الفن الثانی

علم البيان

تمهيد في بيان أمور

1. تعريف علم البيان

البيان في اللغة: الظهور و الوضوح و الكشف، قال تعالى: «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ»(1) أي توضيحه و تفهيمه.
و أما في الاصطلاح: فالذي يظهر للمتتبع لكلمات القوم، أنّ إطلاق كلمة «البيان» على الأبواب المخصوصة، في قبال المعاني و البديع، لم يكن معروفا قبل السكاكي، بل المعروف عندهم إطلاقها على البلاغة الشاملة للفنون الثلاثة. و لعلّ تعريف جعفر بن يحيى(ت 187 ه ) لهذه الكلمة شاهد على ما ذكرنا؛ ذكر الجاحظ في كتاب البيان و التبيين: «قال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، و يجلي عن مغزاك، و تخرجه عن الشركة، و لا تستعين عليه بالفكرة، و الذي لابدَّ منه، أن يكون سليما من التكلف، بعيدا عن الصنعة، بريئا من التعقيد، غنيا عن التأويل». بل لا يبعد القول بأنهم لم يتجاوزوا المعنى اللغوي لهذه الكمة في استعمالاتهم. و أول من أخرج هذه الكلمة عن معناها اللغوي، إلى مصطلح جديد، مقابل للمعاني و البديع، هو السكاكي (ت 626ه ) و تبعه على ذلك كل من تأخر عنه، حتى أصبح المصطلح الفني لهذه الكلمة:

1. القيامة: 19.

«علم يبحث فيه عن التعبير عن مقصود واحد بأساليب متعددة، و طرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه».
توضيح ذلك: أنّك إذا أردت أن تعبر عن كرم زيد ـ مثلاً ـ فأمامك عدة أساليب مختلفة لإفادة هذا المقصود الواحد:
أ) كالبحر يقذف للقريب جواهرا جودا و يبعث للبعيد سحائبا
ب) علا فما يستقر المال في يده و كيف تمسك ماء قنة الجبل
ج) فما جازه جود و لا حل دونه و لكن يسيرالجود حيث يسير(1)
إلى غير ذلك من الأساليب.
و عليه فمن كان ذا قدرة على إبراز المعنى الواحد، بصور متفاوتة، و تراكيب مختلفة في درجة الوضوح و الخفاء، عدّ عالما بالبيان.
 

2. الغرض من تدوينه

الغرض الأصلي من تدوين هذا العلم، هو الاطلاع على إعجاز القرآن الكريم، من ناحية الأسلوب التعبيري، و له فوائد أُخرى فرعية:
منها: تحصيل البلاغة و تحقيقها، و ذلك لما تقدّم، من توقف البلاغة على الفصاحة، المتوقفة على السلامة من التعقيد المعنوي، المتكفل بها هذا العلم.

1. الأول و الثاني للمتنبي، و الأخير لأبي نواس.

و منها: الاقتدار على إبراز المعنى الواحد بأساليب متفاوتة وضوحا و خفاءً، سواء حصلت البلاغة أم لا، لعدم توفر بقية الشروط.
و فيما يلي نتكلّم عن أبواب علم البيان و هي: «التشبيه و المجاز و الكناية».(1)

1. حصرت مدرسة السكاكي المقصود الأصلي من علم البيان؛ في بابين: المجاز و الكناية. و توضيح ذلك يحتاج إلى تقديم مقدمة حاصلها:
إن الدلالة ـ التي هي عبارة عن كون الشيء بحيث يلزم من‏العلم به، العلم بشيء آخر ـ تنقسم عند علماء البيان إلى قسمين:
أحدهما: الدلالة الوضعية، و هي دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، و تقيد بالمطابقة أيضا.
ثانيهما: الدلالة العقلية، و هي على ضريين:
أ) الدلالة التضمنية، و هي دلالة اللفظ على جزء ما وضع له.
ب) الدلالة الالتزامية، و هي دلالة اللفظ على لازم ما وضع له.
و إيراد المعنى الواحد بأساليب متفاوتة وضوحا و خفاء، لا يتأتى في الدلالة الوضعيه؛ باعتبار أن السامع إذا كان عالما بوضع الألفاظ لذلك المعنى، لم يكن بعضها أوضح دلالة عليه من بعض، و إلا فتنتفي أصل الدلالة، لتوقف الفهم على العلم بالوضع.
وإنّما يتأتى التفاوت‏المذكور فيالدلالة العقلية؛ لجواز أن‏يكون للشيءلوازم‏متعددة، بعضها أقرب‏إليه من‏بعض.
إذا اتضح ذلك، فاعلم أن السكاكي بنى تبويب هذا العلم على هذه الدلالات، فجعل المقصود الأصلي من علم البيان محصورا في بابين، و أخرج التشبيه عن كونه مقصودا أصليا؛ لان دلالته على المعنى وضعية غير قابلة للتفاوت بنظره. و لكن لما كانت الاستعارة التي هي نوع من المجاز، تعتمد على التشبيه، ألحقه بهذا العلم. و أفرد له بابا مستقلاً؛ لكثرة مباحثه، فصارت أبواب علم البيان ثلاثة: التشبيه و المجاز و الكناية.