و أسبابه كثيرة إليك أهمّها:
1. أن يكون التأخير موجباً للإخلال ببيان المعنى، و لالتباسه بغيره، كقوله تعالى:
«وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُم إِيمَانَهُ»(1)، فإنّه لو
أخر قوله:«من ءَالِ فِرْعَوْنَ»عن قوله: «يَكْتُم إِيمَانَهُ»، لتوهّم أنه من صلة ـ
يكتم ـ فلا يفهم أنه منهم.
2. أن يكون في التأخير إخلال بالتناسب، فيقدم لمشاكلة الكلام، و رعاية الفاصلة،
كقوله تعالى: «فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى»(2)، فإنه لو أخّر «فِى
نَفْسِهِ»عن «مُوسَى» لفات تناسب الفواصل؛ لأن قبله: «يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ
سِحرِهِمْ أَنَّهَا تسْعَى»(3)، و بعده: «إِنّكَ أَنْتَ الأعلَى»(4).
1. غافر: 28.
2. طه: 67.
3. طه: 66.
4. طه: 68.
3. أن يكون التقديم لإرادة التوبيخ و التعجيب من حال المتقدّم، كتقديم المفعول
الثاني على الأوّل في قوله تعالى: «وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ»(1)، و
الأصل «الجن شركاء»، و قدم؛ لأن المقصود التوبيخ، و تقديم الشركاء أبلغ في حصوله.
4. أن يكون المقدم أهم، إمّا بنظر المتكلم، كقولك عند الشروع في فعل: «بسم اللّه»،
حيث يقدّر المحذوف مؤخراً.
و إما بنظر المخاطب؛ لتعجيل مسرته، كما في قولك: «قتل الخارجيَّ فلان»، إذ ليس
للناس في معرفة القاتل مزيد فائدة، و إنما الذي يهمهم، و يرتبط بمسرتهم، هو وقوع
القتل بالخارجي، ليخلصوا من شره.
و من هذا الباب قوله تعالى: «وَ لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِن إِملاَقٍ نَحْنُ
نَرْزُقُكُمْ وَ إيَّاهُمْ»(2)، حيث قدم ضمير المخاطب على ضمير الغائب؛ لأن الخطاب
فيها مع الفقراء؛ بدليل قوله: «مِن إِملاَقٍ»، فكان رزقهم عندهم أهمّ من رزق
أولادهم، فقدّم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم. و خالف ذلك في آية أخرى فقال:
«وَ لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إملاقٍ نَحْنُ نَرْزُقهُمْ وَ
إِيَّاكُم»(3)، حيث قدّم ضمير الغائب على ضمير المخاطب؛ لأن الخطاب فيها مع
الأغيناء؛ بدليل «خَشْيَةَ إملاقٍ»، فإن الخشية إنما تكون ممّا لم يقع، فكان رزق
أولادهم هو المطلوب، دون رزقهم؛ لأنه حاصل، فكان
أهم، فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم.
1. الأنعام: 100.
2. الأنعام: 151.
3. الإسراء: 31.
5. أن يكون المقصود إفادة التقوي و التخصيص. و هذه النكتة تقتضي بسط الكلام، فيقع
البحث في حالتين:
و له صورتان:
الصورة الأُولى: أن لا يكون المسند إليه واقعاً في حيّز النفي. و حينئذ يكون
التقديم لإفادة أحد أمرين:
أ) التخصيص؛ أي تخصيص المسند بالمسند إليه، و قصر المسند على المسند إليه. فإذا قلت
ـ مثلاً ـ أنا كتبت إلى فلان. فإنك تريد أن تدّعي الإنفراد بذلك، و الاستبداد به، و
تزيل الاشتباه فيه، و تردّ على من زعم أن ذلك كان من غيرك، أو أن غيرك قد كتب كما
كتبت. و من أمثلة ذلك قولهم في المثل: «أَتُعلِمُني بضبٍّ أنا حرشته»(1).
و كذا الحال فيما لو كان المتأخر منفياً، نحو: «أنت ما سعيت في حاجتي»، قاصداً إلى
تخصيصه بعدم السعي، و إثبات السعي لغيره. و إذا لم يصدر السعي في حاجتك من أحد،
فليس لك ذكر هذه الجملة، بل تقول: «ما سعيت في حاجتي».
1. يقوله العالم بالشيء لمن يريد تعليمه إياه. و حرش الضب و احترشه: صاده بالحيلة المعروفة. و هي أن يحرك يده على باب جحره ليظنه حية، فيخرج ذنبه ليضربها، فيأخذه.
ب) التأكيد والتقوّي، كما تقول في إنسان يعطي الجزيل: «هو يعطي الجزيل». حيث لاتريد
أنّ غيره ليس كذلك، بل تريد أن تؤكد ذلك و تقوّيه، و تحقق على السامع أن إعطاء
الجزيل دأبه. و من هذا الباب قوله تعالى: «وَاتَّخَذواْ مِنْ دُونِهِ ءَالِهَةً
لاَيَخْلُقُونَ
شَيْئاً وَ هُمْ يُخلَقونَ»(1) إذ ليس المراد انفرادهم بذلك، فإن غيرهم يُخلق
أيضاً، بل المراد تحقيق الحكم و توكيده.
و التقديم إنمّا يفيد التقوّي؛ لأجل أنّ الإسم لا يؤتى به معرّى عن العوامل اللفظية
إلاّ لحديث قد نُوي إسناده إليه. فإذا قلت: «زيد» فقد أشعرت قلب السامع أنّك أردت
الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث بعد ذلك، و قلت: «قام»، دخل على قلبه دخول المأنوس
به، و قَبِله قبول المتهيأ له المطمئن إليه، لأنك وطّأت له، و ذلك لا محالة أشد
لثبوته و أمنع للتردد فيه.
و جملة الأمر: أنه ليس إعلامك الشيء بغتة، مثل إعلامك له، بعد التنبيه عليه، و
التقدمة له؛ لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام، في التأكيد و الإحكام.
و يشهد لما ذكرنا، أنّ هذا الضرب من الكلام، يجيء فيما سبق فيه إنكار، كقوله جلّ و
علا: «وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ»(2) و ذلك لأن
الكاذب لا سيّما في الدين، لا يعترف بأنّه كاذب، فضلاً عن أن يعترف بالعلم بأنه
كاذب.
1. الفرقان: 3.
2. آل عمران: 75.
الصورة الثانية: أن يكون المسند إليه واقعاً في حيّز النفي. و هذه الحالة تقتضي
تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلي.
توضيح ذلك: أنك إذا قلت: «ما قلت هذا»، تكون قد نفيت عنكقولاً، لم يثبت أنه مقول،
و إذا قلت:«ما أنا قلت هذا»، تكون قد نفيت عنك قائلية قول ثبت أنه مقول، فبنفيه
عنك، أثبته للغير. و مما هو مثال بيّن على أن تقديم المسند إليه يقتضي وجود
الفعل، قول الشاعر:
وَ ما أنا أَسْقَمْتُ جِسْمِي بِهِ وَ لاَ أَنَا أَضْرَمْتُ في الْقَلْبِ نَارَا
المعنى ـ كما لا يخفى ـ على أن السقم ثابت موجود، و ليس القصد بالنفي إليه، و لكن
إلى أن يكون هو الجالب له.
و يترتب على ما ذكر: أنه يصلح لك أن تقول: «ما قلت هذا، و لا قاله أحد من الناس»، و
لايصلح ذلك في الوجه الآخر، فلايصح أن يقال: «ما أنا قلت هذا، و لا قاله أحد من
الناس»؛ و ذلك لأن التقديم يفيد ثبوت القائلية للغير، فلا يصح نفيها عن كل أحد.
و هو لايفيد إلاّ التخصيص. و يتّضح ذلك فى جملة من الموارد.
1. موارد تقديم الخبر، كقوله تعالى: «لاَ فِيهَا غَوْلٌ»(1)، حيث أفاد التقديم: أن
خمورالجنّة مختصةبعدمالغول ـ وهي الحالةالتيتعرض علىالإنسانبعدشربالخمر.
و لأجل أن تقديم الخبر يفيد التخصيص، لم يقدّم الخبر في قوله تعالى: «لاَرَيْبَ
فِيهِ»(2)؛ لئلاّ يفيد التقديم ثبوت الريب في سائر كتباللّه تعالى.
2. موارد تقديم المفعول، كقوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعبُدُونَ»(3)، أي
إن كنتم تخصّونه بالعبادة.
1. الصافات: 47.
2. البقرة: 2.
3. النحل: 114.
و لأجل أن تقديم المفعول على الفعل يفيد الاختصاص امتنعت الجمل التالية:
أ) «زيداً ضربت وغيره». وذلك لأناختصاصالمضروبيةبزيد، ينافي ضربغيره.
ب) «ما زيداً ضربت و لا غيره». و ذلك لأن اختصاص عدم المضروبية بزيد، يقتضي ضرب
غيره، لا عدم ضربه.
ج) «ما زيداً ضربت و لكني أكرمته». و ذلك لأن التقديم يدل على أنّ المخاطب قد أخطأ
في تعيين المفعول، و تعقيب الجملة الأُولى بالإستدراك المذكور، يدلّ على أنّه مخطأ
في تعيين الفعل، فالصواب إذن أن تقول: «ما زيداً ضربت و لكن عمراً».
و بهذا يكون قد تمَّ ما أردنا بيانه من نكات التقديم.
و أما التأخير فإنّما يصار إليه فيما إذا كان هو الأصل، و لا مقتضى للعدول عنه إلى
التقديم، و قد مرّ بعض أمثلته فلا نطيل.
1. قارن بين الآيتين التاليتين و بيّن النكتة البلاغية في اختلاف المقدّم و المؤخّر
فيهما: مع ملاحظة السياق الواقعتين فيه.
أ) «و جاء من أقصا المدينة رجل يسعى».(1)
ب) «و جاء رجل من أقصا المدينة يسعى».(2)
2. ما هي نكتة التقديم فيما يلي:
أ) «إيّاك نعبد و إيّاك نستعين».(3)
ب) «و تغشى وجوههم النار» .(4)
3. ما الفرق بين قولك: «أزيداً ضربت» و قولك: «أضربت زيداً»؟
1. يس: 20.
2. القصص: 20.
3. الفاتحة: 3.
4. إبراهيم: 50.