المحسّنات المعنوية
و هي كثيرة، إليك أهمّها:
1. الطباق: و هو الجمع بين الشيء و ضده(1) في كلام واحد، كقوله تعالى: «وَ
تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَ هُمْ رُقُودُ» .(2) و من الطباق ما هو خفي، كقوله
تعالى:«وَ يا قَوْمِ مَا لِىَ أَدْعُوكُمْ إلى النَّجَاةِ وَ تَدْعُونَنِى إلَى
النَّارِ»(3).
2. المقابلة: أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، كقوله
تعالى: «فَأَمَّا مَن أَعْطى وَاتَّقَى * وَ صَدَّقَ بالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلْيُسْرى * وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنَى * وَ كَذَّبَ بِالْحُسنَى *
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى»(4).
و قول علي عليهالسلام : «ينحدر عنّي السيل، و لا يرقى إليَّ الطير»(5). و الظاهر
أن هذه
البديعة فرع عن الطباق، و ليست شيئاً مستقلاً عنه.
1. هو بالمعنى اللغوي الشامل للسلب و الإيجاب.
2. الكهف: 18.
3. غافر: 41.
4. الليل: 5 ـ 10.
5. نهج البلاغة، الخطبة 3.
3. التورية: و تسمّى إيهاماً. و هي أن يتكلم المتكلم بكلام له معنيان: قريب و بعيد،
و يريد المعنى البعيد، و يوهم السامع أنه أراد القريب، و هي على ضربين:
أ) التورية المجردة: و هي التورية التي لا تجامع شيئاً مما يلاءم المعنى القريب
المورى به ـ كقوله تعالى: «وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ»(1) فكلمة
(مخلدون) لها معنيان: قريب و هو البقاء و الاستمرار، و بعيد و هو أنهم مقرّطون،
تجعل في آذانهم القِرَطة، و الحلق الّذي في الأذن يسمى قُرطاً و خَلَدة، و لم يقترن
الكلام بما يلاءم المورى به.
ب) التورية المرشحة: و هي التي تجامع شيئاً مما يلاءم المعنى القريب، كقول الشاعر:
حَمَلْنَاهُمْ طُرّاً عَلَى الدُّهْمِ بعْدَما خَلَعْنا عَلَيهِمْ بالطِّعَانِ مَلاَبِسا
فإنّ للدهم معنى قريب غير مراد، و هو الخيول السود، و معنى بعيد مراد، و هو القيود
الحديدية، و لفظة (حملناهم) ترشيح تورية، لملاءمته للمعنى القريب.
و هكذا نرى المورّي يستر المعنى البعيد بالمعنى القريب. و قد برع في هذا النوع من
البديع، شعراء مصر و الشام في القرن السابع و الثامن للّهجرة، و أوتوا فيه بالعجيب
الرائع، الذي يدلّ على صفاء الطبع، و القدرة على اللعب بأساليب الكلام.
4. الإستخدام: و له طريقتان:
الأولى: أن يذكر لفظ له معنيان، ثم يعقبه ضمير، يراد باللفظ أحدهما، و بضميره الآخر(2)، كقول جرير:(3)
1. الإنسان: 19.
2. مثل له بعضهم بقوله تعالى: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» و هو خطأ منشؤه قلة
التدبر، حيث توهم أنّ شهد بمعنى شاهد، و أنّ الشهر مفعول به، بينما هي بمعنى حضر،
كقولك: (شهدت الجمعة)، والشهر منصوب على الظرفية؛ لأنّ المقيم و المسافر كلاهما
يشاهدان الشهر. و يؤيد ذلك ما رواه زرارة عن أبي جعفر 7 : أنه قال لما سئل عن هذه
الآية: «ما أبينها لمن عقلها، قال من شهد شهر رمضان فليصمه، و من سافر فيه فليفطر».
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَ إنْ كَانُوا غِضَابَا
حيث أراد بالسماء الغيث، وبضميره في ـ رعيناه ـ النبات، وكلاالمعنيين مجازي.
الثانية: أن يذكر لفظ له معنيان، ثم يعقبه ضميران، يعود أحدهما عليه بمعنى، و الآخر
بآخر. كقول بعضهم: «أقرّ اللّه عين الأمير، و كفاه شرها، و أجرى له عذبها، و أكثر
لديه تبرها».
5. الإرصاد: و هو أن يذكر قبل انتهاء الفاصلة من الفقرة، أو القافية من البيت، ما
يدلّ عليها إذا عرف الروي، كقوله تعالى: «وَ مَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ
لَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»(1). و قيل: إنه لمّا بلغت قراءة النبي
صلىاللهعليهوآله «ثُمَّ أَنْشَأْنَاهَا خَلْقاً آخَرَ»(2)، قال عبداللّه بن أبي
سرح: «فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الخِالِقِينَ»(3)، فقال النبي
صلىاللهعليهوآله : هكذا أنزلت، فكان ذلك سبب ردته.
6. المشاكلة: و هي أن يذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته، كقوله تعالى: «نَسُوا
اللّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُم»(4)، أي: أهملهم، فذكر الإهمال بلفظ النسيان؛
لوقوعه في صحبته. و من ذلك ما حكي عن أبي الرقمع: «أنّ أصحاباً له، أرسلوا يدعونه
إلى الصبوح في يوم بارد، و يقولون له: ماذا تريد أن نصنع لك طعاماً؟ و كان فقيراً
ليس له كسوة تقيه البرد، فكتب إليهم يقول:
أَصْحَابُنا قَصَدُوا الصَّبُوح بِسَحْرَةٍ وَأَتى رَسولُهُمُ إِلَيَّ خصِيصَا
قَالُوا اقْتَرِحْ شَيْئاً نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَ
قَمِيصا
أي: خيطوا لي، فذكر الخياطة بلفظ الطبخ، لوقوعه في صحبة طبخ الطعام.
1. و قيل إنه لمعاوية بن مالك.
2. العنكبوت: 40.
3. المؤمنون: 14.
4. المؤمنون: 14.
5. الحشر: 19.
7. حسن التعليل: و هو أن ينكر المتكلّم صراحة أو ضمناً علة الشيء المعروفة، و يأتي
بعلة طريفة، تناسب الغرض الذي يقصد إليه، كقول ابن الرومي:
أَمَّا ذُكَاءُ فَلَمْ تَصْفَرَّ إذْ جَنَحَتْ إِلاّ لِفُرقَةِ ذاك المنْظَرِ
الحَسَنِ
فهو يرى أنّ الشمس لم تصفر عند الجنوح إلى المغيب للسبب الكوني، و لكنها اصفرّت
مخافة أن تفارق وجه الممدوح.
8. تأكيد المدح بما يشبه الذم: و له طريقتان:
الأولى: أنيستثنى منصفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح، كقول النابغة الذبياني:
وَ لاَعَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهَنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ
الكَتَائِبِ(1)
الثانية: أن يثبت لشيء صفة مدح و يعقّب بأداة استثناء، يليها صفة مدح أخرى، كقول
النابغة الجَعدي:
فَتَىً كَمُلَتْ أَخْلاقُهُ غَيْرَ أَنَّهُ جَوَادٌ فَمَا يُبقِي عَلَى المالِ
باقِيا
9. تأكيد الذم بما يشبه المدح: و له طريقتان أيضاً:
الأولى: أن يستثني من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم، كقول الشاعر:
خَلاَ مِنَ الفَضْلِ غَيْرِ أَنّي أَراهُ في الحُمْقِ لا يُجَارى
الثانية: أن يثبت لشيء صفة ذم، و يعقّب بأداة إستثناء، يليها صفة ذم اُخرى، كقولك:
«فلان فاسق إلاّ أنه جاهل».
الى غير ذلك من المحسنات المعنوية، التي يمكن إرجاع أكثرها إلى ما ذكر، و من شاء الاطلاع أكثر، فليراجع الكتب المبسوطة في هذا الفن.
1. فلول: جمع فل، و هو الكسر في حد السيف.