و أهمّها:
1. الجناس: و هو اتفاق الكلمتين في اللفظ، و اختلافهما في المعنى. و هو على ضربين:
الأول: الجناس التامّ. و هو ما اتفقت فيه الكلمتان في عدد الحروف، و نوعها، و
هيئتها، و ترتيبها. كقوله تعالى: «وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعةُ يُقْسِمُ
الُمجْرِمونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعةٍ»(1).
الثاني: الجناس غير التام، و هو على أقسام:
أ) الجناس الناقص: و هو ما اختلفت فيه الكلمتان في عدد الحروف فقط، كقوله تعالى:
«وَ التَفَّتِ السّاقُ بِالسَّاقِ * إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَسَاقُ»(2).
1. الروم: 5.
ذكر ابن ابي الحديد في كتابه (الفلك الدائر على المثل السائر): «إنّ الساعة في
الموضعين بمعنى واحد، و التجنيس أن يتفق اللفظ و يختلف المعنى؛ و لا يكون أحدها
حقيقة و الآخر مجازاً؛ بل يكونان حقيقتين، و زمان القيامة و إن طال، لكنه عند اللّه
في حكم الساعة الواحدة، فيكون إطلاق لفظ (الساعة) على أحد الموضعين حقيقة، و على
الآخر مجازاً، و ذلك يخرج الكلام عن حد التجنيس، كما لو قلت: (ركبت حماراً، و لقيت
حماراً)، و أردت بالثاني البليد».
أقول: لا يبعد أن يكون لفظ (الساعة) قد أصبح علماً ليوم القيامة، فتكون الساعة في
الموضعين حقيقة، فلا يتم ما ذكره، مضافاً إلى إمكان المناقشة في شرط التجنيس الذي
ذكره، فتأمّل.
2. القيامة: 29 ـ 30.
ب) الجناس المحرّف: و هو ما اختلفت فيه الكلمتان في هيآت الحروف فقط، كقولهم:
«جُبّةُ البُردِ جُنَةُ البَرْدِ».
ج) الجناس المختلف: و هو ما اختلفت فيه الكلمتان في نوع الحروف، و يشترط ألا يقع
الاختلاف في أكثر من حرف، كقوله صلىاللهعليهوآله : «الخيل معقود في نواصيها
الخير إلى يوم القيامة».
د) الجناس المقلوب: و هو ما اختلفت فيه الكلمتان في ترتيب الحروف، كقول عبداللّه بن
رواحة:
تَحْمِلُهُ النَّاقَةُ الأَدْماءُ مُعْتَجِراً بِالْبُرْدِ كَالبَدرِ جلَّى نُورُهُ
الظُّلَمَا
2. السجع: و هو تواطئ الفاصلتين من النثر على حرف واحد، فالسجعة في النثر كالقافية
في الشعر، كقوله تعالى: «مَا لَكُم لا تَرجُونَ مِنَ اللّهِ وَقاراً * وَ قَدْ
خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً»(1). و كقول الإمام علي عليهالسلام : «معرفة واللّه جرّت
ندماً، و أعقبت سدماً»(2).
هذا، و الأسجاع مبنية على سكون الأعجاز و هو أواخر الفواصل، و إلاّ لفات السجع في
قوله تعالى: «إِنَّا أَعطيناكَ الكوثَر * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انحَرْ * إنَّ
شانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ»(3).
3. الإقتباس: و هو تضمين الكلام شيئاً من القرآن الكريم، أو الحديث الشريف، من غير
دلالة على أنه منهما، كقول الكاتبي:
إن كُنْتَ أَزْمَعْتَ عَلَى هَجْرِنا مِن غَيْرِ مَا جُرْمٍ فَصَبْرٌ جَميلْ
و إِن تَبَدَّلْتَ بِنَا غَيْرَنا فَحَسْبُنَا اللّهُ وَ نِعْمَ الوَكيلْ
1. نوح: 13 ـ 14.
2. نهج البلاغة، الخطبة 27.
3. الكوثر: 1 ـ 3.
هذا و لا بأس بتغيير يسير في اللفظ المقتبس، للوزن أو غيره، كقول بعضهم:
قَدْ كَانَ مَا خِفْتُ أَنْ يَكُونا إِنّا إلَى اللّهِ رَاجِعونا
و نكتفي بهذا القدر من المحسنات اللفظية، و من أراد الإستزادة فعليه بالرجوع إلى
الكتب المبسوطة في هذا الفن.
و ممّا ينبغي أن يعلم في المقام، أنّ المحسنات اللفظية إنما تكون مستحسنة إذا كانت
الألفاظ تابعة للمعاني، و لا تكون المعاني توابع الألفاظ، بأن يؤتى بالألفاظ متكلفة
مصنوعة فيتبعها المعنى كيفما اتفق. كما فعله بعض من لهم شغف بإيراد المحسنات
اللفظية، فيجعلون الكلام غير مسوق لإفادة المعنى، بل نظرهم إلى اللفظ بالأصل، و إلى
المعنى بالتبع، فلا يبالون بخفاء الدلالات، و ركاكة المعنى، فيصير الكلام كغمد من
ذهب على سيف من خشب؛ ظاهره جميل، و باطنه قبيح. و الوجه أن تترك المعاني على
سجيتها، فتطلب لأنفسها ألفاظاً تليق بها، و عندها تظهر البلاغة و البراعة، و يتميز
الكامل من القاصر، و حين رُتّب الحريري ـ مع كمال فضله ـ في ديوان الإنشاء، عجز
فقال ابن الخشاب: «هو رجل مقاماتي؛ و ذلك لأن كتابه حكاية تجري على حسب إرادته، و
معانيه تتبع ما اختاره من الألفاظ المصنوعة». و ما أحسن ما قيل في الترجيح بين
الصاحب و الصابي: «إن الصاحب كان يكتب كما يريد، و الصابي كان يكتب كما يؤمر». و
بين الحالتين بون بعيد؛ و لهذا قال قاضي قم حين كتب إليه الصاحب: (أيها القاضي بقم،
قد عزلناك فقم): «و اللّه ما عزلتني إلاّ هذه السجعة».
و بهذا يتمّ ما أردنا بيانه، و كمل بعين النقص تبيانه، فنسأله تعالى أن يتقبّل هذا
الجهد المتواضع، خالصاً لوجهه الكريم، و صلى اللّه على محمد و آله الأكرمين، و
الحمدللّه ربالعالمين.
1. اقرأ الأمثلة التالية، و بيّن ما فيها من محسّنات بديعية:
أ) «فَلْيَضْحَكوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً»(1).
ب) «بِما كُنتُم تَفْرَحونَ فى الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَ بِما كُنْتُمْ
تَمْرَحُونَ»(2).
ج) «وُجوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعمَةٌ»(3).
د) «سَبَّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ االغُرُوبِ»(4).
ه) «لاَيَسمَعونَ فِيها لَغْواًإلاّ سلاماً»(5).
و) «لاَ تُدْرِكُهُ الأَبصَارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأَبصارَ وَ هُوَ اللّطيْفُ
الخَبيرُ»(6).
ز) «خافِضَةٌ رافِعةٌ»(7).
ح) «اذْكُرْنِى عِندَ رَبَّكَ فَأَنْساهُ الشَّيطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ»(8).
ط) «أَذِلَّةٌ عَلَى المُؤمِنين أَعِزَّةٌ عَلَى الكافِرينَ»(9).
1. التوبة: 82.
2. غافر: 75.
3. الغاشية: 8.
4. ق: 39.
5. مريم: 62.
6. الأنعام: 103.
7. الواقعة: 3.
8. يوسف: 42.
9. المائدة: 54.
ي) قال الإمام على عليهالسلام في وصف الدنيا: «فالبصير منها شاخص، و
الأعمى إليها شاخص، و البصير منها مُتَزَوِّدٌ، و الأعمى لها مُتَزَوِّدٌ»(1).
ك) و قال عليهالسلام أيضاً: «و فرض عليكم حج بيته الحرام، الذي جعله قبلة للأنام،
يردونه ورود الأنعام، و يولهون إليه وله الحمام»(2).
ل) و قال عليهالسلام أيضاً: «ألا و إنه مَن لا ينفعه الحق يضره الباطل، و مَن لا
يستقيم به الهدى، يجر به الضلال الى الردى»(3).
م) جهولٌ بِالمناسك لَيسَ يَدرى أغياً بَاتَ يَفْعلُ أَمْ ضَلاَلاَ
ن) أَلاَ لاَ يَجْهِلَنّ أَحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلينَا
ص) إِذَا لَمْ تُفِضْ عَيْني العَقِيقَ فَلاَ رَأَتْ مَنَازِلَه بِالقُرِبِ تَبْهَى
وَ تَبْهَرُ
ع) رُبّ بَخيلٍ لَوْ رَأَى سَائلاً لَظَنَّهُ رُعْباً رَسْولَ المَنُونِ
لا تَطْمَعُوا فِي النَّزْرِ مِنْ نَيْلِهِ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
ف) وَ مَا كُلْفَةُ البَدْرِ المُنيرِ قَدِيمِةً وَ لكِنّهَا فِي وَجْهِهِ أَثَرُ
اللّطْمِ(4)
ص) لاَ عيْبَ فِيهِمْ سِوَى أَنَّ النَّزيلَ بِهِمْ يَسْلُو عنِ الأَهْلِ
وَالأَوْطانِ وَالْحَشَمِ(5)
1. نهج البلاغة، الخطبة 133.
2. المصدر السابق، الخطبة الأولى.
3. المصدر السابق، الخطبة 28.
4. قائله المعري، و معناه: أن كلفة البدر و هي ما يظهرعلى وجهه من كدرة، ليست ناشئة
عن سبب طبيعي، و إنما هي حادثة من اللطم على فراق المرثي.
ق) قال الحريري: ارتفاع الأخطار، باقتحام الأخطار(1).
2. هات لكلّ واحد من المحسّنات البديعية المذكورة في الكتاب بمثال من عندك.
3. ادعى ابن الأثير أنه ليس في القرآن إلاّ مثال واحد للجناس التام، و هو المذكور
في الكتاب، و ردّ عليه الزركشي في علوم القرآن، بأنه يوجد غيره، و هو قوله تعالى:
«وَ لَقَدْ أَرسلنا فيهِمْ مُنذِرينَ * فانْظُر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
المُنذَرينَ»(2)، ناقش هذا الكلام، و بيّن ما فيه من خطأ.
1. قائله صفي الدين الحلي.
2. يعني: أن ارتفاع قدر الإنسان، إنما يكون باقتحام المخاوف والمهالك.
3. الصافات: 72 ـ 73.