البيان في اللغة: الظهور و الوضوح و الكشف، قال تعالى: «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا
بَيَانَهُ»(1) أي توضيحه و تفهيمه.
و أما في الاصطلاح: فالذي يظهر للمتتبع لكلمات القوم، أنّ إطلاق كلمة «البيان» على
الأبواب المخصوصة، في قبال المعاني و البديع، لم يكن معروفا قبل السكاكي، بل
المعروف عندهم إطلاقها على البلاغة الشاملة للفنون الثلاثة. و لعلّ تعريف جعفر بن
يحيى(ت 187 ه ) لهذه الكلمة شاهد على ما ذكرنا؛ ذكر الجاحظ في كتاب البيان و
التبيين: «قال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط
بمعناك، و يجلي عن مغزاك، و تخرجه عن الشركة، و لا تستعين عليه بالفكرة، و الذي
لابدَّ منه، أن يكون سليما من التكلف، بعيدا عن الصنعة، بريئا من التعقيد، غنيا عن
التأويل». بل لا
يبعد القول بأنهم لم يتجاوزوا المعنى اللغوي لهذه الكمة في استعمالاتهم. و أول من
أخرج هذه الكلمة عن معناها اللغوي، إلى مصطلح جديد، مقابل للمعاني و البديع، هو
السكاكي (ت 626ه ) و تبعه على ذلك كل من تأخر عنه، حتى أصبح المصطلح الفني لهذه
الكلمة:
1. القيامة: 19.
«علم يبحث فيه عن التعبير عن مقصود واحد بأساليب متعددة، و طرق مختلفة في وضوح
الدلالة عليه».
توضيح ذلك: أنّك إذا أردت أن تعبر عن كرم زيد ـ مثلاً ـ فأمامك عدة أساليب مختلفة
لإفادة هذا المقصود الواحد:
أ) كالبحر يقذف للقريب جواهرا جودا و يبعث للبعيد سحائبا
ب) علا فما يستقر المال في يده و كيف تمسك ماء قنة الجبل
ج) فما جازه جود و لا حل دونه و لكن يسيرالجود حيث يسير(1)
إلى غير ذلك من الأساليب.
و عليه فمن كان ذا قدرة على إبراز المعنى الواحد، بصور متفاوتة، و تراكيب مختلفة في
درجة الوضوح و الخفاء، عدّ عالما بالبيان.
الغرض الأصلي من تدوين هذا العلم، هو الاطلاع على إعجاز القرآن الكريم، من ناحية
الأسلوب التعبيري، و له فوائد أُخرى فرعية:
منها: تحصيل البلاغة و تحقيقها، و ذلك لما تقدّم، من توقف البلاغة على الفصاحة،
المتوقفة على السلامة من التعقيد المعنوي، المتكفل بها هذا العلم.
1. الأول و الثاني للمتنبي، و الأخير لأبي نواس.
و منها: الاقتدار على إبراز المعنى الواحد بأساليب متفاوتة وضوحا و خفاءً، سواء
حصلت البلاغة أم لا، لعدم توفر بقية الشروط.
و فيما يلي نتكلّم عن أبواب علم البيان و هي: «التشبيه و المجاز و الكناية».(1)
1. حصرت مدرسة السكاكي المقصود الأصلي من علم البيان؛ في بابين: المجاز و الكناية.
و توضيح ذلك يحتاج إلى تقديم مقدمة حاصلها:
إن الدلالة ـ التي هي عبارة عن كون الشيء بحيث يلزم منالعلم به، العلم بشيء آخر ـ
تنقسم عند علماء البيان إلى قسمين:
أحدهما: الدلالة الوضعية، و هي دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، و تقيد بالمطابقة
أيضا.
ثانيهما: الدلالة العقلية، و هي على ضريين:
أ) الدلالة التضمنية، و هي دلالة اللفظ على جزء ما وضع له.
ب) الدلالة الالتزامية، و هي دلالة اللفظ على لازم ما وضع له.
و إيراد المعنى الواحد بأساليب متفاوتة وضوحا و خفاء، لا يتأتى في الدلالة الوضعيه؛
باعتبار أن السامع إذا كان عالما بوضع الألفاظ لذلك المعنى، لم يكن بعضها أوضح
دلالة عليه من بعض، و إلا فتنتفي أصل الدلالة، لتوقف الفهم على العلم بالوضع.
وإنّما يتأتى التفاوتالمذكور فيالدلالة العقلية؛ لجواز أنيكون للشيءلوازممتعددة،
بعضها أقربإليه منبعض.
إذا اتضح ذلك، فاعلم أن السكاكي بنى تبويب هذا العلم على هذه الدلالات، فجعل
المقصود الأصلي من علم البيان محصورا في بابين، و أخرج التشبيه عن كونه مقصودا
أصليا؛ لان دلالته على المعنى وضعية غير قابلة للتفاوت بنظره. و لكن لما كانت
الاستعارة التي هي نوع من المجاز، تعتمد على التشبيه، ألحقه بهذا العلم. و أفرد له
بابا مستقلاً؛ لكثرة مباحثه، فصارت أبواب علم البيان ثلاثة: التشبيه و المجاز و
الكناية.