يبحث في البلاغة عن فنون ثلاثة: المعاني و البيان و البديع. و قبل الخوض في البحث
عنها، عقدنا تمهيداً يحتوي على مطالب أربعة رئيسية:
البلاغة لغة تنبىء عن الوصول و الانتهاء، يقال: بلغ فلان مبتغاه؛ إذا حقّقه و وصل
إليه. قال تعالى: «فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ»(1) أي: قاربنه، و وصلن إليه.
و اصطلاحاً: يتّصف بها الكلام و المتكلم فقط، دون المفرد؛ إذ لم يسمع عن العرب
وصفهم المفرد بالبلاغة. و لعلّ السرّ في ذلك: أنّ الكلمة قاصرة بمفردها عن الوصول
بالمتكلم إلى مراده.
1. البقرة: 234.
ذكر لها تعاريف و حدود متعددة، أخصرها و أرتبها من الناحية الفنية ما ذكره الخطيب القزويني (ت 739 ه)، و تبعه عليه جلّ من تأخّر عنه. و هي:
«مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته»
و يفهم منه أنّ البلاغة تعتمد على ركنين أساسيين:
أحدهما: مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
و الحال: هو الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع كلامه الذي يؤدي به أصل المراد
خصوصية ما.
أو فقل: هو الدافع أو المناسبة التي تملي على المتكلم أن يورد كلامه على صورة
مخصوصة من صور التعبير.
و مقتضى الحال: هو كلي الكلام المشتمل على تلك الخصوصية، التي اقتضاها و استدعاها
الحال.
و الكلام المطابق لمقتضى الحال: هو ذلك الكلام الخاص، الصادر من المتكلم، و المشتمل
على تلك الخصوصية. فيكون هذا الكلام الخاص مطابقاً لمقتضى الحال، باعتباره فرداً من
أفراد ما اقتضاه الحال.
فإنكار و تكذيب أصحاب القرية للرسولين، كما اُشير إليه في قوله تعالى: «إِذْ
أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما»(1) حال يقتضي الرد عليهم بكلام
مؤكّد بمطلق تأكيد، و هذا هو مقتضى الحال. و قول الرسل لهم بعد ذلك: «إِنّا
إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ» مؤكداً بإنّ، كلام مطابق لمقتضى الحال.
ثانيهما: فصاحة الألفاظ، مفردها و مركبها.
1. يس: 14.
فلو طابق الكلام مقتضى الحال، و لم تكن ألفاظه فصيحة، لما كان بليغاً. و لذا توقف تحقق البلاغة على تحقق الفصاحة، و اشتهر قولهم: «كلّ بليغ فصيح، و ليس كلّ فصيح بليغاً». و سيأتي عن قريب شرح للفصاحة و أقسامها.
يتّصف المتكلم بالبلاغة، إذا كان ذا قدرة على التعبير عن مقصوده بكلام فصيح، مطابق
لمقتضى الحال، في أيّ غرض أراد، و أي وقت شاء، مع فقدان المانع، من مرض و نوم و
نحوهما.
و إنّما يكون كذلك، إذا كان ـ مضافاً إلى ما سيذكر في الفصاحة ـ محيطاً بأساليب
العرب، عارفاً بِسَنَنِ تخاطبهم في منافراتهم و مفاخراتهم، و مديحهم و هجائهم، و
شكرهم و اعتذارهم، فيجعل «لكل مقام مقالاً، و لكل موقف خطاباً».
ثمّ إنّه قد تبيّن لك أن التعرّف على الفصاحة أمر ضروري في المقام، لما تقدّم من
توقّف تحقّق البلاغة عليها.
الفصاحة في اللغة لها استعمالات كثيرة، يجمعها معنى واحد، هو الظهور و الإبانة. قال
تعالى: «وَ أَخِى هارُونَ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَاناً»(1) أي: أبين.
و في الاصطلاح يتّصف بها ثلاثة اُمور:
المفرد، و الكلام، و المتكلم.
1. القصص: 34.
أمّا الفصاحة في المفرد فتتحقّق بسلامته من اُمور ثلاثة:
1. تنافر الحروف: و هو «وصف في الكلمة تثقل بسببه على اللسان، و يعسر النطق بها». و
من ذلك كلمة «الهعخع» فيقول إعرابي سئل عن ناقته، فقال: «تركتها ترعى الهعخع»، حيث
لايكاد اللسان يتلفّظ بها بسهولة.
و الضابط في تمييز الكلمة المتنافرة عن غيرها، هو الذوق السليم، الناجم عن الاطّلاع
على الألفاظ المتداولة عند الفصحاء. أما نوعية الحروف الداخلة في تركيب الكلمة، فلا
يصلح أن يكون ضابطاً؛ لعدم اطّراده. فإنه قد تتركّب كلمتان من نفس الحروف، و تكون
إحداهما ثقيلة دون الأخرى. و ذلك مثل «علم، و ملع» فإنّ الاُولى خفيفة على اللسان،
و لاينبو عنها الذوق، بخلاف الثانية، مع اتحاد حروفهما.
2. الغرابة: و هي «كون الكلمة وحشية؛ غير ظاهرة المعنى، و لا مأنوسة الاستعمال». و
المدار في ذلك على العرب العرباء، لا المولدين، و إلاّ لخرج كثير من قصائد العرب،
بل جلّها عن الفصاحة.
و من ذلك «تكأكأتم و افرنقعوا» في قول عيسى بن عمرو النحوي: «ما لكم تكأكأتم عليّ
كتكأكئكم على ذي جنّة، افرنقعوا عنّي». فإنّ هاتين الكلمتين لعدم تداول استعمالهما
في لغة الخلّص من العرب، لم يذكرهما من اللغويين إلاّ من شذّ.
3. مخالفة القياس: و ذلك بأن تكون الكلمة غير جارية على القانون الذي يتقرّر به حكم
المفردات اللغوية، من حيث الهيئة التصريفية.
و المفردات اللغوية يتقرّر حكمها بأحد أمرين:
الأوّل: القانون التصريفي، فلو اقتضى ادغاماً في الكلمة، فجاءت على خلاف ذلك، كانت
خارجة عن حيّز الفصاحة. كالأجلل في قول أبي النجم:
الحمدُ للّه العليّ الأجلَلِ الواحدِ الفردِ القديم الأوّلِ فإن القانون الصرفي يقتضي أن يقال الأجلّ، لاجتماع المثلين، و تحرّك الثاني، و هو
يقتضي الإدغام، و لكن الضرورة الشعرية ألجأته لفكّه. و ذلك لايمنع من تحقّق الإخلال
بالفصاحة.
الثاني: ثبوت الاستعمال الكثير، و لو كان على خلاف القياس، إذ هو كالاستثناء من
القانون، ككلمة «سرر» في قوله تعالى: «مُتَّكِئينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَة»(1)،
فإنّ القياس في جمع سرير هو الأسرَّة، أي يجمع على أفعلة و فعلان، مثل أرغفة. لكن
جاءت مخالفة القياس لدليل، و هو ثبوت الاستعمال الكثير.
و أما الفصاحة في الكلام فتتحقق بعد فصاحة مفرداته، بسلامته من اُمور أربعة؛ بعضها
راجع إلى اللفظ، و البعض الآخر راجع إلى المعنى.
فأمّا الراجع الى اللفظ فأمران:
أحدهما: تنافر الكلمات، و هو أن تكون الكلمات ثقيلة على اللسان في حالة اجتماعها، و
إن كانت كلّ واحدة منها سهلة النطق إذا أخذت لوحدها، و نطق بها مستقلّة، كالبيت
الذي أنشده الجاحظ:
و قبرُ حربٍ بمكانٍ قفرُ و ليس قربَ قبرِ حربٍ قبرُ
1. الطور: 20.
ثانيهما: ضعف التأليف، و هو أن يكون الكلام جارياً في تركيبه على خلاف القانون
المشهور عند جمهور النحويين. كعود الضمير على متأخر لفظاً و رتبةً في قول سليط بن
سعد:
جزى بنوه أبا الغيلانِ عن كبرٍ و حُسنِ فعلٍ كما يجزى سِنّمارُ
و أما الراجع إلى المعنى فأمران أيضاً:
أحدهما: التعقيد اللفظي، و هو أن يكون في الكلام صعوبة في فهم المعنى المراد،
بسبب الخلل الواقع في نظم الكلام و تركيبه، و ذلك بأن تكون ألفاظه على خلاف ترتيب
المعاني بالتقديم و التأخير، و الفصل بين المتلازمين، أو نقص منها بالحذف الموجب
للفساد. و من هذا الباب قول الفرزدق في مدح خال هشام بن عبدالملك:
و ما مثلُه في الناسِ إلاّ مملكاً أبو أمِّه حيّ أبوه يقاربه
الذي قال عنه المبرّد: «إنه أقبح الضرورة، و أهجن الألفاظ، و أبعد المعاني. و كان
ينبغي أن يقول إذا أراد وضع الكلام في موضعه: و ما مثله في الناس حي يقاربه إلاّ
مملك، أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح، فدلّ على أنه خاله بهذا اللفظ البعيد، و
هجّنه بما أوقع فيه من التقديم و التأخير».
ثانيهما: التعقيد المعنوي، و هو أن يكون في الكلام صعوبة في فهم المعنى المراد،
لعدم انتقال الذهن بسهولة من المعنى الأصلي الموضوع له اللفظ، إلى المعنى الملابس
له، المراد للمتكلم. و ذلك بسبب عدم تعارف الاستعمال، مع خفاء القرائن. كما لو قلت:
«نشر الملك ألسنته في المدينة» مريداً جواسيسه.
و من هذا الباب قول العباس بن الأخنف:
سأطلبُ بعدَ الدارِ عنكم لتقربوا و تسكبُ عينايَ الدموعَ لتجمدا
حيث عبّر عن الفرح و السرور، الناتج عن دوام لقاء الأحبّة، بجمود العين. و قد أخطأ
في هذا التعبير؛ لأن الانتقال عرفاً، إنّما هو من جمود العين إلى بخلها بالدموع حال
إرادة البكاء، و هي حالة حزن، كما يشعر بذلك قول الخنساء في مرثية أخيها صخر:
أ عينيَّ جودا و لا تجمدا ألا تبكيانِ لصخرِ الندى
و أما المتكلم فيتّصف بالفصاحة، إذا كان ذا قدرة على التعبير عن مقصوده بكلام
فصيح، في أي غرض أراد،و أي وقت شاء،مع فقدان المانع من مرض و نوم و نحوهما.
و إنّما تحصل هذه القدرة لمن كان ذا سليقة جيّدة، و اطّلاع وافر على منثور الكلام و
منظومه، الصادر عن فصحاء العرب، و ذا إلمام واسع بمفردات اللغة و علومها، مع ممارسة
دائمة لها.
إعلم أنّ الموضوع، أو المحور الذي تدور حوله مسائل علم البلاغة، هو «الكلام العربي
الفصيح، من حيث مطابقته لمقتضى الحال».
و تخصيص الكلام بالعربي مجرد اصطلاح، لأن الصناعة إنّما وضعت لإبراز إعجاز القرآن
الكريم، و هو قد نزل باللغة العربية. و إلاّ فباقي اللغات تجري فيها جملة من
القواعد البلاغيه التي ستطّلع عليها.
الغرض الرئيسي الذي دعا علماء الأدب إلى تدوين هذا العلم، هو الاطّلاع على أسرار و
دقائق القرآن العظيم، و إبراز إعجاز الكتاب المبين، بما أودع فيه من بدائع الأفكار،
و لطائف النكات، مع حسن التأليف، و براعة التركيب.
ممّا تقدّم يعرف أن البلاغة تتوقّف على:
أ) الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد.
ب) الاحتراز عن الأسباب المخلّة بالفصاحة.
أمّا توقّفها على الأوّل: فباعتبار أنّه لو انتفى الاحتراز المذكور، و أُتي بالكلام
كيفما اتفق، أمكن أن لايطابق مقتضى الحال، فتنتفي حينئذ البلاغة. و أمّا توقّفها
على الثاني، فواضح ممّا تقدّم.
هذا، و الذي تعرف به الأسباب المخلّة بالفصاحة اُمور:
1. علم متن اللغة، الذي له مدخلية في تمييز الغريب عن غيره.
2. علم التصريف، الذي يعرف به المخالف للقياس من غيره.
3. علم النحو، الذي ينفع في تمييز ما فيه ضعف تأليف، و تعقيد لفظي عن غيره.
4. الذوق السليم، و الحس المرهف، المعين على تمييز المتنافر عن غيره.
فعلم من ذلك، أن بعض ما تتوقّف عليه البلاغة، مدرك بعلوم وضعت من قبل العلماء، و
بعضها مدرك بالذوق السليم، الحاصل من كثرة الممارسة لكلام العرب. فمسّت الحاجة إلى
وضع علمين، يحترز بأحدهما عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، و بالآخر عن التعقيد
المعنوي. و أطلقوا على الأوّل علم المعاني، و على الثاني علم البيان، و المجموع علم
البلاغة.
و إنّما اختصّت البلاغة بهذين العلمين، مع توقّفها على غيرهما، لأنّ الداعي إلى
وضعهما تكميل ماتتوقّف عليه البلاغة، بينما باقي العلوم المتوقّفة عليها البلاغة
كالنحو و الصرف ـ وضعت لأغراض مستقلة غير البلاغة.
ثم مسّت الحاجة إلى علم يعرف به وجوه تحسين الكلام، بعد اتصافه بالبلاغة، فوضعوا
علم البديع، و جعلوه من توابع البلاغة.(1)
و اتّضح ممّا تقدّم اُمور:
أحدها: انحـصار ما يبحث عنه في البلاغة في الفنون الثلاثة.
ثانيها: الوجه في كون علم البديع من توابع البلاغة.
ثالثها: العلوم التي ينبغي على طالب البلاغة معرفتها.
1. خالف في ذلك قوم، فجعلوا البديع من البلاغة. انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي المجلد الثاني ص: 317 طبع دار الفكر. و تحقيق الحال في المسألة خلاف ما بنينا عليه في الكتاب.
1. لماذا لا تتحقق البلاغة بدون تحقق الفصاحة؟
2. ما الفرق بين تنافر الحروف و تنافر الكلمات؟
3. أذكر مثالاً لكل واحد من مخلات فصاحة المفرد.
4. عدم فهمنا لبعض ألفاظ القرآن الكريم، هل يوجب خللاً في فصاحته؟ و لماذا؟
5. هل تعرف السرّ في إرجاعنا كلاًّ من تنافر الكلمات، و ضعف التأليف إلى اللفظ، و
كلاًّ من التعقيد اللفظي و المعنوى إلى المعنى؟
6. أذكر ما في الأمثلة التالية من مخلات الفصاحة:
أ) فلا يُبْرمُ الأمرُ الذي هو حالِلُ و لا يُحْلَلُ الأمرُ الذي هو يَبْرِمُ(1)
ب) خَلَتِ البلادُ من الغزالةِ ليلُها فأعاضهاكاللّه كي لا تحْزَنا(2)
ج) أنى يكونُ أبا البرايا آدمُ و أبوك و الثقلانُ أنت محمدُ(2)
د) و من جاهلٍ بي و هو يجهل جهلَهُ و يجهل علمي أنّه بي جاهلُ
ه) مباركُ الإسمِ أغرُّ اللّقبِ كريمُ الجِرشّى شريف النّسبِ(3)
7. أذكر لكلّ واحد من التعقيد اللفظي و المعنوي مثالاً من عندك.
8. على ضوء ما درسته، هل تستطيع أن تبيّن لنا رتبة علم البلاغة بالنسبة للعلوم
الأدبية الأُخرى؟
9. لماذا اختصّتالبلاغة بعلميالمعاني والبيان، معأنّها تتوقّف علىعلومأخرى؟
1 ، 2. للمتنبي.
2. للمعري.
3. قاله المتنبي في مدح سيف الدولة.