ما ينبغى و ما

لا ينبغى من الدعاء

(152)

هذان سؤالان، لهما أهميّة كبيرة فى الدعاء.

ماذا ينبغى لنا أن نطلب من اللّه‏ تعالى فى الدعاء؟

و ماذا لا ينبغى لنا أن نطلبه فى الدعاء؟

أـ ما ينبغى من الدعاء؟

و لنبدأ بالسؤال الأوّل : ماذا ينبغى أن نطلب من اللّه‏ تعالى فى الدعاء؟

إنّ الدعاء هو حاجة العبد إلى اللّه‏ تعالي.

و لا حدّ لفقر العبد و حاجته كما لا حدّ لغنى الرب و سلطانه و كرمه، و اجتماع هاتين غير المتناهيتين هو الدعاء :

عدم تناهى حاجة العبد، و عدم تناهى غنى اللّه‏ تعالى و كرمه.

فلا نفاد لخزائن ملكه، و لا حدّ لسلطانه و قوته، و لا حدّ لجوده و كرمه، و لا حدّ لفقر العبد و حاجته و ضعفه و قصوره و تقصيره.

و من خلال هذا الوجه نحاول أن نعرف ماذا نطلب من اللّه‏ تعالى فى الدعاء.

أولاً : الصلاة على محمّد و آل محمّد فى الدعاء :

أهم نقطة فى الدعاء، بعد الحمد و الثناء على اللّه‏ تعالى هو الصلاة علي محمّد و آل محمّد أولياء أُمور المسلمين. و تحتل الصلاة على رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و

(153)

أهل بيته عليهم‏السلام مساحة واسعة جداً من الأدعية، و قد ورد فى النصوص الإسلامية تركيز و تأكيد كبيران على هذه الصلوات. و لهذا الاهتمام سبب واضح؛ فإنّ اللّه‏ تعالى يريد أن نجعل من الدعاء وسيلة لارتباط المسلمين بأولياء أُمورهم، و اعتصامهم بحبل الولاء الذى جعله اللّه‏ عصمة للمسلمين. و الصلوات من أهم أسباب هذا الارتباط النفسي؛ فإنّ حلقات الولاء ممتدة بين اللّه‏ تعالى و عباده، و ولاء رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و أهل بيته عليهم‏السلام من أهم هذه الحلقات.

و يقع الولاء لرسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فى امتداد الولاء للّه‏، و الولاء لأهل البيت عليهم‏السلام يقع فى امتداد الولاء لرسول اللّه‏، و تأكيد هذا الولاء و تعميقه من تأكيد الولاء للّه‏، و من تعميق الولاء للّه‏ تعالى و تثبيته. و هذا باب واسع من المعرفة لا يمكن إيجازه فى هذا الموضع و لا يمكن أن نبسط الكلام فيه، كما ينبغي، و لعل اللّه‏ تعالى يوفقنى للحديث عن هذه النقطة الهامة و الحساسة فى الثقافة الإسلامية، و فى تكوين الأمة الإسلامية فى موضع آخر.

و قد ورد فى النصوص الإسلامية تأكيد بليغ و كثير على ذلك. و فيما يلي نورد بعض النصوص ذات العلاقة بهذا الموضوع.

و أعظمها نص من كتاب اللّه‏. يقول تعالى :

«إِنَّ اللّه‏َ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبيِّ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَ سَلِّمُوا تَسْليماً» (1).

و روى عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «الصلاة عليَّ نور على الصراط» (2).


(1) الأحزاب : 56.
(2) كنز العمّال : ح 2149.

(154)

و عنه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «إنّ أبخل الناس من ذُكرت عنده، و لم يصلّ عليّ» (1).

و روى عبداللّه‏ بن نعيم، قال : قلت لأبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «إنى دخلت البيت، و لم يحضرنى شيء من الدعاء إلاّ الصلاة على محمّد و آله» فقال : «أما إنّه لم يخرج أحد بأفضل مما خرجت به».

و عن الباقر و الصادق عليهماالسلام : «أثقل ما يوضع فى الميزان يوم القيامة الصلاة على محمّد و على أهل بيته» (2).

و عن أميرالمؤمنين عليه‏السلام برواية الشريف فى نهج البلاغة :

«إذا كان لك إلى اللّه‏ سبحانه حاجة فابدأ بمسألة الصلاة على رسوله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله ثم سل حاجتك؛ فإنّ اللّه‏ أكرم من أن يسأل حاجتين، فيقضى إحداهما و يمنع الأُخري» (3).

و الدعاء للأنبياء و المرسلين و أوصيائهم من هذا الدعاء.

و قد ورد الصلاة و السّلام على الأنبياء و أوصيائهم عموماً، أو على نحو التشخيص و التعيين و التسمية كثيراً فى نصوص الأدعية المأثورة عن أهل البيت عليهم‏السلام ، و من ذلك الدعاء الوارد فى «عمل أُمّ داود» الأيّام البيض من شهر رجب، و هو دعاء مروى عن الإمام الصادق عليه‏السلام .

نموذج من الصلاة على محمّد و آل محمّد :

و هو من أدعية الصحيفة السجادية : «ربّ صلّ على محمّد و آل محمّد، المنتجب، المصطفي، المكرّم، المقرّب أفضل صلواتك و بارك عليه أتمّ بركاتك، و

(1) كنز العمّال : ح 2144.
(2) بحارالأنوار: 71 / 374.
(3) نهج البلاغة، الحكمة 361.

(155)

ترحّم عليه أمتع رحماتك.

ربّ صلّ على محمّد و آله صلاة زاكية، لا تكون صلاة أزكى منها، و صلّ عليه صلاة نامية، لا تكون صلاة أنمى منها، و صلّ عليه صلاة راضية، لا تكون صلاة فوقها، ربّ صلّ على محمّد صلاة ترضيه، و تزيد على رضاه، و صلّ عليه صلاة ترضيك، و تزيد على رضاك، و صلّ عليه صلاة لا نرضى له إلاّ بها، و لا ترى غيره لها أهلاً ... ربّ صلّ على محمّد و آله صلاة تنتظم صلوات ملائكتك و أنبيائك و رسلك و أهل طاعتك».

ثانياً : الدعاء للمؤمنين :

و هو من أعظم مطالب الدعاء بعد حمد اللّه‏ تعالى و ثنائه و بعد الصلاة على محمّد و آله و الأنبياء و أوصيائهم، و هذا الدعاء من أهم أبعاد الدعاء، فهو يربط الفرد المسلم بالأمة المسلمة فى عمق التاريخ و على وجه الأرض، كما أن الصلاة على محمّد و آله تربط المؤمن بحبل الولاء النازل من عند اللّه‏.

و هذه العلاقة التى ينسجها الدعاء بين الفرد و الأمة من جانب، و بين الفرد و الأفراد الذين يتعامل معهم و يرتبط بهم بنحو من الأنحاء من أفضل أنواع العلاقة؛ لأنّ هذه العلاقة تتكون بين يدياللّه‏، و فى امتداد العلاقة باللّه‏، و لا يعرفها أحد إلاّ اللّه‏، و هى استجابة لدعوة اللّه‏ تعالي.

و هذا الدعاء يأتى على نحوين : على نحو التعميم من غير تسمية و تشخيص؛ و على نحو التخصيص و التسمية.

و نتحدث إن شاء اللّه‏ عن كلّ منهما :

(156)

أـ التعميم فى الدعاء للمؤمنين :

و هو دعاء يحبه اللّه‏ تعالي، و يستجيب له، كما يستجيب لما يليه و يلحقه من الأدعية، فإنّ اللّه‏ تعالى أكرم من أن يبعض فى الاستجابة، فيستجيب لبعض الدعاء و يرد بعضاً.

و هذا اللون من الدعاء لعموم المؤمنين الحاضرين، و الذين سبقونا بالإيمان، يشعر المؤمن بالارتباط التاريخى و الفعلى (العمودى و الأُفقي) بالأُسرة المؤمنة فى التاريخ، و على وجه الأرض، و بوحدة هذه الأُسرة، و بالعلاقة الوشيجة و القوية التى تربطنا بهذه الأُسرة، و يكون للدعاء فى حياتنا بعدان : البعد الأول منهما يربطنا باللّه‏ تعالي، و البعد الثانى يربطنا بالأُمة المسلمة ممّن آمن باللّه‏ تعالى فى أعماق التاريخ و على وجه الأرض.

و قد ورد فى النصوص الإسلامية تأكيدات بليغة على هذا اللون من الدعاء، و ورد أنّ اللّه‏ تعالى يثيب صاحب الدعاء بعدد كل مؤمن يشمله دعاؤه بالحسنات، و أنّ كل مؤمن يشمله هذا الدعاء يشفع له يوم القيامة بين يدى اللّه‏ تعالي، عند ما يأذن سبحانه للصالحين من عباده بالشفاعة للمذنبين منهم.

عن أبى عبداللّه‏ الصادق عليه‏السلام ، قال : قال رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله :

«ما من مؤمن دعا للمؤمنين و المؤمنات إلاّ ردّ اللّه‏ عليه مثل الذى دعا لهم به من كل مؤمن و مؤمنة، مضى من أوّل الدهر، أو هو آت إلى يوم القيامة.

و إنّ العبد ليؤمر به إلى النار يوم القيامة فيسحب، فيقول المؤمنون و المؤمنات : يا رب، هذا الذى كان يدعو لنا فشفّعنا فيه، فيشفّعهم اللّه‏ عزّ و جلّ،

(157)

فينجو»(1).

و عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : قال : «من قال كل يوم خمساً و عشرين مرّة : اللّهمّ اغفر للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات، كتب اللّه‏ له بعدد كل مؤمن مضي، و بعدد كل مؤمن و مؤمنة بقى إلى يوم القيامة حسنة، و محا عنه سيئة، و رفع له درجة» (2).

و عن أبى الحسن الأوّل عليه‏السلام أنه كان يقول :

«من دعا لإخوانه من المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات وكّل اللّه‏ به عن كل مؤمن ملكاً يدعو له» (3).

و عن أبى الحسن الرضا عليه‏السلام : «ما من مؤمن يدعو للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات، الأحياء منهم و الأموات، إلاّ كتب اللّه‏ له بكل مؤمن و مؤمنة حسنة، منذ بعث اللّه‏ آدم إلى أن تقوم الساعة» (4).

عن الإمام الصادق عليه‏السلام عن آبائه عليهم‏السلام عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله :

«ما من مؤمن أو مؤمنة، مضى من أوّل الدهر، أو هو آت إلى يوم القيامة، إلاّ و هم شفعاء لمن يقول فى دعائه : اللّهمّ اغفر للمؤمنين و المؤمنات، و إنّ العبد ليؤمر به إلى النار يوم القيامة، فيسحب فيقول المؤمنون و المؤمنات : يا ربنا، هذا الذى كان يدعو لنا فشفّعنا فيه، فيشفّعهم اللّه‏، فينجو» (5).


(1) اُصول الكافى : 535 ؛ أمالى الطوسي: 2 / 95 ؛ وسائل الشيعة: 4 / 1151، ح 8889 .
(2) ثواب الأعمال : 88 ؛ وسائل الشيعة: 4 / 1152، ح 8891 .
(3) وسائل الشيعة: 4 / 1152، ح 8893 .
(4) وسائل الشيعة: 4 / 1152، ح 8894
(5) أمالى الصدوق : 273 ؛ بحار الأنوار: 93 / 385.

(158)

و عن أبى الحسن الرضا عليه‏السلام قال : «ما من مؤمن يدعو للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات، إلاّ ردّ اللّه‏ عليه من كل مؤمن و مؤمنة حسنة منذ بعث اللّه‏ آدم إلى أن تقوم الساعة» (1).

و عن الصادق عليه‏السلام عن آبائه عليهم‏السلام عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله :

«ما من عبد دعا للمؤمنين و المؤمنات إلاّ ردّ اللّه‏ عليه مثل الذى دعا لهم من كل مؤمن و مؤمنة، مضى من أوّل الدهر، أو هو آت إلى يوم القيامة. إنّ العبد ليؤمر به إلى النار يوم القيامة، و يسحب، فيقول المؤمنون و المؤمنات : يا ربنا، هذا الذى كان يدعو لنا فشفّعنا فيه، فيشفّعهم اللّه‏، فينجو من النار» (2).

و عن أبى عبداللّه‏ الصادق عليه‏السلام عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله :

«إذا دعا أحدكم فليعمّ؛ فإنه أوجب للدعاء» (3).

و عن أبى عبداللّه‏ الصادق عليه‏السلام : «إذا قال الرجل : اللّهمّ اغفر للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات، الأحياء منهم و جميع الأموات ردّ اللّه‏ عليه بعدد ما مضى و من بقى من كل إنسان دعوة» (4).

نماذج من التعميم فى الدعاء :

و فيما يلى نذكر نماذج من التعميم فى الدعاء من نصوص أدعية أهل البيت عليهم‏السلام . من هذه النماذج:

(1) ثواب الأعمال : 146 ؛ بحار الأنوار: 93 / 386.
(2) ثواب الأعمال : 147 ؛ بحار الأنوار: 93 / 386.
(3) ثواب الأعمال : 147 ؛ بحار الأنوار: 93 / 386.
(4) فلاح السائل : 43 ؛ بحار الأنوار: 93 / 387.

(159)

«اللّهمّ أغنِ كل فقير، اللّهمّ أشبع كل جائع، اللّهمّ اكسُ كل عريان، اللّهمّ اقضِ دين كل مدين، اللّهمّ فرّج عن كل مكروب، اللّهمّ ردّ كل غريب، اللّهمّ فكّ كلّ أسير، اللّهمّ أصلح كل فاسد من اُمور المسلمين، اللّهمّ اشف كل مريض، اللّهمّ سدّ فقرنا بغناك، اللّهمّ غير سوء حالنا بحسن حالك، و صلّ اللّه‏ على محمّد و آله الطاهرين».

و من هذه النماذج :

«اللّهمّ و تفضل على فقراء المؤمنين و المؤمنات بالغنى و الثروة، و على مرضى المؤمنين و المؤمنات بالشفاء و الصحة، و على أحياء المؤمنين و المؤمنات باللطف و الكرامة، و على أموات المؤمنين و المؤمنات بالمغفرة و الرحمة، و على مسافرى المؤمنين و المؤمنات بالرد إلى أوطانهم سالمين غانمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، و صلّى اللّه‏ على سيدنا محمّد خاتم النبيين و عترته الطاهرين و سلّم تسليماً كثيراً».

و من أدعية الصحيفة السجادية للامام زين العابدين عليه‏السلام .

«اللّهمّ و صلّ على التابعين من يومنا هذا و إلى يوم الدين، و علي أزواجهم، و على ذرّياتهم، و على من أطاعك منهم، صلاة تعصمهم بها من معصيتك، و تفسح لهم فى رياض جنتك، و تمنعهم بها من كيد الشيطان، و تعينهم بها على ما استعانوك عليه من برّ، و تقيهم طوارق الليل و النهار إلاّ طارقاً يطرق بخير».

الدعاء لحُماة ثغور بلاد المسلمين :

و من هذه النماذج الدعاء لحماة ثغور بلاد المسلمين و هو من أدعية الصحيفة السجادية :

(160)

«اللّهمّ صلّ على محمّد و آله، و حصّن ثغور المسلمين بعزتك، و أيّد حماتها بقوتك، و أسبغ عطاياهم من جِدَتك، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، و اشحذ أسلحتهم، و احرس حوزتهم و امنع حومتهم، و ألّف جمعهم و دبّر أمرهم، و واتر بين ميَرِهم، و توحّد بكفاية مؤنهم، و اعضدهم بالنصر، و أعنهم بالصبر، و الطف لهم بالمكر.

اللّهمّ صلّ على محمّد و آله، و عرّفهم ما يجهلون، و علّمهم ما لا يعلمون، و بصّرهم ما لا يبصرون».

و من الدعاء للمجاهدين الرساليين من المسلمين، و هو من أدعية الصحيفة السجادية :

«اللّهمّ و أيّما مسلم أهمّه أمر الإسلام، و أحزنه تحزّب أهل الشرك عليهم، فنوى غزواً، أو همّ بجهاد، فقعد به ضعف، أو أبطأت به فاقة، أو أخّره عنه حادث أو عرض له دون إرادته مانع، فاكتب اسمه فى العابدين، و أوجب له ثواب المجاهدين، و اجعله فى نظام الشهداء و الصالحين».

و من الدعاء للمساندين خلف الجبهة، و هو من أدعية الصحيفة :

«اللّهمّ و أيما مسلم خلف غازياً أو مرابطاً فى داره، أو تعهّد خالفيه في غيبته أو أعانه بطائفة من ماله، و أمدّه بعتاد، أو رعى له من ورائه حرمة، فأجر له مثل أجره وزناً بوزن، و مثلاً بمثل».

(161)

الصيغ الثلاثة للدعاء فى القرآن

صيغ الدعاء فى القرآن ثلاثة :

1ـ دعاء الفرد لنفسه.

2ـ دعاء الفرد لغيره.

3ـ دعاء الجميع للجميع.

و فيما يلى نستعرض هذه الطوائف الثلاثة من الدعاء، لنتعرف علي أساليب القرآن فى الدعاء للمؤمنين.

1ـ دعاء الفرد لنفسه :

و هو اسلوب معروف من الدعاء، و نجد فى القرآن نماذج من هذا الدعاء على لسان الأنبياء و الصالحين، أو من تعليم اللّه‏ تعالى لعباده و من ذلك قوله تعالى :

«رَبِّ قدْ آتَيْتَنى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنى مِنْ تأْويلِ الاْءحاديثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالاْءرْضِ‏أنْتَ وَليّى فيِ الدُّنْيا وَالاْآخِرَةِ تَوَفَّنى مُسْلِماً وَألْحِقْنى بِالصّالِحينَ»(1) .

«رَبِّ أَدْخِلْنى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لى مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانَاً نَصيراً» (2).

«رَبِّ اشْرَحْ لى صَدْرى * وَ يَسِّرْ لى أَمْرى * وَ احْلُلْ عُقْدَةً منْ لِسانى يَفْقَهُوا قَوْلي» (3).


(1) يوسف : 101.
(2) الاسراء : 80 .
(3) طه : 25 ـ 27.

(162)

«رَبِّ لا تَذَرْنى فَرْدَاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثينَ» (1).

«رَبِّ أَنْزِلْنى مُنْزَلاً مُبارَكاً وَ أنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلينَ» (2).

«رَبِّ أَعُوذُبِكَ مِنْ هَمَزاتِ‏الشَّياطينِ وَأَعُوذُبِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ»(3).

«رَبِّ هَبْ لى حُكْمَاً وَ ألْحِقْنى بِالصّالِحينَ * وَ اجْعَلْ لى لِسانَ صِدْقٍ فيِ الاْآخِرينَ * وَ اجْعَلْنى مِن وَرَثةِ جَنّةِ النَّعيمِ» (4).

2ـ دعاء الفرد لغيره :

و هو نحو آخر من الدعاء له نماذج و شواهد فى القرآن و من ذلك قوله تعالى :

«وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبّيانى صَغيراً» (5)

و منه دعاء حملة العرش للمؤمنين : «رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَي‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْمَاً فَاغْفِرْ لِلَّذينَ تابُوا و اتَّبَعوُا سَبيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحيمِ * رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتى وَعَدْتَهُم وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهمْ وَ أزْواجِهِمْ وَ ذُرِّياتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ * وَقِهِمُ السَيِّئاتِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رحِمْتَهُ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ» (6).

3ـ دعاء الجميع للجميع :

و هو أشهر أساليب الدعاء فى القرآن. و أكثر أدعية القرآن من هذا القبيل،

(1) الأنبياء : 89 .
(2) المؤمنون : 29.
(3) المؤمنون : 98.
(4) الشعراء : 83 ـ 85 .
(5) الاسراء : 24.
(6) غافر : 7 ـ 9 .

(163)

و من ذلك قوله تعالى :

«اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ * صِراطَ الَّذينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ الضّالّينَ» (1).

«رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّميعُ الْعَليمُ» (2).

«رَبَّناآتِنا فى الدُّنيا حَسَنةً وَفيِ الاْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ‏النّارِ»(3).

«رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرَاً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَومِ الْكافِرينَ»(4).

«رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إَصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذينَ مَنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ و َاعْفُ عَنّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرينَ» (5).

«رَبَّنا لاتُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ» (6).

«رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادى لِلاْءيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَ تَوَفَّنا مَعَ الاْءبْرَارِ * رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ» (7).

«رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرَاً وَ تَوَفَّنا مُسْلِمينَ» (8).


(1) الفاتحة : 6 ـ 7.
(2) البقرة : 127.
(3) البقرة : 201.
(4) البقرة : 250.
(5) البقرة : 286.
(6) آل عمران : 8 .
(7) آل عمران : 193 ـ 194.
(8) الأعراف : 125.

(164)

«رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ» (1).

«رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً» (2).

«رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَ اغْفِرْ لَنا إِنّكَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَديرٌ» (3).

* * *

تحليل و تفسير للنوع الثالث من الدعاء :

و ما يعنينا فى هذا التقسيم هما النحوان النحو الثانى و الثالث؛ و كلاهما دعاء للمؤمنين، إلاّ أنّ النحو الثانى من الدعاء دعاء الفرد للجميع، و النحو الثالث من الدعاء دعاء الجميع للجميع، و فى هذا النحو من الدعاء :

1ـ المدعو له هو الجميع، فلا يدعو الفرد لنفسه، و إنما يدعو الفرد للجميع، و قد لا يكون دعاء الفرد لنفسه نافعاً، كما لو كان البلاء نازلاً علي الجميع (الأُمة) فيكون الفرد مشمولاً للبلاء، حتى لو لم يدخل فيما دخل فيه الآخرون من الظلم، يقول تعالى : «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصيبَنَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً».(4)

و فى هذا المجال لا ينفع الفرد دعاؤه و استغفاره لنفسه، و عليه أن يستغفر و يدعو للجميع، فإذا رفع اللّه‏ تعالى العذاب عن الجميع ارتفع عنه أيضاً «رَبَّنا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ».(5)


(1) المؤمنون : 110.
(2) الفرقان : 65.
(3) التحريم : 8 .
(4) الأنفال : 25 .
(5) الدخان : 12 .

(165)

2ـ و الداعى أيضاً يمثل الجميع، و ينوب عنهم فى هذا الدعاء، فإنّ هذا النحو من الدعاء يتصدر غالباً بكلمة «ربنا»، و كأن الفرد الداعى ينوب عن الجميع فى الدعاء للجميع، و لا يعزل الداعى نفسه عن المدعو لهم، كما فى النحو الثانى من الدعاء، و إنما ينوب عنهم، و يدعو لهم، و يحشر نفسه ضمن الجميع الذين يدعو لهم، و هو من أقرب الدعاء إلى الاستجابة.

فإنّ اللّه‏ تعالى إمّا أن يردها جميعاً، أو يستجيب لبعض دون بعض أو يتقبلها للجميع.

و اللّه‏ تعالى أكرم من أن يردها جميعاً؛ و ليس من شأن الكريم التبعيض في الاستجابة.

فعليه يتعين الفرض الثالث، و هو الاستجابة للدعاء فى حق الجميع.

و أجمل ما فى هذا النحو من الدعاء أنّ الفرد هنا يكون رسولاً عن الجميع إلى اللّه‏، و يمثل الجميع و يخاطب اللّه‏ تعالى باسم الجميع، و يقول : «ربنا»، و ينوب عن الجميع و يكون رسول الجميع إلى اللّه‏.

و أجمل من ذلك أن كل واحد منّا يمنح لنفسه الحق أن يكون رسولاً عن الآخرين إلى اللّه‏، فكلّ منّا رسول الناس إلى اللّه‏ تعالى فى الدعاء، و كما أنّ للّه‏ تعالى رسولاً إلى الناس كذلك للناس رُسُلاً يرفعون تضرعهم و حاجتهم إلي بارئهم.

و الكل هنا رسول عن الكل، و ينوب عن الكل.

و من العجب أننا عند ما نعيش فى هذه الدنيا فى السوق و الشارع نضع

(166)

بيننا الحواجز و السدود، و نفصل بعضنا عن بعض، و يكون لكل واحد منّا حدوده و حقوقه التى لا يتراجع و لا يتنازل عنها، و لا يمثل أحدنا إلاّ نفسه، و لا ينوب عن غيره إلاّ نفسه، و لا ينوب عن غيره إلاّ بتصريح و إذن، فإذا صعدنا إلي اللّه‏ بالصلاة و الدعاء، كسرنا هذه الحواجز جميعاً، و لم يكن أحدنا يفصل نفسه عن غيره، و كان كل واحد منا يمثل الكل. و هذا التمثيل من أروع التمثيل و أجمله (تمثيل الجميع للجميع، و نيابة الجميع عن الجميع فى النطق و النداء و الدعاء بين يدى ربّ العالمين).

و أجمل من ذلك كله أنّ اللّه‏ تعالى يقبل هذا التمثيل و النيابة و الرسالة عن الجميع من الجميع، و لا يرده و لا يرفضه، و يعطى لدعوة الداعى فى هذه الحالة قوّة تمثيل الجميع و النيابة عنهم، فإذا قال أحدنا فى صلاته : «اِهْدِنَا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ»(1) فكأنّما رفع الجميع الدعاء للجميع يطلب الهداية من اللّه‏.

و ناهيك بذلك قيمة للدعاء فى هذه الحالة.

فإنّ كل دعاء لكل واحد منا فى كل صلاة يحمل قوّة دعاء الجميع للجميع. و الدعاء فى مثل هذه الحالة يحمل كفاءة و قوة على درجة عالية جداً في الاسترحام بين يدى اللّه‏.

و أجمل من ذلك كله أنّ فى هذه الأدعية ما يجب أن يرفعها كل مسلم إلي اللّه‏ تعالى فى كل يوم مرات عديدة من نحو قوله تعالى : «اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُستَقيمَ».(2)


(1) الفاتحة : 5 .
(2) الفاتحة : 5 .

(167)

فإنّ الجميع يمثّل الجميع فى الدعاء للجميع، و هو من عجائب الدعاء في حساب الرياضيات، فإنه يعود إلى تمثيل الكل للكل فى الدعاء للكل. و لنتأمل مرة أُخرى فى قيمة هذا الدعاء.

إنّ الدعاء للكل ذو قيمة كبيرة باعتبار أنّ المدعو له هو عموم المؤمنين. و هذا العموم فى المدعو له يعطى قيمة كبيرة للدعاء عند اللّه‏.

و الداعى لا يرفع نداءه إلى اللّه‏ بصفته الشخصية، و إنما يرفع إلى اللّه‏ أيدي الجميع، و نداءهم و هتافهم، و ينوب هو عن الجميع، و يمثلهم بين يدى اللّه‏، و اللّه‏ تعالى يقبل من عبده هذا التمثيل و النيابة عن الآخرين.

و المؤمنون يقبلون تمثيل بعضهم لبعض بين يدى اللّه‏، فالتمثيل هنا ليس ادّعاء من قبل الفرد بين يدى اللّه‏ تعالي، و إنما هو تمثيل حقيقى يقبله اللّه‏ تعالي، و يقبله الذين ينوب عنهم الفرد فى الدعاء بين يدى اللّه‏ فهو تمثيل شرعى مقبول.

و كل دعاء فى هذه الحالة يحمل قوة دعاء الجميع. فإذا دعا منّا فرد بين يدى اللّه‏ و قال : «اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ»(1) فكأنما رفع الجميع هذا الدعاء إلى اللّه‏، و هذا الدعاء بهذه الدرجة من القوة و الكفاءة، يرفعه فى كل يوم كل مسلم يقف بين يدى اللّه‏ تعالى للصلاة، و يدعو للجميع بالنيابة عن الجميع.

و فى كل يوم يضج الناس إلى اللّه‏ تعالى بهذه الصرخة غير المتناهية في القدرة على الاسترحام و الاستعطاف عشر مرات إلى اللّه‏ تعالي.

و أجمل من ذلك كله أنّ اللّه‏ تعالى هو الذى دعانا إلى أن نضج إليه كل يوم

(1) الفاتحة : 5 .

(168)

بهذه الصرخة عشر مرات، و هو الذى علّمنا أن نستهديه و نطلب منه الهداية للجميع، و هو الذى علّمنا أن ننوب عن الجميع فى هذا الدعاء، و هو الذى يقبل منّا هذه النيابة و التمثيل.

فهل يمكن أن لا يستجيب بعد ذلك كله لدعائنا؟ حاشا.

ب ـ التخصيص فى الدعاء للمؤمنين :

و كما ورد فى النصوص الإسلامية (التعميم فى الدعاء للمؤمنين) كذلك ورد التخصيص فى الدعاءللمؤمنين، و تسميتهم بالدعاء و تشخيصهم و تعيينهم بأسمائهم.

و إنّ لهذا اللون من الدعاء نكهة اُخرى و أثراً آخر فى نفس صاحب الدعاء، غير النكهة و الأثر اللذين كانا للتعميم، فإنّ هذا اللون من الدعاء يزيل ما قد يتراكم على العلاقات الثنائية و الفئوية بين الأفراد حيناً، و بين مجاميع المؤمنين و طوائفهم حيناً آخر من السلبيات. فإنّ المؤمن إذا سأل اللّه‏ تعالي الرحمة و المغفرة لإخوانه الذين يسميهم و يعرّفهم، و إذا سأله تعالى قضاء حاجاتهم و تيسير أُمورهم، و كفاية مهامّهم فى الدعاء، أحبّهم و زال ما كان يجد فى نفسه تجاههم من الحسد و الكره و الحسّاسية و النفور أحياناً.

فيكون للدعاء فى هذه الحالة ثلاثة أبعاد؟

البعد الأول منها يربط صاحب الدعاء باللّه‏ تعالي.

و البعد الثانى يربطه بالمساحة الواسعة للاُمة المسلمة على وجه الأرض و فى أعماق التاريخ.

(169)

و البعد الثالث يربطه بإخوانه و معارفه و أرحامه، و تلك مساحة واسعة من حياته.

و فى النصوص الإسلامية نجد اهتماماً بليغاً بهذا اللون من التخصيص و التسمية فى الدعاء.

و فيما يلى نذكر طوائف من هذه النصوص بعناوينها الواردة فى المجاميع الحديثية.

أـ الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب :

عن أبى عبداللّه‏ الصادق عليه‏السلام : «دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب يدر الرزق، و يدفع المكروه» (1).

و عن أبى جعفر الباقر عليه‏السلام : «أوشك دعوة و أسرع إجابة دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب» (2).

و عن أبى خالد القمّاط قال : قال أبو جعفر عليه‏السلام : «أسرع الدعاء نجحاً للاجابة دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب. يبدأ بالدعاء لأخيه، فيقول له ملك موكّل به: آمين و لك مثلاه» (3).

و عن السكونى عن الصادق عليه‏السلام عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله :

«ليس شيء أسرع إجابة من دعوة غائب لغائب» (4).


(1) أصول الكافى : 435 ؛ وسائل الشيعة: 4 / 1145، ح 8867 .
(2) اُصول الكافى : 435.
(3) المصدر السابق.
(4) وسائل الشيعة: 4 / 1146، ح 8870 .

(170)

و عن جعفر بن محمّد الصادق عليه‏السلام عن آبائه عليهم‏السلام عن النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قال : «يا علي، أربعة لا ترد لهم دعوة : إمام عادل، و الوالد لولده، و الرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب، و المظلوم. يقول اللّه‏ عزّ و جلّ : و عزّتى و جلالى لأنتصرنّ لك و لو بعد حين»(1).

و عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «من دعا لمؤمن بظهر الغيب قال الملك : فلك بمثل ذلك» (2).

عن حمران بن أعين قال : دخلت على أبى جعفر عليه‏السلام فقلت : «أوصني»، فقال : «اُوصيك بتقوى اللّه‏، و إيّاك و المزاح؛ فإنه يذهب بهيبة الرجل و ماء وجهه، و عليك بالدعاء لإخوانك بظهر الغيب؛ فإنه يهيل الرزق. يقولها ثلاثاً» (3).

و عن معاوية بن عمار عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام ، قال : «الدعاء لأخيك بظهر الغيب يسوق إلى الداعى الرزق، و يصرف عنه البلاء، و يقول الملك : و لك مثل ذلك»(4).

ب ـ الدعاء لأربعين مؤمن :

ورد التأكيد فى النصوص على الدعاء لأربعين مؤمن بأسمائهم، و تقديمه على دعاء الإنسان لنفسه.

على بن ابراهيم عن أبيه بسنده عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام قال :

(1) الخصال للصدوق: 1 / 92 ؛ الفقيه 5 : 52.
(2) أمالى الطوسي: 2 / 95 ؛ بحار الأنوار: 93 / 384.
(3) السرائر : 484 ؛ بحار الأنوار: 93 / 387.
(4) امالى الطوسي: 2 / 290 ؛ بحار الأنوار: 93 / 387.

(171)

«من قدّم فى دعائه أربعين من المؤمنين، ثم دعا لنفسه استجيب له»(1).

و عن عمر بن يزيد، قال : سمعت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام يقول :

«من قدم أربعين رجلاً من إخوانه قبل أن يدعو لنفسه استجيب له فيهم و فى نفسه» (2).

ج ـ إيثار الآخرين بالدعاء :

عن أبى عبيدة، عن ثوير، قال : سمعت على بن الحسين عليه‏السلام يقول : «إنّ الملائكة إذا سمعوا المؤمن يدعو لأخيه المؤمن بظهر الغيب، أو يذكره بخير، قالوا : نعم الأخ أنت لأخيك، تدعو له بالخير، و هو غائب عنك و تذكره بخير، قد أعطاك اللّه‏ عزّ و جلّ مثلَى ما سألت له، و أثنى عليك مثلَى ما أثنيت عليه، و لك الفضل عليه» (3).

و عن يونس بن عبد الرحمن عن عبداللّه‏ بن جندب أنه سمع أبا الحسن موسى عليه‏السلام يقول : «الداعى لأخيه المؤمن بظهر الغيب ينادى من عنان السماء : لك بكل واحدة مائة ألف» (4).

و عن ابن أبى عمير عن زيد النرسى قال : «كنت مع معاوية بن وهب في الموقف و هو يدعو، فتفقدت دعاءه، فما رأيته يدعو لنفسه بحرف، و رأيته يدعو لرجل رجل من الآفاق، و يسميهم، و يسمّى آباءهم حتى أفاض الناس.

(1) المجالس : 273 ؛ بحار الأنوار: 93 / 384 ؛ وسائل الشيعة: 4 / 1154، ح 8898 .
(2) المجالس : 328 ؛ الأمالى : 273 ؛ وسائل الشيعة: 4 / 1154، ح 8899 .
(3) اُصول الكافى : 535، بحار الأنوار 93 : 387، وسائل الشيعة 4 : 1149، ح 8882 .
(4) رجال الكشى : 361.

(172)

فقلت له : يا عم لقد رأيت عجباً!

قال : و ما الذى أعجبك مما رأيت؟

قلت : إيثارك إخوانك على نفسك فى مثل هذا الموضع، و تفقدك رجلاً رجلاً.

فقال لى : لا تعجب من هذا يابن أخي، فإنى سمعت مولاى ... و هو يقول من دعا لأخيه بظهر الغيب ناداه ملك من السماء الدنيا : يا عبداللّه‏، لك مائة ألف ضعف مما دعوت ...» الخ (1).

و عن الحسين بن على عليهماالسلام عن أخيه الحسن عليه‏السلام ، قال : «رأيت أُمي فاطمة قامت فى محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة، ساجدة، حتى اتضح عمود الصبح، و سمعتها تدعو للمؤمنين و المؤمنات، و تسمّيهم و تكثر الدعاء لهم و لا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها : يا أُمّاه : لم لا تدعين لنفسك، كما تدعين لغيرك؟

فقالت : يا بني، الجار ثم الدار» (2).

و عن أبى ناتانة عن على عن أبيه، قال : «رأيت عبداللّه‏ بن جندب بالموقف، فلم أر موقفاً أحسن من موقفه، ما زال مادّاً يديه إلى السماء و دموعه تسيل على خديه حتى تبلغ الأرض. فلما صدر الناس قلت له : يا أبا محمّد، ما رأيت موقفاً أحسن من موقفك! قال : و اللّه‏ ما دعوت إلاّ لإخواني، و ذلك أنّ أبا الحسن موسى بن جعفر عليه‏السلام أخبرنى أنه من دعا لأخيه بظهر الغيب نودى من

(1) عدة الداعى : 129 ؛ بحار الأنوار: 93 / 387 ؛ وسائل الشيعة: 4 / 1149، ح 8885 .
(2) علل الشرائع : 71.

(173)

العرش : و لك مائة ألف ضعف. فكرهت أن أدع مائة ألف ضعف مضمونة لواحدة لا أدرى تستجاب أم لا» (1).

و عن عبداللّه‏ بن سنان قال : «مررت بعبداللّه‏ بن جندب فرأيته قائماً علي الصفا، و كان شيخاً كبيراً فرأيته يدعو و يقول فى دعائه : اللّهمّ فلان بن فلان. اللّهمّ فلان بن فلان. اللّهمّ فلان بن فلان، ما لم اُحصهم كثرة.

فلما سلّم قلت له : يا عبداللّه‏، لم أر موقفاً قط أحسن من موقفك! إلاّ أني نقمت عليك خلّة واحدة. فقال : و ما الّذى نقمت عليّ؟ فقلت له : تدعو للكثير من إخوانك و لم أسمعك تدعو لنفسك شيئاً.

فقال لى : يا عبداللّه‏، سمعت مولانا الصادق عليه‏السلام يقول : «من دعا لأخيه المؤمن بظهر الغيب نودى من عنان السماء : لك يا هذا مثل ما سألت فى أخيك مائة ألف ضعف، فلم اُحب أن أترُك مائة ألف ضعف مضمونة بواحدة لا أدرى أتستجاب أم لا» (2).

و عن ابن أبى عمير عن بعض أصحابه قال : «كان عيسى بن أعين إذا حج فصار إلى الموقف أقبل على الدعاء لإخوانه حتى يفيض الناس، فقيل له : تنفق مالك، و تتعب بدنك، حتّى إذا صرت إلى الموضع الذى تبث فيه الحوائج إلى اللّه‏ أقبلت على الدعاء لإخوانك، و تترك نفسك! فقال : إننى على يقين من دعاء

(1) أمالى الصدوق : 273 ؛ بحار الأنوار: 93 / 384.
(2) فلاح السائل : 43 ؛ بحار الأنوار: 93 / 390 ـ 391.

(174)

الملك لى و شك من الدعاء لنفسي» (1).

و عن إبراهيم بن أبى البلاد (أو عبداللّه‏ بن جندب) قال : «كنت فى الموقف فلما أفضت لقيت إبراهيم بن شعيب، فسلمت عليه، و كان مصاباً باحدى عينيه، و إذا عينه الصحيحة حمراء كأنها علقة دم، فقلت له : قد أصبت باحدى عينيك، و أنا مشفق لك على الأُخري، فلو قصرت عن البكاء قليلاً.

قال : لا و اللّه‏ يا أبا محمّد، ما دعوت لنفسى اليوم بدعوة؟

فقلت : فلمن دعوت؟

قال : دعوت لإخوانى : سمعت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام يقول : من دعا لأخيه بظهر الغيب، وكّل اللّه‏ به ملكاً يقول : و لك مثلاه. فأردت أن أكون إنما أدعو لإخواني، و يكون الملك يدعو لى لأنى فى شك من دعائى لنفسي، و لست فى شك من دعاء الملك لي» (2).