(130)
و ما دمنا قد تحدثنا عن العوائق و العوامل فمن المفيد أن نتحدث عن الوسائل التى نبتغيها إلى اللّه تعالى فى الدعاء.
فإنّ اللّه تعالى يدعونا أن نبتغى إليه الوسيلة.
يقول تعالي: «اُولآئِكَ الَّذينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسيلَةَ» (1).
و يقول تعالى «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ» (2).
و قد جعل اللّه تعالى هذه الوسائل لعباده الذين تعجز أعمالهم و أدعيتهم عن الصعود إليه رحمة بهم، و هو أرحم الراحمين.
فإن اللّه تعالى يقول: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَيّبُ وَ الْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ»(3).
إنّ فى حياة الإنسان (كلماً طيِّباً) و (عملاً صالحاً).
و «الكلم الطيّب» هو إيمان الإنسان باللّه، و إخلاصه له تعالي، و ثقته و رجاؤه به، و دعاؤه و تضرعه بين يديه.
و «العمل الصالح» هو العمل الذى يقوم به الإنسان عن «إيمان»، و «إخلاص»، و «ثقة»، و «رجاء».
(1) الإسراء: 57.
(2) المائدة: 35.
(3) فاطر: 10.
(131)
و «الكلم الطيّب» يصعد إلى اللّه بصريح القرآن، و لكن «العمل الصالح» هو الذى يرفع الكلم الطيب إلى اللّه، بصريح القرآن كذلك.
و لو لا «العمل الصالح» لم يصعد «الكلم الطيب» إلى اللّه، إلاّ انّه قد يكون فى «العمل الصالح» عجز و ضعف، فلا يستطيع أن يرفع «الكلم الطيب إلى اللّه»، فلا يصعد دعاء الإنسان إلى اللّه، و لا يستجاب دعاؤه.
فيجعل اللّه تعالى فى حياة الإنسان و بيده «وسائل» يبتغيها إليه، تعينه في الصعود إليه، رحمة بعباده.
و لو لا هذه الوسائل لم يتمكن من أن يرفع دعاءه و تضرعه إلى اللّه.
و هذه هى الوسائل التى يشير اليها القرآن.
و من هذه الوسائل دعاء رسول اللّه صلياللهعليهوآله و استغفاره لاُمّته.
يقول تعالي: «وَ لَوْ أَنَّهمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهمْ جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ توّاباً رَحيماً» (1).
و الآية الكريمة واضحة فى أنّ استغفار رسول اللّه صلياللهعليهوآله للمؤمنين، من الوسائل التى رغّب اللّه تعالى عباده أن يبتغوها وسيلة إليه فى الدعاء و الاستغفار.
و ما يقال عن المجيء إلى رسول اللّه صلياللهعليهوآله و استغفاره للمؤمنين فى حياته صلياللهعليهوآله يقال بعد وفاته صلياللهعليهوآله ، فإنّ رسول اللّه صلياللهعليهوآله حيّ يرزق عند اللّه بعد وفاته.
(1) النساء: 64.
(132)
و فى النصوص الإسلامية ورد التأكيد كثيراً على التوسل برسول اللّه صلياللهعليهوآله و أهل بيته عليهمالسلام .
روى عن داود البرقى قال: «إنّى كنت أسمع أبا عبداللّه عليهالسلام أكثر ما يلحّ في الدعاء على اللّه بحقّ الخمسة، يعنى رسول اللّه، و أميرالمؤمنين، و فاطمة، و الحسن، و الحسين عليهمالسلام » (1).
و عن سماعة: «قال لى أبو الحسن عليهالسلام : إذا كان لك يا سماعة إلى اللّه حاجة فقل: اللّهمّ إنّى أسألك بحق محمّد و علي، فإنّ لهما عندك شأناً من الشأن و قدراً من القدر، و بحق ذلك القدر أن تصلى على محمّد و آل محمّد و أن تفعل بى كذا و كذا» (2).
فى دعاء كميل نجد طائفة من الوسائل التى يتوسل بها الإمام أميرالمؤمنين على بن أبى طالب إلى اللّه فى الدعاء.
و هذه الوسائل هى الشطر الثانى من الدعاء، ولكى نتحدث عن الوسائل التى يقدمها الإمام عليهالسلام بين يدى دعائه و حاجاته إلى اللّه فى هذا الدعاء الشريف، لابدّ أن اُقدم توضيحاً موجزاً عن هيكل الدعاء، و الأفكار الرئيسة التى تضمنها، و المنهج الذى تنتظم من خلاله الافكار الرئيسة المطروحة فى هذا الدعاء الشريف.
(1) وسائل الشيعة: 4 / 1139، ح: 8844 .
(2) عدة الداعي: 38.
(133)
فإن لكل واحد من نصوص الأدعية المعروفة المأثورة عن أهل البيت عليهمالسلام أفكاراً محددة، و منهجية معينة لتنظيم هذه الأفكار، و طريقة للدخول و الخروج من الدعاء.
و لكل واحد من الأدعية المعروفة هيكل و تصميم خاص به، و دراسة هذه المناهج تنفعنا فى معرفة أساليب الدعاء و المناجاة مع اللّه.
إنّ لكل دعاء فكرة أساسية رئيسة، و مجموعة أفكار تحتضن هذه الفكرة، و مطلباً أساسياً و مجموعة مطالب أُخرى تحتضن المطلب الأساسي، و منهجاً فى السؤال و اسلوباً فى الدخول و الخروج.
و لو أنّ العلماء أولوا هذه المسألة اهتماماً علمياً كافياً لخرجوا بنتائج مفيدة.
و لست اُريد الآن أن أُقدم دراسة عن تصميم دعاء كميل و هيكله و الأفكار الأساسية فيه، و إنما أُريد أن اقدم فقط توضيحاً موجزاً للإطار العام، و الأفكار الرئيسة لهذا الدعاء بصورة موجزة لنتأمل من خلال هذا الإطار في الوسائل التى يقدمها الإمام عليهالسلام بين يدى حاجاته إلى اللّه فى هذا الدعاء.
دعاء كميل من الأدعية الجليلة المعروفة فى أوساط المؤمنين، يواظبون عليه ليالى الجمعة، و يقرأونه بصورة جمعية أو فردية.
و هذا الدعاء لأميرالمؤمنين على بن أبى طالب عليهالسلام علّمه لكميل بن زياد
(134)
النخعى رضياللهعنه ، و تلقّاه المؤمنون عن هذا الطريق جيلاً بعد جيل.
و هذا الدعاء غنى بمفاهيم العبودية و التوبة و الإخبات؛ و زاخر بصور حيّة من التضرع و الاستغاثة و الإنابة.
و لست فى هذه التأمّلات بصدد شرح هذا الدعاء الشريف و المفاهيم التي يزخر بها، فذلك أمر يطول و لعلّ اللّه تعالى يرزقنى توفيق ذلك و يهيّئ لى أسبابه.
أمّا الآن فأنا بصدد توضيح هيكل الدعاء، فإنّ هذا الدعاء مصمم تصميماً خاصاً على ثلاث مراحل، كلّ مرحلة منها تعد للمرحلة التالية لها، و فهم هذا التصميم و الاُسس التى يقوم عليها هيكل الدعاء يعيننا كثيراً على قراءة الدعاء و تأمّل مفاهيمه و الأفكار الواردة فيه، و التفاعل معه.
و لعل اللّه تعالى يجعل هذا الجهد نافعاً و مفيداً للمؤمنين الذين اعتادوا قراءة هذا الدعاء.
كما ذكرنا، هذا الدعاء مصمم على ثلاثة مراحل:
المرحلة الاُولي: بحكم المدخل إلى الدعاء، تعد الداعى للوقوف بين يدي اللّه و للدعاء و التضرع و السؤال، فإنّ الذنوب و المعاصى تحجب الإنسان عن اللّه، و تحبس الدعاء، و لكى يقف الإنسان بين يدى ربّه موقف الدعاء لابدّ أن يجتاز هذه العقبة أولاً.
و فى هذا المدخل يبدأ عليّ عليهالسلام بطلبين من اللّه:
(135)
أحدهما طلب المغفرة من اللّه «اللّهمّ اغفر لى الذنوب التى تهتك العصم. اللّهمّ اغفر لى الذنوب التى تنزل النقم ...»؛ هذا ما يتعلق بطلب المغفرة.
و الآخر طلب الذكر و الشكر و القرب فيقول: «و أسألك بجودك أن تدنيني من قربك، و أن توزعنى شكرك، و أن تلهمنى ذكرك».
و لابدّ للإنسان، لكى يتقدم للوقوف بين يدى اللّه للدعاء، من هذا و ذاك معاً. و لابدّ أن يغفر اللّه له ذنوبه، و يزيل عن قلبه الحجب و الغشاوات أولاً، و لابدّ من أن يأذن اللّه له أن يدنو منه و يوزعه شكره و يلهمه ذكره ثانياً.
و هذه هى الفقرة الاُولى من المدخل فى هذا الدعاء.
و الفقرة الثانية من المدخل عرض للفاقة و الحاجة و الرغبة إلى اللّه: «اللّهمّ و أسألك سؤال من اشتدّت فاقته، و أنزل بك عند الشدائد حاجته، و عظم فيما عندك رغبته»؛ و ليس من اللّه مفر، و ليس إلى غيره ملجأ.
و هاتان حقيقتان:
أـ ليس من اللّه مفر: «اللّهمّ عظم سلطانك، و علا مكانك، و خفى مكرك، و ظهر أمرك، و غلب قهرك، و جرت قدرتك، و لا يمكن الفرار من حكومتك».
ب ـ و ليس إلى غيره ملجأ: «اللّهمّ لا أجد لذنوبى غافراً، و لا لقبائحي ساتراً، و لا لشيءٍ من عملى القبيح بالحسن مبدلاً غيرك لا إله إلاّ أنت».
و هذه هى الفقرة الثانية من المدخل.
و فى الفقرة الثالثة من المدخل يستعرض على عليهالسلام بؤس الإنسان و شقاءه
الطويل: «اللّهمّ عظم بلائي، و أفرط بى سوء حالي، و قصرت بى أعمالي، و قعدت بي
(136)
أغلالي، و حبسنى عن نفعى بعد أملي، و خدعتنى الدنيا بغرورها، و نفسى بجنايتها و
مطالى يا سيدي».
«فأسألك بعزتك، أن لا يحجب عنك دعائى سوء عملى و فعالي، و لا تفضحني بخفيِّ ما اطّلعت عليه من سري، و لا تعاجلنى بالعقوبة على ما عملته فى خلواتى من سوء فعلى و إساءتى و دوام تفريطى و جهالتي، و كثرة شهواتى و غفلتي».
و فى الفقرة الرابعة من المدخل تكريس لمفهوم جليل سبق أن اُشير إليه فى هذا المدخل، و هو أنّ العبد لا يجد ملجأً فى ضرّه و بؤسه غير مولاه: «إلهي من لى غيرك أسأله كشف ضُرى و النظر فى أمري».
و فى الفقرة الخامسة من هذا المدخل اعترافان:
اعتراف بالسيئات.
و اعتراف بأن لا حجة للعبد على اللّه فيما خالف من حدوده و أحكامه و ركب من أهوائه و شهواته.
و فى الفقرة السادسة و الأخيرة من هذا المدخل حيث اعترف العبد بذنوبه و معاصيه و بؤسه و شقائه، و أعلن أن لا مفر له من اللّه و لا ملجأ منه إلاّ إليه و طلب من اللّه أن لا يؤاخذه بسوء أفعاله و جرائمه و جرائره، بعد هذه الجولة من التضرع و المسكنة بين يدى اللّه يعلن العبد أنّه قد رجع إلى مولاه معترفاً بذنوبه، نادماً منها، منكسراً مستقيلاً، عالماً أنه لا مفر له من اللّه إلاّ إليه، و لا مفزع له في
(137)
«و قد أتيتك يا إلهى بعد تقصيرى و إسرافى على نفسى معتذراً، نادماً، منكسراً، مستقيلاً، مستغفراً، منيباً، مقراً، مذعناً، معترفاً، لا أجد مفراً مما كان منّي، و لا مفزعاً أتوجَّه إليه فى أمرى غير قبولك عذري، و إدخالك إياى فى سعة رحمتك».
و بهذا ينتهى المدخل.
و قد أشرف العبد على التحرك للمثول بين يدى اللّه و الدعاء و التضرع، و أعلن ذلك بقوله: «و قد أتيتك».
و تبدأ المرحلة الثانية من الدعاء، و فى هذه المرحلة يذكر الإمام الوسائل التى يتوسل بها إلى اللّه فى هذه المرحلة، و هى أربعة وسائل كما أفهم.
و الوسيلة الاُولى هى سابق فضله و رحمته بعباده و حبه لهم: «يا من بدأ خلقي، و ذكري، و تربيتي، و برّي، هبنى لابتداء كرمك و سالف برّك بي».
و الوسيلة الثانية حبنا له و توحيدنا إياه: «أتراك معذبى بنارك بعد توحيدك، و بعد ما انطوى عليه قلبى من معرفتك، و لهج به لسانى من ذكرك، و اعتقده ضميري من حبك، و بعد صدق اعترافى و دعائى خاضعاً لربوبيتك».
و الوسيلة الثالثة ضعفنا عن تحمّل العذاب و رقة جلودنا و دقة عظامنا: «و أنت تعلم ضعفى عن قليل من بلاء الدنيا و عقوباتها و ما يجرى فيها من المكاره علي أهلها على أنّ ذلك بلاء و مكروه قليل مكثه، يسير بقاؤه، قصير مدته، فكيف احتمالي لبلاء الآخرة و جليل وقوع المكاره فيها ... إلهى و ربّى و سيّدي، لأيّ الاُمور إليك أشكو، و لما منها أضج و أبكي، لأليم العذاب و شدته، أم لطول البلاء و مدته».
(138)
و الوسيلة الرابعة التى يتوسل بها الإمام إلى اللّه فى هذا الدعاء هو لجوء العبد الآبق إلى مولاه الذى أبق منه و عصاه، و استعانته به، و استنجاده منه عند ما تنقطع عليه الطرق، و لا يجد لنفسه ملجأً إلاّ إلى مولاه.
و يصوّر الإمام هذه الوسيلة أروع تصوير فى هذه الكلمات: «فبعزتك يا سيدى و مولاى اُقسم صادقاً لإن تركتنى ناطقا لأضجنّ إليك بين أهلها ضجيج الآملين، و لأصرخنّ إليك صراخ المستصرخين، و لأبكين عليك بكاء الفاقدين، و لاُنادينّك أين كنت يا وليَّ المؤمنين، يا غاية آمال العارفين، يا غياث المستغيثين، يا حبيب قلوب الصادقين، و يا إله العالمين».
و تنتهى المرحلة الثانية من هذا الدعاء الشريف بتقديم هذه الوسائل الأربعة، و توسل العبد بها إلى اللّه لأجل الدعاء و السؤال، و لطلب الوقوف بين يديه سائلاً و داعياً.
و الآن ندخل مع على عليهالسلام المرحلة الثالثة من هذا الدعاء الشريف و في هذه المرحلة ـ بعد أن توسل الإمام إلى اللّه بالوسائل الأربعة ـ يعرض حاجاته و مطالبه على اللّه واحدة بعد الأُخري، و هذه الحاجات تبدأ من نقطة الحضيض حيث يكون العبد و عمله، و تنتهى إلى نقطة القمة حيث يكون طمع العبد و طموحه فى سعة رحمة مولاه.
فى نقطة الحضيض نقول: «أن تهب لى فى هذه الليلة و فى هذه الساعة كل جرم أجرمتُه، و كلّ ذنب أذنبتُه، و كل قبيح أسررتُه».
و فى نقطة القمة نقول: «و اجعلنى من أحسن عبيدك نصيباً عندك و أقربهم
(139)
الطائفة الأُولى أن يهب اللّه لنا ذنوبنا و لا يؤاخذنا بسيئاتنا، ويتجاوز عمّا فعلناه منسوء واقترفناه من جريمة وارتكبناه من قبيح: «أن تهب لى فى هذه الليلة و فى هذه الساعة كل جرم أجرمته، و كل قبيح أسررته، و كل جهل عملته، كتمته أو أعلنته، أخفيته أو أظهرته، و كل سيئة أمرت بإثباتها الكرام الكاتبين الذين وكّلتهم بحفظ ما يكون مني، و جعلتهم شهوداً عليَّ مع جوارحي».
و فى الطائفة الثانية يستنزل الإمام رحمة اللّه فى كل شأن و فى كل رزق، و يطلب من اللّه تعالى أن يوفر حظّه من كل خير ينزله: «و أن توفّر حظّى من كل خير أنزلته، أو برٍ نشرته، أو رزقٍ بسطته».
و هو دعاء شامل واسع لا يخرج منه شيء من رحمة اللّه.
و الطائفة الثالثة و هى أطول فقرات هذا الدعاء و تأخذ أكثر اهتمام الإمام من الدعاء (علاقته باللّه).
فيطلب عليهالسلام من اللّه تعالى أن يجعل أوقاته عامرة بذكره، و موصولة بخدمته،
و أن يرزقه الجدّ فى خشيته، و يُدنيه منه و يقربه إليه، و يرزقه جواره: «أسألك أن
تجعل أوقاتى من الليل و النهار بذكرك معمورة، و بخدمتك موصولة ... قوِّ علي
خدمتك جوارحي، و اشدد على العزيمة جوانحي، و هب لى الجدّ فى خشيتك و الدوام
فى الاتصال بخدمتك، حتى أسرح إليك فى ميادين السابقين، و أشتقاق إلى قربك في
المشتاقين، و أدنو منك دنوَّ المخلصين، و أخافك مخافة الموقنين، و أجتمع فى جوارك
(140)
و فى الطائفة الرابعة من المطالب يطلب فيها الإمام من اللّه أن يجنّبه كيد الظالمين و مكرهم و شرهم، و يرجع مكرهم إلى نحورهم، و يحفظه من ظلمهم و أذاهم:
«اللّهمّ و من أرادنى بسوءٍ فأرده، و من كادنى فكده».
«و اكفنى شرّ الجن و الإنس من أعدائي».
هذه خلاصة موجزة و سريعة لإطار و هيكل هذا الدعاء الشريف.
و لابدّ لهذا الإجمال من تفصيل و شرح.
و الآن نتحدث عن الوسائل الأربعة فى دعاء كميل، و هى الفصل الثاني من هذا الدعاء الشريف.
و الوسيلة الأُولى: سابق برّه و كرمه و فضله بعبده، و إذا كان فى عمل العبد و جهده عجز و قصور يحجبانه عن اللّه، فإنّ سابق فضله تعالى و رحمته بعبده يشفع للعبد إلى اللّه.
(141)
فإنّ سابق فضله و رحمته تعالى بعبده دليل على حب اللّه لعبده. و هذا الحب الإلهى هو الوسيلة التى يقدمها العبد بين يدى حاجاته إلى اللّه، فإنّه إذا كان لا يستحق رحمة اللّه تعالى فإنّ حب اللّه تعالى له يؤهّله لرحمته و فضله، و يضعه فى موضع الإجابة، يقول الإمام فى هذه الوسيلة:
«يا من بدأ خلقى و ذكرى و تربيتى و برّي، هبنى لابتداء كرمك و سالف برك بي».
فقد بدأنا بالبر و الذكر و الخلق و التربية قبل أن نسأله تعالي، و دون أن نستحق هذا البر و الذكر، فأولى به تعالى أن يبرّنا و يكرمنا و نحن نسأله و نطلب منه، و إذا كانت سيئآتنا و معاصينا تحجبنا عن برّه و رحمته، فإنّ حبّه لنا يشفع لنا عنده، و يضعنا فى مواضع بره و رحمته.
و الوسيلة الثانية: حبنا له، و هو وسيلة ناجحة كحبّه لنا، فقد توسّل الإمام عليهالسلام إلى اللّه تعالى فى الوسيلة الأُولى بحبّه تعالى لنا، ثم توسل بعد ذلك بحبّنا له و هو وسيلة ناجحة و مؤثرة عند اللّه كحبّه لنا. فإنّ للحب قيمة كبيرة لاتضاهيها قيمة عند الحبيب، و مهما شككنا نحن فى شيء، فلا نشك فى حبّنا للّه تعالي، و أوليائه و الحبّ بضاعة لا يردها اللّه تعالي.
و فى سياق هذه الوسيلة يأتى توحيدنا له تعالى و خشوعنا بين يديه، و صلاتنا و سجودنا و ذكرنا و شهادتنا و اعترافنا له بالربوبية، و على أنفسنا بالعبودية.
و نرجع ذلك كله إلى اثنين: إلى حبّنا له، و توحيدنا إيّاه، و نحن على يقين
(142)
أن «الحب» و «التوحيد» بضاعتان لا يرّدهما اللّه تعالي، و مهما شككنا فى شيء فلا نشك و لا نتردد لحظة واحدة فى هذا و لا ذاك.
يقول الإمام عليهالسلام فى التوسل بهذه الوسيلة:
«أتراك معذبى بنارك بعد توحيدك، و بعد ما انطوى عليه قلبى من معرفتك، و لهج به لسانى من ذكرك، و اعتقده ضميرى من حبّك، و بعد صدق اعترافي و دعائى خاضعاً لربوبيتك».
و فى التعليق على هذه الفقرة من الدعاء تحضرنى قصة.
يقال: إنّ يوسف عليهالسلام لمّا آتاه اللّه الملك و السلطان فى مصر كان يطل ذات يوم على المدينة من شرفة بيته، و كان معه على الشرفة عبد صالح، من عباد اللّه ممن آتاه اللّه علماً و نوراً، فمرّ شاب من تحت الشرفة عابراً، فقال ذلك العبد الصالح ليوسف عليهالسلام : أتعرفه؟ قال: كلاّ.
قال: هذا هو الطفل الذى شهد ببراءتك يوم اتهمتك إمرأة العزيز.
«وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَميصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الكاذِبينَ * وَ إِنْ كانَ قَميصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصّادِقين».(1)
و قد بلغ ذلك الطفل الرضيع الذى شهدلك فى المهد مبلغ الشباب، و هو ذا.
فاستدعاه يوسف عليهالسلام ، و أجلسه إلى جنبه و أكرمه و خلع عليه، و بالغ في إكرامه. و ذلك العبد الصالح ينظر إلى ما يصنع يوسف عليهالسلام متعجباً.
فقال له يوسف عليهالسلام : أتعجب مما صنعت بهذا الشاب؟ فقال: لا، ولكن هذا
(1) يوسف : 25 ـ 26.
(143)
الشاب لم يكن له من الجميل عندك غير الشهادة لك بالبراءة، و قد أنطقه اللّه تعالى بها، و لم يكن له من فضل فى ذلك، و مع ذلك فقد أكرمته بهذه الصورة و بالغت فى إكرامه.
فكيف يمكن أن يحرق اللّه بالنار وجه عبد طال سجوده بين يديه، أو يحرق قلب عبد، انطوى على حبه، أو يحرق لساناً طالما ذكره، و شهد بتوحيده، و نفى الشرك عنه؟!
و الإمام عليهالسلام يقول بهذا الصدد:
«و ليت شعرى يا سيدى و إلهى و مولاي، أتسلّط النار على وجوه خرّت لعظمتك ساجدة، و على ألسن نطقت بتوحيدك صادقة، و بشكرك مادحة، و علي قلوب اعترفت بإلهيتك محققة، و على ضمائر حوت من العلم بك حتى صارت خاشعة، و على جوارح سعت إلى أوطان تعبّدك طائعة، و أشارت باستغفارك مذعنة ... ما هكذا الظن بك، و لا أُخبرنا بفضلك عنك يا كريم».
و الوسيلة الثالثة: ضعفنا عن تحمّل العذاب، ورقة جلودنا، و دقة عظامنا، و قلة صبرنا و تحملنا، و الضعف وسيلة ناجحة إلى القوى المتين، و فى كل ضعف ما يجذب القوي، و يستعطفه، و يكسب عطفه و رحمته.
و إنّ فى الضعف سراً يطلب القوى دائماً، و فى القوة سرّ يطلب الضعيف دائماً، فكل منهما يطلب الآخر.
و إنّ الطفل الرضيع فى ضعفه يطلب حنان الاُم، كما أنّ حنان الاُم يطلب ضعف الطفل و رقته.
(144)
و ليس سلاح أمضى لدى القوى من البكاء و الرجاء الذى هو وسيلة الضعيف و سلاحه. يقول أميرالمؤمنين على عليهالسلام فى هذا الدعاء:
«يا من اسمه دواء، و ذكره شفاء ... ارحم من رأس ماله الرجاء، و سلاحه البكاء».
إنّ رجاء الفقير للغنى رأس ماله، و إنّ بكاء الضعيف لدى القوى سلاحه، و من لا يفهم سنن اللّه تعالى فى الكون فى علاقة الضعيف بالقوى و القوي بالضعيف، لا يفهم هذه الفقرات المؤثرة من كلام الإمام عليهالسلام فى دعاء كميل.
يقول الإمام على بن أبى طالب عليهالسلام فى مناجاة له أُخري:
«أنت القوى و أنا الضعيف و هل يرحم الضعيف إلاّ القوي».
و الإمام عليهالسلام فى هذا الدعاء يتوسل إلى اللّه تعالى بضعف العبد، و قلة حيلته، و سرعة نفاد صبره و تحمله، و رقة جلده، و دقة عظمه.
يقول عليهالسلام :
«يا رب ارحم ضعف بدني، و رقة جلدي، و دقة عظمي».
و إنّنا لتشوكنا الشوكة، و تمسّنا الجمرة، و يلم بنا المرض إلمامة خفيفة في الدنيا فتسلبنا النوم و الراحة و القرار و الاستقرار، و هو بلاء قصير مدته، خفيف وزنه، جعله اللّه تعالى لامتحان عباده و اختبارهم و ابتلائهم رحمة بهم، فكيف بنا إذا سقنا إلى العذاب الأليم و قيل لملائكة العذاب: «خُذُوهُ فَغُلّوُهُ * ثُمَّ الجَحيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُون ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ».(1)
(1) الحاقّة : 29 ـ 30 ـ31 .
(145)
يقول الإمام: «و أنت تعلم ضعفى عن قليل من بلاء الدنيا و عقوباتها، و ما يجرى فيها من المكاره على أهلها، على أنّ ذلك بلاء و مكروه قليل مكثه، يسير بقاؤه، قصير مدته، فكيف احتمالى لبلاء الآخرة و جليل وقوع المكاره فيها، و هو بلاء تطول مدته، و يدوم مقامه، و لا يخفف عن أهله، لأنه لا يكون إلاّ عن غضبك و انتقامك و سخطك، و هذا ما لا تقوم له السموات و الأرض، يا سيدي، فكيف لى و أنا عبدك الضعيف الذليل الحقير المسكين المستكين، يا إلهى و ربى و سيدى و مولاي».
و الوسيلة الرابعة التى يتوسل بها الإمام عليهالسلام فى هذا الدعاء هى اضطرار العبد إلى اللّه، و الاضطرار وسيلة ناجحة إلى من يضطر إليه الإنسان، و لا يجد نجاح حاجته إلاّ عنده.
و أقصد بالاضطرار ألاّ يجد العبد موضعاً لقضاء حاجته إلاّ عند اللّه، و لا مهرباً إلاّ إليه، و لا ملجأً إلاّ عنده، و عند ما يكون فرار العبد و هروبه من اللّه، و لا يجد ملجأ و مهرباً يلجأ إليه و يحتمى به إلاّ اللّه، يكون هذا المشهد من أعدي المشاهد إلى استنزال رحمة اللّه تعالى و رأفته.
إنّ الطفل الصغير لا يرى فى عالمه الصغير غير أُمّه و أبيه من يحميه و يدافع عنه و يقضى حاجته و يلبى طلباته، و يمنحه من رحمته و عطفه، فيأنس بوالديه، و يجد عندهما فى اُفقه الصغير كل مطالبه و ما يحتاج إليه من الرحمة و الرأفة و الشفقة، فإذا ألمّت به ملمَّة، و إذا نابته نائبة، و إذا خاف من شيء لجأ إلي أبيه و أمّه، و وجد عندهما الأمن و الرحمة و الشفقة، و قضاء حاجته، و الأمن مما يخاف منه.
(146)
فإذا كان قد ارتكب ما يستحق العقوبة منهما، و خافهما على نفسه، نظر إلى يمينه و يساره فلم يجد من يلجأ إليه، و لا من يهرب منه، و لا من يجد عنده الأمن إلاّ هما، فيلجأ إليهما و يلقى بنفسه فى أحضانهما مستغيثاً بهما، و هما يريدان عقوبته و مؤاخذته.
و هذا المشهد من أكثر المشاهد التى تستدر عطف الوالدين و تكسبه حبهما و عطفهما.
و الإمام عليهالسلام فى هذا الدعاء الشريف يشير إلى هذا المعني، فهو قد تعلّم في اُفقه الواسع الكبير أن يلجأ إلى اللّه تعالى فى كلّ شيء، و كلّما ألمّت به ملمّة، أو نابته نائبة، أو داهمته مصيبة فزع إلى اللّه و لم يجد لحاجته قضاء، و لا لما يلم به مفزعاً غير اللّه. و ها هو يرى العبد قد تعرّض لغضب اللّه تعالى الذى يرجو رحمته، و لعقوبة اللّه الذى يرجو الأمن من عنده.
فلا يَرى ـ و قد تعرض العبد لعقوبة اللّه ـ ملجأ له غير اللّه، و لا مهرباً يهرب إليه غير اللّه تعالي، و لا من يحتمى به و يسأله غيره تعالي.
فيضجّ إليه تعالى و قد ساقه ملائكة العذاب إلى جهنم، يطلب من اللّه الأمن، و يعوذ برحمته من غضبه، و يستغيثه، و يستصرخه، و يطلب الرحمة لنفسه منه تعالي، كالطفل الذى يتعرض لغضب والديه فلا يفر منهما إلاّ إليهما، و لا يجد من يحتمى به منهما إلاّ هما.
و لنسمع الإمام عليهالسلام فى هذه الكلمات الشفافة الرقيقة التى تعبر عن روح التوحيد و الدعاء:
(147)
«فبعزتك يا سيدى و مولاى أُقسم صادقاً لئن تركتنى ناطقاً، لأضجنّ إليك بين أهلها ضجج الآملين، و لأصرخنّ إليك صراخ المستصرخين، و لأبكينّ عليك بكاء الفاقدين و لاُنادينّك أين كنت يا ولى المؤمنين، يا غاية آمال العارفين، يا غياث المستغيثين، يا حبيب قلوب الصادقين، و يا إله العالمين».
و هذا هو الوجه الأول من القضية. و الوجه الثانى كالوجه الأوّل في البداهة و الوضوح فى علاقة اللّه تعالى بعبده.
فقد كان الوجه الأوّل يتلخص فى علاقة العبد باللّه فى اضطراره إليه و لجوئه إلى أمنه و رحمته.
و الوجه الآخر فى علاقة اللّه تعالى بعبده عند ما يحتمى بحماه و أمنه، و يستغيث برحمته و يهرب منه إليه، و يستصرخ رحمته و فضله و هو يتعرض لعقوبته و انتقامه.
فهل يمكن أن يسمع اللّه تعالي، و هو أرحم الراحمين، استغاثة عبد ساقه جهله و طيشه إلى نار جهنم، يستغيثه، و يستصرخه، و يناديه بلسان أهل توحيده، و يسأله النجاة من النار، و يضج إليه ... فيتركه فى عذابها يحرقه لهيبها، و يشتمل عليه زفيرها، و يتقلقل بين أطباقها، و تزجره زبانيتها، و هو تعالى يعلم صدقه فى حبه له، و توحيده له، و لجوءه إليه، و اضطراره إليه.
فاستمع إليه:
«أفتُراك سبحانك يا إلهى و بحمدك تسمع فيها صوت عبد مسلم سجن فيها
بمخالفته، و ذاق طعم عذابها بمعصيته، و حبس بين أطباقها بجرمه و جريرته، و هو
(148)
يضج إليك ضجيج مؤمّل لرحمتك، و يناديك بلسان أهل توحيدك، و يتوسل إليك
بربوبيتك، يا مولاى فكيف يبقى فى العذاب، و هو يرجو ما سلف من حلمك، أم كيف
تؤلمه النار و هو يأمل فضلك و رحمتك، أم كيف يحرقه لهيبها و أنت تسمع صوته و
ترى مكانه، أم كيف يشتمل عليه زفيرها و أنت تعلم ضعفه، أم كيف يتقلقل بين
أطباقها و أنت تعلم صدقه، أم كيف تزجره زبانيتها و هو يناديك يا ربه، أم كيف يرجو
فضلك فى عتقه منها فتتركه فيها، هيهات ما ذلك الظن بك، و لا المعروف من فضلك،
و لا مشبه لما عاملت به الموحدين من برك و إحسانك». (150)