(280)
إنّ للّه تعالى قضاءً و قدراً حتميين فى كل شيء لا سبيل للإنسان أن يطلب العدول عنهما و هو الإرادة الالهية الحتميّة فما موقع الدعاء من ذلك؟
و هل يمكن أن يغيّر الدعاء أمراً قد تعلقت به مشيئة اللّه الحتمية، و علم اللّه تعالى بذلك؟
فما جدوى الدعاء اِذن اذا كان الدعاء لا يغيّر من قضاء اللّه و قدره الحتميين؟
و اذا كان للدعاء أثرٌ و دور فى تغيير القضاء و القدر الالهى فكيف يكون ذلك؟
لابُدّ للاجابة عن هذا السؤال من الدخول فى مسألة القضاء و القدر و البداء ... و اذا كان الدخول فى هذه المسألة يخرجنا من اُفق الدعاء الى اُفق الفلسفة، فإننا سوف نحاول أن نبتعد عن التعقيدات الفلسفية لهذه المسألة و ندخلها برفق و اختصار بقدر ما يتعلق بالاجابة عن هذا السؤال.
يجرى قانون العلية فى حركة «التاريخ» و «الكون» بصورة حتمية و عامة من دون استثناء.
(281)
«للّهِ مُلْكُ السَّماواتَ وَ الاْءَرْضَ يَخْلُقُ ما يَشاء» (1).
«إِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُريدُ» (2).
«إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُريد» (3)
«اِنَّما قوْلُنا لشيء اذا أردناه أن نقول له كن فيكون».
«وَ لَوْ شاءَ اللّهَ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ اَبْصارِهِمْ» (4).
«وَ اللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِه مَنْ يَشاءُ» (5).
«يَرْزُقُ مَنْ يَشاء بِغَيْرِ حِسابْ» (6).
«وَ اللّهُ يُؤْتى مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ» (7).
«قُلِ الّلهَّم مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِ شَيْءٍ قَديرٌ»(8).
«اِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ، اَيُّهَا النّاسُ وَ يَأْتَ بِآخَرينَ» (9).
و هذه الآيات و امثالها فى القرآن كثيرة، و هى صريحة فى أنَّ للّه تعالي السلطان المطلق على الكون، لا يحدّه شيء و لا يعجزه شيء و لا يمنعه شيء.
فهو قادر على كل شيء يفعل ما يشاء فعّال لما يريد، لا يسأل عن شيء و هم يُسألون، و لا يُعجزه شيء.
(1) شورى : 49.
(2) الحج : 14.
(3) هود : 108.
(4) البقرة : 20.
(5) البقرة : 105.
(6) آل عمران : 37.
(7) البقرة : 247.
(8) آل عمران : 26.
(9) النساء : 133.
(282)
و قد كان من رأى اليهود أنَّ ارادة اللّه تعالى محكومة لنظام العلية العام الذى يحكم الكون و التاريخ، و ليس للّه تعالى ـ فى رأى اليهود ـ سلطان علي الكون و التاريخ بعد ان خلقهما.
يقول القرآن عن ذلك : «وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِم وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ» (1).
و ليس فى شيء مما قلنا شك و القرآن صريح فى كل ذلك و واضح في شجب اليهود فيما يقولون.
و فى ضوء هذا السلطان الذى يقرره القرآن للارادة الالهية فى الكون و التاريخ و المجتمع من الطبيعى ان نتساءل عن علاقة الارادة الالهية بقانون العلية.
هل هى التعطيل؟ يعنى ان الارادة الالهية تعطل قانون العلية كلما اراد اللّه تعالى ذلك.
و الجواب عن ذلك بالسلب من دون تردد.
فإن اللّه تعالى هو خالق العلة و ليس غيره سبحانه، و خلق العلة يساوي
خلق العلية بالضرورة، فإذا خلق النار خلق الحرارة كذلك و خلق النار من دون
الحرارة، مثل خلق الزوج من دون الزوجية (2) فلا يمكن ان يخلق اللّه تعالى النار من دون أن تكون علة للحرارة إلاّ أن يقلبها الى شيء آخر غير النار يشبه النار،
(1) المائدة : 64.
(2) مع فارق يسير و هو أن الاول من لوازم الوجود و الثانى من لوازم الماهية.
(283)
فليس من سبيل اذن الى القول بأنّ سلطان الارادة الالهية على الكون و التاريخ بمعنى تعطيل قانون العلية.
فما هى العلاقة إذن بين الإرادة الإلهية و قانون العلية؟
يوضح القرآن الكريم هذه العلاقة فى مواضع كثيرة، و يحددها بأن للّه تعالى الحاكمية المطلقة و السلطان المطلق على هذا القانون بهذا القانون من دون تعطيل و الغاء له، فلا يعطّل القرآن اِرادة اللّه كما يفعل اليهود، و لا يعطّل نظام العليّة كما يفعل الاشاعرة و انما يقرر حاكميّة اللّه تعالى على الكون بهذا القانون نفسه، فإذا أراد ان يُنعم على قوم أرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته :
«هُوَ الَّذى أَرْسَلَ الرّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه» (1).
«اللّهُ الَّذى أَرْسَلَ الرّياحَ فَتُثيرُ سَحاباً» (2).
«وَ أَرْسَلْنا الرّياحَ لَواقِحَ فَانْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً» (3).
فهو سبحانه ينزل من السماء ماءً بإرسال الرياح اللواقح و اذا اراد أن يبشِّر قوماً برحمته ارسل عليهم الرياح بُشرا بين يدى رحمته لتُثير السحاب و ينزل عليهم الامطار من السماء لتخصب أرضهم بما أودع اللّه فيها من الرحمة.
فينعم اللّه على من يريد أن ينعم عليهم اسباب هذه النعمة كما انه تعالى اذا
اراد أن ينتقم من اُمّة لسوء عملها انتقم منهم باسباب العذاب، يقول تعالى في
(1) الفرقان : 25.
(2) فاطر : 9.
(3) الحجر : 22.
(284)
«وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنينَ، وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُم يَذَّكّرُونَ»(1).
فتتم عقوبة آل فرعون و تنبيههم بالجدب و القحط، و (السنون) جمع (سنة) و هى بمعنى الجدب و القحط.
فإذا اراد اللّه ان ينعم على قوم انعم عليهم باسباب النعمة و منها الرياح و السحاب، و اذا أراد ان يعذب قوماً عذبهم بأسباب العذاب، و من ذلك الجدب و القحط، و قلة نزول الامطار.
و هذا هو قانون «التسبيب» و هو أن يتَّخذ اللّه تعالى الى ما يشاء و ما يريد الأَسباب التى تحقق مشيئة اللّه فيما يشاء. و فى القرآن شواهد على ذلك، يقول تعالى :
«فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلاِْسْلامِ وَ مَنْ يُرِدَ أَنْ يُظِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأنَّما يَصَّعَّدُ فيِ السَّمَاءِ» (2).
و الآية الكريمة واضحة فى المعنى الذى نقول، فإن اللّه تعالى يريد هداية
قوم و ظلال قوم (بسبب من اعمالهم) فإذا أراد هداية قوم اتخذ لذلك السبب
الذى يحقق ما يريده تعالى فشرح صدرهم للإسلام، و اذا أراد ضلال قوم اتخذ
من الاسباب ما يحقق ما يريده تعالى فجعل صدورهم ضيقة حرجة. و يقول
(1) الاعراف : 130
(2) الانعام : 125.
(285)
«وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرَنا مُتْرَفيها فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْها الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْميراً» (1).
و اذا أراد اللّه تعالى هلاك مجتمع (بسبب من اعمالهم) اتخذ لذلك السبب الذى يؤدى الى فسادهم، فاترفهم، فاستدرج الترف المترفين منهم الى الفسق فحق عليهم العذاب. و يقول تعالى :
«وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُريدُ اللّهَ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرين» (2).
لما أراد اللّه تعالى للمسلمين الذين وقفوا مع رسول صلياللهعليهوآله أن يحق بهم الحق و يقطع دابر الكافرين، اتخذ لهم طريق ذات الشوكة سبباً لذلك.
و كما يجعل اللّه طريق ذات الشوكة سبباً لتكامل المسلمين و قيمومتهم على الناس و امامتهم لهم على وجه الارض، كذلك يجعل الابتلاء باللين و الترف سبباً لهلاك اُمَّةٍ قضى اللّه تعالى بهلاكهم. و يقول تعالى :
«فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُريدُ اللّهَ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فيَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ» (3).
فيجعل اللّه تعالى من اموالهم و اولادهم سبباً لعذابهم و هلاكهم.
(1) الاسراء : 16
(2) الانفال : 7.
(3) التوبه : 55.
(286)
و قانون التوفيق قريب من قانون التسبيب و هو أن يجعل اللّه تعالى عبده فى مجرى اسباب الخير فإذا أراد اللّه بمريضٍ الشفاء دلّهُ على الطبيب الذي يشخص علّته و دلّهُ على الدواء الذى يعالج مرضه.
و اذا أراد اللّه بعبدٍ خيراً اخذ بيده الى اسباب الهداية و الخير. و اذا اراد اللّه لِعبده الرزق أخذ بيده الى اسباب الرزق، و اذا اراد خلاف ذلك حجبه عن اسباب الرزق.
و كل ذلك بيد اللّه تعالى و خاضع لحكمه و سلطانه «ما يَفْتَحِ اللّهُ لِلنّاس مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَ ما يُمْسِكَ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ» (1).
«إِنَّ اللّهَ بالِغُ أَمْرِه» (2).
«إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ اِنْ يَخْذَ لَكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذى يَنْصُرْكُمْ مِنْ بَعْدِه»(3).
«وَ إِذا أَرادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءً فَلا مَرَدَّ لَهُ، وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِه مِنْ والٍ» (4).
«إِنّ رَبَّك فَعّالٌ لِما يُريدُ» (5).
«إِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُريدُ» (6).
(1) فاطر : 2.
(2) الطلاق : 3.
(3) آل عمران : 160.
(4) الرعد : 12
(5) هود : 108.
(6) الحج : 14.
(287)
و هو معنى هيمنة اللّه تعالى على الكون :«اَلْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنْ» (1).
و القول الفصل فى العلاقة بين ارادة اللّه و قانون العلية ان قانون العلية نافذ فى الكون نفوذاً حتمياً و عاماً.
غير أن هذا القانون محكوم لمشيئة اللّه تعالى و ليس حاكماً و ارادة اللّه تعالى حاكمة عليه. و ليس معنى حاكمية ارادة اللّه الغاء هذا القانون و تعطيله، و كيف يمكن ذلك و هو من خلق اللّه تعالى كما اسلفنا. و لكن اللّه تعالى يمحو من هذه الاسباب ما يشاء، و يثبت منها ما يشاء و يتصرف فى هذا الكون كما يشاء فيعز من يشاء و يذل من يشاء بأسباب العز و الذل.
و من أجل ذلك فليس بوسع الانسان ان يقرأ مستقبل الكون و التاريخ من ناحية الاسباب و العلل لان مشيئة اللّه تتدخل فى الأمر فتغير من هذه الاسباب و العلل كما يريد اللّه.
فقد يقاتل جيش قوى جيشاً ضعيفاً فإذا أراد أحدنا ان يقرأ مستقبل
الصراع بين هذين الجيشين يتكهّن للجيش القوى بالنصر و للجيش الضعيف،
بالهزيمة، غير ان اللّه تعالى اذا أراد أن ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة هيّأ
لذلك اسباباً لم تكن بالحسبان فاُلقى فى قلوب الفئة الكثيرة الرعب و القى في
(1) الحشر : 22 .
(288)
قلوب الفئة القليلة القوة و العزم و سدد فعل هذه القلّة و لم يسدد فعل الفئة الكثيرة و أوقعها فى أخطاء عسكرية و سدد الفئة القليلة و وفقها و أجرى الامور لما يخدمها؛ فتنتصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة اذا شاء اللّه.
و لا تقرر الكثرة و القلة وحدها مصير المعركة كما يظن اولئك الذين لا يؤمنون باللّه، و ليس معنى ذلك انّ الكثرة ليست من اسباب النصر، و القلة ليست من اسباب الهزيمة، و انّما نقول ان للنصر أسباب اُخرى و للهزيمة أيضاً اسباب اُخري، و اللّه تعالى اذا اراد للفئة القليلة النصر هيّأ لها اسباب النصر، و هى بيده، و اذا أراد للفئة الكثيرة الهزيمة هيّأ لذلك اسبابها و هى بيده : «قالَ الَّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَْت فَئَةً كَثيرَةً بِإذْنِ اللّهِ، وَ اللّهُ مَعَ الصّابِرينَ» (1).
و هذا هو معنى البداء فى التكوين : تغيير مجرى الاحداث، فى الكون و التاريخ بما يريد اللّه تعالى و كم من مرة وصلت البشرية الى حافة السقوط لو كان قانون العلية هو الحاكم على حياة الناس إلاّ أن المشيئة الالهية تتدخل في اللحظة المناسبة و تنقذ البشرية من السقوط ... على خلاف ما تقتضيه حركة قانون العلية و ليس معنى ذلك الغاء هذا القانون و تعطيله و انما التحكم فيه من جانب اللّه عزّ شأنه بهذا القانون نفسه، و هذا التحكم بنتائجه يجرى على خلاف ما يفهم الناس و يقرؤه الناس من تسلسل الاسباب و المسببات و العلل و المعلولات.
(1) البقرة : 249.
(289)
و هذا التحكم الالهى فى قانون العلية الذى يفاجأ الناس، و يضلل حساباتهم هو «البداء» الذى وردت فيه روايات كثيرة من طرف أهل البيت عليهمالسلام .
و ب «البداء» يقع التغيير فى الكون و التاريخ و المجتمع فيحدث ما لم يكن بالحسبان و ينتصر من لم يتوقع الناس له ان ينتصر، و ينهزم من لم يتوقع الناس له ان ينهزم و يملك الضعيف و تذل الملوك.
و البداء بهذا المعنى هو المحو و الاثبات الذى ورد فى كتاب اللّه تعالى : «يَمْحوُ اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثبِتُ و عِنْدَهُ اُمُّ الْكِتابِ» (1).
و «اُمّ الكتاب» هو علم اللّه تعالى و المعبَّر عنه فى ألْسِنة الروايات «باللوح المحفوظ» و لا يجرى فى ذلك محو و لا تغيير، و لا يعلم اللّه تعالى شيئاً بعدَ جهل.
و قد روى الصدوق فى (اكمال الدين) عن أبى بصير و سماعة عن أبي عبداللّه الصادق عليهالسلام : «من زعم ان اللّه عزّ و جلّ يبدو له فى شيء لم يعلمه أمس فابرَؤوا منه» (2).
و انما يجرى المحو فى «كتاب التكوين» و ليس فى «اُمّ الكتاب» الذى هو علم اللّه تعالي.
فإن علم اللّه تعالى ثابت لا يتبدل، و التغيير و التبديل يجرى فى الكون و
(1) الرعد : 39.
(2) بحار الأنوار: 4 / 111
(290)
المجتمع و التاريخ بالاسباب التى يتخذها اللّه تعالى لذلك؛ روى العياشى عن ابن سنان عن ابى عبداللّه عليهالسلام انّه قال : «إِنَّ اللّه يقدِّم ما يشاء و يؤخِّر ما يشاء، و يمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء و عنده اُمّ الكتاب و قال فكل أمر يريده اللّه فهو في علمه قبل أن يصنعه ليس شيء يبدو له إلاّ و قد كان فى علمه، ان اللّه لا يبدو له من جهل» (1).
و عن عمّار بن موسى عن ابى عبداللّه عليهالسلام :
«سُئل عن قول اللّه يمحو اللّه، قال : إِنَّ ذلك الكتاب كتاب يمحو اللّه ما يشاء، و يثبت، فمن ذلك يَردُّ الدعاء القضاء و ذلك الدعاء مكتوب عليه الذى يُردُّ به القضاء حتى اذا صار الى اُمّ الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئاً» (2).
فيثبت اللّه تعالى اِذَن، ما يشاء من النظام الكونى الذى يجرى بأمره بموجب قانون العلية و يمحو ما يشاء، فقد يستوجب مرض معيَّن أن يموت صاحبه بالاسباب الطبيعية فيثبت اللّه تعالى ذلك فتجرى الاسباب بما تؤدى اليه بإذنه تعالى و أمره، و قد يمحو اللّه ذلك اذا شاء فيسبب اللّه له الشفاء بأسبابه، و ليس بتعطيل الاسباب فيجرى المحو فى التكوين أمّا فى أُمّ الكتاب فلا يجري محوٌ و لا تغيير، و لا يعلم اللّه تعالى شيئاً بعد جهل.
و هذا المحو يجرى فى كتاب التكوين لنظام الاسباب و المسببات
بموجب «الحكمة» و «الرحمة» الالهية، فإذا اقتضت «حكمته» أو «رحمته» تعالي
تغيير مجرى الاحداث فى الكون أو المجتمع هيّأ اللّه تعالى لذلك اسبابه، و محي
(1) بحار الأنوار: 4 / 121
(2) بحار الأنوار.
(291)
ماكان يجرى فى الكون و المجتمع، لو لا مشيئة اللّه تعالى بموجب نظام الاسباب و المسببات. و هذا النظام خاضع لأمر اللّه تعالى فى حالتى «المحو» و «الاثبات» و سلطان اللّه تعالى نافذ عليه، فإذا اثبته اللّه جرى بإذنه و أمره، و إذا غيره اللّه و محاه تبدل بحكمه و سلطانه.
و الايمان بالبداء يأتى بعد الايمان بالتوحيد فى الأهمية؛ فإن القول بنفي البداء بمعنى عزل ارادة اللّه تعالى عن تدبير الكون و الهيمنة على حركة الكون و المجتمع، و تحكيم نظام العلية و السببية على ارادة اللّه تعالى كما يقول اليهود : «يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ».(1)
و القول الحق الذى يقرره القرآن : «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ»(2) و لا يحد شيءٌ من سلطان اللّه تعالى و بسط يده فى الكون و المجتمع.
و هذا هو المردود الأول فى عقيدة الانسان المسلم باللّه تعالى و المردود الثانى فى علاقته باللّه تعالي، فإن الايمان يبسط يداللّه تعالى فى كل حال في التغيير و التبديل فيما يتطلبه نظام الاسباب و المسببات يلجأ العبد الى اللّه تعالي فى حاجاته و شؤونه، و أكثر ما يجذب الانسان الى اللّه و يشده به تعالى الدعاء فى الحاجات و المهمّات و الملمّات.
فإذا كان الانسان لا يجد سبيلاً الى تغيير قضاء اللّه تعالى و قدره و لا يري
(1) المائدة : 65 .
(2) المائدة : 64 .
(292)
فى الدعاء جدوى و لا نفعاً فى تغيير مجرى الاحداث لم يلجأ الانسان الى اللّه تعالى فى حاجة أو مهمة. و انّما يلجأ الناس الى اللّه لانهم يعتقدون انّ للّه تعالي قضاءين، قضاءً حتماً كتبه اللّه تعالى فى «اُمّ الكتاب» لا سبيل الى تغييره و تبديله، و قضاءً معلقاً يجرى فيه التغيير و التبديل اذا شاء اللّه فيلجأ الناس الى اللّه تعالى فى الاجابة لحاجاتهم و دعواتهم.
و الامور التى تؤدى الى تدخل الارادة الالهية فى تغيير مجرى الاسباب و الاحداث كثيرة منها الايمان و التقوى يقول تعالى : «و لو أنَّ اهل القُرى آمنوا و اتَّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء» و منها الشكر : «لَئن شكرتم لأزيدنَّكم».
و منها الاستغفار : «وَ ما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ، وَ اَنْتَ فيهِمْ وَ ما كانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (1).
و منهما الدعاء و النداء : «وَ نُوحاً اِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَ اهْلهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظيمِ» (2).
«وَ اَيُّوبَ اِذْ نادى رَبَّهُ أَنّى مَسَّنيَ الضُرُّ وَ اَنْتَ أَرْحَمَ الرّاحِمينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِه مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْناهُ اَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدَنا وَ ذِكْري لَلْعابِدينَ»(3)
«وَ ذَا النُّونَ اِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فيِ الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ
(1) الانفال : 33.
(2) الأنبياء : 76.
(3) الأنبياء : 84 .
(293)
إِلاّ اَنْتَ سُبْحانَكَ إِنّى كُنْتُ مِنَ الظّالِمينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِيَ الْمُؤْمِنينَ» (1).
اذن فإن اللّه تعالى يحكم النظام الكونى كلّه بصورة مطلقة و ليس من شيءٍ فى الكون يحدّ من سلطانه و يعجزه، و يجرى هذا السلطان بالاسباب نفسه و ليس بتعطيل نظام الاسباب و المسببات و يمحو اللّه ما يشاء من هذا النظام بسلطانه و حكمه و أمره و يثبت ما يشاء بإذنه. و يجرى هذا المحو و الاثبات فى كتاب التكوين فقط و ليس فى «اُمّ الكتاب» و اذا محى اللّه تعالى شيئاً في التكوين فبحكمته و رحمته، و هذا المحو هو البداء الذى وردت فيه روايات كثيرة من اهل البيت عليهالسلام و اللّه تعالى يجرى البداء بأسباب كثيرة منها الاستغفار و منها التقوى و الايمان و الشكر و منها الدعاء.
و الدعاء من أهم موجبات البداء يقول تعالى :
«اُدْعُونى اَسْتَجِبْ لَكُمْ»(2)
(1) الأنبياء : 88 .
(2) المؤمن : 60 .
(294)