دروس في البلاغة

الشيخ معين دقيق العاملي
المركز العالمي للعلوم الإسلامية
مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسية

كلمة المكتب

الحمدللّه‏ و الصّلاة و السّلام على أنبياءاللّه‏، لا سيّما رسوله الخاتم و آله الطيّبين الطاهرين المعصومين.
أمّا بعد، لا شكّ انّ إصلاح المناهج الدراسية المتداولة في الحوزات العلمية و المعاهد الدراسية في العصر الحاضر ـ الذي عُرف بعصر ثورة المعلومات ـ بات حاجة ملحّة يقتضيها تطوّر العلوم وتكاملها عبر الزمان، وظهور مناهج تعليمية وتربوية حديثة تتوافق مع الطموحات و الحاجات الإنسانية المتجدّدة.
و هذه الحقيقة لم تعد خافية على القائمين على هذه المراكز، فوضعوا نصب أعينهم إصلاح النظام التعليمي في قائمة الأولويات بعد أن باتت فاعليته رهن إجراء تغييرات جذرية على هيكليّة هذا النظام.
و يبدو من خلال هذه الروءية أنّ إصلاح النظام الحوزوي ليس أمرا بعيد المنال، إلاّ  أنّه من دون إحداث تغيير في المناهج الحوزوية ستبوء كافّة الدعوات الإصلاحية بالفشل الذريع، و ستموت في مهدها.
و المركز العالمي للدراسات الإسلامية ـ الذي يتولّى مهمّة إعداد المئات من الطلاّب الوافدين من مختلف بقاع الأرض للاغتراف من نمير علوم أهل البيت عليهم‏السلام شرع في الخطوات اللاّزمة لإجراء تغييرات جذرية على المناهج الدراسيّة المتّبعة وفق الأساليب العلميّة الحديثة بهدف عرض الموادّ التعليميّة بنحو أفضل، الأمر الذي لا تلبّيه الكتب الحوزويّة السائدة؛ ذلك انّها لم توءلّف لهدف التدريس، وإنّما أُلّفت لتعبّـر عن أفكار موءلّفيها حيال موضوعات مرّ عليها حُقبة طويلة من الزمن و أصبحت جزءاً من الماضي.
و فضلاً عن ذلك فانّها تفتقد مزايا الكتب الدراسيّة التي يراعى فيها مستوى الطالب و موءهّلاته الفكريّة والعلميّة، و تسلسل الأفكار المودعة فيها وأداوءها، واستعراض الآراء و النظريات الحديثة التي تعبّر عن المدى الذي وصلت إليه من عمق، بلغة عصرية يتوخّى فيها السهولة و التيسير و تذليل صِعاب المسائل مع احتفاظها بدقّة العبارات و عمق الأفكار بعيداً عن التعقيد الذي يقتل الطالب فيه وقته الثمين دون جدوى.
و انطلاقاً من توجيهات كبار العلماء و المصلحين و على رأسهم سماحة الإمام الراحل قدس‏سره ، و تلبية لنداء قائد الثورة الإسلامية آية اللّه الخامنئي ـ مدّظـله‏الوارف ـ قام هذا المركز بتخويل «مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسيّة» مهمّة تجديد الكتب الدراسيّة السائدة في الحوزات العلميّة على أن يضع له خطة عمل لإعداد كتب دراسيّة تتوفّر فيها المزايا السالفة الذكر.
و قد بدت أمام المكتب المذكور ـ و لأوّل وهلة ـ عدّة خيارات:
1. اختصار الكتب الدراسيّة المتداولة من خلال انتقاء الموضوعات التي لها مساس بالواقع العملي.
2. إيجازها و شحنها بآراء و نظريات حديثة.
3. تحديثها من رأس بلغة عصرية وإيداعها أفكار جديدة، إلاّ أنّ العقبة الكأداء التي ظلّت تواجه هذا الخيار هي وقوع القطيعة التامّة بين الماضي والحاضر، بحيث تبدو الأفكار المطروحة في الكتب الحديثة و كأنّها تعيش في غربة عن التراث، و للحيلولة دون ذلك، لمعت فكرة جمع الخيارات المذكورة في قالب واحد تمثّل في المحافظة على الكتب الدراسيّة القديمة كمتون و شرحها بأُسلوب عصري يجمع بين القديم الغابر و الجديد المحدّث.
و بناء على ذلك راح المكتب يشمّر عن ساعد الجدّ و يستعين بمجموعة من الأساتذة المتخصّصين لوضع كتب و كراسات في المواد الدراسيّة المختلفة، من فقه و أُصول و تفسير و كلام و فلسفة و رجال و حديث و أدب و غيرها.
و كانت مادّة البلاغة من الموادّ التي رأينا أنها بحاجة إلى وضع كتاب جديد فيها، يتناسب مع تطلعات المركز، فوقع اختيارنا على الكتاب الذي بين يديك، نظرا لاحتوائة على جلّ المطالب البلاغية المفيدة، بعبارة سلسلة متناسقة، و لخلوه عن التعقيدات اللفظية، والاستطردات الجانبية.
و لا ننسى أن نتقدم بالشكر الجزيل للمؤلف العزيز حجة‏الاسلام و المسلمين، سماحة الشيخ معين دقيق العاملي للجهود التي بذلها في جعل هذا الكتاب يتوافق مع المطلوب كمّا و كيفا، و الاصلاحات التي أضافها على الطبعة الثانية من الكتاب، كما لا ننسى بتقديم الشكر للأساتذه الذين أبدوا جملة من الاقتراحات المفيدة.
و ختاما، نوجّه الدعوى لجميع المخلصين مع ذوي الخبرة باتحافنا بآرائهم البناءة، فإن الخطوات الأولى عادة تصحبها بعض العقبات و النواقص.

المركز العالمي للدراسات الإسلامية
مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسية

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلّف

الحمدللّه‏ الذي خلق الإنسان، علَّمه البيان، بعد أن أنزل القرآن، فجعل فيه لكلّ شيء تبيانا. و صيّره في الفصاحة غاية، و في البلاغة نهاية، بحيث عجزت عن مضاهاته ألسنة البلغاء، و أقرّت بعلوّ شأنه منابر الخطباء.
ثمّ الصلاة و السلام على من أوتي فصل الخطاب، و كان أفضل مخلوق نطق بالضاد، خاتم الأنبياء و المرسلين، و حبيب إله العالمين، سيّدنا و نبيّنا محمّد، و على آله الأطهار، و الأئمة الأخيار، مخازن العلم، و معادن الحكمة.
 

أهمّية علم البلاغة

علم البلاغة من أشرف علوم الأدب و أهمّها. كيف؟ و القرآن و هو المعجزة الإلهية الخالدة، قد تحدّى ببلاغته كلّ خطيب مصقع، و كلّ أديب مبدع. فلم يتصدّ للإتيان بما يوازيه أو يدانيه، واحد من بلغاء العرب و فصحائهم، على الرغم من أنّهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، و أوفر عدداً من رمال الصحراء.
و نحن أبناء هذا العصر كيف يمكن لنا أن نصدّق بذلك تصديقاً عملياً، إن لم‏نطّلع على مسائل هذا الفنّ، لنرى بعين اليقين خلود هذه المعجزة على مرّ الليالي و الأيام.
و تشتدّ الحاجة لهذا العلم، لمن أراد أن يشتغل بالروايات الواردة عن النبي و أهل بيته صلوات اللّه‏ عليهم أجمعين، ليستنبط منها الأحكام الشرعيّة، و القوانين الإلهية، فإنّ كلامهم على جانب كبير من البلاغة و البيان؛ إذ هو دون كلام الخالق، و فوق كلام المخلوق. و لذا نجد في سِيَر الكثير من فقهائنا عدم اكتفائهم بدراسة هذا العلم، بل تعدّوه إلى مطالعة الكثير من المتون الأدبية. و ما ذلك إلاّ ليحصلوا على ملكة في البيان و الأسلوب، يستطيعون بها درك مغازي الأحاديث و مفادها.
و عليه، فلا يصغى إلى مقالة بعض أبناء العصر، من الذين تاهوا الطريق، فقادوا حملة ضدّ هذا العلم، مدّعين عدم أهمّيته، و ضرورة الإعراض عن دراسته، حتّى اغترّ بمقالتهم جملة من المبتدئين، ألهمنااللّه‏ و إيّاهم إلى جادة الصواب.
 

دور علماء الشيعة في توسيع هذا العلم

يبحث في البلاغة ـ كما هو معلوم ـ عن فنون ثلاثة: المعاني و البيان و البديع. و كلّ فنٍّ منها قد اشتهر فيه جملة من العلماء، وضعوا أركانه، و شيّدوا بنيانه. و قد كان لعلمائنا ـ رضوان‏اللّه‏ عليهم ـ قصب السبق في هذه الفنون الثلاثة. فعلم المعاني و إن اشتهر نسبته إلى الشيخ عبد القاهر الجرجاني(ت 471 ه)، كما نصّ على ذلك جلال الدين السيوطي في كتابه الأوائل، إلاّ أنّ الإمام المرزباني (ت 378 ه) قد سبقه في التصنيف في هذا العلم، فإن له كتاب «المفضل في علم البيان و الفصاحة»(1)، الذي قال عنه ابن النديم في فهرسه: إنّه نحو ثلاثمائة ورقة.

1. البيان في ذلك العصر يطلق على المعاني و البيان.

و الإمام المرزباني هذا، من علماء الشيعة و محدّثيهم، كما نصّ على ذلك اليافعي في تاريخه، حيث قال:
«أخذ عن ابن دريد، و ابن الأنباري العلوم الأدبية، و هو صاحب التصانيف المشهورة، و المجامع الغريبة، و رواية الأدب، و صاحب التآليف الكثيرة. ثقة في الحديث، قائل بمذهب التشيّع، و شعره قليل لكنّه من الجيد ...».(1)
و ذكره ابن خلكان بمثل ما ذكره اليافعي بلا تفاوت حتى في التشيع. و هو صاحب كتاب ما نزل من القرآن في علي عليه‏السلام .(2)
أما البديع، فالمشهور بين مؤرخي الأدب ، أن واضعه الخليفة العباسي، عبداللّه‏ بن المعتز بن المتوكل(ت 296 هـ )، و أنه دَوَّنَه سنة 274 هـ في كتابه الموسوم بالبديع.
و الحق أنّ هذه النسبة غير متيقّنة؛ و ذلك لأن الأصل فيها دعوى ابن المعتز نفسه، حيث قال في كتابه الآنف الذكر:
«و ما جمع قبلي فنون الأدب أحد، و لا سبقني إلى تأليفه مؤلف، و ألفته سنة أربع و سبعين و مائتين، فمن أحب أن يقتدي بنا، و يقتصر على هذا فليفعل، و من أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئاً من البديع، و ارتأى غير رأينا فله اختياره».(3)

1. نقلاً عن تأسيس الشيعة ص: 94.
2. المصدر السابق ص: 168.

3. المصدر السابق ص: 168.

مع أن معاصره قدامة بن جعفر الكاتب الشيعي، صنّف في ذلك كتاب نقد الشعر، المعروف بنقد قدامة، و هو أكبر من ابن المعتز سنّاً، فيحتمل قوياً سبق قدامة على ابن المعتز في التصنيف، و إن كان ابن المعتز قد سبقه بالتسمية.
و يؤيد ذلك، أن ابن المعتز جمع في كتابه سبعة عشر نوعاً من أنواع البديع، بينما قدامة بن جعفر، جمع منها عشرين نوعاً، توارد معه على سبعة منها، و سلم له ثلاثة عشر.
و كيف كان فقد تكامل لهما ثلاثون نوعاً، ثم اقتدى بهما الناس في التأليف، إلى أن وصل إلى نابغة زمانه في هذا الفن؛ صفي الدين الحلي(ت 750 ه)، و الذي جمع في قصيدته المشهورة، في مدح الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، الموسومة بـ (الكافية البديعية في مدح خير البريّة) جمع فيها مائة و خمسين نوعاً، و هو أول من ابتدع البديعية و شرحها، ثم تبعه على ذلك جماعة من العامّة و الخاصّة.
 

خصائص الكتاب

الكتاب الذي بين يديك، كان في الأصل دروساً ألقيتها على طلاب المرحلة الأخيرة من دراسة المقدمات. أحببت أن أجمعها في كتاب، بعد أن قمت بتهذيبها، و ترتيبها، و تبويبها من جديد، لكي تكون الفائدة أعم، و النفع منها أشمل.
و حاولت قدر المستطاع أن أجعله متميزاً بجملة من الخصائص الإيجابية. مستعيناً على ذلك باللّه‏ تعالى، و مستفيداً من خبرتي المتواضعة، و تجاربي الخاصة، التي قضيتها في تدريس هذه المادة لسنوات خلت، بحيث أصبحت نوعاً ما، قادراً على التمييز بين ما ينفع طالب هذه المادة، و بين ما يذهب جفاء.
 

و أهمّ هذه الخصائص

1. خلوّه عن الاستطراد، فإن كل ما يبحث فيه مرتبط إرتباطاً وثيقاً بالبلاغة، بل هو من صميمها. بينما هذه الميزة غير متوفّرة في جملة من الكتب البلاغية، خصوصاً القديمة منها، حيث كثر فيها الاستطراد في مسائل خارجة عن الفن، بل لاترتبط به بصلة كالمسائل الفلسفية و الأصولية و الرياضية، بل و الطبية أيضاً.
2. اشتماله على تمرينات، تساعد الطالب على تطبيق القواعد البلاغية، التي تلقّاها بصورة نظرية، فلا يكون جامداً على التعاريف، بل يستطيع أن يتجاوز منها إلى المصاديق. فيُرجى منه و الحالة هذه، أن يساهم في جعل الطالب بليغاً، كما يكون قد ساهم في جعله عالماً بفنّ البلاغة.
3. خلوصه عن الإشكالات اللفظية، التي قد تؤدي الى صرف ذهن الطالب عن المطلب الأساسي. و هذه مشكلة وقعت فيها كلّ الكتب البلاغية، التي هي شرح لمتن، فإنها بطبيعة الحال، تكثر فيها الإشكالات اللفظية من الشارح على الماتن.
4. كان ترتيبه بحيث لايتوقف فهم السابق منه على اللاحق. و هذه خصيصة مهمة؛ لأن المطلب السابق، المرتبط بأبحاث يأتي استيفاؤها لاحقاً، يؤدي إلى تشويش الفكرة، و عدم وضوحها وضوحاً تامّاً لدى الطالب.
5. طرحت فيه المسائل البلاغية بأسلوب متوسط بين الاُسلوب العلمي، و الاُسلوب الأدبي. و ذلك لأن طرحها بالأسلوب العلمي الجاف، لا يتناسب مع طبيعة المادة. و طرحها بالاُسلوب الأدبي السلس، لايتناسب مع كتاب معدّ للدراسة.
6. لَمَّا كانت الصناعة إنما وضعت لفهم القرآن الكريم، و الوقوف على إعجازه من الناحية البلاغية، فقد استبدلت الشواهد الشعرية المعقّدة، بشواهد قرآنية، و أكثرت منها، حتى كادت أن تبلغ الآيات المستشهد بها في هذا الكتاب الخمسمائة.
7. تبويب علم المعاني في هذا الكتاب، مخالف للتبويب المتعارف عند علماء البلاغة، و ذلك لأن التبويب القديم مستوجب للتكرار، حيث تجد أن نكات الحذف ـ مثلاًـ تذكر مرّة في باب المسند إليه، و أخرى في باب المسند، و ثالثة في باب متعلقات الفعل، و كذا الحال في غيره من الأحوال. و فراراً عن هذا المحذور، جعلت نفس الحذف باباً، و تكلمت عن نكاته مطلقاً، سواء كان في المسند إليه، أم المسند، أم غيرهما.
و لهذه و لغيرها من الخصائص، نرجو من‏اللّه‏ العليّ العظيم، أن يستطيع دارس هذا الكتاب، أن يفهم البلاغة على حقيقتها، و يبرع فيها، إذا ما تتبع مسائله، و حلّ تمارينه، بتأمل و روية.
و مع كل ما ذكر، لا يخلو هذا الكتاب من أخطاء و اشتباهات، سببها قلّة الزاد، و قصر الباع، فنستميح القارئ الكريم عذراً، إذا ما مرّ على قصور أو تقصير فيها « والعذر عند كرام النّاس مقبول ».
و أخيراً أسأل‏اللّه‏ تعالى، أن يجعل هذا العمل المتواضع، خالصاً لوجهه الكريم، و أن يتجاوز عن سيئاتي، و يغفر لوالديّ و أساتذتي، و جميع من له حقّ عليّ، و أن يحشرنا مع محمد، و آله الطاهرين، صلوات‏اللّه‏ عليهم أجمعين، و الحمد للّه‏ ربّ العالمين.

قم المقدسة
10 ربيع الأول 1415 ه.