ينقسم المجاز إلى ثلاثة أقسام:
1. المجاز في اللفظ،و يعرف باسم المجاز اللفظي أو اللغوي.
2. المجاز في الإسناد،و يعرف باسم المجاز العقلي.
3. المجاز في الحذف، و يعرف باسم المجاز في الإعراب.
فيقع الكلام عن هذه الأقسام في ضمن فصول ثلاثة:
الحقيقة في الأصل: (فعيل) بمعنى فاعل من حقّ الشيء إذا ثبت، أو بمعنى (مفعول) من
قولهم: حَقَّقْتُ الشَّيء، إذا أثبته، ثم نقل إلى الكلمة الثابتة في معناها الأصلي
بالاعتبار الأول، أو المثبتة في ذلك المعنى بالاعتبار الثاني، و ألحقت به التاء
لتدل على النقل من
الوصفية الى الإسمية، كذبيحة.
و في الاصطلاح: «استعمال اللفظ فيما وضع له، في اصطلاح التخاطب». فاللفظ قبل
الاستعمال، و بعد الوضع لا يتصف بالحقيقة و المجاز. و قولنا «فيما وضع له» مخرج
للمجاز و الغلط، و قولنا: «في اصطلاح التخاطب» مخرج لمثل الصلاة إذا استعملت عند
أهل الشرع في الدعاء فإنها مجاز في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، و إن كانت حقيقة
باصطلاح تخاطب أهل اللغة.
و المجاز في الأصل: (مفعل) من جاز المكان يجوزه، إذا تعداه، نقل الى الكلمة الجائزة
ـ المتعدية ـ معناه الأصلي، أو المجوز بها عن معناها الأصلي، فعلى الأول هي اسم
فاعل، و على الثاني اسم مفعول.
و في الاصطلاح: «استعمال اللفظ في غير ما وضع له، في اصطلاح التخاطب، على وجه يصح،
مع قرينة مانعة من إرادة ما وضع له». و يفهم من هذا التعريف أن المجاز يتقوم بأمور
ثلاثة:
1. استعمال اللفظ في غير ما وضع له.
2. وجود علاقة و مناسبة بين المعنى الموضوع له اللفظ، و المعنى المستعمل فيه. و فهم
ذلك من قولنا: «على وجه يصح»، و بهذا الأمر يخرج الغلط عن كونه مجازا، لأنه استعمال
في غير ما وضع له، بلا وجه يصح.
3. القرينة الدالة على إرادة غير ما وضع له، و المانعة من إرادة ما وضع له.(1)
1. و بهذا الأمر تخرج الكناية ـ لو قلنا بأنها استعمال للفظ في غير ما وضع له ـ لأنه لا مانع من إرادة ما وضع له فيها. أما بناء على ما هو الحق من ان اللفظ في الكناية مستعمل فيما وضع له ليراد لازمه، فلا يكون القيد المذكور احترازياً و إنما هو لبيان الواقع.
و دخل بقولنا: «في اصطلاح التخاطب» مثل الصلاة المستعملة في الدعاء عند أهل الشرع.
ينقسم المجاز المذكور الى قسمين:
أحدهما: المجاز المرسل.
و الآخر: الإستعارة.
و ذلك: أن العلاقة ـ التي يتقوم بها المجاز ـ القائمة بين المعنى الحقيقي الموضوع
له اللفظ، و المعنى المجازي المستعمل فيه، إن كانت هي المشابهة، فالمجاز استعارة، و
إلا فمجاز مرسل.
اتّضح مما تقدم أن المجاز المرسل مجاز علاقته غير المشابهة، و إنما سمي مرسلا
لإرساله عن التقييد بعلاقة مخصوصة.
الحق أن صحة الإستعمالات المجازية متوقفة على استحسان الطبع العربي، و الذوق الأدبي
لذلك. و بعد أن تتبع علماء البلاغة ما ورد عن العرب من مجازات مستحسنة عندهم، وجدوا
أن ذوقهم و سليقتهم قد استقرت على استحسان مجازات بعلائق معينة، يصح القياس على
طبقها في موارد مخصوصة. و إنما قلت: «في موارد مخصوصة»، لما يلاحظ
من أنّ بعض العلاقات ليس مطّرداً على نحو الإطلاق. مثلاً: يصح استعمال الرقبة في
العبد بعلاقة الجزئية، لكن ليس مطلقاً، بل معأفعال مخصوصة ك أعتقت و بعت و اشتريت
دون غيرها، فلا يقال نامت الرقبة و نحو ذلك. و فيما يأتي نتكلم عن أهم تلك
العلاقات.
و هي كثيرة، أهمها:
1. علاقة السببية: بأن يطلق اسم السبب على المسبب، كقول المتنبي:
لَهُ أَيَادٍ عَليّ سابِغَةٌ أُعَدُّ مِنْها وَ لا أُعَدِّدُهَا
حيث أراد من الأيادي ما هو مسبب عنها أعني: النعم.
2. علاقة المسببية: بأن يطلق اسم المسبب على السبب، كقوله تعالى: «وَ يُنَزِّلُ
لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً»(1)، أي مطراً مسبباً عنه الرزق.
3. علاقة الجزئية: بأن يطلق اللفظ الموضوع للجزء و يراد منه الكل، كقوله تعالى:
«فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ»(2).
و الملاحظ في هذه العلاقة أنه لا يصح إطلاق أي جزء من أجزاء الكل عليه، فلا تقول:
«أعتقت يداً» تريد عبداً، بل الذي يصح هو خصوص الجزء الذي له مزيد اختصاص بالكل،
فالعبودية باعتبار أنها تقيد صاحبها فهي غل له، و محل الغل هو الرقبة، فناسب
اطلاقها على العبد(3).
1. غافر: 13.
2. المجادلة : 3.
3. إن قلت إنه إذا كان الأمر كما ذكر، فلماذا لا يصح اطلاق العنق على العبد، فيقال:
اعتقت عنقاً)، كما صح أن يقال: «اعتقت رقبة». و يمكن الجواب عن ذلك: بأنه و إن لم
يصح مع الفعل المذكور و نحوه، لكنه يصح مع غيره، فالعرب تقول: «ذلت عنقي لفلان». و
لعل السرّ في ذلك: أن (رَقَبَ) أصل يدلّ على الانتصاب و الارتفاع، و هو يتنافى مع
العبودية، فكان محلاً للقيد. بينما (عَنَقَ) أصل يدلّ على امتداد، و (ذل) أصل يدل
على اللين، الذي هو ضد للعز، الذي هو في الأصل الأرض الصلبة الشديدة، و هذه يكون
فيها امتداد عادة، فناسب استعمال الذل مع العنق. فالحاصل أن الجزء إذا كان له مزيد
اختصاص بالكل يصح إطلاقه عليه، لكن مع أفعال تناسبه.
4. علاقة الكلية: بأن يطلق اللفظ الموضوع للكل و يراد منه الجزء، كقوله تعالى:
«يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فىِ آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ»(1) أي اناملهم، و
حكمة التعبير بالأصابع المبالغة، فكأنهم جعلوا جميع الأصابع في الآذان مبالغة في
الاحتراز عن سماع الصواعق لشدة حرصهم على الحياة. و هذا النحو من العلاقة مطّرد.
5. علاقة الحالية: بأن يطلق اسم الحال على المحل، كقوله تعالى: «وَ أَمَّا
الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللّهِ»(2)، أي: في الجنّة لأنها
محل الرحمة.
6. علاقة المحلية: بأن يطلق اسم المحل على الحال فيه، كقوله تعالى: «فَلْيَدْعُ
نَادِيَهْ»(3)، حيث أطلق النادي و هو مكان الإجتماع، و أراد به الحالين فيه.
7. علاقة ما كان: بأن يسمى الشيء باسم ما كان عليه، و ليس هو عليه الآن، كقوله
تعالى: «وَ آتُوا اليَتَامى أَمْوالَهُمْ»(4)، أي: الذين كانوا كذلك، إذ لا يتم بعد
البلوغ.
8. علاقة ما سيكون، أو الأوْل و المشارفة: بأن يسمى الشيء باسم ما سيؤول إليه،
كقولهتعالى: «إنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْراً»(5)، أي: عنباً، فعبر عنه بذلك لأنه
آيل إلى الخمريّة.
9. علاقة الآلية: بأن يسمى الشيء باسم آلته، كقوله تعالى: «وَ اجْعَلْ لِى لِسَانَ
صِدْقٍ فِى الآخِرِينَ»(6)، أي ذكراً حسناً، فعبر عنه باسم آلته.
الى غير ذلك من العلاقات، التى يرجع بعضها إلى ما ذكر.
1. البقرة : 19.
2. آل عمران: 107.
3. العلق : 7.
4. النساء : 2.
5. يوسف: 36.
6. الشعراء: 84.
الإستعارة لغة: مأخوذة من العارية بالتشديد ـ و هو الأكثر ـ و التخفيف، و هو اسم من
الإعارة، أي نقل الشيء من شخص إلى آخر، سمي ذلك عارية، لأنها عار على من طلبها.
و اصطلاحاً: «استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة». أو
فقل: «الإستعارة مجاز علاقته المشابهة».
الإستعارة تشبيه حذف أحد طرفيه، و دخلت في المجاز باعتبار أننا نطلق اللفظ الموضوع
لأحد الطرفين على الطرف الآخر، و من هنا كانت الإستعارة أبلغ من التشبيه.
توضيح ذلك: تقدمت الإشارة في الباب السابق إلى أن بلاغة التشبيه مبنية على
المبالغة، و ادعاء أن المشبه عين المشبه به، و لذا كان أقل التشبيهات مرتبة في
البلاغة، ما ذكرت أركانه جميعاً، و أرفع مراتبه بلاغة ما حذف منه الأداة و وجه
الشبه، و ذلك لأن ذكر الأداة يميز بين المشبه و المشبه به، و يضع بينهما فاصلاً، و
ذكر الوجه يحصر الشبه في الصفة أو الصفات المذكورة فحسب، فإذا حُذِفا ارتقى التشبيه
إلى أعلى قمة المبالغة و الادعاء. و لكن مهما بولغ فيه، لابدّ من ذكر الطرفين معاً.
و العرب لمّا أرادوا الازدياد في المبالغة، ابتكروا أسلوباً آخر أشد مبالغة من
التشبيه، و أكثر وقعاً في النفس منه، ألا و هو أسلوب الاستعارة.
فأنت عندما تقول: «زيد أسد» فقد ادعيت أنه أسد بحمل الأسدية عليه، بينما
عندما تقول: «رأيت اسداً»، فقد جعلته أسداً بلا حاجة إلى إسناد الأسدية له، فإن
الشيء لا يسند إلى نفسه، مدعياً أنّ له اسمين، بأيهما عبرت فهم المقصود، و هذا غاية
المبالغة، التي ليس بعدها غاية.
للإستعارة أركان ثلاثة، هي:
1. المستعار منه، و هو المشبه به.
2. المستعار له، و هو المشبه.
3. المستعار، و هو لفظ المشبه به.
التقسيم الأول: تنقسم الإستعارة بلحاظ حذف أحد طرفيها إلى قسمين:
1. الإستعارة التصريحية: و هي ما صُرّح فيها بلفظ المشبه به دون المشبه، كقوله
تعالى: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ»(1)، حيث شبه الدين الحق بالصراط
المستقيم بجامع(2) الإيصال الى الغاية، ثم حذف المشبه، و أبقى المشبه به. و كقول
الإمام علي عليهالسلام : «فإنّ الناس قد اجتمعوا على مائدة، شبعها قصير، و جوعها
طويل»(3) حيث شبه الدنيا بالمائدة بجامع كونهما مجتمع اللذات، ثم حذف المشبه، و
أبقى المشبه به.
1. الفاتحة : 6.
2. الجامع في الإستعارة هو وجه الشبه في التشبيه.
3. نهج البلاغة، الخطبة 21.
2. الإستعارة المكنية: و هي ما حذف فيها المشبه به، و رمز له بشيء من لوازمه. و
إثبات لازم المشبه به للمشبه يسمى: «إستعارة تخييلية»، كقوله تعالى: «وَ إِذَا
مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ»(1)، حيث شبه الدعاء بشيء ممتد، و حذف
المشبه به، و أبقى شيئاً من لوازمه و هو العرض و الاتساع، على سبيل الإستعارة
بالكناية، و إثبات العرض للدعاء إستعارة تخييلية.
و كقوله عليهالسلام : «فكأن قد علقتكم مخالب المنية»(2) حيث شبه المنية بالسبع
بجامع اغتيال النفوس، ثم حذف المشبه به، و أبقى شيئاً من لوازمه و هو المخالب على
سبيل الإستعارة المكنية و إثبات المخالب للمنية استعارة تخييلية.
التقسيم الثاني: تقسيمها باعتبار طرفيها من حيث اتصالها بالملائم و عدمه، إلى ثلاثة
أقسام:
1. الإستعارة المطلقة: و هي التي خلت عن ملائم الطرفين، كقوله تعالى: «إِنَّا لَمّا
طَغَى المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِى الْجَارِيَةِ»(3)، حيث شبه زيادة الماء زيادة
مفسدة بالطغيان، بجامع مجاوزة الحد في كل، ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه على سبيل
الإستعارة التصريحية، من دون أن يذكر ملائم لأحد الطرفين.
2. الإستعارة المرشحة: و هي المقرونة بما يلائم المستعار منه (المشبه به)، كقوله
تعالى: «أُولئِكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ
تِجَارَتُهُمْ»(4)، حيث استعير الاشتراء للاستبدال و الاختيار على سبيل الإستعارة
التصريحية، ثم فرّع عليه ما يلائم
المستعار منه من الربح و التجارة.
1. فصلت: 51.
2. نهج البلاغة، الخطبة 85.
3. الحاقة: 11.
4. البقرة: 16.
3. الإستعارة المجردة: و هي المقرونة بما يلائم المستعار له (المشبه)، كقوله تعالى:
«فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الجُوعِ و الخَوْفِ»(1)، ففي الآية استعارتان:
الأولى: استعارة الإذاقة التي من شأنها أن تستعمل في المطعومات، للإصابة التي من
شأنها أن تستعمل في الضرر و الألم الناشىء عن الجوع و الخوف، على سبيل الإستعارة
التصريحية.
الثانية: استعارة اللباس للأثر الحاصل من الجوع و الخوف(2)، أعني: الضرر، على سبيل
الإستعارة التصريحية.
و الإستعارة الثانية ملائمة للمستعار له في الإستعارة الأولى و هو الإصابة، إلا
أنها ملائمة له على سبيل المجاز دون الحقيقة.
و إنما عدل عن الترشيح إلى التجريد، مع أنّ الأول أبلغ ـ كما سيأتي ـ فلم يقل
(كساها اللّه لباس الجوع و الخوف) أو (أذاقها اللّه طعم الجوع و الخوف)، لأن المراد
من الآية إفادة أمرين:
1. أن العذاب أثّر في القرية غاية التأثير.
2. أنه كان شاملاً لجميع القرية.
و الإذاقة تدل على الأول دون الكسوة، و اللباس لكونه يعم البدن يشعر بالثاني، دون
الطعم الذي يقصر التأثير على الفم(3).
1. النحل: 112.
2. قال في المجمع: سمي أثر الجوع و الخوف لباساً، لأن أثرهما يظهر على الإنسان كما
يظهر على اللباس.
3. قال بعض شراح الكشاف أن هذا الكلام يستحق على علماء البيان أن يكتبوه بالتبر لا
بالحبر. و قد وضحته بشكل لم يسبقني إليه احد.
الأول: لا يعتبر الترشيح و التجريد إلا بعد استيفاء الإستعارة لقرينتها، و لهذا لا
تسمى قرينة التصريحية تجريداً، و لا قرينة المكنية ترشيحاً.
الثاني: الترشيح أبلغ من التجريد، فالإستعارة المقرونة بما يلائم المستعار منه،
أبلغ من المقرونة بما يلائم المستعار له، و ذلك لأن الاستعارة ـ كما تقدم ـ مبنية
على تناسي التشبيه، فإذا ذكر ما يلائم المشبه به دون المشبه، كان هذا موجباً لتقوية
ذلك المبنى، فتشتد المبالغة في إدخال المشبه في جنس المشبه به.
الثالث: ذكر ما يلائم المستعار منه في الترشيحية، و ما يلائم المستعار له في
التجريدية، أعم من أن يكون على نحو الحقيقة أو المجاز، كما مرت الإشارة إليه في
مثال الإستعارة التجريدية.
التقسيم الثالث: تقسيمها باعتبار الجامع إلى قسمين:
1. الإستعارة العامية: و هي ما كان الجامع فيها ظاهراً، يعرفه كل واحد. و سميت
عامية، لكونها مبتذلة، تذكر على ألسنة العوام، كاستعارة الأسد للشجاع، و البحر
للعالم، و الصباح للوجه المشرق، و نحو ذلك من الإستعارات الظاهرة، التي تلوكها
ألسنة العوام.
2. الإستعارة الخاصية: و هي الغريبة التي يكون الجامع فيها غامضاً، لا يطلع عليه
إلاّ الخواص، و هم الذين أوتوا ذهناً ارتفعوا به عن طبقة العوام. و الغرابة التي
تجعل الإستعارة منسوبة إلى الخواص تنشأ من أحد أمرين:
أحدهما: أن يكون التشبيه فيه نوع غرابة، كاستعارة التقطيع للتفريق في قوله تعالى:
«وَ قَطَّعْنَاهُمْ فِى الأَرْضِ أُمَماً»(1)، فإنها استعارة تصريحية خاصية، منشأ
الغرابة فيها راجع إلى غرابة التشبيه.
ثانيهما: أن يتصرف في الإستعارة العامية تصرفاً يخرجها عن الابتذال، كما في قوله
تعالى: «و اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً»(2)، فاستعارة الاشتعال للانتشار و الظهور
إستعارة عامية، لكنه لما أسند الاشتعال الذي حقه أن يسند إلى الشيب، أسنده إلى
الرأس، أورث الإستعارة دقة و غرابة، إذ أنه يريد أن يشعر أن الشعر الأبيض لكثرته،
قد ملأ الرأس، بحيث انتقل وصف الشعر إلى الرأس، فصار كل جزء من الرأس مشتعلاً، و لو
كان هناك شيء من الشعر لم يتصف بالوصف، لما صدق الاشتعال على الرأس.
و مما ينبغي أن يعلم في المقام، أنه يستحسن ألاّ تبعد الإستعارة جداً، فتعزب عن
الفهم(3)، و لا تقرب جداً فتستبرد، و خير الأمور أوسطها.
التقسيم الرابع: تقسيمها باعتبار الإفراد و التركيب إلى قسمين:
1. الإستعارة المفردة: و هي الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة المشابهة،
أو قل: هي الإستعارة التي لا يكون أصلها تشبيه تمثيل. و علماء البلاغة جعلوا هذا
القسم من الإستعارة مقسماً للتقسيمات السابقة.
2. الإستعارة المركبة: و هي المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة، أو
قل هي ما كان أصلها تشبيه تمثيل، و هو ما كان وجه الشبه فيه صورة منتزعة من
متعدد. و يختص هذا القسم من الإستعارة باسم الإستعارة التمثيلية، بل إذا أطلق
التمثيل لا يتبادر منه إلا هذا.
1. الاعراف: 168.
2. مريم: 4.
3. كما في قول يزيد بن مسلمة يصف فرساً بأنه مؤدب:
وَ إَذا احْتَبى قَرَبُوسَهُ بِعِنَانِهِ عَلَكَ الشّكِيمَ إلى انْصِرَافِ الزَائِرِ
و من أمثلتها في القرآن الكريم قوله تعالى: «وَ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِم السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ أَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ»(1)، حيث شبّه تعالى حال أولئك الماكرين في تسويتهم المكائد للإيقاع بالرسل عليهمالسلام ، و في إبطاله تعالى لتلك الحيل، و جعله إياها أسباباً لهلاكهم، بحال قوم بنوا بنياناً، و عمروه بالأساطين، فأتى الهلاك من قبل أساطينه، بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا، بجامع أنّ ما عدّوه، سبباً لنفعهم، عاد سبباً لاستئصالهم. فاستعيرت الهيئة الدالة على المشبه به، للّهيئة الدالة على المشبه، على سبيل الإستعارة التمثيلية. و من هذا الباب قول المتنبي:
وَ مَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ يَجِدْ مُرّاً بِهِ الماءَ الزُّلاَلاَ
حيث شبّه حال من يعيب شعره، لعيب في ذوقه الشعري، و ضعف في إدراكه الأدبي، بحال
المريض الذي يصاب بمرارة في فمه، إذا شرب الماء العذب وجده مرّاً، ثم استعار
التركيب الدال على المشبه به للمشبه، على طريقة الإستعارة التمثيلية.
و إذا اشتهرت الإستعارة التمثيلية، و كثر استعمالها، سميت مثلاً، فلا يجوز تغييره و
الحالة هذه، بل يستعمل للمفرد و المذكر و فروعهما بطريقة واحدة، لأن الاستعارة هي
لفظ المشبه به، المستعمل في المشبه، فلو غير المثل، لما كان لفظ المشبه به بعينه،
فلا يكون استعارة، فلا يكون مثلاً، و هذا هو السر في قولهم الأمثال لا تبدل.
و من أمثلة ذلك قولهم في المحتاج الى شيء بعد تفريطه به: «الصيفَ ضيّعتِ اللبن»، و
بيان الإستعارة في هذا المثل أن يقال: شبّه حال المحتاج الى شيء بعد تفريطه به،
بحال المرأة التي كانت تحت شيخ غني، فتركته و تزوّجت شابّاً فقيراً، فأصابهما ضنك
في الشتاء، فجاءت إلى زوجها الأول، تطلب منه لبناً، ثم استعير الكلام الموضوع
للمشبه به للمشبه، فصار تمثيلاً.
1. النحل 26.
و كيفية إجراء الإستعارة في الأمثال عموماً، أن يقال: شبه المضرب ـ و هي الحالة
الجديدة ـ بالمورد ـ و هي الحالة القديمة التي قيل فيها لأول مرة ـ ثم استعير
الكلام الموضوع للمورد للمضرب، فصار تمثيلاً.
لما كان المجاز العقلي قسيماً للحقيقة العقلية، ناسب التعرض لهما في هذا الفصل، و
إن كان المقصود الأصلي منه هو الأول.
فاعلم أنهم قسّموا الإسناد إلى قسمين:
1. الإسناد الحقيقي: و يعرف باسم الحقيقة العقلية، في قبال الحقيقة اللغوية، و هو
عبارة عن: «إسناد الشيء إلى ما هو له عند المتكلم، بحسب ما يظهر من حاله».
و يفهم من هذا التعريف، أنّ الإسناد الحقيقي إسناد الى ما هو له، لا في الواقع، و
لا في الاعتقاد الواقعي، بل بحسب الاعتقاد الظاهري، يعني: الإسناد إذا كان مطابقاً
لما يفهم من ظاهر حال المتكلم، كان حقيقياً، سواء كان مطابقاً للواقع أم لا، و سواء
كان مطابقاً لاعتقاده الواقعي ام لا.
و بهذا يدخل في التعريف:
أ) ما يطابق الاعتقاد و الواقع معاً، كقوله تعالى: «خَلَقَ اللّهُ السَّمَاوَاتِ وَ
الأَرْضَ بِالْحَقِّ»(1).
ب) ما طابق الاعتقاد فقط، كقول الكافر الظاهر حاله: «أنبت الربيع البقل».
ج) ما طابق الواقع فقط، كقول الكافر الساتر حاله: «أنبت اللّه البقل».
د) ما خالف الواقع و الاعتقاد معاً، كقول المؤمن الساتر حاله: «خلقت الطبيعة
الإنسان».
2. الإسناد المجازي: و هو: «إسناد الشيء الى غير ما هو له، لعلاقة مع قرينة مانعة
من إرادة الإسناد الحقيقي».
و عليه، فيتقوّم المجاز العقلي من أركان ثلاثة:
أ) أن يكون الإسناد الى غير ما هو له.
ب) أن يوجد علاقة و ارتباط بين طرفي الإسناد.
ج) أن توجد قرينة تصرف الإسناد عن حقيقته.
ملابسات المجاز العقلي تتحقق في موارد نذكر أشهرها:
1. الإسناد إلى السبب: كقوله تعالى: «وَ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ
زَادَتْهُمْ إِيمَاناً»(2)، حيث أسند زيادة الإيمان، التي هي من فعل اللّه عزّ و
جلّ إلى الآيات، لكونها سبباً في الزيادة.
1. العنكبوت: 44.
2. الأنفال : 2.
2. الإسناد إلى الزمان: كقوله تعالى: «فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً
يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيباً»(1)، فأسند الفعل إلى زمن وقوعه، و ليس هو بفاعل، و
إنما الفاعل ما يقع في ذلك اليوم من الأهوال.
3. الإسناد إلى المكان: كقوله تعالى: «وَ أَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا»(2)،
فأسند الفعل إلى مكانه، و كان حقه أن يسند إلى اللّه عزّ و جلّ.
4. الإسناد إلى المصدر: كقوله تعالى: «وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ
نَزْغٌ»(3)، حيث نسب الفعل إلى المصدر، و كان حقه أن ينسبه إلى فاعله الحقيقي، و هو
الشيطان.
5. إسناد ما بني للفاعل إلى المفعول: كقوله تعالى: «فَهُوَ فِى عِيشَةٍ
رَاضِيَةٍ»(4)، حيث أسند (راضية) إلى ضمير العيشة، و حقه أن يسند إلى صاحب العيشة،
فإن العيشة مرضية، لا راضية.
6. إسناد ما بني للمفعول إلى الفاعل: كقوله تعالى: «وَ إِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ
جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً
مَسْتُوراً»(5)، فإنّ الحجاب ساتر، و ليس بمستور.
1. المزمل : 17.
2. الزلزلة: 2.
3. الأعراف: 200.
4. القارعة: 7.
5. الإسراء: 45.
القرينة: هي الأمر الذي يدلّنا على أنّ الإسناد إلى غير ما هو له. و هي على ضربين:
1. القرينة اللفظية: كقول أبي النجم:
قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْباً كُلَّهُ لَمْ أَصْنَعِ
مِنْ أَنْ رَأَتْ رَأْسِي كَرَأْسِ الأَصْلَعِ مَيَّزَ عَنْهُ قُنْزُعاً عَنْ
قُنْزُعِ
جَذْبُ الليالي أبطئي أو أسرعي
فإسناد التمييز إلى الليالي مجاز، قرينته قوله بعد ذلك:
أَفْنَاهُ قِيلُ اللّهِ لِلشَّمْسِ اطْلَعِي حَتَّى إِذَا وَارَاكِ أُفْقٌ فَارْجِعي
2. القرينة المعنوية: كاستحالة صدور المسند من المسند إليه، إما عقلاً، نحو: «يَوْماً يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيباً»(1)، و إمّا عادة، نحو: «يَا هَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحاً»(2)، و كصدوره عن الموحد، كما في قول العبدي:
أَشَابَ الصَّغِيرَ وَ أَفْنَى الكَبِيــرَ كَرُّ الغَدَاةِ وَ مَرُّ العَشِيُّ
1. المجاز العقلي كما يجري في النسب الإسنادية، يجري في غيرها، كالنسب الإضافية،
نحو: «بَلْ مَكْرُ اللّيْلِ وَ النَّهارِ»(3)، و النسب الإيقاعية، نحو: «وَ لاَ
تُطيِعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينُ»(4).
2. الحقيقة و المجاز العقليان يفترقان عن الحقيقة و المجاز اللفظيين، في كونهما هنا
وصفاً للإسناد، و هناك وصفاً للكلمة.
1. المزمل: 17.
2. غافر: 36.
3. سبأ: 33.
4. الشعراء: 151.
المجاز في الحذف، أو المجاز في الإعراب عبارة عن: «نقل كلمة عن إعرابها الأصلي،
الثابت لها إلى إعراب غيره، بسبب حذف لفظ، أو زيادة آخر»(1).
فالأول: كقوله تعالى: «وَ اسْأَلِ القَرْيَةَ الَّتى كُنَّا فِيهَا»(2)، فإعراب
القرية في الأصل هو الجر، لأن أصل الكلام: (و اسأل أهل القرية) فحذف المضاف، و أعطي
حكمه للمضاف اليه. و يحتمل فيه وجوه أخرى.
منها: أن يكون التجوز في إطلاق القرية على أهلها، ليكون مجازاً مرسلاً علاقته
المحلية.
و منها: أن يكون التجوز في النسبة الإيقاعية، كما مر في قوله تعالى: «وَ لا
تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ»(3)، فيكون مجازاً عقلياً.
و منها: أن يكون التجوز في السؤال، بأن يراد منه فعل يصح تعلقه بالقرية حقيقة، كأخذ
الأثر و نحوه، بجامع المشابهة في تحصيل المطلوب، فيكون إستعارة.
و منها: أن يكون من باب طلب حصول المعجزة، فلا يكون فيه تجوز أصلاً.
و الثاني: مُثِّل له بقوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ»(4)، بدعوى أنّ الأصل:
(ليس مثله شيء)، لأن المقصود نفي أن يكون شيء مثل اللّه تعالى، لا نفي أن يكون شيء
مثل مثله(5).
1. فيكون تسمية كل من الحذف و الزيادة بالمجاز في الحذف من باب التغليب.
2. يوسف: 82.
3. الشعراء: 151.
4. الشورى: 11.
5. و الصحيح أنه ليس فيه زيادة بل هو نفي المثل بطريقة الكناية، كما في قولك: «مثلك
لا يبخل»، و ربما يأتى ما يوضح ذلك في باب الكناية.
1. اذكر لكل علاقة من علاقات المجاز المرسل مثالاً من القرآن الكريم.
2. بيّن كيف جرت الإستعارة في الأمثلة التالية، و اذكر نوعها.
أ) «وَ اعْتَصِموا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرّقُوا»(1).
ب) «فَلَمَّا جَاءَتْهُم آيَاتُنا مُبصِرَةً قَالوُا هَذا سِحْرٌ مُبينٌ»(2).
ج) «وَ الصُّبحِ إِذَا تَنَفَّسَ»(3).
د) «وَ اخْفِضْ لَهُما جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمَةِ»(4).
ه) «وَ فَى عَادٍ إذْ اَرْسَلْنا عَلَيهِمُ الرّيْحَ العَقِيمَ»(5).
و) «قَالُوا أضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَ مَا نحْنُ بِتأوِيلِ الأَحْلاَمِ
بِعَالِمينَ»(6).
ز) «وَ تَرَكْنا بَعضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فى بَعْضٍ»(7).
ح) «أُوْلَئِكَ الَّذينَ اشُتَروا الضّلالَةَ بالهُدَى وَ العَذَابَ بِالمَغْفِرَةِ
فَمَا أصْبَرَهُم عَلَى النَّارِ»(8).
ط) «وَ قَطَّعْناهُم فى الأَرضِ أُمَماً»(9).
1. آل عمران: 103.
2. النمل: 13.
3. التكوير: 18.
4. الإسراء: 24.
5. الذراريات: 41.
6. يوسف: 44.
7. الكهف: 99.
8. البقرة: 175.
9. الأعراف: 168.
ك) «وَ عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغيْبِ»(1).
ل) «تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغيْظِ»(2).
م) «أما واللّه لقد تقمصَّها ابن أبي قحافة»(3).
ن) «خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها»(4).
ص) «أخذنا بأطراف الحديث بيننا و سالت بأعناق المطي الأباطح»(5).
3. اجعل الإستعاره التمثيلية الآتية تشبيهات ضمنية بذكر حال مناسبة تجعلها مشبّهاً
قبل كل استعارة:
أ) «يمشي رويداً و يكون أولاً».
ب) «رضيت من الغنيمة بالإياب».
ج) «ليس التكحل في العينين كالكَحَل».
د) «لا يطاع لقصير أمر».
ه) «لا يُلدَغ المؤمن من جُحر مرتين».
و) «أحشفاً و سوء كيلة».
4. اُذكر لكلّ علاقة من علاقات المجاز العقلي مثالاً من القرآن.
1. الأنعام: 59.
2. الملك: 8.
3. نهج البلاغة، خطبة 3.
4. النهاية، لابن الأثير، چ 5، ص 288.
5. لكثير عزة.