الباب الخامس

الإطلاق و التقييد

 

التقييد بالوصف

الصفة إن تلت النكرة فهي مخصصة، و إن تلت المعرفة فهي موضحة. و الأُولى تأتي لغرض زيادة الفائدة؛ لأن الشيء كلما ازداد خصوصاً، ازداد فائدة، كما يظهر بالنظر إلى قولنا: «قال رجل»، و قوله تعالى: «وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمنَهُ»(1). و الثانية تأتي لأغراض متعددة، أكثرها يفهم من نفس الصفة؛ فلذا تعددت الأغراض بتعدد المعاني التي تدل عليها الصفات، فنقتصر على ذكر أهمها:
1. قصد المدح و الثناء: كقوله تعالى: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»(2). و الحق أنها في هذا المثال و نحوه، ليست إلا لمجرد المدح و الثناء، و ليس ذكر الوصف هنا للتمييز؛ لأنه ليس له مثل ـ تعالى‏اللّه‏ عن ذلك ـ حتى يميز عنه بالصفة.

1. غافر: 28.
2. الفاتحة: 1.

2. قصد الذم و التحقير، كقوله تعالى: «فَإِذَا قَرَأتَ الْقُرْءَانَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشّيْطَنِ الرَّجِيمِ»(1).
3. الكشف عن حقيقة الموصوف، و بيان معناه، كقول أوس بن حجر:
الأَلمَعِيُّ الّذِي يَظُنُّ بِكَ‏الظـَ ـنّ كَأَنْ قَْد رَأَى و قَدْ سَمِعَا
فإنّ الألمعي معناه الذكي المتوقد، و الوصف بعده مما يكشف معناه و يوضحه.
4. إفادة الترحم، و عليه ما ورد في الدعاء: «و أنا عبدك الذليل الحقير المسكين المستكين».
و الأولى تأتي ـ أيضا ـ لأعراض متعدّدة منها:
أ) قصد التأكيد، و عليه قوله تعالى: «فَإِذَا نُفِخَ فِى الصوُّرِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ»(2).
ب) تعيين المراد، و بيان المقصود، كقوله تعالى: «وَ مَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الأَرضِ وَ لاَطَائِرٍ يَطيِرُ بِجَناحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أَمثَالُكُمْ»(3)، حيث وصف ـ دابة و طائر ـ بما هو من خواص الجنس؛ لبيان أن القصد منهما إلى الجنس، دون الفرد.
 

التقييد بالعطف

فإن كان عطف بيان فهو كالنعت في مجيئه للإيضاح، و إزالة الإشتراك، كقولك: «جاء صديقك خالد». و قد يستعمل في غير الإيضاح، كالمدح، كما في قوله تعالى: «جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَام»(4).

1. النحل: 98.
2. الحاقة: 13.
3. الأنعام: 38.
4. المائدة: 97.

و إن كان عطف نسق، فيأتي لأحد أمور نكتفي بذكر واحد منها، و هو أن يقصد التفصيل مع اختصار، كقوله تعالى: «وَ وَهبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَ يَعْقُوبَ»(1)، فإنّ كلاً من الموهوبين، لو لم يعطف أحدهما على الآخر؛ بأن ذكرا بلفظ يجمعهما، لحصل إجمال و إبهام، بخلاف ذكرهما بالعطف، فإنه فيه تفصيل لهما، و هو أخصر من أن يقال: « و وهبنا له اسحاق، و وهبنا له يعقوب» و إذا كان العطف ـ بالفاء أو بثم أو بحتى ـ كان التفصيل راجعا إلى الفعل، فإذا قلت: «جاء زيد فعمرو» أفدت تفصيل الفعل، و أنه كان من عمرو بعد كونه من زيد بلا مهلة، و لو كان العطف بثم أفاد التفصيل المذكور مع التراخي، و هذا أخصر من قولك: «جاء زيد و عمرو بعده» فوراً أو متراخياً.
و أما حتى، فهي تفيد التدريج بين أجزاء ما قبلها؛ من الأضعف إلى الأقوى، أو العكس، كقولك: «قهرنا الجيش حتى الكماة»، و «قدم الحجيج حتى المشاة»، و لايخفى ما فيه من التفصيل.
إلى غير ذلك من المعاني، التي يأتي التعرض لبعضها في الأبواب اللاحقة.(2)
و أما التقييد بالمفعول، و البدل و التوكيد، و نحوها، فنعرض عن ذكرها لوضوح نكاتها، و قلتها، مضافاً إلى أنه تقدم ما يشير إلى بعضها.
و أما ترك التقييد بما ذكر، فلمانع من زيادة الفائدة، مثل: خوف انقضاء الفرصة، أو إرادة ألاّ يطّلع الحاضرون على زمان الفعل، أو مكانه، أو مفعوله، أو صفة الشيء، أو لعدم العلم بالمقيدات، أو نحو ذلك مما هو واضح لكل من له ذوق سليم.

1. الأنعام: 84.
2. المقصود منها بابان: القصر، والفصل و الوصل.

 

التقييد بالشرط

التقييد به يكون للأغراض التي تؤديها معاني أدوات الشرط، كالزمان في «متى، و أيان»، و المكان في «أينما، و حيثما»، و الحال في «كيفما»، و غير ذلك مما هو مذكور في كتب النحو.
إلا أنه لابد من النظر هنا في «إن، و إذا»، لاختصاصهما بمزايا تعدّ من وجوه البلاغة، و عدم استيفاء البحث عنهما في كتب النحو.
فاعلم أن «إن و إذا»: يشتركان في كونهما للشرط في الإستقبال، و يفترقان في أنّ «إن» تستعمل في المحتمل المشكوك فيه؛ و لذا كثر وقوع الحكم النادر بعدها. بينما الأصل في «إذا» أن تستعمل فيما جزم بوقوعه؛ و لذا غلب لفظ الماضي معها؛ لما تقدم من أن التعبير عن المضارع بلفظ الماضي، يدل على تحقق الوقوع. و يظهر هذا الفرق بالتأمل في قوله تعالى: «فَإِذَا جِآءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَ إِ نْ تُصِبْهُم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَ مَنْ مَعَهُ»(1)، حيث جيء في جانب الحسنة بلفظ الماضي مع «إذا»؛ لأن المراد الحسنة المطلقة التي حصولها مقطوع به، و جيء في جانب السيئة بلفظ المضارع مع «إن»؛ لأن السيئة نادرة بالنسبة الى الحسنة المطلقة؛ إذ المراد بها نوع مخصوص، و هو الجدب.
لكن كثيراً ما يخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بالنسبة لـ «إن و إذا» فتستعمل احداهما موقع الاُخرى.

1. الأعراف: 131.

استعمال «إن» موقع «إذا»

و ذلك باستعمالها في مقام الجزم بوقوع الشرط، و لابدَّ له من نكات أهمها:
1. عدم جزم المخاطب بوقوع الشرط، فيُجرى الكلام على وفق اعتقاده، كقولك لمن يشك في صدقك: «إن صدقت فماذا تفعل» مع علمك بأنك صادق.
2. تنزيل المخاطب العالم بوقوع الشرط منزلة الجاهل؛ لمخالفته مقتضى علمه، كقولك لمن يؤذي أباه: «إن كان أباك فلاتؤذه».
و يجوز أن يكون من باب تنزيل المتكلم نفسه منزلة الجاهل؛ لإيهام أن الأذى الصادر من الولد لأبيه، لايصدر إلا من الأجنبي؛ فلذا شكك نفسه في أنه أبوه.
3. تغليب غير المتصف بالشرط على المتصف به، كما إذا كان القيام قطعي الحصول لزيد، غير قطعي لعمرو، فتقول «إن قمتما كان كذا». و عليه قوله تعالى: «وَ إِنْ كُنتُمْ فى رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلَى عَبْدِنا»(1)، فاستعمل «إن» مع تحقق الارتياب منهم؛ لأنّ الكل لم‏يكونوا مرتابين،بل‏فيهم من‏يعرف‏الحق وإنما ينكرعناداً، فغلب غير المرتابين منهم على المرتابين؛ لأن صدور الارتياب من غير المرتابين مشكوك.
استعمال «إذا» موقع «إن»
و ذلك باستعمالها في المشكوك، و يكون لنكات، أهمها:
1. الإشعار بأن الشك في ذلك الشرط مما لا ينبغي أن يقع، كقولك لمن قال لا أدري، هل يتفضل عليّ الأمير بعطية؟ ـ : «إذا تفضل عليك كيف يكون شكرك؟»، إشعاراً أن الأمير لا ينبغي الشك في تفضله.
2. عدم شك المخاطب بوقوع الشرط، فيجرى الكلام على سنن اعتقاده، كقولك: «إذا لم تكن صادقاً فماذا تفعل؟».
إلى غير ذلك من النكات، التي تفهم من المقابلة.

1. البقرة: 23.

 

اسئلة و تمرينات

1. أذكر ثلاثة أمثلة قرآنية على التقييد بالوصف و بيّن النكتة فيها.
2. ما هي نكتة التقييد بالوصف في قوله تعالى: «تلك عشرة كاملة» ؟(1)
3. كيف خرّج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بالنسبة لـ «إن و إذا» فيمايلي؟
أ) «فإن كذّبوك فقد كذّب رسل من قبلك» .(2)
ب) «و إذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها و إن تصبهم سيّئة» .(3)
ج) «إذا جاء نصراللّه‏ و الفتح» .(4)
د) «إن كنتم فى ريب من البعث» .(5)

1. البقرة: 196.
2. آل عمران: 184.
3. الروم: 36.
4. النصر: 1.
5. الحج: 5.