(112)
ما هى العوائق و العقبات التى تحبس الدعاء عن الصعود إلى اللّه؟
هذا ما نحاول أن نجيب عليه إن شاء اللّه فى هذه النقطة من هذا المقال.
فإنّ الدعاء، كما يقولون، قرآن صاعد فى مقابل القرآن النازل من اللّه تعالي؛ و فى القرآن النازل دعوة إلى العبودية، و اللجوء و الإقبال على اللّه و الإنقطاع إلى اللّه، و فى القرآن الصاعد تلبية لهذه الدعوة.
و الدعوة من اللّه تعالى إلى العباد؛ و التلبية من العباد إلى اللّه.
لكن هناك طائفة من العوائق و العقبات تحبس الدعاء من الصعود إلى اللّه؛ و من أهم هذه العوائق التى تحبس الدعاء عن الصعود إلى اللّه الذنوب و المعاصي.
و قد ورد فى دعاء كميل : «اللّهمّ اغفرلى الذنوب التى تحبس الدعاء».
و فى نفس الدعاء :
«فأسألك بعزتك أن لا يحجب عنك دعائى سوء عملي».
و فيما يلى سوف نحاول إن شاء اللّه تحليل هذه العوائق.
دور الذنوب فى حجب الإنسان عن اللّه :
للذنوب فى حياة الإنسان دوران :
الدور الأوّل : تحجب الإنسان عن اللّه، و تقطعه عنه تعالى فلا يتمكن
الإنسان من الإقبال على اللّه و التوجه إليه، و لا يتمكن من الدعاء، فإنّ الدعاء
(113) و إذا حجبت الذنوب صاحبها عن اللّه، فقد حجبته عن الدعاء أيضاً.
إذن فإن الذنوب قد تحبس الإنسان عن الدعاء، و قد تحبس الدعاء عن الصعود إلى اللّه.
و لابد لهذا الإجمال من توضيح، و إليكم هذا التوضيح.
إنّ القلب (الجانحة) جهاز ارتباط يأخذ و يتلقى من اللّه تعالى من جانب، و يعطى من جانب آخر. كالقلب (الجارحة) الذى يقوم بدور مزدوج فى ضخ الدم و استعادته و تجميعه من خلال الشرايين و الأوردة.
فإذا فقد القلب (الجانحة) هذه الخاصة فى وصل الإنسان و ربطه باللّه تعالى فقد كلَّ قيمته، و لم يعد له نفع و لا جدوي، و أصبح ميتاً، كالقلب الجارحة تماماً.
و القلوب فى هذا الأخذ و العطاء، تأخذ من اللّه تعالى الهدى و النور و البصيرة من جانب، و تمنح الإنسان فى حركته و كلامه و مواقفه و أعماله و علاقاته هذا الهدى و النور من جانب آخر.
و لنتأمل فى كتاب اللّه، لنعرف هذا الدور المزدوج للقلوب من خلال القرآن.
(114)
فى الجانب الأوّل (التلقى و الأخذ من عند اللّه) يقول اللّه تعالى :
«وَ قالَ الَّذينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتيلاً» (1).
فالقرآن إذن يتنزل على القلوب جملة واحدة و نجوماً، و يثبت الأفئدة، و تأخذ القلوب منه النور و الهدي.
و يقول تعالى :
«اَللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَديثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلوُدُ الَّذينَ يَخْشَونَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلينُ جُلُودُهمْ وَ قُلُوبُهمْ إِلى ذِكْرِ اللّهِ» (2).
إنّ القلوب تأخذ من القرآن فتخشع و تلين، و تتفاعل مع هدى اللّه و نوره الذى أرسل إلى عباده. فإنّ القرآن هدى اللّه و نوره الذى أرسله إلى عباده، و برهانه و حجته إلى خلقه.
«يا أَيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلِيْكُمْ نُورَاً مُبيناً»(3).
و قلوب المؤمنين و المتقين دون غيرهم تختص بهذا النور و الهدي، و تأخذ منه، و تتفاعل معه.
«هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَ هُدًى وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقينَ» (4).
«هذا بَصائِرُ مِنْ رَبّكمْ و هُدًى و رَحمَةٌ لِقومٍ يُؤمِنونَ» (5).
و هذا هو الدور الأول للقلوب، تتلقّى الهدى و النور و البصيرة و البرهان
(1) الفرقان : 32.
(2) الزمر : 23.
(3) النساء : 172.
(4) آل عمران : 138.
(5) الأعراف : 203.
(115)
من عند اللّه، و تختص بما أنزل اللّه تعالى إلى عباده من النور و الهدي، و تتفاعل معه و تلين له.
الدور الثانى للقلوب البث و العطاء :
تبث فيه القلوب النور و الهدى الذى تلقته من عند اللّه، و تمنح النور لحركة الإنسان و منطقه و موقفه، و علاقاته، و اهتماماته. و عند ذاك يتحرك الإنسان بنور اللّه و هداه، و يتكلم بنور اللّه و هداه، و يحدد مواقفه بنور اللّه و هداه، و يمشى فى الناس بنور اللّه و هداه.
«أوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ و جَعَلْنا لَهُ نُورَاً يَمْشى بِه فيِ النّاسِ» (1).
«يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِه و يَجْعَلْ لَكُم نُورَاً تَمْشُونَ بِهِ و يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ» (2).
و هذا النور الذى يقيم به المؤمنون علاقاتهم مع الناس و يتحركون به في صفوف الناس، فى السياسة، أو فى التجارة، أو فى سائر شؤون الحياة هو من نور اللّه تعالى الذى أرسله لعباده.
«وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» (3).
و هذا النور يتلقاه القلب من عند اللّه ثم يوجّه القلب به بصر الإنسان و سمعه و أعضاءه و جوارحه.
و دور القلب فى هذا الأخذ و العطاء دور الوسيط، يتلقى النور من عند اللّه و يوجّه به سلوك الإنسان و تحركه و كلامه و مواقفه.
(1) الأنعام : 122.
(2) الحديد : 28.
(3) النور : 40.
(116)
و هذه أمارة سلامة القلب و صحته يتلقى القرآن، و يعطى القرآن، كالتربة الخصبة تتلقى النور و الهواء و الماء و تعطى الثمار الطيبة.
يقول أميرالمؤمنين عليهالسلام فى صفة القرآن :
«كتاب اللّه تبصرون به و تنطقون به و تسمعون به».
فإذا فقد القلب سلامته فقد خاصيَّة الاستقبال و التوجيه، فلا يتمكن من استقبال القرآن (النازل) من عند اللّه.
و إذا فقد القلب القدرة على استقبال القرآن (النازل) فقد القدرة على توجيه صاحبه و على رفع القرآن (الصاعد) إلى اللّه بالصلاة و الدعاء.
و تلك الحالة هى حالة (انغلاق القلب). يقول تعالى : «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لايَرْجِعُونَ» (1).
و الأصم الأعمى لا يستطيع أن يستقبل نداءً و لا نوراً، و من ثمّ لا يستطيع أن ينطق أيضاً، فيكون أبكم بطبيعة الحال.
و يقول تعالى عن بنى إسرائيل : «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً» (2).
إنّ الحجارة لا تتمكن من أن تستقبل نوراً و لا هواءً و لا ماءً، و تردّ كل ما يتوجه إليها من النور و الهواء و الماء، و بطبيعة الحال لا تستطيع أن تعطى ثمرة، فإنّ الثمرة التى تعطيها التربة الخصبة هى مما تستقبل من النور و الهواء و الماء.
و القلب إذا فقد سلامته يكون كذلك، لا يستقبل النور و لا يمنح النور، و
(1) البقرة : 18.
(2) البقرة : 74.
(117)
هى حالة الانغلاق الكامل، و حالة (موت القلب) يفقد فيها القلب كل حيويّته، فإن حياة القلب بما يأخذ، و يعطي، فإذا فقد هذه الخاصيَّة فقد الحياة.
يقول تعالى فى موت القلب : «إِنّ اللّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَ ما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فيِ الْقُبُورِ» (1).
و يقول تعالى : «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ» (2).
و يقول تعالى : «وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونُ»(3).
و ليس العجز فى قوة النداء و الأداء، و لكن العجز فى قابلية الميِّت علي السمع.
تلك هى حالة موت القلب و انغلاقه و انقطاعه عن اللّه تعالي.
فما هو سبب هذا الانقطاع و الانغلاق؟
النصوص الاسلامية تؤكد أنّ أهم عوامل انغلاق القلوب و انقطاعها عن اللّه اثنان :
1ـ الإعراض عن آيات اللّه و تكذيبها.
2ـ ارتكاب الذنوب و المعاصي.
يقول تعالى : «وَ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ فيِ الظُّلُماتِ» (4).
و التكذيب بآيات اللّه، فى هذه الآية الكريمة سبب الصمم و الاستقرار في
(1) فاطر : 23.
(2) النمل : 8 .
(3) يس : 10.
(4) الأنعام : 39.
(118)
و يقول تعالى : «وَ إِذا تُتْلى عَلَيِْه آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرَاً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فيآ أُذُنَيْهِ وَقْراً» (1).
و نلاحظ فى هذه الآية الكريمة العلاقة المتبادلة بين الإعراض عن آيات اللّه و الاستكبار عنها و الوقر فى الآذان.
و هذا هو العامل الأول (الإعراض).
و عن العامل الثانى (الذنوب) يقول تعالى :
«كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُون» (2).
و الآية الكريمة واضحة فى أنّ الذنوب التى يكسبها الإنسان تتحول إلي رين و صدأ على القلوب، تغلق القلب و تقطعه عن اللّه.
و إنّ الإنسان يمارس الذنب حتى ينقطع قلبه عن اللّه، فإذا انقطع قلبه عن اللّه انتكس القلب، فكان أعلاه أسفله، و أسفله أعلاه، و فقد كل خصائصه.
عن أبى عبداللّه الصادق عليهالسلام :
«كان أبى يقول : ما من شيء أفسد للقلب من خطيئته؛ إنّ القلب ليواقع الخطيئة، فلا تزال به حتى تغلب عليه، فيصير أعلاه أسفله» (3).
(1) لقمان : 7.
(2) المطففين : 14
(3) بحار الأنوار: 73 / 412.
(119)
و عن أبى عبداللّه الصادق عليهالسلام أيضاً :
«إذا أذنب الرجل خرج فى قلبه نكتة سوداء، فإن تاب انمحت، و إن زاد زادت، حتى تغلب على قلبه، فلا يفلح بعدها أبداً» (1).
و لذكر اللّه حلاوة فى القلوب المؤمنة، ليس فوقها حلاوة، فإذا انتكس القلب فقد هذه الحلاوة، و لم يعد يتذوق حلاوة الذكر، كالمريض الذى تنتكس سلامته فيفقد شهيّة الطيبات، لا لأن الطيبات فقدت طيبها، و لكن لأنّ المريض فقد الشهيّة إليها، كذلك القلوب إذا انتكست فقدت حلاوة ذكر اللّه، و لم يعد لذكر اللّه تعالى لديها حلاوة و جاذبية.
فى الحديث : «إنّ اللّه أوحى إلى داود أن أدنى ما أنا صانع بعبد غير عامل بعلمه من سبعين عقوبة باطنية أن أنزع من قلبه حلاوة ذكري» (2).
جاء رجل إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام ، فقال : «يا أميرالمؤمنين، إنّى قد حرمت الصلاة بالليل.
فقال عليهالسلام : أنت رجل قد قيدتك ذنوبك» (3).
و عن الإمام الصادق عليهالسلام :
«إنّ الرجل يذنب الذنب، فيحرم صلاة الليل، و إنّ العمل السيّئ أسرع في
(1) بحار الأنوار: 73 / 327.
(2) دار السّلام للشيخ النوري: 3 / 200.
(3) علل الشرائع: 2 / 51.
(120)
صاحبه من السكين فى اللحم» (1).
إذن انقطاع القلب عن اللّه من المردودات المباشرة للذنوب، و إذا انقطع القلب عن اللّه فلا يأخذ و لا يعطي.
و الدعاء ممّا يرفعه الإنسان إلى اللّه تعالي. و لذلك قلنا : إنه «القرآن الصاعد» الذى يرفعه العبد إلى اللّه، بعدما يستقبل من عند اللّه «القرآن النازل»، فإذا انقطع الإنسان عن القرآن النازل انقطع بالضرورة عن القرآن الصاعد، فيحبس عن الدعاء، و لا يتوفق له. و حتى إذا ألحّت عليه الضرورات و دعا اللّه تعالى حبس اللّه تعالى دعاءه عن الصعود و لم يجد الاستجابة.
و روى عن على عليهالسلام : «المعصية تمنع الإجابة».
و سأل رجل عليّاً عليهالسلام عن قوله تعالى : «ادعونى أستجب لكم» : «ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال عليهالسلام : فأى دعاء يستجاب لكم، و قد سددتم أبوابه و طرقه، فاتقوا اللّه و أصلحوا أعمالكم، و أخلصوا سرائركم، وأْمروا بالمعروف، و انهوا عن المنكر، فيستجيب اللّه دعاءكم» (2).
و عن على بن الحسين زين العابدين عليهالسلام : «و الذنوب التى تردّ الدعاء، و تُظلم الهواء عقوق الوالدين» (3).
و فى رواية أُخرى : «و الذنوب التى ترد الدعاء : سوء النية، و خبث
(1) اُصول الكافي: 2 / 272.
(2) بحار الأنوار: 93 / 376.
(3) معانى الأخبار : 270.
(121)
السريرة، و النفاق، و ترك التصديق بالاجابة، و تأخير الصلوات المفروضات حتي تذهب أوقاتها، و ترك التقرب إلى اللّه عزّ و جلّ بالبر و الصدقة، و استعمال البذاء و الفحش فى القول» (1).
و عن أبى جعفر الباقر عليهالسلام :
«إنّ العبد يسأل اللّه الحاجة، فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب، فيذنب العبد ذنباً، فيقول اللّه تبارك و تعالى للملك : لا تقض حاجته، و احرمه إياها، فإنه تعرض لسخطى و استوجب الحرمان مني» (2).
فى النصوص الإسلامية ورد ذكر للعوائق عن صعود الأعمال و لعوامل صعود الأعمال.
و لكليهما علاقة مباشرة بعمل الإنسان، إلاّ أنّ العوائق تعيق صعود الأعمال إلى اللّه تعالي، و «العوامل» تعين على صعود الأعمال إلى اللّه.
و فيما يلى نستعرض نموذجاً واحداً من النصوص الواردة فى العوائق، و نموذجاً واحداً من النصوص الواردة فى العوامل من دون توضيح و تعليق، و نترك الشرح و التعليق فى هذه المسألة المهمة فى الثقافة و التربية الإسلامية إلي مجال مناسب إن شاء اللّه.
(1) معانى الأخبار : 271.
(2) أصول الكافي: 3 / 373.
(122)
روى الشيخ أبو جعفر محمّد بن أحمد بن على القمي، نزيل الري، في كتابه: المنبئ عن زهد النبى صلياللهعليهوآله ، عن عبدالواحد عمّن حدثه عن معاذ بن جبل قال : قلت : حدثنى بحديث سمعته من رسول اللّه صلياللهعليهوآله و حفظته من دقة ما حدثك به. قال : نعم، و بكى معاذ، ثم قال : بأبى و أُمى حدثنى و أنا رديفه، فقال: بينا نسير إذ رفع بصره إلى السماء فقال: الحمد للّه الذى يقضى فى خلقه ما أحب، ثم قال: يا معاذ، قلت : لبيك يا رسول اللّه و سيّد المؤمنين. قال : يا معاذ، قلت: لبيك يا رسول اللّه إمام الخير و نبى الرحمة، فقال: اُحدّثك شيئاً ما حدّث به نبي أُمته إن حفظته نفعك عيشك، و إن سمعته و لم تحفظه انقطعت حجتك عند اللّه، ثم قال: إنّ اللّه خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السماوات فجعل فى كل سماء ملكاً قد جللها بعظمته، و جعل على كل باب من أبواب السماوات ملكاً بواباً، فتكتب الحفظة عمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي، ثم ترتفع الحفظة بعمله و له نور كنور الشمس حتى إذا بلغ سماء الدنيا فتزكيه و تكثره فيقول الملك: قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا ملك الغيبة، فمن اغتاب لا أدع عمله يجاوزنى إلى غيري، أمرنى بذلك ربي.
قال صلياللهعليهوآله : ثم تجيئ الحفظة من الغد و معهم عمل صالح، فتمر به فتزكيه و تكثره حتى تبلغ السماء الثانية، فيقول الملك الذى فى السماء الثانية: قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انّما أراد بهذا عرض الدنيا، أنا صاحب الدنيا، لا أدع عمله يتجاوزنى إلى غيري.
(123)
قال: ثم تصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً بصدقة و صلاة فتعجب به الحفظة، و تجاوز به إلى السماء الثالثة، فيقول الملك: قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه و ظهره، أنا ملك صاحب الكبر، فيقول: إنه عمل و تكبر على الناس فى مجالسهم؛ أمرنى ربى أن لا أدع عمله يتجاوزنى إلى غيري.
قال: و تصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كالكوكب الدرى فى السماء، له دوى بالتسبيح و الصوم و الحج، فتمر به إلى السماء الرابعة فيقول له الملك: قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه و بطنه، أنا ملك العُجب، إنه كان يعجب بنفسه إنه عمل و أدخل نفسه العُجب؛ أمرنى ربّى أن لا أدع عمله يتجاوزنى إلى غيري.
قال: و تصعد الحفظة بعمل العبد كالعروس المزفوفة إلى أهلها، فتمر به إلي ملك السماء الخامسة بالجهاد و الصلاة [و الصدقة] ما بين الصلاتين، و لذلك العمل رنين كرنين الابل و عليه ضوء كضوء الشمس، فيقول الملك: قفوا أنا ملك الحسد، و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، و احملوه على عاتقه؛ إنه كان يحسد من يتعلم أو يعمل للّه بطاعته، و إذا رأى لأحد فضلاً فى العمل و العبادة حسده و وقع فيه، فيحمله على عاتقه و يلعنه عمله.
قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة و حج و عمرة، فيتجاوزون به إلى السماء السادسة، فيقول الملك: قفوا أنا صاحب الرحمة و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، و اطمسوا عينيه لأنّ صاحبه لم يرحم شيئاً، إذا أصاب عبداً من عباد اللّه ذنب للآخرة أو ضرّ فى الدنيا شمت به؛ أمرنى به ربي أن لا أدع عمله يجاوزني.
(124)
قال: و تصعد الحفظة بعمل العبد بفقه و اجتهاد و ورع و له صوت كالرعد، و ضوء كضوء البرق، و معه ثلاثة آلاف ملك، فتمر به إلى ملك السماء السابعة، فيقول الملك: قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا ملك الحجاب أحجب كل عمل ليس للّه؛ إنّه أراد رفعة عند القُوّاد، و ذكراً فى المجالس و صيتاً في المدائن، أمرنى ربى أن لا أدع عمله يتجاوزنى إلى غيرى ما لم يكن للّه خالصاً.
قال: و تصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً به من صلاة و زكاة وصيام و حج
و عُمرة و حسن الخلق و صمت و ذكر كثير، تشيعه ملائكة السماوات و الملائكة
السبعة بجماعتهم، فيطأُون الحجب كلّها حتى يقوموا بين يديه سبحانه، فيشهدوا
له بعمل و دعاء فيقول: أنتم حفظة عمل عبدي، و أنا رقيب على ما فى نفسه. إنه
لم يردنى بهذا العمل. و عليه لعنتي. فيقول الملائكة: عليه لعنتك و لعنتنا. قال : ثم
بكى معاذ قال: قلت: يا رسول اللّه، ما أعمل و أخلص فيه؟ قال: اقتد بنبيك يا
معاذ فى اليقين. قال: قلت: أنت رسول اللّه و أنا معاذ. قال: و إن كان فى عملك
تقصير يا معاذ فاقطع لسانك عن إخوانك، و عن حملة القرآن، و لتكن ذنوبك
عليك لا تحملها على إخوانك، و لا تزك نفسك بتذميم إخوانك، و لا ترفع نفسك
بوضع إخوانك، و لا تراء بعملك، و لا تدخل من الدنيا فى الآخرة؛ و لا تفحش
فى مجلسك لكى يحذروك لسوء خلقك، و لا تناج مع رجل و أنت مع آخر، و لا
تعظم على الناس فتنقطع عنك خيرات الدنيا، و لا تمزق الناس فتمزقك كلاب
أهل النار؛ قال اللّه تعالي: «وِ النّاشِطاتِ نَشْطاً» (1) أ فتدرى ما الناشطات؟ إنها
(1) النازعات: 2.
(125)
كلاب أهل النار تنشط اللحم و العظم. قلت: و من يطيق هذه الخصال؟ قال: يا معاذ، إنه يسير على من يسّره اللّه تعالى عليه. قال: و ما رأيت معاذاً يكثر تلاوة القرآن كما يكثر تلاوة هذا الحديث (1).
و فى مقابل العوائق هناك عوامل لصعود الأعمال إلى اللّه ترفع العمل إلي اللّه، حيث يعجز العمل عن الصعود و هذه العوامل تقع فى مقابل العوائق. و قد ورد ذكر طائفة من هذه العوامل فى رواية نبوية شريفة يلوح عليها نور النبوة و هدى الوحي، نذكرها بتمامها برواية العلامة المجلسى قدسسره فى بحار الأنوار عن الصدوق فى الأمالي.
روى الصدوق فى الأمالى عن سعيد بن المسيب، عن عبدالرحمن بن سمرة، قال: «كنّا عند رسول اللّه صلياللهعليهوآله يوماً، فقال: إنى رأيت البارحة عجائب، قال: فقلنا: يا رسول اللّه، و ما رأيت؟ حدِّثنا به فداك أنفسنا و أهلونا و أولادنا؟ فقال:
رأيت رجلاً من اُمتى و قد أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه برّه بوالديه فمنعه منه.
(1) نقلنا هذا الحديث بطوله عن كتاب عدة الداعى 228-230، و التعليق أيضاً من نفس الكتاب «عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن قول اللّه عزّو جلّ: «و قدِمْنا إلى ما عمِلوا مِن عَملٍ فَجعَلْناهُ هَباءً منثوراً». قال: أما و اللّه و إن كانت أعمالهم أشد بياضاً من القباطى و لكن كانوا إذا عرض لهم حرام لم يدعوه». قال فى (مرآة العقول): «و فيه دلالة على حبط الطاعات بالفسوق؛ و الاحباط عبارة عن إبطال الحسنة بعدم ترتب ما يتوقع منها عليها، و يقابله التكفير و هو إسقاط السيئة بعدم جريان مقتضى ما عليها».
(126)
و رأيت رجلاً من اُمتى قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوؤه فمنعه منه.
و رأيت رجلاً من اُمتى قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر اللّه عزّ و جلّ فنجّاه من بينهم.
و رأيت رجلاً من اُمتى يلهث عطشاً كلما ورد حوضاً مُنع، فجاءه صيام شهر رمضان فسقاه و أرواه.
و رأيت رجلاً من اُمتى و النبيون حلقاً حلقاً كلما أتى حلقة طردوه، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأجلسه إلى جنبهم.
و رأيت رجلاً من اُمتى بين يديه ظلمة و من خلفه ظلمة و عن يمينه ظلمة و عن شماله ظلمة و من تحته ظلمة مستنقعاً فى الظلمة، فجاءه حجه و عمرته فأخرجاه من الظلمة و أدخلاه النور.
و رأيت رجلاً من اُمتى يكلم المؤمنين فلا يكلمونه، فجاءه صلته للرحم فقال: يا معشر المؤمنين، كلموه فإنه كان واصلاً لرحمه، فكلمه المؤمنون و صافحوه و كان معهم.
و رأيت رجلاً من اُمتى يتقى وهج النيران و شررها بيده و وجهه، فجاءته صدقته فكانت ظلاً على رأسه و ستراً على وجهه.
و رأيت رجلاً من اُمتى قد أخذته الزبانية من كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر، فخلصاه من بينهم و جعلاه مع ملائكة الرحمة.
و رأيت رجلاً من أُمتى جاثياً على ركبتيه بينه و بين رحمة اللّه حجاب
(127)
فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله فى رحمة اللّه.
و رأيت رجلاً من اُمتى قد هوت صحيفته قبل شماله، فجاءه خوفه من اللّه عزّ و جلّ فأخذ صحيفته فجعلها فى يمينه.
و رأيت رجلاً من اُمتى قد خفّت موازينه، فجاءه أفراطه فثقلوا موازينه.
و رأيت رجلاً من اُمتى قائماً على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه فى اللّه عزّ و جلّ فاستنقذه من ذلك.
و رأيت رجلاً من اُمتى قد هوى فى النار، فجاءته دموعه التى بكى من خشية اللّه فاستخرجته من ذلك.
و رأيت رجلاً من اُمتى على الصراط يرتعد كما ترتعد السعفة فى يوم ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه باللّه فسكن رعدته و مضى على الصراط.
و رأيت رجلاً من اُمتى على الصراط، يزحف أحياناً و يحبو أحياناً و يتعلق أحياناً، فجاءته صلاته عليه فأقامته على قدميه و مضى على الصراط.
و رأيت رجلاً من اُمتى انتهى إلى أبواب الجنة كلما انتهى إلى باب أُغلق دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا اللّه صادقاً بها، ففتحت له الأبواب و دخل
الجنة»(1).
(1) بحار الأنوار: 7 / 290-291.
(128)