البديع في الأصل: من البدع، و هو إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق و لا ذكر، قال
تعالى: «بَديعُ السَّمواتِ وَ الاْءرْض»(1)، أي: ابتدعهما و لم يكونا من قبل شيئاً،
و البدع: الأول في كل أمر، قال تعالى: «قُلْ ما كُنْتَ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ»(2)،
أي: لست بأوّل مرسل.
و في الاصطلاح: «علم تعرف به الوجوه و المزايا، التي تكسب الكلام جمالاً، و المنطق
حسناً، من ناحية اللفظ و المعنى، بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال، و وضوح دلالته
على المراد».
و يفهم من ذلك، أن علمي المعاني و البيان هما أساس البناء الهندسي للكلام، و أن
البديع حاله مع الكلام، كحال الزخارف و النقوش، التي تضفي على البناء رونقاً و
جمالاً. فالمحسنات البديعية إنما تورث الكلام حسناً و قبولاً، بعد اتصافه بالبلاغة،
بمطابقته
لمقتضى الحال، و خلوصه عن التعقيد المعنوي.
1. البقرة: 117.
2. الاحقاف:9.
موضوع هذا العلم هو المحسنات اللفظية و المعنوية، العارضة على الكلام، بعد مطابقته لمقتضى الحال، و وضوح دلالته على المراد.
الغرض من تدوين هذا العلم، و الغاية من دراسته، هي معرفة طرق تحسين الكلام؛ حتى يتناسب جمال اللفظ مع جمال المعنى، مما يجعل النفوس متأثرة به، و مذعنة له. فكم من فكرة رديئة، أُديت بألفاظ خلابة، سترت ما فيها من ردائة، فمالت إليها النفوس، و صدقت بها. و كم من فكرة عظيمة، عُبّر عنها بألفاظ رديئة، أنست ما فيها من عظمة، فنفرت منها الطباع، و مجتها الأسماع. و من ثمّ كان الكلام الموزون أكثر تأثيراً في النفوس.
تنقسم المحسنات البديعية إلى قسمين:
أ) المحسنات المعنوية: و هي ما يكون المقصود الأصلي منها هو تحسين المعنى. و لذا
نجد أن المحسّن المعنوي لا يتبدل بتبديل الألفاظ، مادام نفس المعنى موجوداً.
ب) المحسنات اللفظية: و هي ما يكون المقصود الأصلي منها هو تحسين اللفظ، و لذا نجد
أن المحسّن اللفظي يزول بتبديل اللفظ، و سيأتي ما يوضح ذلك في البابين الآتيين إن
شاءاللّه تعالى.