العوائق و العقبات

(112)

ما هى العوائق و العقبات التى تحبس الدعاء عن الصعود إلى اللّه‏؟

هذا ما نحاول أن نجيب عليه إن شاء اللّه‏ فى هذه النقطة من هذا المقال.

فإنّ الدعاء، كما يقولون، قرآن صاعد فى مقابل القرآن النازل من اللّه‏ تعالي؛ و فى القرآن النازل دعوة إلى العبودية، و اللجوء و الإقبال على اللّه‏ و الإنقطاع إلى اللّه‏، و فى القرآن الصاعد تلبية لهذه الدعوة.

و الدعوة من اللّه‏ تعالى إلى العباد؛ و التلبية من العباد إلى اللّه‏.

لكن هناك طائفة من العوائق و العقبات تحبس الدعاء من الصعود إلى اللّه‏؛ و من أهم هذه العوائق التى تحبس الدعاء عن الصعود إلى اللّه‏ الذنوب و المعاصي.

و قد ورد فى دعاء كميل : «اللّهمّ اغفرلى الذنوب التى تحبس الدعاء».

و فى نفس الدعاء :

«فأسألك بعزتك أن لا يحجب عنك دعائى سوء عملي».

و فيما يلى سوف نحاول إن شاء اللّه‏ تحليل هذه العوائق.

دور الذنوب فى حجب الإنسان عن اللّه‏ :

للذنوب فى حياة الإنسان دوران :

الدور الأوّل : تحجب الإنسان عن اللّه‏، و تقطعه عنه تعالى فلا يتمكن الإنسان من الإقبال على اللّه‏ و التوجه إليه، و لا يتمكن من الدعاء، فإنّ الدعاء

(113)

من الإقبال على اللّه‏.

و إذا حجبت الذنوب صاحبها عن اللّه‏، فقد حجبته عن الدعاء أيضاً.

الدور الثانى : الذنوب تحجب الدعاء عن الصعود إلى اللّه‏، لأن الدعاء إذا صعد إلى اللّه‏ تتم الإجابة من عند اللّه‏، فليس فى ساحة اللّه‏ تعالى عجز أو شحّ إذا صعد دعاء العبد، و إنّما العجز فى الدعاء عن الصعود إلى اللّه‏.

إذن فإن الذنوب قد تحبس الإنسان عن الدعاء، و قد تحبس الدعاء عن الصعود إلى اللّه‏.

و لابد لهذا الإجمال من توضيح، و إليكم هذا التوضيح.

الدور المزدوج للقلوب فى الأخذ و العطاء :

إنّ القلب (الجانحة) جهاز ارتباط يأخذ و يتلقى من اللّه‏ تعالى من جانب، و يعطى من جانب آخر. كالقلب (الجارحة) الذى يقوم بدور مزدوج فى ضخ الدم و استعادته و تجميعه من خلال الشرايين و الأوردة.

فإذا فقد القلب (الجانحة) هذه الخاصة فى وصل الإنسان و ربطه باللّه‏ تعالى فقد كلَّ قيمته، و لم يعد له نفع و لا جدوي، و أصبح ميتاً، كالقلب الجارحة تماماً.

و القلوب فى هذا الأخذ و العطاء، تأخذ من اللّه‏ تعالى الهدى و النور و البصيرة من جانب، و تمنح الإنسان فى حركته و كلامه و مواقفه و أعماله و علاقاته هذا الهدى و النور من جانب آخر.

و لنتأمل فى كتاب اللّه‏، لنعرف هذا الدور المزدوج للقلوب من خلال القرآن.

(114)

فى الجانب الأوّل (التلقى و الأخذ من عند اللّه‏) يقول اللّه‏ تعالى :

«وَ قالَ الَّذينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتيلاً» (1).

فالقرآن إذن يتنزل على القلوب جملة واحدة و نجوماً، و يثبت الأفئدة، و تأخذ القلوب منه النور و الهدي.

و يقول تعالى :

«اَللّه‏ُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَديثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلوُدُ الَّذينَ يَخْشَونَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلينُ جُلُودُهمْ وَ قُلُوبُهمْ إِلى ذِكْرِ اللّه‏ِ» (2).

إنّ القلوب تأخذ من القرآن فتخشع و تلين، و تتفاعل مع هدى اللّه‏ و نوره الذى أرسل إلى عباده. فإنّ القرآن هدى اللّه‏ و نوره الذى أرسله إلى عباده، و برهانه و حجته إلى خلقه.

«يا أَيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلِيْكُمْ نُورَاً مُبيناً»(3).

و قلوب المؤمنين و المتقين دون غيرهم تختص بهذا النور و الهدي، و تأخذ منه، و تتفاعل معه.

«هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَ هُدًى وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقينَ» (4).

«هذا بَصائِرُ مِنْ رَبّكمْ و هُدًى و رَحمَةٌ لِقومٍ يُؤمِنونَ» (5).

و هذا هو الدور الأول للقلوب، تتلقّى الهدى و النور و البصيرة و البرهان

(1) الفرقان : 32.
(2) الزمر : 23.
(3) النساء : 172.
(4) آل عمران : 138.
(5) الأعراف : 203.

(115)

من عند اللّه‏، و تختص بما أنزل اللّه‏ تعالى إلى عباده من النور و الهدي، و تتفاعل معه و تلين له.

الدور الثانى للقلوب البث و العطاء :

تبث فيه القلوب النور و الهدى الذى تلقته من عند اللّه‏، و تمنح النور لحركة الإنسان و منطقه و موقفه، و علاقاته، و اهتماماته. و عند ذاك يتحرك الإنسان بنور اللّه‏ و هداه، و يتكلم بنور اللّه‏ و هداه، و يحدد مواقفه بنور اللّه‏ و هداه، و يمشى فى الناس بنور اللّه‏ و هداه.

«أوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ و جَعَلْنا لَهُ نُورَاً يَمْشى بِه فيِ النّاسِ» (1).

«يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه‏َ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِه و يَجْعَلْ لَكُم نُورَاً تَمْشُونَ بِهِ و يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّه‏ُ غَفُورٌ رَحيمٌ» (2).

و هذا النور الذى يقيم به المؤمنون علاقاتهم مع الناس و يتحركون به في صفوف الناس، فى السياسة، أو فى التجارة، أو فى سائر شؤون الحياة هو من نور اللّه‏ تعالى الذى أرسله لعباده.

«وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّه‏ُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» (3).

و هذا النور يتلقاه القلب من عند اللّه‏ ثم يوجّه القلب به بصر الإنسان و سمعه و أعضاءه و جوارحه.

و دور القلب فى هذا الأخذ و العطاء دور الوسيط، يتلقى النور من عند اللّه‏ و يوجّه به سلوك الإنسان و تحركه و كلامه و مواقفه.

(1) الأنعام : 122.
(2) الحديد : 28.
(3) النور : 40.

(116)

و هذه أمارة سلامة القلب و صحته يتلقى القرآن، و يعطى القرآن، كالتربة الخصبة تتلقى النور و الهواء و الماء و تعطى الثمار الطيبة.

يقول أميرالمؤمنين عليه‏السلام فى صفة القرآن :

«كتاب اللّه‏ تبصرون به و تنطقون به و تسمعون به».

فإذا فقد القلب سلامته فقد خاصيَّة الاستقبال و التوجيه، فلا يتمكن من استقبال القرآن (النازل) من عند اللّه‏.

و إذا فقد القلب القدرة على استقبال القرآن (النازل) فقد القدرة على توجيه صاحبه و على رفع القرآن (الصاعد) إلى اللّه‏ بالصلاة و الدعاء.

و تلك الحالة هى حالة (انغلاق القلب). يقول تعالى : «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لايَرْجِعُونَ» (1).

و الأصم الأعمى لا يستطيع أن يستقبل نداءً و لا نوراً، و من ثمّ لا يستطيع أن ينطق أيضاً، فيكون أبكم بطبيعة الحال.

و يقول تعالى عن بنى إسرائيل : «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً» (2).

إنّ الحجارة لا تتمكن من أن تستقبل نوراً و لا هواءً و لا ماءً، و تردّ كل ما يتوجه إليها من النور و الهواء و الماء، و بطبيعة الحال لا تستطيع أن تعطى ثمرة، فإنّ الثمرة التى تعطيها التربة الخصبة هى مما تستقبل من النور و الهواء و الماء.

و القلب إذا فقد سلامته يكون كذلك، لا يستقبل النور و لا يمنح النور، و

(1) البقرة : 18.
(2) البقرة : 74.

(117)

هى حالة الانغلاق الكامل، و حالة (موت القلب) يفقد فيها القلب كل حيويّته، فإن حياة القلب بما يأخذ، و يعطي، فإذا فقد هذه الخاصيَّة فقد الحياة.

يقول تعالى فى موت القلب : «إِنّ اللّه‏َ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَ ما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فيِ الْقُبُورِ» (1).

و يقول تعالى : «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ» (2).

و يقول تعالى : «وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونُ»(3).

و ليس العجز فى قوة النداء و الأداء، و لكن العجز فى قابلية الميِّت علي السمع.

تلك هى حالة موت القلب و انغلاقه و انقطاعه عن اللّه‏ تعالي.

فما هو سبب هذا الانقطاع و الانغلاق؟

العوامل التى تؤدّى الى انغلاق القلوب :

النصوص الاسلامية تؤكد أنّ أهم عوامل انغلاق القلوب و انقطاعها عن اللّه‏ اثنان :

1ـ الإعراض عن آيات اللّه‏ و تكذيبها.

2ـ ارتكاب الذنوب و المعاصي.

يقول تعالى : «وَ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ فيِ الظُّلُماتِ» (4).

و التكذيب بآيات اللّه‏، فى هذه الآية الكريمة سبب الصمم و الاستقرار في

(1) فاطر : 23.
(2) النمل : 8 .
(3) يس : 10.
(4) الأنعام : 39.

(118)

الظلمات فى حياة الناس.

و يقول تعالى : «وَ إِذا تُتْلى عَلَيِْه آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرَاً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فيآ أُذُنَيْهِ وَقْراً» (1).

و نلاحظ فى هذه الآية الكريمة العلاقة المتبادلة بين الإعراض عن آيات اللّه‏ و الاستكبار عنها و الوقر فى الآذان.

و هذا هو العامل الأول (الإعراض).

و عن العامل الثانى (الذنوب) يقول تعالى :

«كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُون» (2).

و الآية الكريمة واضحة فى أنّ الذنوب التى يكسبها الإنسان تتحول إلي رين و صدأ على القلوب، تغلق القلب و تقطعه عن اللّه‏.

بالذنوب تنتكس القلوب :

و إنّ الإنسان يمارس الذنب حتى ينقطع قلبه عن اللّه‏، فإذا انقطع قلبه عن اللّه‏ انتكس القلب، فكان أعلاه أسفله، و أسفله أعلاه، و فقد كل خصائصه.

عن أبى عبداللّه‏ الصادق عليه‏السلام :

«كان أبى يقول : ما من شيء أفسد للقلب من خطيئته؛ إنّ القلب ليواقع الخطيئة، فلا تزال به حتى تغلب عليه، فيصير أعلاه أسفله» (3).


(1) لقمان : 7.
(2) المطففين : 14
(3) بحار الأنوار: 73 / 412.

(119)

و عن أبى عبداللّه‏ الصادق عليه‏السلام أيضاً :

«إذا أذنب الرجل خرج فى قلبه نكتة سوداء، فإن تاب انمحت، و إن زاد زادت، حتى تغلب على قلبه، فلا يفلح بعدها أبداً» (1).

بالذنوب يفقد الإنسان حلاوة الذكر :

و لذكر اللّه‏ حلاوة فى القلوب المؤمنة، ليس فوقها حلاوة، فإذا انتكس القلب فقد هذه الحلاوة، و لم يعد يتذوق حلاوة الذكر، كالمريض الذى تنتكس سلامته فيفقد شهيّة الطيبات، لا لأن الطيبات فقدت طيبها، و لكن لأنّ المريض فقد الشهيّة إليها، كذلك القلوب إذا انتكست فقدت حلاوة ذكر اللّه‏، و لم يعد لذكر اللّه‏ تعالى لديها حلاوة و جاذبية.

فى الحديث : «إنّ اللّه‏ أوحى إلى داود أن أدنى ما أنا صانع بعبد غير عامل بعلمه من سبعين عقوبة باطنية أن أنزع من قلبه حلاوة ذكري» (2).

جاء رجل إلى أميرالمؤمنين عليه‏السلام ، فقال : «يا أميرالمؤمنين، إنّى قد حرمت الصلاة بالليل.

فقال عليه‏السلام : أنت رجل قد قيدتك ذنوبك» (3).

و عن الإمام الصادق عليه‏السلام :

«إنّ الرجل يذنب الذنب، فيحرم صلاة الليل، و إنّ العمل السيّئ أسرع في

(1) بحار الأنوار: 73 / 327.
(2) دار السّلام للشيخ النوري: 3 / 200.
(3) علل الشرائع: 2 / 51.

(120)

صاحبه من السكين فى اللحم» (1).

الذنوب التى تحبس الدعاء :

إذن انقطاع القلب عن اللّه‏ من المردودات المباشرة للذنوب، و إذا انقطع القلب عن اللّه‏ فلا يأخذ و لا يعطي.

و الدعاء ممّا يرفعه الإنسان إلى اللّه‏ تعالي. و لذلك قلنا : إنه «القرآن الصاعد» الذى يرفعه العبد إلى اللّه‏، بعدما يستقبل من عند اللّه‏ «القرآن النازل»، فإذا انقطع الإنسان عن القرآن النازل انقطع بالضرورة عن القرآن الصاعد، فيحبس عن الدعاء، و لا يتوفق له. و حتى إذا ألحّت عليه الضرورات و دعا اللّه‏ تعالى حبس اللّه‏ تعالى دعاءه عن الصعود و لم يجد الاستجابة.

و روى عن على عليه‏السلام : «المعصية تمنع الإجابة».

و سأل رجل عليّاً عليه‏السلام عن قوله تعالى : «ادعونى أستجب لكم» : «ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال عليه‏السلام : فأى دعاء يستجاب لكم، و قد سددتم أبوابه و طرقه، فاتقوا اللّه‏ و أصلحوا أعمالكم، و أخلصوا سرائركم، وأْمروا بالمعروف، و انهوا عن المنكر، فيستجيب اللّه‏ دعاءكم» (2).

و عن على بن الحسين زين العابدين عليه‏السلام : «و الذنوب التى تردّ الدعاء، و تُظلم الهواء عقوق الوالدين» (3).

و فى رواية أُخرى : «و الذنوب التى ترد الدعاء : سوء الني‏ة، و خبث

(1) اُصول الكافي: 2 / 272.
(2) بحار الأنوار: 93 / 376.
(3) معانى الأخبار : 270.

(121)

السريرة، و النفاق، و ترك التصديق بالاجابة، و تأخير الصلوات المفروضات حتي تذهب أوقاتها، و ترك التقرب إلى اللّه‏ عزّ و جلّ بالبر و الصدقة، و استعمال البذاء و الفحش فى القول» (1).

و عن أبى جعفر الباقر عليه‏السلام :

«إنّ العبد يسأل اللّه‏ الحاجة، فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب، فيذنب العبد ذنباً، فيقول اللّه‏ تبارك و تعالى للملك : لا تقض حاجته، و احرمه إياها، فإنه تعرض لسخطى و استوجب الحرمان مني» (2).

(عوائق) و (عوامل) صعود الأعمال :

فى النصوص الإسلامية ورد ذكر للعوائق عن صعود الأعمال و لعوامل صعود الأعمال.

و لكليهما علاقة مباشرة بعمل الإنسان، إلاّ أنّ العوائق تعيق صعود الأعمال إلى اللّه‏ تعالي، و «العوامل» تعين على صعود الأعمال إلى اللّه‏.

و فيما يلى نستعرض نموذجاً واحداً من النصوص الواردة فى العوائق، و نموذجاً واحداً من النصوص الواردة فى العوامل من دون توضيح و تعليق، و نترك الشرح و التعليق فى هذه المسألة المهمة فى الثقافة و التربية الإسلامية إلي مجال مناسب إن شاء اللّه‏.

(1) معانى الأخبار : 271.
(2) أصول الكافي: 3 / 373.

(122)

عوائق صعود الأعمال :

روى الشيخ أبو جعفر محمّد بن أحمد بن على القمي، نزيل الري، في كتابه: المنبئ عن زهد النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله ، عن عبدالواحد عمّن حدثه عن معاذ بن جبل قال : قلت : حدثنى بحديث سمعته من رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و حفظته من دقة ما حدثك به. قال : نعم، و بكى معاذ، ثم قال : بأبى و أُمى حدثنى و أنا رديفه، فقال: بينا نسير إذ رفع بصره إلى السماء فقال: الحمد للّه‏ الذى يقضى فى خلقه ما أحب، ثم قال: يا معاذ، قلت : لبيك يا رسول اللّه‏ و سيّد المؤمنين. قال : يا معاذ، قلت: لبيك يا رسول اللّه‏ إمام الخير و نبى الرحمة، فقال: اُحدّثك شيئاً ما حدّث به نبي أُمته إن حفظته نفعك عيشك، و إن سمعته و لم تحفظه انقطعت حجتك عند اللّه‏، ثم قال: إنّ اللّه‏ خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السماوات فجعل فى كل سماء ملكاً قد جللها بعظمته، و جعل على كل باب من أبواب السماوات ملكاً بواباً، فتكتب الحفظة عمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي، ثم ترتفع الحفظة بعمله و له نور كنور الشمس حتى إذا بلغ سماء الدنيا فتزكيه و تكثره فيقول الملك: قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا ملك الغيبة، فمن اغتاب لا أدع عمله يجاوزنى إلى غيري، أمرنى بذلك ربي.

قال صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : ثم تجيئ الحفظة من الغد و معهم عمل صالح، فتمر به فتزكيه و تكثره حتى تبلغ السماء الثانية، فيقول الملك الذى فى السماء الثانية: قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انّما أراد بهذا عرض الدنيا، أنا صاحب الدنيا، لا أدع عمله يتجاوزنى إلى غيري.

(123)

قال: ثم تصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً بصدقة و صلاة فتعجب به الحفظة، و تجاوز به إلى السماء الثالثة، فيقول الملك: قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه و ظهره، أنا ملك صاحب الكبر، فيقول: إنه عمل و تكبر على الناس فى مجالسهم؛ أمرنى ربى أن لا أدع عمله يتجاوزنى إلى غيري.

قال: و تصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كالكوكب الدرى فى السماء، له دوى بالتسبيح و الصوم و الحج، فتمر به إلى السماء الرابعة فيقول له الملك: قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه و بطنه، أنا ملك العُجب، إنه كان يعجب بنفسه إنه عمل و أدخل نفسه العُجب؛ أمرنى ربّى أن لا أدع عمله يتجاوزنى إلى غيري.

قال: و تصعد الحفظة بعمل العبد كالعروس المزفوفة إلى أهلها، فتمر به إلي ملك السماء الخامسة بالجهاد و الصلاة [و الصدقة] ما بين الصلاتين، و لذلك العمل رنين كرنين الابل و عليه ضوء كضوء الشمس، فيقول الملك: قفوا أنا ملك الحسد، و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، و احملوه على عاتقه؛ إنه كان يحسد من يتعلم أو يعمل للّه‏ بطاعته، و إذا رأى لأحد فضلاً فى العمل و العبادة حسده و وقع فيه، فيحمله على عاتقه و يلعنه عمله.

قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة و حج و عمرة، فيتجاوزون به إلى السماء السادسة، فيقول الملك: قفوا أنا صاحب الرحمة و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، و اطمسوا عينيه لأنّ صاحبه لم يرحم شيئاً، إذا أصاب عبداً من عباد اللّه‏ ذنب للآخرة أو ضرّ فى الدنيا شمت به؛ أمرنى به ربي أن لا أدع عمله يجاوزني.

(124)

قال: و تصعد الحفظة بعمل العبد بفقه و اجتهاد و ورع و له صوت كالرعد، و ضوء كضوء البرق، و معه ثلاثة آلاف ملك، فتمر به إلى ملك السماء السابعة، فيقول الملك: قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا ملك الحجاب أحجب كل عمل ليس للّه‏؛ إنّه أراد رفعة عند القُوّاد، و ذكراً فى المجالس و صيتاً في المدائن، أمرنى ربى أن لا أدع عمله يتجاوزنى إلى غيرى ما لم يكن للّه‏ خالصاً.

قال: و تصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً به من صلاة و زكاة وصيام و حج و عُمرة و حسن الخلق و صمت و ذكر كثير، تشيعه ملائكة السماوات و الملائكة السبعة بجماعتهم، فيطأُون الحجب كلّها حتى يقوموا بين يديه سبحانه، فيشهدوا له بعمل و دعاء فيقول: أنتم حفظة عمل عبدي، و أنا رقيب على ما فى نفسه. إنه لم يردنى بهذا العمل. و عليه لعنتي. فيقول الملائكة: عليه لعنتك و لعنتنا. قال : ثم بكى معاذ قال: قلت: يا رسول اللّه‏، ما أعمل و أخلص فيه؟ قال: اقتد بنبيك يا معاذ فى اليقين. قال: قلت: أنت رسول اللّه‏ و أنا معاذ. قال: و إن كان فى عملك تقصير يا معاذ فاقطع لسانك عن إخوانك، و عن حملة القرآن، و لتكن ذنوبك عليك لا تحملها على إخوانك، و لا تزك نفسك بتذميم إخوانك، و لا ترفع نفسك بوضع إخوانك، و لا تراء بعملك، و لا تدخل من الدنيا فى الآخرة؛ و لا تفحش فى مجلسك لكى يحذروك لسوء خلقك، و لا تناج مع رجل و أنت مع آخر، و لا تعظم على الناس فتنقطع عنك خيرات الدنيا، و لا تمزق الناس فتمزقك كلاب أهل النار؛ قال اللّه‏ تعالي: «وِ النّاشِطاتِ نَشْطاً» (1) أ فتدرى ما الناشطات؟ إنها

(1) النازعات: 2.

(125)

كلاب أهل النار تنشط اللحم و العظم. قلت: و من يطيق هذه الخصال؟ قال: يا معاذ، إنه يسير على من يسّره اللّه‏ تعالى عليه. قال: و ما رأيت معاذاً يكثر تلاوة القرآن كما يكثر تلاوة هذا الحديث (1).

عوامل صعود الأعمال إلى اللّه‏:

و فى مقابل العوائق هناك عوامل لصعود الأعمال إلى اللّه‏ ترفع العمل إلي اللّه‏، حيث يعجز العمل عن الصعود و هذه العوامل تقع فى مقابل العوائق. و قد ورد ذكر طائفة من هذه العوامل فى رواية نبوية شريفة يلوح عليها نور النبوة و هدى الوحي، نذكرها بتمامها برواية العلامة المجلسى قدس‏سره فى بحار الأنوار عن الصدوق فى الأمالي.

روى الصدوق فى الأمالى عن سعيد بن المسيب، عن عبدالرحمن بن سمرة، قال: «كنّا عند رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله يوماً، فقال: إنى رأيت البارحة عجائب، قال: فقلنا: يا رسول اللّه‏، و ما رأيت؟ حدِّثنا به فداك أنفسنا و أهلونا و أولادنا؟ فقال:

رأيت رجلاً من اُمتى و قد أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه برّه بوالديه فمنعه منه.

(1) نقلنا هذا الحديث بطوله عن كتاب عدة الداعى 228-230، و التعليق أيضاً من نفس الكتاب «عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن قول اللّه‏ عزّو جلّ: «و قدِمْنا إلى ما عمِلوا مِن عَملٍ فَجعَلْناهُ هَباءً منثوراً». قال: أما و اللّه‏ و إن كانت أعمالهم أشد بياضاً من القباطى و لكن كانوا إذا عرض لهم حرام لم يدعوه». قال فى (مرآة العقول): «و فيه دلالة على حبط الطاعات بالفسوق؛ و الاحباط عبارة عن إبطال الحسنة بعدم ترتب ما يتوقع منها عليها، و يقابله التكفير و هو إسقاط السيئة بعدم جريان مقتضى ما عليها».

(126)

و رأيت رجلاً من اُمتى قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوؤه فمنعه منه.

و رأيت رجلاً من اُمتى قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر اللّه‏ عزّ و جلّ فنجّاه من بينهم.

و رأيت رجلاً من اُمتى يلهث عطشاً كلما ورد حوضاً مُنع، فجاءه صيام شهر رمضان فسقاه و أرواه.

و رأيت رجلاً من اُمتى و النبيون حلقاً حلقاً كلما أتى حلقة طردوه، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأجلسه إلى جنبهم.

و رأيت رجلاً من اُمتى بين يديه ظلمة و من خلفه ظلمة و عن يمينه ظلمة و عن شماله ظلمة و من تحته ظلمة مستنقعاً فى الظلمة، فجاءه حجه و عمرته فأخرجاه من الظلمة و أدخلاه النور.

و رأيت رجلاً من اُمتى يكلم المؤمنين فلا يكلمونه، فجاءه صلته للرحم فقال: يا معشر المؤمنين، كلموه فإنه كان واصلاً لرحمه، فكلمه المؤمنون و صافحوه و كان معهم.

و رأيت رجلاً من اُمتى يتقى وهج النيران و شررها بيده و وجهه، فجاءته صدقته فكانت ظلاً على رأسه و ستراً على وجهه.

و رأيت رجلاً من اُمتى قد أخذته الزبانية من كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر، فخلصاه من بينهم و جعلاه مع ملائكة الرحمة.

و رأيت رجلاً من أُمتى جاثياً على ركبتيه بينه و بين رحمة اللّه‏ حجاب

(127)

فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله فى رحمة اللّه‏.

و رأيت رجلاً من اُمتى قد هوت صحيفته قبل شماله، فجاءه خوفه من اللّه‏ عزّ و جلّ فأخذ صحيفته فجعلها فى يمينه.

و رأيت رجلاً من اُمتى قد خفّت موازينه، فجاءه أفراطه فثقلوا موازينه.

و رأيت رجلاً من اُمتى قائماً على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه فى اللّه‏ عزّ و جلّ فاستنقذه من ذلك.

و رأيت رجلاً من اُمتى قد هوى فى النار، فجاءته دموعه التى بكى من خشية اللّه‏ فاستخرجته من ذلك.

و رأيت رجلاً من اُمتى على الصراط يرتعد كما ترتعد السعفة فى يوم ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه باللّه‏ فسكن رعدته و مضى على الصراط.

و رأيت رجلاً من اُمتى على الصراط، يزحف أحياناً و يحبو أحياناً و يتعلق أحياناً، فجاءته صلاته عليه فأقامته على قدميه و مضى على الصراط.

و رأيت رجلاً من اُمتى انتهى إلى أبواب الجنة كلما انتهى إلى باب أُغلق دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا اللّه‏ صادقاً بها، ففتحت له الأبواب و دخل

الجنة»(1).


(1) بحار الأنوار: 7 / 290-291.

(128)