(268)
لنا فى حديث الأئمة أهل البيت عليهالسلام ثروة هائلة من الادعية و المفاهيم الرقيقة و الشفافة فى المناجاة.
و كان اصحابهم رحمهمالله يحرصون حرصاً بليغاً على تسجيل ما يوصون به اصحابهم من الادعية.
روى السيد رضى الدين على بن طاووس فى مهج الدعوات عند ذكر دعاء «جوشن الصغير» المنسوب الى الامام موسى بن جعفر عليهالسلام قال : روى ابو الوضاح محمد بن عبداللّه بن زيد النهشلى عن ابيه عبداللّه بن زيد الذى كان من اصحاب الامام الكاظم عليهالسلام : قال عبداللّه بن زيد انه كان جماعة من خاصة ابي الحسن الكاظم عليهالسلام من أهل بيته و شيعته يحضرون مجلسه و معهم فى أكمامهم ألواح آبنوس لطاف و أميال فإذا نطق بكلمة أو أفتى فى نازلة أثبت القوم ما سمعوه منه. من ذلك قال عبداللّه فسمعناه و هو يقول فى دعائه ... و ذكر الدعاء المعروف «جوشن الصغير» المروى عن موسى بن جعفر عليهالسلام (1).
(1) مهج الدعوات للسيد رضى الدين على بن طاووس رحمهالله .
(269)
و قد دوّن اصحاب الامام الصادق عليهالسلام من حديثه أربعمائة مصنف اشتهرت بالاصول الاربعمائة. يقول الشيخ أمين الاسلام الطبرسى (توفى سنه 548) فى اعلام الوري: روى عن الامام الصادق عليهالسلام من مشهورى أهل العلم أربعة آلاف انسان و صنَّف من جواباته فى المسائل اربعمائة كتاب تسمي الاصول (1). و قد كان من دأب اصحاب الاصول رحمهمالله الإهتمام بضبط و تدوين ما يسمعونه من أئمة أهل البيت عليهمالسلام .
يقول الشيخ البهائى فى «الشمسين» : «قد بلغنا عن مشايخنا قدس أسرارهم انه كان من دأب اصحاب الاصول انهم اذا سمعوا عن أحد من الائمة عليهمالسلام حديثاً بادروا الى اثباته فى اصولهم لئلا يعرض لهم نسيان لبعضه أو كله بتمادى الأيام». و لذلك كانت هذه الاصول معتمدة من قبل الاصحاب و اذا رووا عنها رواية حكموا بصحتها و اعتمدوها.
يقول المحقق الداماد فى الراشحة التاسعة و العشرين من رواشحه بعد ذكر الاصول الاربعمائة : «و ليعلم ان الأخذ من الاصول المصححة المعتمدة أحد أركان تصحيح الرواية».
و قد تعهد عدد كبير من اصحاب الأئمة عليهمالسلام لكتابة الاصول لا يمكن
استيفاؤهم و لا استيفاء اصولهم. يقول الشيخ الطوسى رحمهالله فى أول الفهرست : «و
انى لا أضمن الاستيفاء؛ لان تصانيف اصحابنا و اصولهم لا تكاد تضبط لكثرة
(1) اعلام الوري.
(270)
انتشار اصحابنا فى البلدان». نعم لا يقل عددهم كما يقول المحقق آقا بزرگ الطهرانى فى الذريعة عن الاربعمائة (1).
يقول المحقق الداماد فى الراشحة المذكورة : «المشهور ان الاصول الاربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف من رجال ابى عبداللّه الصادق عليهالسلام بل و في مجالس السماع و الرواية عنه و رجاله زهاء اربعة آلاف رجل و كتبهم و مصنفاتهم كثيرة، اِلاّ أن ما استقر على اعتبارها و التعويل عليها و تسميتها بالاصول هذه الاربعمائة».
إلاّ أنّ هذه الاصول مع طوائف كثيرة من تراث أهل البيت عليهمالسلام و من ذلك
كتب الادعية تعرضت للتلف فى حادث حريق خزانة الكتب التى أوقفها الوزير
أبو نصر سابور بن اردشير (الوزير الشيعى الذى استوزره بهاء الدولة البويهي) و
قد كانت هذه الخزانة من أجلّ خزانة الكتب فى ذلك العصر و أعمرها و اكثرها
كتاباً. ذكرها الياقوت الحموى فى معجم البلدان (2 : 342) مادة بين السورين
فقال: «ان بين السورين فى كرخ بغداد من أحسن محالها و أعمرها»؛ قال: «و بها
خزانة الكتب التى وقفها الوزير أبونصر سابور بن اردشير وزير بهاء الدولة ابن
عضد الدولة البويهى و لم يكن فى الدنيا احسن كتب منها، كانت كلها بخطوط
الأئمة المعتبرة و اصولهم المحرزة و احترقت فيما أحرق من محال الكرخ عند
ورود طغرل بيك أول ملوك السلجوقية الى بغداد سنه 447 ه و كان من هذه
(1) الذريعة إلى تصانيف الشعية: 2 / 129.
(271)
الكتب التى أحرقها طغرل بيك كتب الادعيه المأثورة عن أهل البيت عليهمالسلام ».
يقول المحقق المتتبع الطهرانى رحمهالله بعد نقل كلام الحموى فى الياقوت : أقول : «و من المظنون كون جملة من كتب هذه المكتبة الموقوفة للشيعة و المؤسسة لهم فى محلتهم كرخ بغداد هى الاصول الدعائية التى رواها القدماء من اصحاب الأئمة عليهمالسلام عنهم. و قد صرَّح أئمة الرجال فى ترجمة كل واحد منهم بثبوت الكتاب له معبراً عنه بكتاب الادعية و ذاكراً لطريق روايتهم لهذا الكتاب عن مؤلفه» (1).
و قد اجتمعت طائفة من هذه الاصول عند شيخ الطائفة الشيخ ابى جعفر الطوسى رحمهالله لدى تأليفه «الإستبصار» و «التهذيب» ببغداد و كان تحت تصرف الشيخ رحمهالله عندئذ ببغداد مكتبتان حافلتان باُمهات الاصول: احداهما مكتبة سابور التى اسست لعلماء الشيعة بجانب الكرخ من بغداد و الاُخرى خزائن كتب استاذه الشريف المرتضى الذى كان يُقدَّر بثمانين الف كتاب. و بقيت جملة من هذه الكتب الى عصر ابن ادريس الحلى رحمهالله و استخرج منها «مستطرفات السرائر».
يقول المحقق الطهرانى آقا بزرك فى الذريعة : «و بالجملة هذه الاصول
الدعائية التى كانت فى مكتبة شاپور بالعناوين العامة أو الخاصة، صارت كُلّها
(1) الذريعة: 8 / 174.
(272)
طُعمةً للنار كما شرحه ياقوت، لكنّا ما افتقدنا منها شيئاً إلاّ اعيانها الشخصية الموجودة فى الخارج، أمّا محتوياتها من الادعية و الاذكار و الزيارات فقد وصلت الينا بعين ما كان مندرجاً فى تلك الاصول. و ذلك لأنه قبل تاريخ الاحتراق بسنين كثيرة قد الّف جمع من الاعاظم الاعلام كتباً فى الادعية و الاعمال و الزيارات، و استخرجوا جميع ما فى كتبهم من تلك الاصول الدعائية.
و هذه الكتب المؤلفة عن تلك الاصول قبل التحريق موجودة بعينها حتي اليوم مثل كتاب الدعاء للشيخ الكلينى المتوفى سنه 329 و كامل الزيارات لابن قولويه المتوفى سنة 360 و كتاب الدعاء و المزار للشيخ الصدوق المتوفى سنه 381 و كتاب المزار للشيخ المفيد المتوفى سنة 413 و كتاب روضة العابدين للكراجكى المتوفى 449».
و من المصادر الدعائية المأخوذة من تلك الاصول القديمة هو (مصباح المتهجِّد) لشيخ الطائفة الطوسى المتوفى سنة 460؛ فإنه بعد وروده الى العراق فى سنة 408 استخرج من الاُصول القديمة التى كانت تحت يده بمكتبة سابور و مكتبة استاذه الشريف المرتضى أحاديث الاحكام، فألَّف تهذيب الاحكام و ألَّف الاستبصار و الف مصباح المتهجّد أيضاً فى الادعية و الاعمال و استخرج فيه من تلك الاصول مقدار ما يتحمَّله العُبّاد من المتهجّدين.
و قد سلمت طائفة من مصادر الادعية الى القرن السابع من حريق مكتبة
(273)
سابور بكرخ و وصلت الى يد السيد رضى الدين ابن طاووس رحمهالله المتوفي
سنة 664. يقول : فى الفصل الثانى و الاربعين من كتابه
يقول فى آخر كتاب مهج الدعوات : «هذا آخر ما وقع فى الخاطر ... و لو أردنا اثبات اضعافه و كلما عرفناه كنا خرجنا عما قصدناه فإن فى خزانة كتبنا فى هذه الاوقات أكثر من سبعين مجلداً فى الدعوات» (2).
و ذكر السيد فى كتابه (اليقين) الذى هو من أواخر تصانيفه انه بلغت عدّةُ كتب الأَدعية عنده الى سبعين كتاباً» (3).
و عند ما ألّف السيد كتابه الكبير فى الدعاء «الاقبال» كان له على ما يقول الشهيد فى مجموعته التى نقلها الجبعى عن خطّه، الف و خمسمائة كتاباً و كان ذلك فى سنة 650 ه التى فرغ منها السيد رضى الدين ابن طاووس رحمهالله من كتاب الاقبال. يقول الشهيد : «كان جرى ملكه على الف و خمسمائة كتاباً في سنه 650» (4).
(1) كشف المحجة لثمرة المهجة ، لابن طاووس.
(2) مهج الدعوات ، لإبن طاووس.
(3) الذريعة: 2 / 265.
(4) الذريعة: 2 / 264 ـ 265.
(274)
يقول السيد ابن طاووس فى كتابه «فلاح السائل» انّه بعد ما قرأ كتاب «المصباح الكبير» فى الادعية لجدّه لاُمّه الشيخ ابى جعفر الطوسي، وجد فيه خيراً كثيراً، إلاّ أنّه عثر على اضافات كثيرة لم يلحقه الشيخ الطوسى بكتابه فعزم على تأليف مستدرك على كتاب المصباح الكبير فى خمسة عشر مجلداً باسم «تتمات مصباح المتهجّد و مهمّات فى صلاح المتعبد». قال فى مقدمة كتاب فلاح السائل : «و ها أنا مرتب ذلك مستعيناً باللّه جلّ جلاله فى عدة مجلدات يحتسب ما أرجوه من المهمّات و التتمات.
المجلد الأوّل : اسميته «فلاح السائل» فى عمل يوم و ليله و هو مجلدان.
و المجلد الثالث : اسميته كتاب «زهرة الربيع فيادعية الاسابيع».
و المجلد الرابع : اسميته كتاب «جمال الاسبوع بكمال العمل المشروع».
و المجلد الخامس : اسميته «الدروع الواقية من الاخطار».
و المجلد السادس : اسميته كتاب «المضمار للسباق و اللحاق».
و المجلد السابع : أسميته كتاب «السالك المحتاج الى معرفة مناسك الحجاج».
و المجلد الثامن و التاسع : اسميتهما كتاب «الاقبال بالاعمال الحسنة فيما نذكره مما يعمل ميقاتاً واحداً كلّ سنة».
و المجلد العاشر : اسميته كتاب «السعادات بالعبادات التى ليس لها وقت
محتوم و معلوم فى الروايات بل وقتها بحسب الحادثات المقتضية و الادوات
(275) و اذا اتمّ اللّه جلّ جلاله هذه الكتب على ما أرجوه من فضله رجوت بأنّ
كلّ كتاب منها لم يسبقنى فيما أعلم أحدٌ الى مثله، و يكون من ضرورات من
يريد قبول العبادات و الاستعداد للمعاد قبل الممات اجزاء، الجزء الأوّل : اسميته
ـ «فلاح السائل و نجاح السائل فى عمل يوم و ليله».
و الجزء الثالث : اسميته كتاب الرجوع فى زيارات و زيادات صلوات و دعوات الاسبوع فى الليل و النهار.
و الجزء الرابع: اسميته «الاقبال» بالاعمال الحسنة فيما يعمل مرة واحده كلّ سنة.
و الجزء الخامس : اسميته كتاب «اسرار الصلوات و انوار الدعوات» و هذا الجزء الخامس إن أذن اللّه جلّ جلاله فى تأليفه فإننى أصونه مدة حياتى إلاّ أن يأذن من له الإذن فى بذله لأحدٍ قبل وفاتي» (1).
يقول المحقق الطهرانى آقا بزرك رحمهالله : «ثم ان جمعاً من العلماء قد ألحقوا
بما دوَّنه السيد ابن طاووس فى تصانيفه كثيراً من الادعية و الاعمال المنسوبة
ايضاً الى الأئمة عليهمالسلام التى كانت مدرجة فى الكتب القديمة الدعائية التى لم تكن
(1) فلاح السائل : 7 ـ 9. ط سنه 1372 ه ش.
(276)
عند السيد ابن طاووس و قد حفظت من الحريق و الغرق و الارضة و السوس حتى وصلت اليهم، فأدرجوا تلك الأدعية فى تصانيفهم الدعائية.
منهم الشيخ السعيد محمدبن مكى الشهيد فى 786 ه ؛ و منهم الشيخ جمال السالكين مؤلف كتاب «المزار» الموجود، و هو أبوالعباس أحمد بن فهد الحلى مؤلف «عدة الداعي» و كتاب «التحصين فى صفات العارفين» المتوفي 841 هـ ؛ و منهم الشيخ تقى الدين ابراهيم الكفعمى المتوفى 905 ه ، فإنه ألّف «جنة الأمان الواقية» و «البلد الأمين» و «محاسبة النفس» و فى كلها الادعية و الاذكار المأثورة عن الأئمة، و صرح فى أوّل الجُنة بأنّه جمعها من كتب معتمدة على صحتها، مأمور بالتمسك بعروقها و عدّ فى «الجُنة» و «البلد» من مصادرهما نيفاً و مائتين كتاباً، ينقل عنهما فى متن الكتابين، و كثير منها من الكُتُب الدعائية القديمة، منها «روضة العابدين» للكراجكى المتوفى سنة 449.
و منهم الشيخ البهائى المتوفى سنة 1031 ، مؤلف «مفتاح الفلاح».
و منهم المحدث الفيض الكاشانى المتوفى سنة 1091 ، مؤلف «خلاصة الاذكار».
و منهم المجلسى المتوفى سنة 1111 ، و هو الذى جمع فأوعى فألف بالعربية فى مجلدات البحار، و بالفارسية «زاد المعاد» و «تحفة الزائر» و «مقباح المصابيح» و «ربيع الاسابيع» و «مفاتح الغيب» (1).
(1) الذريعة الى تصانيف الشيعة: 8 / 179 ـ 180.
(278)