أسْيَافَنا لَيلٌ تَهاوَى كَواكِبُهُ(2)
ث) تَزْدَحِمُ القُصَّادُ فِي بَابِهِ و المَنْهَلُ العَذْبُ كَثيرُ الزِّحَامِ
خ) اصْبِرْ عَلى مَضَضِ الحَسُو دِ فَإنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهْ
النّارُ تأْكُلُ بَعْضَها إنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهْ(3)
ذ) والصبحُ فِي طُرَّةِ لَيلٍ مُسْفِرِ كَأَنَّهُ غُرّةُ مُهْـرٍ أَشقَرِ(4).
ض) سَيذْكُرُنِي قَومي إذا جَدَّ جِدُّهُمْ وَ في الَلِيلَةِ الظَّلْمَاء يُفْتَقَدُ البَدْرُ(5)
ظ) وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلى حُبِّ الرِّضاعِ وَإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ(6)
غ) وَ كَأَنَّ الهِلالَ نُونُ لُجَينٍ غَرِقَتْ فِي صَحِيفَةٍ زَرْقَاء(7)
2. اجعل كلاً مما يأتي مشبهاً في تشبيه تمثيل:
أ) جيش منهزم يتبعه جيش ظافر.
ب) المذنب لا يزيده النصح إلا تمادياً.
ج) الرجل العالم بين من لا يعرفون منزلته.
3) اجعل كلاً مما يأتي مشبهاً به في تشبيه تمثيل:
أ) الشعلة إذا نكست زادت اشتعالاً.
ب) الشمس تحتجب بالغمام ثم تظهر.
ج) الماء الزلال في فم المريض.

1. للتهامي.
2. لبشار بن برد.
3. لأبي تمام.
4. لابن المعتز.
5. لابي فراس.
6. للبوصيري.
7. السري الرفاء.