للحب ظهوران: فقد يبرز الحب على صورة «الشوق»، و قد يبرز الحب على صورة «الأُنس»، و كلتاهما حالتان تعبّران عن الحب، إلاّ أنّ حالة «الشوق» تنتاب المحب عند ما يكون بعيداً عمّن يحبه، و حالة «الأُنس» تنتاب المحب عند ما يكون بحضور حبيبه.
و هاتان الحالتان متواردتان على قلب العبد تجاه اللّه تعالي. فإن للّه تعالي تجلِّيَين، يتجلّى للعبد عن بُعد تارة و عن قرب اُخري: «الذى بَعُدَ فلا يُرى و قَرُبَ فشهد النجوي» (2).
وعند ما يتجلّى للعبد عنبُعد تنتاب العبد حالةالشوق، وعندما يتجليللعبد عنقرب، ويحسّ العبد بحضورمولاه «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ»(3)، «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريدِ» (4)، «وَإِذا سَأَلَكَ عِبادى عَنّى فَإِنّى قَريبٌ»(5)، تنتاب العبد حالة «الأُنس».
(1) مفاتيح الجنان، دعاء أبى حمزة الثمالي.
(2) مفاتيح الجنان، دعاء الافتتاح.
(3) الحديد: 4.
(4) ق: 16.
(5) البقرة: 186.
(217)
و فى دعاء الافتتاح عن الإمام الحجة المهدى عجل اللّه فرجه تصوير دقيق لهاتين الحالتين: «الحمد للّه الذى لا يُهتك حجابه و لا يُغلق بابه» (1).
و لا شك أنّ الذى لا يُهتك حجابه هو الذى لا يُغلق بابه ... و لكن شتّان بين اللّه تعالى من خلال هذا التصور أو ذاك.
و «الحجاب» حجابان: حجاب ظلمة و حجاب نور، فقد تمنع الإنسان من الرؤية شدة الظملة، و كثافة الحجب الظلامية، و هذا حجاب الظلمة.
و قد تمنع الإنسان من الرؤية شدّة الوهج و النور، كما يعجز الإنسان عن رؤية الشمس ليس لحاجزٍ أو مانعٍ، و إنّما لشدة وهج الشمس، و هذا هو حجاب النور.
و حجب الظلمة فى علاقة الإنسان باللّه تعالى هى «حب الدنيا» و «مقارفة السيئات» و «ما يرين على القلب».
و حجاب النور فى علاقة الإنسان باللّه تعالى شيء غير ذلك، و هو الحجاب الذى لا يُهتك كما يقول الإمام الحجة عجل اللّه تعالى فرجه فى هذا الدعاء.
و هذا الحجاب هو الذى يهيّج الشوق و اللهفة فى قلوب العباد. يقول الإمام على بن الحسين زين العابدين عليهالسلام عن هذه الحالة من الشوق و اللهفة إلي اللّه فى مناجاته:
«و غُلّتى لا يبرّدها إلاّ وصلُك، و لوعتى لا يطفيها إلاّ لقاؤك و شوقى إليك
لا يبلّه إلاّ النظر إلى وجهك، و قرارى لا يقرّ دون دُنوّى منك، و لهفتى لا يردّها إلاّ
رَوحُك، و سقمى لا يشفيه إلاّ طبّك، و غمّى لا يزيله إلاّ قُربُك، و جُرحى لا يبرؤه إلاّ
(1) مفاتيح الجنان، دعاء الافتتاح.
(218)
صفحك، و رَين قلبى لا يَجلوه إلاّ عفوك ... فيا منتهى أمل الآملين، و يا غاية سؤل السائلين، و يا أقصى طلبة الطالبين، و يا أعلى رغبة الراغبين و يا وليّ الصالحين، و يا أمان الخائفين، و يا مجيب دعوة المضطرّين، و يا ذخر المعدمين، و يا كنز البائسين» (1).
و فى مقابل هذا التجلّى نحوٌ آخر من التجلّي، و هو تجلّى اللّه لعباده دون أن يغلق باباً بينه و بين عباده، يسمع نجواهم، و هو أقرب إليهم من حبل الوريد، يحول بين المرء و قلبه، و لا يخفى عليه شيء مما يخطر على قلوب عباده، فيشعر العبد أنه بحضور مولاه، يتهيّب أن يخالفه و يعصيه، و يأنس بذكره، و يسكن إلى مناجاته و دعائه، و يطيل المناجاة، والذكر و الدعاء، والوقوف بين يديه.
و فى حديث قدسي، يقول اللّه لبعض أنبيائه، و هو سبحانه يصف قيامهم له فى ظلمات الليل، و قد هدأ الناس و استسلموا للنوم: «و لو تراهم و هم يقومون لي فى الدجي، و قد مثلت نفسى بين أعينهم يخاطبوني، و قد جللت عن المشاهدة و يكلموني، و قد عززت عن الحضور» (2).
فلا يملّ العبد الوقوف بين يدى اللّه، و لا يشعر بمرور الوقت؛ أو رأيت إن
كان الإنسان بمحضر حبيب من الأحبّاء الذين تهوى إليهم نفسه، هل يملّ أو
يشعر بمرور الوقت؟ فكيف لو كان الإنسان يشعر أنه بحضور اللّه؟ يسمعه، و يراه،
(1) بحار الأنوار: 94 / 150.
(2) لقاء اللّه: 101.
(219)
و يسمع خطابه و كلامه، و هو معه؛ «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ» (1).
فيسكن و يطمئن إلى ذكر اللّه «أَلا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (2).
يقول الإمام المهدى الحجة عجل اللّه فرجه فى دعائه المعروف بـ«الافتتاح»: «فصرت أدعوك آمناً و أسألك مستأنساً، لا خائفاً و لا وجلاً، مدلاًّ عليك فيما قصدت فيه إليك» (3).
و لا شك أنّ هذه الحالة من الأُنس باللّه، و السكون إلى اللّه، و الإحساس بالأمن فى كنف اللّه حالة نابعة من الإحساس بحضور اللّه و قربه و معيّته، و هي من أفضل حالات العبد تجاه ربه، و لكنها ليست تمثل كلّ شيء فى علاقة الإنسان باللّه، بل لابدّ أن تقترن بحالة (الشوق) حتى تكتمل و تتوازن و تتناسق.
و هاتان الحالتان بارزتان فى عبادة أولياء اللّه و عبادة الصالحين و علاقتهم باللّه، فقد يكون طابع الشوق و اللهفة هو الغالب على عباداتهم و علاقتهم باللّه، و قد يكون طابع الأُنس و السكون و الاطمئنان هو الغالب على عباداتهم و ذكرهم و علاقتهم باللّه، و قد يكون هذا و ذاك، و هو أفضل الأحوال و أسلمها، و أقرب إلى حالة التوازن و التناسق فى العلاقة باللّه.
عن حمّاد بن حبيب العطّار الكوفي، قال: «خرجنا حجّاجاً فرحلنا من
«زبالة»(4) ليلاً، فاستقبلتنا ريح سوداء مظلمة، فتقطّعت القافلة فتهت فى تلك الصحارى و البراري، فانتهيت إلى واد قفر، فلمّا أن جنَّ الليل أويت إلى شجرة
(1) الحديد: 4.
(2) الرعد: 28.
(3) مفاتيح الجنان، دعاء الافتتاح.
(4) منزل على طريق الحجاج من العراق.
(220)
عادية، فلمّا أن اختلط الظلام إذا أنا بشاب قد أقبل، عليه أطمار بيض، تفوح منه رائحة المسك، فقلت فى نفسي: هذا وليّ من أولياء اللّه متى ما أحسَّ بحركتي خشيت نفاره و أن أمنعه عن كثير ممّا يريد فعاله. فأخفيت نفسى ما استطعت. فدنا إلى الموضع فتهيّأ للصلاة، ثمَّ وثب قائماً و هو يقول: يا من أحاز كلَّ شيء ملكوتاً، و قهر كلَّ شيء جبروتاً، أَوْلِجْ قلبى فرح الإقبال عليك، و ألحقنى بميدان المطيعين لك. قال: ثمَّ دخل فى الصلاة ...
فلما أن تقشّع الظلام وثب قائماً و هو يقول: يا من قصده الطالبون فأصابوه مرشداً، و أمّه الخائفون فوجوده متفضّلاً، و لجأ إليه العابدون فوجدوه نوالاً، متى وجد راحة من نصب لغيرك بدنه، و متى فرح من قصد سواك بنيّته، إلهى قد تقشّع الظلام و لم أقض من خدمتك وطراً، و لا من حاضّ مناجاتك مدراً، صلِّ على محمّد و آله، و افعل بى أولى الأمرين بك يا أرحم الراحمين. قال: فخفت أن يفوتنى شخصه، و أن يخفى عليَّ أثره فتعلّقت به، فقلت له: بالّذى أسقط عنك ملال التعب، و منحك شدَّة الشوق لذيذ الرَّغْبة ... من أنت؟ فقال لي: أمّا إذا أقسمت فأنا على بن الحسين بن على بن أبى طالب» (1).
و قال الأصمعي: «كنت أطوف حول الكعبة ليلة، فإذا شابٌّ ظريف الشمائل و عليه ذؤابتان، و هو متعلّق بأستار الكعبة و هو يقول: «نامت العيون، و علت النجوم و أنت الملك الحيُّ القيوم، غلّقت الملوك أبوابها، و أقامت عليها حرَّاسها، و بابك مفتوح للسائلين، جئتك لتنظر إليَّ برحمتك يا أرحم الراحمين».
(1) بحار الأنوار: 46 / 77 ـ 78.
(221)
ثمَّ أنشأ يقول:
| يا من يجيب دعا المضطرِّ فى الظلم | يا كاشف الضرِّ و البلوى مع السّقم |
| قد نام وفدك حول البيت قاطبة | و أنت وحدك يا قيّوم لم تنم |
| أدعوك ربّ دعاءً قد أمرت به | فارحم بكائى بحقِّ البيت و الحرم |
| إن كان عفوك لا يرجوه ذو سرف | فمن يجود على العاصين بالنعم |
قال: فاقتفيته فإذا هو زين العابدين عليهالسلام » (1).
و قال طاووس الفقيه: رأيته يطوف من العشاء إلى السحر و يتعبّد، فلمّا لم ير أحداً رمق السماء بطرفه، و قال: «إلهى غارت نجوم سماواتك، و هجعت عيون أنامك، و أبوابك مفتّحات للسائلين، جئتك لتغفر لى و ترحمنى و ترينى وجه جدِّي محمّد 9 فى عرصات القيامة». ثمَّ بكى و قال: «و عزَّتك و جلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، و ما عصيتك إذ عصيتك و أنا بك شاكُّ، و لا بنكالك جاهل، و لا لعقوبتك متعرّض، و لكن سوّلت لى نفسى و أعاننى على ذلك سترك المرخى به عليَّ، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ و بحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنّي؟ فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يديك، إذا قيل للمخفّين جُوزوا، و للمثقلين حطّوا، أ مع المخفّين، أجوز؟ أم مع المثقلين أحطّ؟ ويلى كلّما طال عمرى كثرت خطاياى و لم أتب، أما آن لى أن أستحى من ربّي»؟ ثمَّ بكى و أنشأ يقول:
| أتحرقنى بالنار يا غاية المني | فأين رجائى ثمَّ أين محبّتي |
| أتيت بأعمال قباح زريّة | و ما فى الورى خلق جنى كجنايتي |
(1) بحار الأنوار: 46 / 80 ـ 81 .
(222)
ثم بكى و قال: «سبحانك تُعصى كأنّك لا تَري، و تَحلم كأنّك لم تُعصَ. تتودّد إلى خلقك بحسن الصنيع كأنَّ بك الحاجة إليهم، و أنت يا سيّدى الغنيُّ عنهم». ثمَّ خرَّ إلى الأرض ساجداً. قال: فدنوت منه و شِلت برأسه و وضعته على ركبتى و بكيت حتّى جرت دموعى على خدِّه، فاستوى جالساً و قال: من الّذى أشغلني عن ذكر ربّي؟ فقلت: أنا طاووس يابن رسول اللّه ما هذا الجزع و الفزع؟ و نحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا و نحن عاصون جانون. أبوك الحسين بن عليّ و أُمّك فاطمة الزهراء، و جدُّك رسول اللّه صلياللهعليهوآله . قال: فالتفت إليَّ و
قال: هيهات هيهات يا طاووس دع عنّى حديث أبى و اُمّى و جدِّى خلق اللّه الجنّة لمن أطاعه و أحسن، و لو كان عبداً حبشيّاً، و خلق النار لمن عصاه و لو كان ولداً قرشيّاً. أما سمعت قوله تعالي: «فَإِذا نُفِخَ فِى الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ»(1) واللّه لاينفعك غداً إلاّ تَقْدِمَةٌ تقدِّمها من عمل صالح»(2).
و عن حبّة العرنى : «بينا أنا و «نوف» نائمين فى رحبة القصر، إذ نحن بأميرالمؤمنين عليهالسلام فى بقية من الليل، واضعاً يده على الحائط شبه الواله، و هو يقول: «إِنَّ فى خَلْقِ السَّماواتِ وَ الاْءَرْضِ...»(3) ثم جعل يقرأ هذه الآيات، و يمر شبه الطائر عقله فقال: أراقد يا حبة أم رامق؟
قلت: رامق، هذا أنت تعمل هذا العمل فكيف نحن؟!
فأرخى عينه فبكي، ثم قال لي: يا حبة إنّ للّه موقفاً و لنا بين يديه موقف،
(1) المؤمنون : 101 .
(2) بحار الأنوار: 46 / 81 ـ 82 .
(3) آل عمران : 190 .
(223)
فلا يخفى عليه شيء من أعمالنا، يا حبة إنّ اللّه أقرب إليك و إليَّ من حبل الوريد، يا حبة إنّه لن يحجبنى و لا إياك عن اللّه شيء ثم قال: أراقد أنت يا نوف؟
قال: لا يا أميرالمؤمنين ما أنا براقد، و لقد أطلت بكائى هذه الليلة ... ثم وعظهما و ذكرهما، و قال فى أواخره: فكونوا من اللّه على حذر فقد أنذرتكما ثم جعل يمرّ و هو يقول:
«ليت شعرى فى غفلاتى أمعرض أنت عنى أم ناظر إليَّ و ليت شعري فى طول منامى و قلة شكرى فى نعمك عليّ ما حالي؟
قال: فو اللّه ما زال فى هذه الحالة حتى طلع الفجر (1).
و نصوص الأدعية و المناجاة الواردة من أهل البيت: غنيّة بهذه الصور الحيّة و المتحركة والمعبّرة عن «الاُنس» و «الشوق»، و بشكل خاص المناجاة الخمس عشرة التى يرويها العلاّمة المجلسى فى البحار عن الإمام زين العابدين على بن الحسين عليهالسلام حافلة بصور من «الاُنس» و «الشوق».
و نحن نجد فى تراث أهل البيت: كنزاً غنياً من هذه الصور و المعاني، قلّما نجده عند غيرهم.
و ها نحن نذكر بعض هذه الصور قبل أن نفارق هذا البحث: «إلهى من ذا الذى ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدلاً، و من ذا الذى أنس بقربك فابتغى عنك حولاً؟
إلهى فاجعلنا ممن اصطفيته لقربك و ولايتك و أخلصته لودّك و محبتك، و
شوّقته إلى لقائك، و رضّيته بقضائك، و منحته النظر إلى وجهك، و حبوته برضاك، و
(1) فلاح السائل لابن طاووس: 266.
(224)
أعذته من هَجرك و قلاك، و بوّأته مقعد الصدق فى جوارك، و خصصته بمعرفتك، و أهّلهته لعبادتك، و هيّمت قلبه لإرادتك، و اجتبيته لمشاهدتك، و أخليت وجهه لك، و فرّغت فؤاده لحبك، و رغّبته فيما عندك، و ألهمته ذكرك، و أوزعته شكرك، و شغلته بطاعتك، و صيّرته من صالحى بريتك، و اخترته لمناجاتك، و قطعت عنه كل شيء يقطعه عنك.
اللّهمّ اجعلنا ممّن دأبهم الارتياح إليك و الحنين، و دهرهم الزفرة و الأنين، جباههم ساجدة لعظمتك، و عيونهم ساهرة لخدمتك، و دموعهم سائلة من خشيتك، و قلوبهم متعلقة بمحبتك، و أفئدتهم منخلعة من مهابتك. يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رائقة، و سبحات وجهه لقلوب عارفيه شائقة، و يا منى قلوب المشتاقين، و يا غاية آمال المحبّين أسألك حبك و حب من يحبك، و حب كل عمل يوصلنى إلى قربك، و أن تجعلك أحب إليَّ مما سواك، و أن تجعل حبى إيّاك قائداً إلى رضوانك، و شوقي إليك ذائداً عن عصيانك، و امنن بالنظر إليك عليّ، و انظر بعين الود و العطف إليَّ، و لا تصرف عنى وجهك» (1).
و هذه فقرات من الدعاء زاخرة بمفاهيم الحب و الشوق و الأنس، و لست أريد التعليق، فلن أستطيع أن أزيد الفقرات من الدعاء جمالاً على جمالها و بياناً على بيانها، و لست ممن يحسن التعليق على روائع آيات الدعاء و الحب و الأدب.
و أول ما يلفت النظر فى هذه الفقرات النداء الذى ينادى به الإمام ربه
(1) بحار الأنوار: 94 / 148.
(225)
سبحانه و تعالي: «يا منى قلوب المشتاقين، و يا غاية آمال المحبين ...». «يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رائقة، و سبحات وجهه لقلوب عارفيه شائقة».
و مطالب الإمام فى هذا الدعاء ثلاثة، و هى أعظم ثلاثة يطلبها العبد من ربه.
1ـ فهو يطلب من اللّه أولاً أن يصطفيه لنفسه، و يخلص قلبه لحبه، و يخلي وجهه لوجهه الكريم، و يرغبه فيما عنده، و يفرغ فؤاده لحبه، و يلهمه ذكره، و يقطع عنه كل ما يقطعه عنه، و يصرف عنه كلّ ما يصرفه عنه.
و هذه البداية ضرورية للحركة التى يطلبها الإمام من اللّه تعالي، و التي يحدّد غايتها بالنظر إلى وجه اللّه، و من دون هذه البداية، لا يمكن أن يتحرك الإنسان هذه الحركة الصعبة و الشاقة إلى قمّة لقاء اللّه، و النظر إلى وجهه الكريم، و إنه لراحة لكل نبيّ و صدّيق.
و لئن كان النظر إلى وجه اللّه رزقاً يرزقه اللّه تعالى من يشاء و يصطفى من عباده، فلابدّ أن يطلب العبد أن يرزقه اللّه تعالى هذا الرزق بمفاتحه، فإنّ اللّه تعالي إذا رزق أحداً من عباده رزقاً رزقه من أبوابه و مفاتحه، و سبّب له أسبابه.
و الذين يطلبون من اللّه تعالى أن يرزقهم من غير أبوابه، و بغير مفاتحه يدعون اللّه تعالى على خلاف سننه و قوانينه التى سنّها لعباده.
و الأبواب التى منها يدخل الإنسان، و منها ينطلق إلى قمّة لقاء اللّه و مشاهدة وجهه الكريم هي:
أولاً: تفريغ القلب من كل رين و همّ وحب و تعلّق بالدنيا، و هو ما يسمّيه
(226)
العلماء بـ«التخلية»، أى إخلاء القلب من كل همّ و تعلّق لغير اللّه تعالي.
فيقول الإمام: «و اجعلنا ممن أخلصته لودّك و محبتك، و أخليت وجهه لك، و فرّغت فؤاده لحبك، و قطعت عنه كلّ شيء يقطعه عنك».
و هذه هى النقطة الاُولى فى البداية، و هى نقطة سلبية.
و النقطة الثانية فى البداية هى «التحلية» فى مقابل «التخلية» كما يقول العلماء. و هى نقطة إيجابية يلحظها الإمام فى الطلبات التالية: «و اجعلنى ممن رضّيته بقضائك، و حبوته برضاك، و خصصته بمعرفتك، و أهّلته لعبادتك، و رغّبته فيما عندك، و ألهمته ذكرك، و أوزعته شكرك، و شغلته بطاعتك، و صيّرته من صالحي بريّتك، و اخترته لمناجاتك».
«و اجعلنا ممن جباههم ساجدة لعظمتك، و عيونهم ساهرة فى خدمتك، و دموعهم سائلة من خشيتك، و أفئدتهم منخلعة من رهبتك».
و هذه البداية «بنقطتيها» هى مفتاح الحركة إلى اللّه، و هى المنطلق التي منها ينطلق الإنسان إلى غاية لقاء اللّه و مشاهدة جلال وجهه الكريم و جماله. و هذا هو الطلب الأول.
2ـ و الطلب الثانى مترتب على الطلب الأول، و هى المرحلة الوسطى في هذه الحركة الصاعدة إلى اللّه، و من دونه لا يمكن أن يتحرك الإنسان إلى اللّه، و يصل إلى جواره و قربه «فى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَليكٍ مُقْتَدِرٍ» (1).
و المركب الذى يحمل الإنسان إلى هذه الغاية التى يتمنّاها كل نبى و ولي
(1) القمر: 55.
(227)
و صدّيق و شهيد، هو «الحب» و «الاُنس باللّه» و «الشوق إلى اللّه» و من دون الحب، و الشوق، و الاُنس لا يمكن أن يرقى الإنسان هذا المرتقى الرفيع إلى اللّه.
و الحب و الشوق و الاُنس رزق من عند اللّه، من دون شك، يرزقه اللّه تعالى من يجتبى و يصطفى من عباده. ولكن بعد مقدمات ذكرها الإمام عليهالسلام نجدها مبثوثة فى فقرات هذه المناجاة.
و يلحّ الإمام فى هذا الطلب، و يتوسل إلى ذلك بمختلف الوسائل و التعابير. فهو ينادى اللّه تعالى بهذا النداء الرائع: «يا منى قلوب المشتاقين و يا غاية آمال المحبين».
ثم يطلب منه الحب، و حبّ من يحب و حبّ كل عمل يوصله إلى قربه و جواره.
و لنتأمل فى كلمات الإمام مباشرة فإنّ التعليق يضيّع علينا فرصة النظر المباشر إلى آفاق هذا الحب التى يفتحها الإمام علينا فى هذا الدعاء: «أسألك حبّك، و حبّ من يحبّك، و حبّ كل عمل يوصلنى إلى قربك، و أن تجعلك أحبَّ إليَّ مما سواك، و أن تجعل حبى إيّاك قائداً إلى رضوانك، و شوقى إليك ذائداً عن عصيانك، و امنن بالنظر إليك عليّ، و انظر بعين الود و العطف إليَّ، و لا تصرف عنّى وجهك».
و يقول: «و اجعلنا ممن شوّقته إلى لقائك، و أعذته من هجرك و قلاك، و هيَّمت قلبه لإرادتك».
ثم يقول عليهالسلام : «اللّهمّ اجعلنا ممن دأبهم الارتياح إليك و الحنين، و دهرهم الزفرة و الأنين ... قلوبهم متعلقة بمحبتك، و أفئدتهم منخلعة من مهابتك».
(228)
و خلاصة المطالب فى هذه الفقرة أربعة:
1ـ أن يعيذنا هجره و قلاه.
2ـ أن يرزقنا حبه و مودته.
3ـ أن يرزقنا الاُنس به.
4ـ أن يرزقنا الشوق إلى لقائه.
و يختصر الإمام «الاُنس و الشوق» فى هذه الجملة الرائعة: «و اجعلنا ممن دأبهم الارتياح إليك و الحنين».
فإنّ الارتياح إلى اللّه غير الحنين إليه، و كلاهما يطلبه الإمام من اللّه. و الارتياح هو الأُنس المنبعث من اللقاء، و الحنين هو الشوق المنبعث من الحركة إلى اللقاء.
3ـ و المرحلة الثالثة من هذه الرحلة العلوية إلى اللّه فى هذا الدعاء الجليل هى غاية الغايات، و أشرف ما يطلبه النبيون و الصدّيقون من اللّه. و هى طلب النظر إلى جلال وجهه و جماله البهي، و أنه غاية لا ينالها إلاّ صفوة الصفوة ممن يصطفيهم اللّه تعالى لقربه و جواره.
يقول الإمام عليهالسلام : «و اجعلنا ممّن منحته النظر إلى وجهك و بوّأته مقعد الصدق فى جوارك، و اجتبيته لمشاهدتك ... و امنن بالنظر إليك عليّ».
و يا لها من حاجة أن ينظر الإنسان إلى وجه ربه، و يشاهد جلاله و جماله عن قرب، و يقعد عنده فى مقعد صدق بجواره، و يسقيه ربه شراباً طهوراً.
(229)
صورة اُخرى من صور الشوق و الاُنس فى أدعية الإمام زين العابدين عليهالسلام : «إلهى فاسلك بنا سبل الوصول إليك، و سيّرنا فى أقرب الطرق للوفود عليك. قرّب علينا البعيد، و سهِّل علينا العسير الشديد، و ألحقنا بعبادك الذين هم بالبدار إليك يسارعون، و بابك على الدوام يطرقون، و إيّاك بالليل و النهار يعبدون، و هم من هيبتك مشفقون الذين صفّيت لهم المشارب، و بلّغتهم الرغائب، و أنجحت لهم المطالب، و قضيت لهم من فضلك المآرب، و ملأت لهم ضمائرهم من حبّك، و روّيتهم من صافى شربك فبك إلى لذيذ مناجاتك وصلوا، و منك أقصى مقاصدهم حصّلوا. فيا من هو على المقبلين عليه مقبل، و بالعطف عليهم عائد مفضل، و بالغافلين عن ذكره رحيم رؤوف، و بجذبهم إلى بابه ودود عطوف ... أسالك أن تجعلنى من أوفرهم منك حظّاً، و أعلاهم عندك منزلاً، و أجزلهم من ودّك قسْماً، و أفضلهم فى معرفتك نصيباً. فقد انقطعت إليك همتي، و انصرفت نحوك رغبتي، فأنت لا غيرك مرادي، و لك لا لسواك سَهَرى و سهادي، و لقاؤك قرة عيني، و وصلك منى نفسي، و إليك شوقي، و فى محبتك ولهي، و إلى هواك صبابتي، و رضاك بغيتي، و رؤيتك حاجتي، و جوارك طلبي، و قربك غاية سؤلي، و فى مناجاتك روحى و راحتي، و عندك دواء علّتي، و شفاء غلّتي، و كشف كربتي، فكن أنيسى فى وحشتى و مُقيل عثرتي، و غافر زلّتي، و قابل توبتي، و مجيب دعوتي، و وليّ عصمتي، و مُغنى فاقتي، و لا تقطعنى عنك، و لا تبعدنى منك، يا نعيمى و جنتي، و يا دنياى و آخرتي» (1).
(1) بحار الأنوار: 94 / 148.
(230)
و هذه قطعة جليلة من جلائل المناجاة، و رائعة من روائع أدب الدعاء، و غرّة من غرر كلمات أهل البيت: فى الدعاء و التضرّع و الحب، صادرة عن قلبٍ والهٍ بحب اللّه، مشتاق إلى لقاء اللّه، و هى تستحق الكثير من التأمل و الوقوف.
و نقتصر على الإشارة السريعة إلى بعض الصور و الأفكار للحب الإلهي التى تزخر بها هذه المناجاة.
فى البدء يطلب زين العابدين عليهالسلام من اللّه أن يأخذ بيده و يسلك به سبل الوصول إليه و هو خلاصة ما فى هذا الدعاء، و أجلّ ما فيه من المطالب. فلا يطلب الإمام فى هذا الدعاء من اللّه تعالى دنيا و لا آخرة، و إنه لطلب مشروع يحبه اللّه، و لكنه يطلب القرب، و الوصول و الجوار، فى مقعد صدق عنده مع الأنبياء و الشهداء و الصدّيقين. يقول عليهالسلام : «إلهى فاسلك بنا سبل الوصول إليك». و لا يقول الإمام (سبيل الوصول إليك) بصيغة المفرد، و إنّما يقول: «سبل الوصول» بصيغة الجمع، ذلك لأنّ «الصراط» إلى اللّه تعالى واحد لا يتعدد، و لم يذكر القرآن للّه تعالى إلاّ صراطاً واحداً، يقول تعالي: «اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُستَقيمَ* صِراطَ الَّذينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَالضّالّينَ»(1) ويقول: «وَاللّهُ يَهْدى مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ» (2). و يقول: «وَ يَهْديهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ»(3). و يقول: «وَ اجْتَبَيْناهُمْ وَ هَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ» (4).
أمّا (السبيل) فقد ورد بصيغة الجمع فى الحق و الباطل فى القرآن كثيراً.
(1) الفاتحة: 6 ـ 7.
(2) البقرة: 213.
(3) المائدة: 16.
(4) الأنعام: 87 .
(231)
يقول تعالي: «يَهْدى بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ» (1). و يقول:
«وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبيلِه» (2).
«وَ ما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا» (3).
«وَ الَّذين جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنينَ» (4).
فقد جعل اللّه تعالى للناس إليه سُبلاً كثيرة يسلكونها إليه و قد اشتهر علي لسان العلماء: «أنّ الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق». و كل هذه الطرق و السبل تجرى على صراط اللّه المستقيم، و لكن جعل اللّه تعالى لكل إنسان طريقاً يعرف به ربه، و يسلكه إليه.
فمن الناس من يسلك إليه سبيل العلم و العقل، و منهم من يسلك إليه سبيل القلب و الفؤاد، و من الناس من يعرف اللّه بالتجارة و التعامل مع اللّه، و أنه من أفضل السبل أن يتعرف الإنسان على اللّه من خلال التعامل المباشر مع اللّه و الأخذ و العطاء. قال تعالي: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَليمٍ»(5)، و قال سبحانه: «وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرى نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللّهِ وَ اللّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» (6).
و يطلب زين العابدين عليهالسلام هنا من اللّه تعالى أن يسلك به سبل الوصول إليه، لا سبيلاً واحداً، فكلما سلك الإنسان إلى اللّه تعالى مسالك و سبلاً أكثر كان وصوله إلى جوار اللّه و قربه أوكد و أقوى و أبلغ.
(1) المائدة: 16.
(2) الأنعام: 153.
(3) إبراهيم: 12.
(4) العنكبوت: 69.
(5) الصف: 10.
(6) البقرة: 207.
(232)
ثم يسأل اللّه تعالى بعد ذلك أن يلحقه بأهل البدار من عباده الصالحين الذين يسارعون إلى اللّه و يطوون ليلهم و نهارهم على طاعة اللّه و عبادته.
و الطريق إلى اللّه صعب عسير، و عن هذا الطريق يعبّر القرآن بـ«ذات الشوكة». و كثيرون أولئك الذين بدأوا السير على هذا الطريق بعزم و صدق، ثم تساقطوا أثناء الطريق.
و زين العابدين عليهالسلام يسأل اللّه أن يقرّب عليه البعيد، و يسهّل عليه العسير، فى هذه الرحلة الشاقة، و أن يلحقه بالصالحين الذين سبقوه «و هو إمام الصالحين» فإنّ رفقة الأولياء و الصالحين على طريق ذات الشوكة، تشدّ علي قلوب الجميع، و تزيد من عزمهم على مواصلة الطريق.
إنّ السير إلى اللّه صعب، فإذا كان جمع من الصالحين يسيرون على هذا الطريق، يتماسكون، و يتواصون بالحق، و يتواصون بالصبر ... خفّ عليهم السير على طريق ذات الشوكة.
يقول على بن الحسين زين العابدين عليهالسلام فى طبيعة هذه الرحلة الشاقة و الطويلة، و فى طلب التقريب و التخفيف و الالتحاق بالصالحين، على هذا الطريق : «و سيّرنا فى أقرب الطرق للوفود عليك. قرّب علينا البعيد، و سهِّل علينا العسير الشديد، و ألحقنا بعبادك الذين هم بالبدار إليك يسارعون، و بابك على الدوام يطرقون، و إيّاك بالليل و النهار يعبدون».
و يصف الإمام هؤلاء الصالحين الذين يسأل اللّه تعالى أن يلتحق بهم بهذا
الوصف الجليل الذى يستحق الكثير من التفكير و التأمّل: «الذين صفّيت لهم
(233)
المشارب، و بلّغتهم الرغائب ... و ملأت لهم ضمائرهم من حبك، و روّيتهم من صافي
شربك».
إنّ هذا الشراب الصافى هو شراب «الحب» و «اليقين» و «الإخلاص» و «المعرفة». و الإناء هو «القلب».
و قد رزق اللّه تعالى الإنسان أوعية كثيرة للمعرفة و اليقين و الحب، و لكن «القلب» هو أعظم هذه الأوانى جميعاً و أوعاها.
فإذا صفّى اللّه تعالى لعبده شرب قلبه، و سقاه شراباً صافياً طهوراً، كان عمله و كلامه و عطاؤه أيضاً صافياً و نقياً مثل شرابه.
فإنّ بين واردات القلب و صادراته تشابهاً و مسانخة. فإذا كانت واردات القلب نقية صافية، من نمير نقى عذب، كانت صادرات القلب تشبهها، فيكون فعل العبد، و كلامه، و رأيه، و أخلاقه، و موقفه، و عطاؤه صافياً عذباً. و إذا كانت واردات القلب قذرة أو مشوبة بالقذارة مما يوحيه الشياطين إلى أوليائهم، كانت صادرات القلب لا محالة تشبهها من كذب و نفاق و شحّ و إعراض عن اللّه و رسوله.
عن رسول اللّه صلياللهعليهوآله : «إنّ فى القلب لمَّتين: لمّة من الملك، و إيعاد بالخير و
تصديق بالحق، و لمّة من العدو: إيعاد بالشر و تكذيب للحق. فمن وجد ذلك فليعلم
أنه من اللّه، و من وجد الآخر فليتعوّذ باللّه من الشيطان»؛ ثم قرأ «اَلشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ
(234)
الْفَقْرَ وَ يَأمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَ اللّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلاً(1)» (2).
أ رأيت «النحل» إذا أخذ من رحيق الأزهار أعطى الناس عسلاً حُلواً شهياً، فيه شفاء للناس، و إذا أخذ طعامه من موارد غير صافية و غير نقية كان عطاؤه كذلك، بطبيعة الحال.
يقول تعالى عن خليله و نبيه إبراهيم و إسحاق و يعقوب: «وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ أُوليِ الاْءَيْدى وَ الاْءَبْصارِ * إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَيَ الدَّارِ * وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لِمَنَ المُصْطَفَيْنَ الاْءَخْيارِ» (3).
و إنّ هذا الوصف الجليل الذى يصف اللّه تعالى به عطاء هؤلاء الأنبياء الكبار، و هو القوة و البصيرة: «الأيدى و الأبصار» هو نتيجة هذا الشرب الخالص الذى آتاهم اللّه تعالي: «إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ(4)».
و لو لا أنّ اللّه تعالى أخلصهم بهذه الخالصة من ذكرى الدار، لم تكن لهم قوة و لا بصيرة (5).
(1) البقره : 268 .
(2) تفسير الميزان: 2 / 404.
(3) ص: 45 ـ 47.
(4) ص : 46 .
(5) هناك علاقة تبادلية (جدلية) بين واردات القلب و صادراته، فإذا حسنت واردات القلب حسنت صادراته
... و العكس أيضاً صحيح، فإن الإنسان إذا حسنت أفعاله أحسن اللّه إليه بخالصة ذكرى الدار، و إذا ساءت أفعاله
حجب اللّه تعالى عنه صافى الشرب، و أوكل أمره إلى نفسه، يشرب من حيث يوحى إليه الشيطان و الهوي، و
مما يشرب الناس على مائدة الشيطان و الهوي.
(235)
إذن لكى يصفو عمل الإنسان لابدّ من أن يصفو شربه، و القلب يعطى ما يأخذ.
و إذا وضّحنا دور واردات القلب و ما يصدر عنه، و التشابه و التسانخ بين هذا و ذاك، فلابدّ أن نقول: إنّ هذا الكلام لا ينفى بالضرورة أصل الاختيار الذي هو أساس لكثير من المفاهيم و الأفكار القرآنية. و ليس معنى ذلك أنّ القلب و عاء فارغ يتلقّى و يعطى ما يلقى إليه من خيرٍ و شر، بل القلب وعاء واعٍ، يعى ما يلقى إليه، و يفرز الحق عن الباطل و الخير عن الشر.
و هذا أصل آخر اصيل من اُصول التفكير الإسلامي، و على هذا الأصل، «وعى القلب»، و ذاك: «الاختيار» تتوقف مسائل و اُصول و قضايا كثيرة في الإسلام.
و قد ورد فى النصوص الإسلامية تأكيد كثير على الدور الواعى للقلب في حياة الإنسان من قدرة على التشخيص و من كفاءة عالية على فرز الحق عن الباطل.
روى أن داود عليهالسلام ، ناجى ربه فقال: «إلهى لكل ملك خزانة، فأين خزائنك؟ فقال جلّ جلاله: لى خزانة أعظم من العرش، و أوسع من الكرسي، و أطيب من الجنّة، و أزين من الملكوت، أرضها المعرفة، و سماؤها الايمان، و شمسها الشوق، و قمرها المحبة، و نجومها الخواطر، و سحابها العقل، و مطرها الرحمة، و شجرها الطاعة، و ثمرها الحكمة، و لها أربعة أركان: التوكل و التفكير، و الاُنسُ،
(236)
والذكر. ولها أربعة أبواب: العلم و الحكمة والصبر والرضا... ألا و هى القلب»(1).
و النص ـ كما هو بيّن ـ يتحدّث فى السؤال و الجواب بلغة الرمز، و هي لغة معروفة فى النصوص الإسلامية.
و روى أنّ اللّه تعالى قال لموسي: «يا موسى جرّد قلبك لحبّي، فإنى جعلت قلبك ميدان حبي، و بسطت فى قلبك أرضاً من معرفتي، و بنيت فى قلبك شمساً من شوقي، و أمضيت فى قلبك قمراً من محبتي، و جعلت فى قلبك عيناً من التفكّر و أدرت فى قلبك ريحاً من توفيقي، و أمطرت فى قلبك مطراً من تفضّلي، و زرعت فى قلبك زرعاً من صدقي، و أنبتّ فى قلبك أشجاراً من طاعتي، و وضعت فى قلبك جبالاً من يقيني».(2)
و هذا النص أيضاً يتحدّث بلغة الرمز. و كلا النصين يشرحان الدور الواعي للقلب فى فرز الحق عن الباطل و الهدى من الضلال.
ثم ينادى عليهالسلام اللّه تعالى بهذا النداء الرقيق: «فيامن هو على المقبلين عليه مقبل، و بالعطف عليهم عائد مُفضل، و بالغافلين عن ذكره رحيم رؤوف، و بجذبهم إلى بابه ودود عطوف».
و هذا النداء يتضمَّن نقطتين:
أنّ اللّه تعالى يُقبل على من يقبل عليه و يعود عليهم بفضله.
(1) بحار الأنوار: 15 / 39.
(2) بحار الأنوار: 15 / 39.
(237)
و يعطف على الغافلين عنه، و يذهب عنهم الغفلة بالجذبات الربانية.
و بعد هذه البداية يطلب زين العابدين عليهالسلام من اللّه تعالى أن يجعله من أوفر أهل الصلاح حظّاً من رحمته، و أرفعهم منزلةً، و أجزلهم قسماً، يقول عليهالسلام : «أسألك أن تجعلنى من أوفرهم منك حظاً، و أعلاهم عندك منزلاً، و أجزلهم من ودّك قسماً، و أفضلهم فى معرفتك نصيباً».
و تثير هذه الفقرة من الدعاء هذا السؤال: لقد كان الإمام يتمنى أن يلحقه اللّه تعالى بهم قبل قليل، و الآن يتمنى أن يجعله اللّه من أوفرهم حظاً و أعلاهم منزلة عنده فكيف نضم هذا السؤال إلى جنب ذلك السؤال؟ و ما الذى حدث في جو الدعاء و فى الجو النفسى للإمام حين الدعاء، بحيث أدّى إلى هذه القفزة في الطلب و السؤال من طلب اللحوق بالصالحين إلى طلب التقدم عليهم و إمامتهم؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب شرح سرٍّ من أسرار الدعاء. فقد علّمنا اللّه تعالى أن لا نفتّر فى السؤال، و لا نبخل فى الدعاء، إذا كان المولى كريماً. و ما أقبح البخل فى السؤال عند ما يكون المسؤول كريماً. لا حدّ لخزائن رحمته، و لا نفاد لها، و لا تزيده كثرة العطاء إلاّ جوداً و كرماً (1).
و قد علّمنا اللّه تعالى فيما علّمنا من آداب «عباد الرحمن» و أخلاقهم أن نطلب من اللّه تعالى أن يجعلنا للمتقين إماماً «و اجعَلْنا لِلمُتّقين إماماً» (2).
(1) فى دعاء الافتتاح «الحمد للّه الفاشى فى الخلق أمره و حمده، الظاهر بالكرم مجده، الباسط بالجود يده
الذى لا تنقص خزائنه، و لا تزيده كثرة العطاء إلاّ جوداً و كرماً إنه هو العزيز الوهاب».
(2) الفرقان: 74.
(238)
و نقرأ فى الدعاء الوارد عن المعصومين: كثيراً هذه الفقرة الطموحة «و آثرنى و لا تُؤْثِر عليَّ أحداً».