الباب الثاني

الحذف و الذكر

1. الحذف

و هو لغة الإسقاط و اصطلاحاً: إسقاط جزء من الكلام لدليل. و هو خلاف الأصل. و يتفرع على ذلك أمران:
أحدهما: أنه إذا دار الأمر بين الحذف و عدمه، كان الحمل على عدمه أولى.
ثانيهما: أنه إذا دار الأمر بين قليل الحذف و كثيره، كان الاوّل هو الأولى.

دواعي الحذف و أسبابه

إذا لم يتعلق غرض المتكلم بالإبهام، فالأصل عدم جواز الحذف إلاّ إذا قامت على المحذوف قرينة. لكن ذلك غير كافٍ في إدخال الكلام في سلك البلاغة، لأن القرينة إنما هي لتصحيح‏الحذف، والمضفي على‏الكلام صفة البلاغة، و المخرج له عن كونه مجرد ألفاظ ملحقة بأصوات الحيوانات، اعتبارات و دواعي كثيرة، نذكر أهمها:
1. التفخيم و التعظيم، لما في الحذف من الإبهام، فيذهب الذهن كل مذهب، و يتشوف إلى ما هو المراد، فعند ذلك يعظم شأنه، و يعلو في النفس مكانه. ألا ترى أن المحذوف إذا ظهر في اللفظ، زال ما كان يختلج في الوهم من المراد، و خلص للمذكور، و بهذا القصد يؤثَر في المواضع الّتي يراد بها التعجب و التهويل على النفوس. و منه قوله تعالى في وصف أهل الجنة: «حَتّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها»(1)، فحذف الجواب، و جعل الحذف دليلاً على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه، و تركت النفوس تقدّر ما تشاء، و لاتبلغ مع ذلك كنه ما هنالك؛ لأن فيها «ما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر».
2. رعاية الفاصله، كقوله تعالى:«وَ الضُّحى * وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى».(2)
3. قصد الإحتقار، و إلى هذه النكتة أشار الشاعر بقوله:

و لقد علمتُ بأنّهم نَجَسٌ                                         و إذا ذكرتُهم غسلتُ فمي

و منه قوله تعالى: «كَتَبَ اللّهُ لاَءغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِى»(3)، أي: الكفار.
4. تأتي الإنكار لدى الحاجة، كأن يذكر شخص، فتقول: «فاسق فاجر» من دون ذكر اسمه، ليتأتى لك الإنكار عند لومه.

1. الزمر: 73.
2. الضحى: 1 ـ 3.
3. المجادلة: 21.

5. البيان بعد الابهام، كما في مفعول فعل المشيئة و ما شابهه في المعنى، فإنهم لا يكادون يذكرونه، إذا وقع ذلك الفعل شرطاً؛ إذ أن الجواب حينئذ يدل على المفعول و يبينه. و عليه قوله تعلى: «وَ لَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجمَعينَ».(1) أي: لو شاءاللّه‏ هدايتكم لهداكم أجمعين، فإنه لما قيل: «لو شاء» عُلم أن هناك شيئاً تعلقت به المشيئة، لكنه مبهم، فلما جيء بالجواب، صار مبيناً، و هذا أوقع في النفس.
و ينبغي أن يعلم، أنه إنما يجوز حذف مفعول المشيئة، إذا لم يكن تعلق الفعل به غريباً. أما إذا كان كذلك، فيجب ذكره ليأنس السامع به، و عليه قول الخزيمى:
وَ لو شِئتُ أن أَبكي دَماً لَبَكَيْتُهُ عليه و لكن ساحة الصَّبرِ أَوسعُ
فلما كان تعلق فعل المشيئة ببكاء الدم غريباً؛ لقلة ذكره، ذكره الشاعر لتستأنس به النفس، و يستقر فيها.

6. أن يكون الغرض الأصلى للمتكلم هو اثبات الفعل للفاعل أو نفيه عنه، فيحذف المفعول المعلوم؛ لتنصرف النفس إلى الغرض المذكور، و تخلص له. و من هذا الباب قوله تعالى: «وَ لَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دونِهِمُ امَرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خطبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كبيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثمّ تَوَلَّى إِلى الظِّلِّ».(2) حيث حذف المفعول في أربعة مواضع؛ إذ المعنى: «وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم، و امرأتين تذودان غنمهما، و قالتا: لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما». و ما ذاك إلاّ لأنّ الغرض هو أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي، و من المرأتين ذود، و أنهما قالتا: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء، و أنه كان من موسى عليه‏السلام من بعد ذلك سقي. و أما ما كان المسقي، أغنماً أم إبلاً، أم غير ذلك؟ فخارج عن الغرض، و موهم خلافه. و ذلك أنّه لو قيل: «وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما»، جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم، حتى لو كان مكان الغنم إبل، لم ينكر الذود. كما أنك إذا قلت: مالك تمنع أخاك؟ كنت منكراً المنع لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع أخ. فاحفظ هذه النكتة فإنّما أطلنا البحث فيها لأهميتها، و لقلة من تعرض لها من علماء البلاغة.

1. النحل: 9.
2. القصص: 23 ـ 24.

2. الذكر

الأصل فيما لم تدل عليه قرينة أن يكون مذكوراً، و فيما دلت عليه القرينة أن يكون محذوفاً. و لكن قد تقتضي البلاغة ترجيح الذكر على الحذف، حتى مع قيام القرينة على المذكور.
و النكات الداعية إلى ذلك كثيرة، أهمّها:
1. التنبيه على غباوة السامع، و انّه لا يكتفي بالقرينة؛ إما لكونه هكذا واقعاً، أو لقصد إهانته. كقول الفرزدق لهشام بن عبدالملك:

هذا الذي تعرفُ البَطْحاءُ وَ طأَتَه                                و البيتُ يعرفُهُ و الحِلُّ و الحرمُ
هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللّه كلّهم                                 هذا التقيّ النقيّ الطاهر العَلَمُ

2. كون إصغاء السامع مطلوبا، فيبسط له الكلام، و لذا يبسط الكلام مع الأحبّة، كما في بسط موسى عليه‏السلام إذ قيل له: «وَ ما تِلْكَ بِيَمينِكَ يا مُوسى»(1)، و كان يتمّ الجواب بمجرد أن يقول: «عصا»، لكنه زاد فـ : «قال هِى عَصاى أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى غَنَمى وَ لِىَ فِيها مَئارِبُ أُخْرى».(2)

1. طه: 17.

2. طه: 18.

3. ابتهاج المتكلم و افتخاره، فيبسط الكلام لذلك، كقوله تعالى حكاية عن قوم إبراهيم عليه‏السلام لما سئلوا: «ما تَعْبُدُونَ»(1): «قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظلُّ لَها عاكِفينَ»(2)، حيث قد بسطوا الكلام، ابتهاجاً منهم بعبادة الأصنام، و افتخاراً بمواظبتها، منحرفين عن الجواب المطابق المختصر، و هو: «أصناماً».
4. الاستلذاذ بذكره، كما لو كان اسماً للحبيب، كقولنا عند ذكر اسم الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : (اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد)، و كان يمكننا الاكتفاء بـ «و آله».

1. الشعراء: 70.
2. الشعراء: 71.

 

اسئلة و تمرينات

1. إذا قال قائل: «جاء الأمير»، و ترددنا في أنّ المراد: جاء الأمير نفسه، أم جاء غلامه؟ لكنه حذف من الجملة، فعلى أي معنى نحمل الكلام، و لماذا؟
2. ما هي نكات و دواعي الحذف فيما يلي:
أ) «سيذكّر من يخشى * و يتجنّبها الأشقى».(1)
ب) «و لو ترى إذ الظالمون فى غمرات الموت».(2)
ج) «فأمّا من أعطى و اتّقى».(3)
د) «من يشأ اللّه‏ يُضْلِلْهُ».(4)
3. لماذا لم يحذف مفعول فعل المشيئة في قول الجوهري:


و لم يُبْقِ منّي الشّوقُ غيرَ تفكّري                                     فلو شئتُ أن أبكي بكيتُ تفكّرا
 

1. الأعلى: 10 ـ 11.
2. الأنعام: 93.
3. الليل: 5.
4. الأنعام: 39.