الوسائل التى نبتغيها

إلى اللّه‏ فى الدعاء

(130)

و ما دمنا قد تحدثنا عن العوائق و العوامل فمن المفيد أن نتحدث عن الوسائل التى نبتغيها إلى اللّه‏ تعالى فى الدعاء.

فإنّ اللّه‏ تعالى يدعونا أن نبتغى إليه الوسيلة.

يقول تعالي: «اُولآئِكَ الَّذينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسيلَةَ» (1).

و يقول تعالى «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه‏َ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ» (2).

و قد جعل اللّه‏ تعالى هذه الوسائل لعباده الذين تعجز أعمالهم و أدعيتهم عن الصعود إليه رحمة بهم، و هو أرحم الراحمين.

فإن اللّه‏ تعالى يقول: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَيّبُ وَ الْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ»(3).

إنّ فى حياة الإنسان (كلماً طيِّباً) و (عملاً صالحاً).

و «الكلم الطيّب» هو إيمان الإنسان باللّه‏، و إخلاصه له تعالي، و ثقته و رجاؤه به، و دعاؤه و تضرعه بين يديه.

و «العمل الصالح» هو العمل الذى يقوم به الإنسان عن «إيمان»، و «إخلاص»، و «ثقة»، و «رجاء».

(1) الإسراء: 57.
(2) المائدة: 35.
(3) فاطر: 10.

(131)

و «الكلم الطيّب» يصعد إلى اللّه‏ بصريح القرآن، و لكن «العمل الصالح» هو الذى يرفع الكلم الطيب إلى اللّه‏، بصريح القرآن كذلك.

و لو لا «العمل الصالح» لم يصعد «الكلم الطيب» إلى اللّه‏، إلاّ انّه قد يكون فى «العمل الصالح» عجز و ضعف، فلا يستطيع أن يرفع «الكلم الطيب إلى اللّه‏»، فلا يصعد دعاء الإنسان إلى اللّه‏، و لا يستجاب دعاؤه.

فيجعل اللّه‏ تعالى فى حياة الإنسان و بيده «وسائل» يبتغيها إليه، تعينه في الصعود إليه، رحمة بعباده.

و لو لا هذه الوسائل لم يتمكن من أن يرفع دعاءه و تضرعه إلى اللّه‏.

و هذه هى الوسائل التى يشير اليها القرآن.

و من هذه الوسائل دعاء رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و استغفاره لاُمّته.

يقول تعالي: «وَ لَوْ أَنَّهمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهمْ جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللّه‏َ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه‏َ توّاباً رَحيماً» (1).

و الآية الكريمة واضحة فى أنّ استغفار رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله للمؤمنين، من الوسائل التى رغّب اللّه‏ تعالى عباده أن يبتغوها وسيلة إليه فى الدعاء و الاستغفار.

و ما يقال عن المجيء إلى رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و استغفاره للمؤمنين فى حياته صلي‏الله‏عليه‏و‏آله يقال بعد وفاته صلي‏الله‏عليه‏و‏آله ، فإنّ رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله حيّ يرزق عند اللّه‏ بعد وفاته.

(1) النساء: 64.

(132)

التوسل برسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و أهل بيته:

و فى النصوص الإسلامية ورد التأكيد كثيراً على التوسل برسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و أهل بيته عليهم‏السلام .

روى عن داود البرقى قال: «إنّى كنت أسمع أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام أكثر ما يلحّ في الدعاء على اللّه‏ بحقّ الخمسة، يعنى رسول اللّه‏، و أميرالمؤمنين، و فاطمة، و الحسن، و الحسين عليهم‏السلام » (1).

و عن سماعة: «قال لى أبو الحسن عليه‏السلام : إذا كان لك يا سماعة إلى اللّه‏ حاجة فقل: اللّهمّ إنّى أسألك بحق محمّد و علي، فإنّ لهما عندك شأناً من الشأن و قدراً من القدر، و بحق ذلك القدر أن تصلى على محمّد و آل محمّد و أن تفعل بى كذا و كذا» (2).

الوسائل إلى اللّه‏ فى دعاء كميل:

فى دعاء كميل نجد طائفة من الوسائل التى يتوسل بها الإمام أميرالمؤمنين على بن أبى طالب إلى اللّه‏ فى الدعاء.

و هذه الوسائل هى الشطر الثانى من الدعاء، ولكى نتحدث عن الوسائل التى يقدمها الإمام عليه‏السلام بين يدى دعائه و حاجاته إلى اللّه‏ فى هذا الدعاء الشريف، لابدّ أن اُقدم توضيحاً موجزاً عن هيكل الدعاء، و الأفكار الرئيسة التى تضمنها، و المنهج الذى تنتظم من خلاله الافكار الرئيسة المطروحة فى هذا الدعاء الشريف.


(1) وسائل الشيعة: 4 / 1139، ح: 8844 .
(2) عدة الداعي: 38.

(133)

فإن لكل واحد من نصوص الأدعية المعروفة المأثورة عن أهل البيت عليهم‏السلام أفكاراً محددة، و منهجية معينة لتنظيم هذه الأفكار، و طريقة للدخول و الخروج من الدعاء.

و لكل واحد من الأدعية المعروفة هيكل و تصميم خاص به، و دراسة هذه المناهج تنفعنا فى معرفة أساليب الدعاء و المناجاة مع اللّه‏.

إنّ لكل دعاء فكرة أساسية رئيسة، و مجموعة أفكار تحتضن هذه الفكرة، و مطلباً أساسياً و مجموعة مطالب أُخرى تحتضن المطلب الأساسي، و منهجاً فى السؤال و اسلوباً فى الدخول و الخروج.

و لو أنّ العلماء أولوا هذه المسألة اهتماماً علمياً كافياً لخرجوا بنتائج مفيدة.

و لست اُريد الآن أن أُقدم دراسة عن تصميم دعاء كميل و هيكله و الأفكار الأساسية فيه، و إنما أُريد أن اقدم فقط توضيحاً موجزاً للإطار العام، و الأفكار الرئيسة لهذا الدعاء بصورة موجزة لنتأمل من خلال هذا الإطار في الوسائل التى يقدمها الإمام عليه‏السلام بين يدى حاجاته إلى اللّه‏ فى هذا الدعاء.

الإطار العام لدعاء كميل:

دعاء كميل من الأدعية الجليلة المعروفة فى أوساط المؤمنين، يواظبون عليه ليالى الجمعة، و يقرأونه بصورة جمعية أو فردية.

و هذا الدعاء لأميرالمؤمنين على بن أبى طالب عليه‏السلام علّمه لكميل بن زياد

(134)

النخعى رضي‏الله‏عنه ، و تلقّاه المؤمنون عن هذا الطريق جيلاً بعد جيل.

و هذا الدعاء غنى بمفاهيم العبودية و التوبة و الإخبات؛ و زاخر بصور حيّة من التضرع و الاستغاثة و الإنابة.

و لست فى هذه التأمّلات بصدد شرح هذا الدعاء الشريف و المفاهيم التي يزخر بها، فذلك أمر يطول و لعلّ اللّه‏ تعالى يرزقنى توفيق ذلك و يهيّئ لى أسبابه.

أمّا الآن فأنا بصدد توضيح هيكل الدعاء، فإنّ هذا الدعاء مصمم تصميماً خاصاً على ثلاث مراحل، كلّ مرحلة منها تعد للمرحلة التالية لها، و فهم هذا التصميم و الاُسس التى يقوم عليها هيكل الدعاء يعيننا كثيراً على قراءة الدعاء و تأمّل مفاهيمه و الأفكار الواردة فيه، و التفاعل معه.

و لعل اللّه‏ تعالى يجعل هذا الجهد نافعاً و مفيداً للمؤمنين الذين اعتادوا قراءة هذا الدعاء.

فكرة تصميم الدعاء:

كما ذكرنا، هذا الدعاء مصمم على ثلاثة مراحل:

المرحلة الاُولي: بحكم المدخل إلى الدعاء، تعد الداعى للوقوف بين يدي اللّه‏ و للدعاء و التضرع و السؤال، فإنّ الذنوب و المعاصى تحجب الإنسان عن اللّه‏، و تحبس الدعاء، و لكى يقف الإنسان بين يدى ربّه موقف الدعاء لابدّ أن يجتاز هذه العقبة أولاً.

و فى هذا المدخل يبدأ عليّ عليه‏السلام بطلبين من اللّه‏:

(135)

أحدهما طلب المغفرة من اللّه‏ «اللّهمّ اغفر لى الذنوب التى تهتك العصم. اللّهمّ اغفر لى الذنوب التى تنزل النقم ...»؛ هذا ما يتعلق بطلب المغفرة.

و الآخر طلب الذكر و الشكر و القرب فيقول: «و أسألك بجودك أن تدنيني من قربك، و أن توزعنى شكرك، و أن تلهمنى ذكرك».

و لابدّ للإنسان، لكى يتقدم للوقوف بين يدى اللّه‏ للدعاء، من هذا و ذاك معاً. و لابدّ أن يغفر اللّه‏ له ذنوبه، و يزيل عن قلبه الحجب و الغشاوات أولاً، و لابدّ من أن يأذن اللّه‏ له أن يدنو منه و يوزعه شكره و يلهمه ذكره ثانياً.

و هذه هى الفقرة الاُولى من المدخل فى هذا الدعاء.

و الفقرة الثانية من المدخل عرض للفاقة و الحاجة و الرغبة إلى اللّه‏: «اللّهمّ و أسألك سؤال من اشتدّت فاقته، و أنزل بك عند الشدائد حاجته، و عظم فيما عندك رغبته»؛ و ليس من اللّه‏ مفر، و ليس إلى غيره ملجأ.

و هاتان حقيقتان:

أـ ليس من اللّه‏ مفر: «اللّهمّ عظم سلطانك، و علا مكانك، و خفى مكرك، و ظهر أمرك، و غلب قهرك، و جرت قدرتك، و لا يمكن الفرار من حكومتك».

ب ـ و ليس إلى غيره ملجأ: «اللّهمّ لا أجد لذنوبى غافراً، و لا لقبائحي ساتراً، و لا لشيءٍ من عملى القبيح بالحسن مبدلاً غيرك لا إله إلاّ أنت».

و هذه هى الفقرة الثانية من المدخل.

و فى الفقرة الثالثة من المدخل يستعرض على عليه‏السلام بؤس الإنسان و شقاءه الطويل: «اللّهمّ عظم بلائي، و أفرط بى سوء حالي، و قصرت بى أعمالي، و قعدت بي

(136)

أغلالي، و حبسنى عن نفعى بعد أملي، و خدعتنى الدنيا بغرورها، و نفسى بجنايتها و مطالى يا سيدي».

و لهذا البؤس و الشقاء أسباب من عمل الإنسان و سعيه، فيسأل اللّه‏ تعالي أن يهب له هذه الذنوب، و لا يسمح لها أن تحجبه عن الدعاء.

«فأسألك بعزتك، أن لا يحجب عنك دعائى سوء عملى و فعالي، و لا تفضحني بخفيِّ ما اطّلعت عليه من سري، و لا تعاجلنى بالعقوبة على ما عملته فى خلواتى من سوء فعلى و إساءتى و دوام تفريطى و جهالتي، و كثرة شهواتى و غفلتي».

و فى الفقرة الرابعة من المدخل تكريس لمفهوم جليل سبق أن اُشير إليه فى هذا المدخل، و هو أنّ العبد لا يجد ملجأً فى ضرّه و بؤسه غير مولاه: «إلهي من لى غيرك أسأله كشف ضُرى و النظر فى أمري».

و فى الفقرة الخامسة من هذا المدخل اعترافان:

اعتراف بالسيئات.

و اعتراف بأن لا حجة للعبد على اللّه‏ فيما خالف من حدوده و أحكامه و ركب من أهوائه و شهواته.

و فى الفقرة السادسة و الأخيرة من هذا المدخل حيث اعترف العبد بذنوبه و معاصيه و بؤسه و شقائه، و أعلن أن لا مفر له من اللّه‏ و لا ملجأ منه إلاّ إليه و طلب من اللّه‏ أن لا يؤاخذه بسوء أفعاله و جرائمه و جرائره، بعد هذه الجولة من التضرع و المسكنة بين يدى اللّه‏ يعلن العبد أنّه قد رجع إلى مولاه معترفاً بذنوبه، نادماً منها، منكسراً مستقيلاً، عالماً أنه لا مفر له من اللّه‏ إلاّ إليه، و لا مفزع له في

(137)

ضره و بؤسه إلاّ اللّه‏.

«و قد أتيتك يا إلهى بعد تقصيرى و إسرافى على نفسى معتذراً، نادماً، منكسراً، مستقيلاً، مستغفراً، منيباً، مقراً، مذعناً، معترفاً، لا أجد مفراً مما كان منّي، و لا مفزعاً أتوجَّه إليه فى أمرى غير قبولك عذري، و إدخالك إياى فى سعة رحمتك».

و بهذا ينتهى المدخل.

و قد أشرف العبد على التحرك للمثول بين يدى اللّه‏ و الدعاء و التضرع، و أعلن ذلك بقوله: «و قد أتيتك».

و تبدأ المرحلة الثانية من الدعاء، و فى هذه المرحلة يذكر الإمام الوسائل التى يتوسل بها إلى اللّه‏ فى هذه المرحلة، و هى أربعة وسائل كما أفهم.

و الوسيلة الاُولى هى سابق فضله و رحمته بعباده و حبه لهم: «يا من بدأ خلقي، و ذكري، و تربيتي، و برّي، هبنى لابتداء كرمك و سالف برّك بي».

و الوسيلة الثانية حبنا له و توحيدنا إياه: «أتراك معذبى بنارك بعد توحيدك، و بعد ما انطوى عليه قلبى من معرفتك، و لهج به لسانى من ذكرك، و اعتقده ضميري من حبك، و بعد صدق اعترافى و دعائى خاضعاً لربوبيتك».

و الوسيلة الثالثة ضعفنا عن تحمّل العذاب و رقة جلودنا و دقة عظامنا: «و أنت تعلم ضعفى عن قليل من بلاء الدنيا و عقوباتها و ما يجرى فيها من المكاره علي أهلها على أنّ ذلك بلاء و مكروه قليل مكثه، يسير بقاؤه، قصير مدته، فكيف احتمالي لبلاء الآخرة و جليل وقوع المكاره فيها ... إلهى و ربّى و سيّدي، لأيّ الاُمور إليك أشكو، و لما منها أضج و أبكي، لأليم العذاب و شدته، أم لطول البلاء و مدته».

(138)

و الوسيلة الرابعة التى يتوسل بها الإمام إلى اللّه‏ فى هذا الدعاء هو لجوء العبد الآبق إلى مولاه الذى أبق منه و عصاه، و استعانته به، و استنجاده منه عند ما تنقطع عليه الطرق، و لا يجد لنفسه ملجأً إلاّ إلى مولاه.

و يصوّر الإمام هذه الوسيلة أروع تصوير فى هذه الكلمات: «فبعزتك يا سيدى و مولاى اُقسم صادقاً لإن تركتنى ناطقا لأضجنّ إليك بين أهلها ضجيج الآملين، و لأصرخنّ إليك صراخ المستصرخين، و لأبكين عليك بكاء الفاقدين، و لاُنادينّك أين كنت يا وليَّ المؤمنين، يا غاية آمال العارفين، يا غياث المستغيثين، يا حبيب قلوب الصادقين، و يا إله العالمين».

و تنتهى المرحلة الثانية من هذا الدعاء الشريف بتقديم هذه الوسائل الأربعة، و توسل العبد بها إلى اللّه‏ لأجل الدعاء و السؤال، و لطلب الوقوف بين يديه سائلاً و داعياً.

و الآن ندخل مع على عليه‏السلام المرحلة الثالثة من هذا الدعاء الشريف و في هذه المرحلة ـ بعد أن توسل الإمام إلى اللّه‏ بالوسائل الأربعة ـ يعرض حاجاته و مطالبه على اللّه‏ واحدة بعد الأُخري، و هذه الحاجات تبدأ من نقطة الحضيض حيث يكون العبد و عمله، و تنتهى إلى نقطة القمة حيث يكون طمع العبد و طموحه فى سعة رحمة مولاه.

فى نقطة الحضيض نقول: «أن تهب لى فى هذه الليلة و فى هذه الساعة كل جرم أجرمتُه، و كلّ ذنب أذنبتُه، و كل قبيح أسررتُه».

و فى نقطة القمة نقول: «و اجعلنى من أحسن عبيدك نصيباً عندك و أقربهم

(139)

منزلة منك و أخصهم زلفة لديك». و الحاجات التى يطلقها الإمام من خلال هذه الفقرات أربع طوائف:

الطائفة الأُولى أن يهب اللّه‏ لنا ذنوبنا و لا يؤاخذنا بسيئاتنا، ويتجاوز عمّا فعلناه من‏سوء واقترفناه من جريمة وارتكبناه من قبيح: «أن تهب لى فى هذه الليلة و فى هذه الساعة كل جرم أجرمته، و كل قبيح أسررته، و كل جهل عملته، كتمته أو أعلنته، أخفيته أو أظهرته، و كل سيئة أمرت بإثباتها الكرام الكاتبين الذين وكّلتهم بحفظ ما يكون مني، و جعلتهم شهوداً عليَّ مع جوارحي».

و فى الطائفة الثانية يستنزل الإمام رحمة اللّه‏ فى كل شأن و فى كل رزق، و يطلب من اللّه‏ تعالى أن يوفر حظّه من كل خير ينزله: «و أن توفّر حظّى من كل خير أنزلته، أو برٍ نشرته، أو رزقٍ بسطته».

و هو دعاء شامل واسع لا يخرج منه شيء من رحمة اللّه‏.

و الطائفة الثالثة و هى أطول فقرات هذا الدعاء و تأخذ أكثر اهتمام الإمام من الدعاء (علاقته باللّه‏).

فيطلب عليه‏السلام من اللّه‏ تعالى أن يجعل أوقاته عامرة بذكره، و موصولة بخدمته، و أن يرزقه الجدّ فى خشيته، و يُدنيه منه و يقربه إليه، و يرزقه جواره: «أسألك أن تجعل أوقاتى من الليل و النهار بذكرك معمورة، و بخدمتك موصولة ... قوِّ علي خدمتك جوارحي، و اشدد على العزيمة جوانحي، و هب لى الجدّ فى خشيتك و الدوام فى الاتصال بخدمتك، حتى أسرح إليك فى ميادين السابقين، و أشتقاق إلى قربك في المشتاقين، و أدنو منك دنوَّ المخلصين، و أخافك مخافة الموقنين، و أجتمع فى جوارك

(140)

مع المؤمنين».

و لابدّ أن نوضح أنّ الطائفة الأُولى و الطائفة الثالثة من فقرات الدعاء كلها تخص علاقة العبد باللّه‏، إلاّ أنّ الطائفة الأولى سلبية، يهتم فيها العبد بطلب مغفرة ذنوبه و التجاوز عنها؛ و الطائفة الثالثة إيجابية يهتم فيها بإقامة علاقته مع اللّه‏ على أساس متين من الإخلاص و الخوف و الخشية و الحب و الشوق.

و فى الطائفة الرابعة من المطالب يطلب فيها الإمام من اللّه‏ أن يجنّبه كيد الظالمين و مكرهم و شرهم، و يرجع مكرهم إلى نحورهم، و يحفظه من ظلمهم و أذاهم:

«اللّهمّ و من أرادنى بسوءٍ فأرده، و من كادنى فكده».

«و اكفنى شرّ الجن و الإنس من أعدائي».

هذه خلاصة موجزة و سريعة لإطار و هيكل هذا الدعاء الشريف.

و لابدّ لهذا الإجمال من تفصيل و شرح.

الوسائل الأربعة فى دعاء كميل:

و الآن نتحدث عن الوسائل الأربعة فى دعاء كميل، و هى الفصل الثاني من هذا الدعاء الشريف.

و الوسيلة الأُولى: سابق برّه و كرمه و فضله بعبده، و إذا كان فى عمل العبد و جهده عجز و قصور يحجبانه عن اللّه‏، فإنّ سابق فضله تعالى و رحمته بعبده يشفع للعبد إلى اللّه‏.

(141)

فإنّ سابق فضله و رحمته تعالى بعبده دليل على حب اللّه‏ لعبده. و هذا الحب الإلهى هو الوسيلة التى يقدمها العبد بين يدى حاجاته إلى اللّه‏، فإنّه إذا كان لا يستحق رحمة اللّه‏ تعالى فإنّ حب اللّه‏ تعالى له يؤهّله لرحمته و فضله، و يضعه فى موضع الإجابة، يقول الإمام فى هذه الوسيلة:

«يا من بدأ خلقى و ذكرى و تربيتى و برّي، هبنى لابتداء كرمك و سالف برك بي».

فقد بدأنا بالبر و الذكر و الخلق و التربية قبل أن نسأله تعالي، و دون أن نستحق هذا البر و الذكر، فأولى به تعالى أن يبرّنا و يكرمنا و نحن نسأله و نطلب منه، و إذا كانت سيئآتنا و معاصينا تحجبنا عن برّه و رحمته، فإنّ حبّه لنا يشفع لنا عنده، و يضعنا فى مواضع بره و رحمته.

و الوسيلة الثانية: حبنا له، و هو وسيلة ناجحة كحبّه لنا، فقد توسّل الإمام عليه‏السلام إلى اللّه‏ تعالى فى الوسيلة الأُولى بحبّه تعالى لنا، ثم توسل بعد ذلك بحبّنا له و هو وسيلة ناجحة و مؤثرة عند اللّه‏ كحبّه لنا. فإنّ للحب قيمة كبيرة لاتضاهيها قيمة عند الحبيب، و مهما شككنا نحن فى شيء، فلا نشك فى حبّنا للّه‏ تعالي، و أوليائه و الحبّ بضاعة لا يردها اللّه‏ تعالي.

و فى سياق هذه الوسيلة يأتى توحيدنا له تعالى و خشوعنا بين يديه، و صلاتنا و سجودنا و ذكرنا و شهادتنا و اعترافنا له بالربوبية، و على أنفسنا بالعبودية.

و نرجع ذلك كله إلى اثنين: إلى حبّنا له، و توحيدنا إيّاه، و نحن على يقين

(142)

أن «الحب» و «التوحيد» بضاعتان لا يرّدهما اللّه‏ تعالي، و مهما شككنا فى شيء فلا نشك و لا نتردد لحظة واحدة فى هذا و لا ذاك.

يقول الإمام عليه‏السلام فى التوسل بهذه الوسيلة:

«أتراك معذبى بنارك بعد توحيدك، و بعد ما انطوى عليه قلبى من معرفتك، و لهج به لسانى من ذكرك، و اعتقده ضميرى من حبّك، و بعد صدق اعترافي و دعائى خاضعاً لربوبيتك».

و فى التعليق على هذه الفقرة من الدعاء تحضرنى قصة.

يقال: إنّ يوسف عليه‏السلام لمّا آتاه اللّه‏ الملك و السلطان فى مصر كان يطل ذات يوم على المدينة من شرفة بيته، و كان معه على الشرفة عبد صالح، من عباد اللّه‏ ممن آتاه اللّه‏ علماً و نوراً، فمرّ شاب من تحت الشرفة عابراً، فقال ذلك العبد الصالح ليوسف عليه‏السلام : أتعرفه؟ قال: كلاّ.

قال: هذا هو الطفل الذى شهد ببراءتك يوم اتهمتك إمرأة العزيز.

«وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَميصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الكاذِبينَ * وَ إِنْ كانَ قَميصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصّادِقين».(1)

و قد بلغ ذلك الطفل الرضيع الذى شهدلك فى المهد مبلغ الشباب، و هو ذا.

فاستدعاه يوسف عليه‏السلام ، و أجلسه إلى جنبه و أكرمه و خلع عليه، و بالغ في إكرامه. و ذلك العبد الصالح ينظر إلى ما يصنع يوسف عليه‏السلام متعجباً.

فقال له يوسف عليه‏السلام : أتعجب مما صنعت بهذا الشاب؟ فقال: لا، ولكن هذا

(1) يوسف : 25 ـ 26.

(143)

الشاب لم يكن له من الجميل عندك غير الشهادة لك بالبراءة، و قد أنطقه اللّه‏ تعالى بها، و لم يكن له من فضل فى ذلك، و مع ذلك فقد أكرمته بهذه الصورة و بالغت فى إكرامه.

فكيف يمكن أن يحرق اللّه‏ بالنار وجه عبد طال سجوده بين يديه، أو يحرق قلب عبد، انطوى على حبه، أو يحرق لساناً طالما ذكره، و شهد بتوحيده، و نفى الشرك عنه؟!

و الإمام عليه‏السلام يقول بهذا الصدد:

«و ليت شعرى يا سيدى و إلهى و مولاي، أتسلّط النار على وجوه خرّت لعظمتك ساجدة، و على ألسن نطقت بتوحيدك صادقة، و بشكرك مادحة، و علي قلوب اعترفت بإلهيتك محققة، و على ضمائر حوت من العلم بك حتى صارت خاشعة، و على جوارح سعت إلى أوطان تعبّدك طائعة، و أشارت باستغفارك مذعنة ... ما هكذا الظن بك، و لا أُخبرنا بفضلك عنك يا كريم».

و الوسيلة الثالثة: ضعفنا عن تحمّل العذاب، ورقة جلودنا، و دقة عظامنا، و قلة صبرنا و تحملنا، و الضعف وسيلة ناجحة إلى القوى المتين، و فى كل ضعف ما يجذب القوي، و يستعطفه، و يكسب عطفه و رحمته.

و إنّ فى الضعف سراً يطلب القوى دائماً، و فى القوة سرّ يطلب الضعيف دائماً، فكل منهما يطلب الآخر.

و إنّ الطفل الرضيع فى ضعفه يطلب حنان الاُم، كما أنّ حنان الاُم يطلب ضعف الطفل و رقته.

(144)

و ليس سلاح أمضى لدى القوى من البكاء و الرجاء الذى هو وسيلة الضعيف و سلاحه. يقول أميرالمؤمنين على عليه‏السلام فى هذا الدعاء:

«يا من اسمه دواء، و ذكره شفاء ... ارحم من رأس ماله الرجاء، و سلاحه البكاء».

إنّ رجاء الفقير للغنى رأس ماله، و إنّ بكاء الضعيف لدى القوى سلاحه، و من لا يفهم سنن اللّه‏ تعالى فى الكون فى علاقة الضعيف بالقوى و القوي بالضعيف، لا يفهم هذه الفقرات المؤثرة من كلام الإمام عليه‏السلام فى دعاء كميل.

يقول الإمام على بن أبى طالب عليه‏السلام فى مناجاة له أُخري:

«أنت القوى و أنا الضعيف و هل يرحم الضعيف إلاّ القوي».

و الإمام عليه‏السلام فى هذا الدعاء يتوسل إلى اللّه‏ تعالى بضعف العبد، و قلة حيلته، و سرعة نفاد صبره و تحمله، و رقة جلده، و دقة عظمه.

يقول عليه‏السلام :

«يا رب ارحم ضعف بدني، و رقة جلدي، و دقة عظمي».

و إنّنا لتشوكنا الشوكة، و تمسّنا الجمرة، و يلم بنا المرض إلمامة خفيفة في الدنيا فتسلبنا النوم و الراحة و القرار و الاستقرار، و هو بلاء قصير مدته، خفيف وزنه، جعله اللّه‏ تعالى لامتحان عباده و اختبارهم و ابتلائهم رحمة بهم، فكيف بنا إذا سقنا إلى العذاب الأليم و قيل لملائكة العذاب: «خُذُوهُ فَغُلّوُهُ * ثُمَّ الجَحيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُون ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ».(1)


(1) الحاقّة : 29 ـ 30 ـ31 .

(145)

يقول الإمام: «و أنت تعلم ضعفى عن قليل من بلاء الدنيا و عقوباتها، و ما يجرى فيها من المكاره على أهلها، على أنّ ذلك بلاء و مكروه قليل مكثه، يسير بقاؤه، قصير مدته، فكيف احتمالى لبلاء الآخرة و جليل وقوع المكاره فيها، و هو بلاء تطول مدته، و يدوم مقامه، و لا يخفف عن أهله، لأنه لا يكون إلاّ عن غضبك و انتقامك و سخطك، و هذا ما لا تقوم له السموات و الأرض، يا سيدي، فكيف لى و أنا عبدك الضعيف الذليل الحقير المسكين المستكين، يا إلهى و ربى و سيدى و مولاي».

و الوسيلة الرابعة التى يتوسل بها الإمام عليه‏السلام فى هذا الدعاء هى اضطرار العبد إلى اللّه‏، و الاضطرار وسيلة ناجحة إلى من يضطر إليه الإنسان، و لا يجد نجاح حاجته إلاّ عنده.

و أقصد بالاضطرار ألاّ يجد العبد موضعاً لقضاء حاجته إلاّ عند اللّه‏، و لا مهرباً إلاّ إليه، و لا ملجأً إلاّ عنده، و عند ما يكون فرار العبد و هروبه من اللّه‏، و لا يجد ملجأ و مهرباً يلجأ إليه و يحتمى به إلاّ اللّه‏، يكون هذا المشهد من أعدي المشاهد إلى استنزال رحمة اللّه‏ تعالى و رأفته.

إنّ الطفل الصغير لا يرى فى عالمه الصغير غير أُمّه و أبيه من يحميه و يدافع عنه و يقضى حاجته و يلبى طلباته، و يمنحه من رحمته و عطفه، فيأنس بوالديه، و يجد عندهما فى اُفقه الصغير كل مطالبه و ما يحتاج إليه من الرحمة و الرأفة و الشفقة، فإذا ألمّت به ملمَّة، و إذا نابته نائبة، و إذا خاف من شيء لجأ إلي أبيه و أمّه، و وجد عندهما الأمن و الرحمة و الشفقة، و قضاء حاجته، و الأمن مما يخاف منه.

(146)

فإذا كان قد ارتكب ما يستحق العقوبة منهما، و خافهما على نفسه، نظر إلى يمينه و يساره فلم يجد من يلجأ إليه، و لا من يهرب منه، و لا من يجد عنده الأمن إلاّ هما، فيلجأ إليهما و يلقى بنفسه فى أحضانهما مستغيثاً بهما، و هما يريدان عقوبته و مؤاخذته.

و هذا المشهد من أكثر المشاهد التى تستدر عطف الوالدين و تكسبه حبهما و عطفهما.

و الإمام عليه‏السلام فى هذا الدعاء الشريف يشير إلى هذا المعني، فهو قد تعلّم في اُفقه الواسع الكبير أن يلجأ إلى اللّه‏ تعالى فى كلّ شيء، و كلّما ألمّت به ملمّة، أو نابته نائبة، أو داهمته مصيبة فزع إلى اللّه‏ و لم يجد لحاجته قضاء، و لا لما يلم به مفزعاً غير اللّه‏. و ها هو يرى العبد قد تعرّض لغضب اللّه‏ تعالى الذى يرجو رحمته، و لعقوبة اللّه‏ الذى يرجو الأمن من عنده.

فلا يَرى ـ و قد تعرض العبد لعقوبة اللّه‏ ـ ملجأ له غير اللّه‏، و لا مهرباً يهرب إليه غير اللّه‏ تعالي، و لا من يحتمى به و يسأله غيره تعالي.

فيضجّ إليه تعالى و قد ساقه ملائكة العذاب إلى جهنم، يطلب من اللّه‏ الأمن، و يعوذ برحمته من غضبه، و يستغيثه، و يستصرخه، و يطلب الرحمة لنفسه منه تعالي، كالطفل الذى يتعرض لغضب والديه فلا يفر منهما إلاّ إليهما، و لا يجد من يحتمى به منهما إلاّ هما.

و لنسمع الإمام عليه‏السلام فى هذه الكلمات الشفافة الرقيقة التى تعبر عن روح التوحيد و الدعاء:

(147)

«فبعزتك يا سيدى و مولاى أُقسم صادقاً لئن تركتنى ناطقاً، لأضجنّ إليك بين أهلها ضجج الآملين، و لأصرخنّ إليك صراخ المستصرخين، و لأبكينّ عليك بكاء الفاقدين و لاُنادينّك أين كنت يا ولى المؤمنين، يا غاية آمال العارفين، يا غياث المستغيثين، يا حبيب قلوب الصادقين، و يا إله العالمين».

و هذا هو الوجه الأول من القضية. و الوجه الثانى كالوجه الأوّل في البداهة و الوضوح فى علاقة اللّه‏ تعالى بعبده.

فقد كان الوجه الأوّل يتلخص فى علاقة العبد باللّه‏ فى اضطراره إليه و لجوئه إلى أمنه و رحمته.

و الوجه الآخر فى علاقة اللّه‏ تعالى بعبده عند ما يحتمى بحماه و أمنه، و يستغيث برحمته و يهرب منه إليه، و يستصرخ رحمته و فضله و هو يتعرض لعقوبته و انتقامه.

فهل يمكن أن يسمع اللّه‏ تعالي، و هو أرحم الراحمين، استغاثة عبد ساقه جهله و طيشه إلى نار جهنم، يستغيثه، و يستصرخه، و يناديه بلسان أهل توحيده، و يسأله النجاة من النار، و يضج إليه ... فيتركه فى عذابها يحرقه لهيبها، و يشتمل عليه زفيرها، و يتقلقل بين أطباقها، و تزجره زبانيتها، و هو تعالى يعلم صدقه فى حبه له، و توحيده له، و لجوءه إليه، و اضطراره إليه.

فاستمع إليه:

«أفتُراك سبحانك يا إلهى و بحمدك تسمع فيها صوت عبد مسلم سجن فيها بمخالفته، و ذاق طعم عذابها بمعصيته، و حبس بين أطباقها بجرمه و جريرته، و هو

(148)

يضج إليك ضجيج مؤمّل لرحمتك، و يناديك بلسان أهل توحيدك، و يتوسل إليك بربوبيتك، يا مولاى فكيف يبقى فى العذاب، و هو يرجو ما سلف من حلمك، أم كيف تؤلمه النار و هو يأمل فضلك و رحمتك، أم كيف يحرقه لهيبها و أنت تسمع صوته و ترى مكانه، أم كيف يشتمل عليه زفيرها و أنت تعلم ضعفه، أم كيف يتقلقل بين أطباقها و أنت تعلم صدقه، أم كيف تزجره زباني‏تها و هو يناديك يا ربه، أم كيف يرجو فضلك فى عتقه منها فتتركه فيها، هيهات ما ذلك الظن بك، و لا المعروف من فضلك، و لا مشبه لما عاملت به الموحدين من برك و إحسانك».

(150)