و لوعى الفقر إلى اللّه فى دعاء الإنسان أمارات وعلامات؛ فكلما يكون وعى الإنسان لفقره وحاجته إلى اللّه أكثر، تظهر هذه الأمارات فى دعائه بشكل أوضح.
و من أهم هذه الأمارات : الخشوع والخضوع والبكاء والتضرع والإقبال على اللّه، وحالة الاضطرار واللجوء فى الدعاء إلى اللّه.
وقد ورد التأكيد فى النصوص الإسلامية على هذه الحالات و الأمارات فى الدعاء، وتأكيد دورها فى استجابة الدعاء.
و فى الحقيقة إنّ هذه الأمارات تكشف عن تركيز العامل الثانى والثالث في الدعاء، وهما عامل «وعى الفقر» وعامل «الطلب والسؤال»، وكلما كان تضرع الإنسان وخشوعه واضطراره فى الدعاء أكثر كان ذلك دليل وجود عمق أكثر للطلب والسؤال أولاً، و لوعى العبد لحاجته وفقره إلى اللّه ثانياً.
وهما سبب تأكيد استجابة الدعاء فى هذه الأحوال. وقد ورد الأمر بهذه الحالات والترغيب إليها فى القرآن الكريم نذكر جانباً منها.
(48)
يقول تعالى :
1 ـ «تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً»(1).
2 ـ «وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحمةَاللّهِ قَريبٌ مِنَ الْمُحْسِنينَ»(2).
والتضرّع، والخوف حالتان تؤكّدان وعى الإنسان لفقره إلى اللّه وحاجته إلى الأمن من جانب اللّه.
والطمع حالة تؤكد وعى الإنسان لرغبته فيما عند اللّه.
والخفية فى الدعاء تمنح الإنسان الإقبال على اللّه.
3 ـ «وذَاالنُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فيِ الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أنْتَ سُبْحانَكَ إِنّى كُنْتُ مِنَ الظّالِمينَ * فَاسْتَجْبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِى الْمُؤُمِنينَ»(3).
و فيه اعتراف و إقرار بالظلم من العبد بين يدى اللّه تعالى «سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمينَ».(4)
والاعتراف بالظلم من وعى الظلم، وهو يعمّق حالة الاستغفار واللجوء إلي اللّه فى نفس العبد المذنب، وكلما كان العبد أوعى لظلمه وذنبه كان اضطراره ولجوؤه إلى اللّه واستغفاره للّه تعالى أكثر.
4 ـ «وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وكانُوا لَنا خاشِعِينَ»(5).
(1) الأنعام : 63
(2) الاعراف : 56.
(3) الأنبياء : 87 ـ 88 .
(4) الأنبياء : 87.
(5) الانبياء : 90.
(49)
والرغبة، والرهبة، والخشوع حالات نفسيّة تؤكّد وعى الإنسان لفقره إلي اللّه، وخوفه من عقوبة اللّه ورغبته فيما عند اللّه من الرزق الحسن والثواب.
5 ـ «أمَّنْ يُجيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ».(1)
والاضطرار حالة نفسيّة تؤكّد وعى الإنسان لحاجته وفقره إلى اللّه، ووعيه لانقطاع كل وسيلة وسبب للنجاة والنجدة إلاّ من عند اللّه.
6 ـ «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً»(2).
* * *
والإجابة من جانب اللّه تعالى تأتى على قدر وعى الإنسان لفقره واضطراره إلى اللّه، وعلى قدر الحاجة فى السؤال والدعاء، يقول تعالى : «وَادْعُوهُ خَوْفَاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمةَاللّهِ قَريبٌ مِنَ الُمُحْسِنينَ».(3)
وقرب رحمة اللّه تعالى من العبد يتناسب طرداً مع ما فى نفس العبد من الخوف من عذاب اللّه والطمع فى إحسان اللّه.
وكلما كان الخوف فى نفس العبد أشد كان اللجوء إلى اللّه تعالى فى نفسه أقوي، وكان دعاؤه للّه تعالى أقرب إلى الاستجابة.
وكلما كان طمعه فى ما عند اللّه من الرزق الحسن والثواب أكثر كان دعاؤهللّه أقرب إلى الاستجابة.
القانون الثالث : فى العلاقة بين الدعاء والاستجابة، وهى من أوضح
(1) النمل: 61.
(2) السجدة : 16.
(3) الأعراف: 55.
(50)
القوانين التى يدركها الإنسان بفطرته، وعليه تنص الآية الكريمة : «اُدْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ».(1)
فإنّ لكل دعوة إجابة، وهو معنى قوله تعالى : «اُدْعُونى أسْتَجِبْ لَكُمْ» وهذا قانون فطرى و واضح، يتقبله الإنسان بفطرته، وهو قانون عام إلاّ أن يمنع عن الإجابة عائق.
والعوائق التى تمنع عن الإجابة على نوعين : فمنها ما يرجع إلى المسؤول، ومنها ما يرجع إلى السائل.
والذى يرجع إلى المسؤول إمّا أن يكون من قبيل العجز عن الإجابة، أو من قبيل البخل والشحّ بالإجابة.
وقد يرجع إلى السائل نفسه، كما لو كانت الإجابة ليست فى صالحه وهو يجهل ذلك، واللّه تعالى يعلم به.
أمّا النوع الأول من العوائق فلا وجود له فى ساحة سلطان اللّه، فإنّ سلطانه سبحانه وتعالى سلطان مطلق، لا يعجز عن شيء ولا يفوته شيء، ولا يخرج عن سلطانه وقدرته شيء، ولا حدّ لجوده وكرمه، ولا تنقص خزائنه، ولا تزيده كثرة العطاء إلاّ جوداً وكرماً.
إذن فلا يمكن أن نتصور عائقاً عن الإجابة من النوع الأول.
وأمّا العوائق التى ترجع إلى السائل فهى أمر ممكن، ويتفق كثيراً أنّ اللّه
تعالى يؤخر إجابة دعاء عباده لا لبخل و شحّ فى ساحته، ولا لعجز، ولكن لعلمه
(1) المؤمن : 60 .
(51)
بأنّ التأخير أصلح لحالهم، ويتفق كثيراً أن الإجابة تضر بالعبد، فلا يستجيب اللّه تعالى لدعوة عبده، ولكن يعوضه عن الإجابة بخير واسع فى الدنيا، ومغفرة للذنوب أو درجات رفيعة فى الآخرة، أو كل ذلك جميعاً.
ونحن هنا نتحدث عن النوع الأول من العوائق أولاً، ثم نتحدث عن النوع الثانى من العوائق ثانياً، ثم نتحدّث عن العلاقة بين الدعاء والإجابة ثالثاً.
النوع الأول من العوائق :
أمّا العوائق من النوع الأول فلا وجود لها، كما ذكرنا فى ساحة سلطان اللّه تعالى وجوده؛ فإنّ سلطان اللّه سلطان مطلق لا يعجز عن شيء، ولا يفوته شيء، ولا حدّ لسلطانه وقدرته، وكل شيء فى الكون خاضع لسلطانه وقدرته، لا يمتنع عن إرادته وأمره شيء إذا قال له : «كن».
«وَإذا قَضيآ أَمْرَاً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(1).
«إِنَّما قَوْلُنا لِشَيءٍ إذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(2).
«إِنَّما أَمْرَهُ إَذا أَرادَ شَيْئَاً أنْ يَقوُلَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(3).
وليس فى الكون شيء يخرج عن قبضة سلطانه وقدرته:
«وَالاْءَرْضُ جَميعاً قَبَضَتُهُ يَوْمَالْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمينِهِ»(4).
«إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ»(5).
(1) البقرة : 17.
(2) النحل : 40.
(3) يس : 68.
(4) الزمر : 67.
(5) آل عمران : 165
(52)
وأمره سبحانه وتعالى نافذ لا يوقفه شيء، ولا يعلقه شيء، ولا يعيقه شيء.
«وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أقْرَبُ إِنّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ»(1).
ذلك من حيث سعة سلطانه وقدرته ونفوذ حكمه وأمره.
ولا وجود كذلك لشحّ أو بخل فى ساحته، فهو سبحانه وتعالى الجواد الذى لا حدّ لجوده وكرمه.
«رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً»(2).
«فَاِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ»(3) وعطاؤه سبحانه عطاء ممدود غير مجذوذ: «كُلاًّ نُمِدُّ هؤلاءِ وَهؤلاءِ مِنْ عَطآاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطآاءُ رَبِّكَ مَحْظُورَاً»(4). «وَأمَّا الَّذينَ سُعِدُوا فَفيِ الْجَنَّةِ ... عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ»(5).
وإذا أراد اللّه إرسال رحمة فلا ممسك لها: «ما يَفْتَحِ اللّهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ»(6).
ولا نفاد لخزائن رحمته: «وللّهِ خَزائنُ السَّماواتُِ وَالاْءَرْضِ»(7).
«وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ»(8).
ولا تنقضى خزائن رحمته بما يهب عباده من رزق، ولا تزيده كثرة العطاء إلاّ جوداً وكرماً.
وفى دعاء الافتتاح : «الحمد للّه الفاشى فى الخلق أمره وحمده ... الباسط
(1) النحل : 77
(2) غافر : 7.
(3) الأنعام : 147.
(4) الاسراء : 20.
(5) هود : 108.
(6) فاطر : 2.
(7) المنافقون : 6.
(8) الحجر : 20.
(53)
بالجود يده، الذى لا تنقص خزائنه، ولا تزيده كثرة العطاء إلاّ جوداً وكرماً».
يقول أميرالمؤمنين عليهالسلام فى وصيته لابنه الحسن عليهالسلام برواية الشريف الرضى : «اعلم أنّ الذى بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك فى الدعاء، وتكفّل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يفضحك حيث الفضيحة، ولم يشدد عليك فى قبول الإنابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرحمة، بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة، وحسب سيئتك واحدة، وحسب حسنتك عشراً، وفتح لك باب المتاب وباب الاستعتاب.
فإذا ناديته سمع نداءك، وإذا ناجيته علم نجواك، فأفضيت إليه بحاجتك، وأبثثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستكشفته كروبك، واستعنته علي اُمورك، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائها غيره، من زيادة الاعمار وصحة الأبدان، وسعة الارزاق.
ثم جعل فى يدك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب النعمة، واستمطرت شآبيب رحمته، فلا يقنطنّك إبطاء إجابته، فإنّ العطية على قدر النيّة»(1).
وفى الحديث القدسى : «يا عبادي، كلكم ضال إلاّ من هديته، فاسألوني
الهدى اهدكم؛ وكلكم فقير إلاّ من أغنيته، فاسألونى الغنى أرزقكم؛ وكلكم مذنب
(1) نهج البلاغة، قسم الرسائل و الكتب، الكتاب : 31.
(54)
إلاّ من عافيته، فاسألونى المغفرة أغفر لكم ... ولو أنّ أولكم وآخركم وحيّكم وميتكم اجتمعوا فيتمنى كل واحد ما بلغت اُمنيته، فأعطيته لم يتبين ذلك في ملكى ... فإذا أردت شيئاً فإنّما أقول له كن فيكون»(1).
النوع الثانى من العوائق :
أمّا النوع الثانى من عوائق إجابة الدعاء فكثيرة.
فقد تضر السائل إجابة الدعاء وهو يجهل ذلك، واللّه تعالى أعلم بحاله وصلاحه وفساده منه.
وقد يضره الاستعجال باجابة الدعاء، واللّه تعالى يعلم أنّ التأخير في الاستجابة أصلح لحاله وأنفع له، فيؤخر اللّه تعالى الإجابة دون أن يلغيها أو ينفيها.
وفى دعاء الافتتاح : «فصرت أدعوك آمناً، وأسالك مستأنساً، لا خائفاً ولا وجلاً، مدلاً عليك فيما قصدت فيه إليك، فإن أبطأ عنى عتبت بجهلى عليك، ولعل الذى أبطأ عنى هو خير لى لعلمك بعاقبة الاُمور».
وقد يؤخر اللّه تعالى إجابة دعاء عبده، كى يطول قيامه وتضرّعه بين يديه تعالي، واللّه تعالى يحب أن يطول وقوف عبده وتضرعه بين يديه؛ ففى الحديث القدسى : «يا موسي، إنّى لست بغافل عن خلقي، ولكنى اُحب أن تسمع ملائكتي ضجيج الدعاء من عبادي»(2).
(1) تفسير الإمام : 19-20، بحار الأنوار 93 : 293.
(2) عدة الداعي.
(55)
وعن الصادق عليهالسلام : «إنّ العبد ليدعو فيقول اللّه عزّ وجلّ للملكين : قد استجبت له، ولكن احبسوه بحاجته، فإنى اُحب أن أسمع صوته، وإنّ العبد ليدعو فيقول اللّه تبارك وتعالى : عجّلوا له حاجته فإنى ابغض صوته»(1).
ولكن حتى لو كانت الإجابة تضره فإنّ اللّه تعالى لا يلغى الإجابة بشكل مطلق، وإنّما يبدله إلى كفارة لذنوبه، وغفران لها، أو إلى رزق يرزقه إياه فى الدنيا عاجلاً، أو درجات رفيعة له فى الجنة.
وفيما يلى نذكر ثلاثة أحاديث عن رسول اللّه صلياللهعليهوآله وأميرالمؤمنين عليهالسلام في هاتين الحالتين: «التبديل» و «التأجيل».
عن رسول اللّه صلياللهعليهوآله : «ما من مسلم دعا اللّه سبحانه دعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم، إلاّ أعطاه اللّه احدى خصال ثلاثة : إمّا أن يعجّل دعوته، وإمّا أن يؤخِّر له، وإمّا أن يدفع عنه من السوء مثلها» قالوا : يا رسول اللّه، إذن نكثر. قال : «أكثروا»(2).
وعن رسول اللّه صلياللهعليهوآله : «الدعاء مخ العبادة، وما من مؤمن يدعو اللّه إلاّ استجاب له، إمّا أن يعجّل له فى الدنيا، أو يؤجِّل له فى الآخرة، وإمّا أن يكفِّر من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بمأثم»(3).
ويقول أميرالمؤمنين فى وصيته لابنه الحسن عليهماالسلام كما فى رواية الشريف
(1) وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، أبواب الدعاء، باب 21، ح 3.
(2) وسائل الشيعة: 4 / 1086، ح 8617 .
(3) وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، أبواب الدعاء، باب 15، و 4 : 1086، ح 8618 .
(56)
الرضى : «فلا يقنطنك إبطاء إجابته؛ فإنّ العطية على قدر النية، وربما اُخّرت عنك الإجابة؛ ليكون ذلك أعظم لأجر السائل، وأجزل لعطاء الآمل، وربما سألت الشيء فلا تؤتاه، واُوتيت خيراً منه، عاجلاً أو آجلاً، أو صرف عنك لما هو خير لك. فلربَّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو اُوتيته؛ فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله، والمال لا يبقى لك ولا تبقى له»(1).
وإذا جمعنا بين هذه النصوص نلتقى خمس حالات فى الإجابة :
1 ـ «التعجيل» فى الإجابة للحاجة التى يدعو اللّه تعالى بها العبد.
2 ـ «التأجيل» فى الإجابة للحاجة التى يسألها العبد من ربه.
3 ـ «التبديل» فى الإجابة وذلك بدفع السوء عن الداعي، إذا كانت إجابة الداعى إلى حاجته ليست فى صالحه.
4 ـ «التبديل» فى الإجابة بما يرزق اللّه تعالى عبده من الدرجات والنعم والمنح فى الآخرة، إذا كانت إجابة الداعى إلى طلبه ليست فى صالحه.
عن أبى عبداللّه الصادق عليهالسلام : «واللّه مصيّر دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملاً يزيدهم فى الجنة»(2).
وفى حديث آخر عن أبى جعفر الباقر عليهالسلام : «واللّه ما أخّر اللّه عزّ وجلّ عن المؤمنين ما يطلبون من هذه الدنيا، خير لهم عمّا عجّل لهم منها»(3).
5 ـ «التبديل» فى الإجابة بما يكفّر اللّه تعالى من ذنوبه وسيئاته، إذا
(1) نهج البلاغة، قسم الرسائل و الكتب، الكتاب : 31.
(2) وسائل الشيعة: 4 / 1086، ح 8615 .
(3) قرب الاسناد : 171 ؛ اُصول الكافى : 526.
(57)
كانت إجابة الداعى ليست فى صالحه(1).
وقد لا يكون التبديل والتأجيل لمصلحة الداعى فقط فى حالتى تأجيل الإجابة وإلغائها، وإنّما قد يكون ذلك لمصلحة النظام الذى يشمل السائل وغيره، فيكون فى إجابة الدعاء أو التعجيل فى الإجابة إخلال بمصلحة النظام الذى أقره اللّه تعالى للإنسان خاصة، أو الكون عامة.
إنّ «الدعاء» و «العمل» مقولتان مختلفتان، وكل منهما من منازل رحمة اللّه، فإنّ العمل يستنزل رحمة اللّه تعالى كما يستنزل الدعاء رحمة اللّه، يقول تعالى :
«وَقُلِ اعْمَلوُا فَسَيَريَ اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ»(2).
«فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ»(3).
وكذلك الدعاء من مفاتيح الرحمة «اُدْعُونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ».(4)
ولكن ليس كل ما يسأله الإنسان ممكناً فى حساب النظام الكونى العام، فقد يدعو الإنسان اللّه تعالى بما لا يمكن فى حساب النظام العام (القضاء والقدر)، فلا يستجاب الدعاء.
(1) الثلاثة الأخيرة تختص فقط بحالة إلغاء دعوة العبد، فقد يرزق اللّه تعالى عبده مع استجابة دعائه كفارة
ذنوبه و دفع السوء عنه و درجات رفيعة فى الآخرة.
(2) التوبة : 105.
(3) الزلزلة : 7.
(4) المؤمن: 60.
(58)
وقد لا تكون الإجابة أو الاستعجال بها فى صالح صاحب الدعاء، فماذا يكون مآل هذا الجهد الذى يبذله الإنسان فى الدعاء؟
والجواب : أنّ الدعاء بنفسه يتحول إلى عمل وعبادة تستنزل رحمة اللّه عليه.
فلا يكون إذن (القضاء والقدر) من مثبطات الدعاء، فإنّ اللّه تعالى إن لم يستجب لدعاء عبده، حوّله إلى عمل وعبادة يجزيه بها فى الدنيا والآخرة.
والنصوص الإسلامية تشير إلى هذا المعنى الدقيق فى انقلاب الدعاء إلي العمل.
روى حماد بن عيسى عن أبى عبداللّه الصادق عليهالسلام قال : «سمعته يقول : ادع، ولا تقل قد فرغ من الأمر(1)، فإنّ الدعاء هو العبادة»(2).
وفى حديث آخر عن أبى عبداللّه الصادق عليهالسلام : «ادعه، ولا تقل قد فرغ من الأمر، فإنّ الدعاء هو العبادة؛ إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : «إِنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عَبادَتى سَيَدْخُلُونَ جَهنَّمَ داخِرينَ(3)»(4).
العلاقة بين الدعاء والإجابة :
عرفنا أنّ العوائق من النوع الأول منتفية من ساحة اللّه تعالى بشكل مطلق.
ولكن العوائق من النوع الثانى حقيقة قائمة وموجودة فى حياة العباد
(1) يعنى هذا الأمر من قضاء اللّه و قدره الذى لا يمكن تجاوزه و اختراقه بالدعاء.
(2) وسائل الشيعة: 4 / 1092، ح 8643 ؛ اُصول الكافى : 516.
(3) المؤمن : 60 .
(4) وسائل الشيعة: 4 / 1092، ح 8645 ؛ اُصول الكافى : الفروع 1 : 94.
(59)
وأدعيتهم، ولذلك فانّ اللّه تعالى قد يؤجل الاستجابة، وقد يبدل الإجابة.
وفى غير هاتين الحالتين (حالة التأجيل وحالة التبديل) لابد من الإجابة، وهذه الحتمية نابعة من حكم الفطرة القطعي، إذا كان السائل محتاجاً وفقيراً ومضطراً إلى المسؤول والمسؤول قادر على إجابة طلبه، ولا بخل ولا شحّ مع خلقه.
والقرآن الكريم يؤكد هذه العلاقة الحتمية(1)؛ يقول تعالى :
1 ـ «أَمَّنْ يُجيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ»(2).
فلا يحتاج المضطر فى الإجابة لاضطراره، وكشف السوء عنه إلاّ إلي الدعاء «إذا دعاه»، فإذا دعاه سبحانه استجاب لدعائه، وكشف عنه السوء.
2 ـ «وَقالَ رَبُّكمُ ادْعوُنى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهنَّمَ داخِرينَ»(3).
والآية الكريمة واضحة وصريحة فى الربط بين الدعاء والاستجابة «اُدْعُونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ».(4)
3 ـ «اُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ»(5).
والعلاقة القطعية بين الدعاء والإجابة واضحة وصريحة فى هذه الطائفة من
آيات كتاب اللّه، وهى تدفع كل شك وريب من النفس فى قطعية الإجابة من اللّه
(1) ليس معنى القول بحتمية هذه العلاقة فرض أمر على اللّه تعالي، فهو سبحانه قد كتب على نفسه الرحمة :
«فقُلْ سَلامٌ علَيكمْ كَتبَ ربُّكمْ على نفسِه الرَّحمةَ» (الأنعام : 54).
(2) النمل : 62.
(3) المؤمن : 60.
(4) المؤمن : 60 .
(5) البقرة : 186.
(60)
لكل دعاء، ما لم تكن الإجابة مضرّة بالداعي،أو بالنظام العام الذى يعتبر الداعي جزءاً منه، والاستجابة فى هذه الآيات غير مشروطة ولا معلّقة بشيء.
وأمّا الشروط التى سوف نتحدث عنها فهى فى الحقيقة ترجع إلى تحقيق الدعاء وتثبيته، أو مصلحة الداعى نفسه، ومن دونها يضعف الدعاء أو ينتفي.
إذن فإنّ العلاقة بين الدعاء والاستجابة علاقة حتميّة لا يمكن أن تتخلف، وعلاقة مطلقة لا يمكن أن تتعلق، إلاّ أن يكون الشرط مما يؤكد ويثبت حالة الدعاء، نحو قوله تعالى : «إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ».(1)
وفى النصوص الإسلامية فى أحاديث رسول اللّه صلياللهعليهوآله وأهل بيته عليهمالسلام ما يؤكد ويعمّق هذه العلاقة بين الدعاء والإجابة. ففى الحديث القدسى : «يا عيسي! إنى أسمع السامعين، أستجيب للداعين إذا دعوني»(2).
وعن رسول اللّه صلياللهعليهوآله : «ما من عبد يسلك وادياً فيبسط كفيه، فيذكر اللّه ويدعو إلاّ ملأ اللّه ذلك الوادى حسنات، فليعظم ذلك الوادى أو ليصغر»(3).
وعن أبى عبداللّه الصادق عليهالسلام فى حديث : «لو أنّ عبداً سدّ فاه، ولم يسأل لم يعط شيئاً، فسل تعط»(4).
وعن ميسر بن عبدالعزيز عن أبى عبداللّه الصادق عليهالسلام : «يا ميسر، إنه ليس من باب يقرع إلاّ يوشك أن يفتح لصاحبه»(5).
(1) النمل : 62 .
(2) اصول الكافي.
(3) ثواب الأعمال : 137.
(4) وسائل الشيعة: 4 / 1084، ح 8606 .
(5) وسائل الشيعة: 4 / 1085، ح 8611 .
(61)
وعن أميرالمؤمنين عليهالسلام : «متى تكثر قرع الباب يفتح لك»(1).
وفى وصايا رسول اللّه صلياللهعليهوآله لعلى عليهالسلام : «يا علي! اُوصيك بالدعاء فإنّ معه الإجابة»(2).
وعن الصادق عليهالسلام : «إذا اُلهِم أحدكم الدعاء عند البلاء فاعلموا أنّ البلاء قصير»(3).
وعن الصادق عليهالسلام : «لا واللّه لا يلح عبد على اللّه عزّ وجلّ إلاّ استجاب اللّه له»(4).
والنصوص الإسلامية تؤكد هذه الحتمية والإطلاق فى العلاقة بين الدعاء والإجابة، وتبيّن بشكل واضح وصريح أنّ اللّه تعالى يستحيى أن يرد دعاء عبده إذا دعاه.
وفى الحديث القدسى : «ما أنصفنى عبدي، يدعونى فأستحيى أن أردّه، ويعصينى ولا يستحيى مني»(5).
وعن الصادق عليهالسلام : «ما أبرز عبد يده إلى اللّه العزيز الجبار إلاّ استحيى اللّه عزّ وجلّ أن يردّها»(6).
وفى الحديث القدسى : «من أحدث وتوضأ وصلّى ودعانى فلم اُجبه فيما
(1) وسائل الشيعة: 4 / 1085، ح 8613 .
(2) وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، أبواب الدعاء، باب 2، ح 18.
(3) وسائل الشيعة: 4 / 1087، ح 8624.
(4) اصول الكافي، كتاب الدعاء، باب الالحاح فى الدعاء، ح 5 .
(5) إرشاد القلوب للديلمي.
(6) عدة الداعى ؛ وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، أبواب الدعاء، باب 4، ح 1.
(62)
يسأل عن أمر دينه ودنياه فقد جفوته، ولست بربٍّ جافٍ»(1).
وعن أميرالمؤمنين عليهالسلام : «ما كان اللّه ليفتح باب الدعاء، ويغلق عليه باب الإجابة»(2).
وعن أميرالمؤمنين عليهالسلام أيضاً : «من اُعطى الدعاء لم يحرم الإجابة»(3).
وفى النصَّين الأخيرين التفاتة ذات مغزيً ونكهة علوية؛ فإنّ اللّه تعالي كريم و وفيّ، فإذا فتح باب الدعاء فلا يمكن أن يغلق على العبد باب الإجابة، وإذا رزق العبد توفيق الدعاء فلا يمكن أن يحرمه الإجابة.
وعن رسول اللّه صلياللهعليهوآله : «ما فتح لأحد باب دعاء إلاّ فتح اللّه له فيه باب إجابة، فإذا فتح لأحدكم باب دعاء فليجهد فإنّ اللّه لا يمل»(4).
وهذا هو المنزل الثالث من منازل رحمة اللّه. اللّهمّ سمعنا وشهدنا وآمنّا.
فى قصة هاجر و إسماعيل عليهماالسلام ، و فى قصة أبى الأنبياء إبراهيم عليهالسلام نلتقي
مشهداً فريداً أو نادراً من نوعه، فى اجتماع منازل ثلاثة للرحمة فى موضع
واحد، و فى قصة واحدة، وهى الفقر والحاجة (اولاً) والدعاء والسؤال (ثانياً)،
والسعى والحركة (ثالثاً) وذلك عند ما أودع أبو الأنبياء إبراهيم عليهالسلام زوجته هاجر
(1) ارشاد القلوب للديلمي.
(2) وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، أبواب الدعاء، باب 2، ح 12 ؛ و: 4 / 1087، ح 8624 .
(3) وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، أبواب الدعاء، باب 2 ؛ و: 4 / 1086، ح 8622 .
(4) وسائل الشيعة: 4 / 1087، ح 8624 .
(63)
فى وادٍ غير ذى زرع وترك معها ابنهما إسماعيل عليهالسلام وهو يومئذ طفل رضيع، وقال : «رَبَّنا إِنّى أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتى بِوادٍ غَيْرِ ذى زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ الناسِ تَهْوى إِلَيْهِمْ وَاَرْزُقْهُمْ مِنَ الثَمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون»(1).
وذهب إبراهيم خليل اللّه بعد ذلك إلى شأنه كما أمره اللّه تعالي، وترك هذه المرأة والطفل الرضيع وحدهما فى هذا الوادى القفر بأمر اللّه تعالي، فنفد ما كان لديهما من الماء، وعطش الطفل وغلب عليه الظمأ و بحثت المرأة عن الماء فلم تجد له أثراً، وأخذ الطفل يصرخ ويضرب بيديه ورجليه، والاُم تهرول هنا وهناك، فتصعد على الصفا تارة، تنظر إلى الاُفق البعيد بحثاً عن الماء، ثم تهبط وتهرول باحثة عن الماء إلى جانب جبل المروة، وتدعو اللّه تعالى أن يرزقهما الماء في هذا الوادى القفر، والطفل يصرخ ويبكى ويضرب بيديه ورجليه عند البيت الحرام.
ففجَّر اللّه تعالى الأرض بالماء تحت قدمى الطفل، فأسرعت الاُم إلى الماء، لتروى طفلها الرضيع، ولتلملم الماء لئلاّ يذهب هدراً، فتقول للماء وهى تصنع له حوضاً يجمعه : «زم ... زم ...».
إنّ هذا المشهد العجيب استنزل يوم ذاك رحمة اللّه تعالي، ففجَّر اللّه تعالي زمزم فى وادٍ غير ذى زرع، وجعلها مصدراً ومبدأً لكثير من البركات على هذه الأرض المباركة.
(1) إبراهيم : 37.
(64)
وجعل اللّه تعالى هذا المشهد جزءاً من أعمال الحج، و ثبّته اللّه تعالى في واحد من أشرف فرائضه.
فما هو السر الكامن فى هذا المشهد؟ ولماذا هذا الاهتمام به فى أصل الدين، وتثبيته فى الحج؟ وما هو السبب المؤثر والقوى الذى استنزل رحمة اللّه تعالى بقوة فى هذا المشهد، وجعلها مبدأً لبركات كثيرة فى تاريخ أجيال الموحّدين؟
فلابد أن يكون هذا المشهد منطوياً على سرٍّ خاص استدعى نزول رحمة اللّه تعالى فى ذاك الوادى القفر، واستدعى دوام هذه الرحمة وثباتها، وجعل منها مصدراً ومبدأً لكثير من البركات، واستدعى أن يثبتها اللّه تعالى فى حج أجيال الموحدين عند بيته الحرام.
إننى أعتقد ـ واللّه تعالى أعلم بأسرار هذا المشهد ـ أنّ هذا المشهد النادر كان يجمع يومئذ بين ثلاثة منازل من منازل رحمة اللّه تعالي، كل منها يستنزل رحمة اللّه.
وأول هذه المنازل : الحاجة التى كان يمثلها الظمأ الذى أضر بالطفل الرضيع، والحاجة والفقر إلى اللّه من منازل رحمة اللّه.
وكلّما أضر الفقر بصاحبه أكثر كان أقرب إلى رحمة اللّه، ولذلك نرى أنّ الأطفال الرضّع إذا أضرّ بهم ألم أو جوع أو ظمأ أو برد أو حرّ، كانوا أقرب إلي رحمة اللّه من الكبار الّذين يطيقون ذلك.
وذلك لأنّ الحاجة تضرّ بهم أكثر من غيرهم.
(65)
وقد ورد فى الدعاء: «اللّهمّ أعطنى لفقري» والفقر إلى اللّه وحده يستنزل رحمة اللّه تعالي، وكلما كان الفقر إلى اللّه أعظم كان أدعى لنزول رحمة اللّه.
فإنّ الفقر إلى اللّه يجعل الإنسان عند رحمة اللّه، ويقرب الإنسان منه، سواء كان الإنسان يعى فقره إلى اللّه أم لا يعي، وإن كان وعى الفقر إلى اللّه يضاعف من قيمته وقدرته فى استنزال رحمة اللّه تعالي، كما ذكرنا.
ولكن بشرط ألاّ يحرّف الإنسان الفقر عن موضعه، فيتصوّر أنّه من الفقر إلى المال أو إلى حطام الدنيا، أو إلى بعض عباد اللّه بدل أن يعيه على واقعه من الفقر إلى اللّه.
و شتّان بين هذا الفقر وذاك الفقر. والّذى يستنزل رحمة اللّه تعالى هو الفقر إلى اللّه، فإذا حرّف الإنسان هذا الفقر من الفقر إلى اللّه إلى الفقر إلى عباد اللّه، فقد الفقر قيمته فى استنزال رحمة اللّه تعالي، وأكثر فقر الناس من هذا النوع.
وفى هذا المشهد كان صراخ الطفل وضجيجه وبكاؤه من شدة العطش مشهداً نافذاً مؤثراً فى استنزال رحمة اللّه تعالي.
وليس فى مشاهد الحاجة والفاقة إلى اللّه مشهد مؤثر ورقيق يستنزل رحمة اللّه تعالي، أكثر من مشهد طفل يتلظّى من العطش، ولا تجد له اُمّه إلى الماء سبيلاً.
والمنزل الثانى لرحمة اللّه فى هذا المشهد هو «السعي»، وهو شرط للرزق، ولا رزق من دون سعي، وقد جعل اللّه تعالى السعى والحركة فى حياة الإنسان مفتاحاً للرزق.
(66)
وإذا كان عامل الفقر يتطلّب من الإنسان حالة الاضطرار والفاقة والحاجة، فإنّ عامل السعى يتطلب من الإنسان العزم والقوّة والإرادة، والحركة والنشاط، وعلى قدر حركة الإنسان وسعيه وعزمه يرزقه اللّه تعالى من رحمته.
وقد تحركت اُم إسماعيل عند ما نفد عندهما الماء، وغلب الظمأ علي إسماعيل تحركت للبحث عن الماء و سعت فى طلبه، تصعد إلى الصفا مرة، تنظر فى الاُفق البعيد باحثة عن الماء، وتنزل من الصفا وتتّجه إلى المروة تارة اُخري لتصعد عليه وتنظر إلى الاُفق البعيد تبحث عن الماء، ورغم أنها استعرضت في هذه الحركة كل الاُفق من على الصفا والمروة فلم تجد ماءً، لم تيأس وكررت هذه الحركة والصعود والنزول والهرولة من الصفا إلى المروة وبالعكس سبع مرات.
ولولا هذا الأمل والرجاء لا نقطع سعيها فى الشوط الأول، ولكن الأمل والرجاء اللذين كانا يعمران قلبها العامر كانا يدعوانها كل مرة إلى إعادة السعي مرة اُخري، حتى فرَّج اللّه عنهما و فجّر زمزم تحت قدمى إسماعيل، ولكن الأمل هنا فى اللّه وليس فى سعيها، ولو كان أملها فى سعيها لا نقطع أملها فى المرة الاُولى أو الثانية.
وقد جعل اللّه تعالى هذا السعى وهذه الحركة شرطاً للرزق، ولنزول رحمته على الإنسان، واللّه تعالى يرزق عباده، وينزل عليهم رحمته، ولكن اللّه تعالى شاء أن يكون السعى و الحركة مفتاحاً لرزقه ورحمته.
والمنزل الثالث لرحمة اللّه تعالى فى هذا المشهد هو دعاء اُم إسماعيل، و
(67)
انقطاعها إلى اللّه واضطرارها إليه عزّ شأنه فى طلب الماء فى هذا الوادى القفر غير ذى الزرع.
وكلّما انقطع الإنسان فى دعائه إلى اللّه أكثر كان أقرب إلى رحمة اللّه.
ولست أدرى فى أية حالة من حالات الانقطاع إلى اللّه كانت هذه المرأة الصالحة، فى تلك اللحظات فى ذلك الوادي، وليس من إنسان أو حيوان حولها، ووحيدها الرضيع يتلظى عطشاً، ويكاد أن يلفظ آخر أنفاسه.
لقد انقطعت هذه المرأة إلى اللّه فى تلك اللحظة انقطاعاً ضجّت له ملائكة اللّه بالدعاء، و ضموا أصواتهم إلى صوتها، ودعاءهم إلى دعائها.
و لو أنّ الناس كلهم انقطعوا إلى اللّه بمثل هذا الانقطاع «لاَءَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهَمْ»(1) وعمّتهم رحمة اللّه تعالي.
عليكِ سلام اللّه يا اُمّنا! اُم إسماعيل من أبنائك الّذين آتاهم اللّه النور والهدي، والإيمان والنبوة ومن المهتدين بهداهم ونورهم، فلولا انفرادك فى ذلك الوادي القفر غير ذى الزرع فى هجير الحجاز، ولولا تلك المعاناة والمحنة لم تنقطعى إلي اللّه عزّ وجلّ بمثل هذا الانقطاع فى ذلك الموقف العسير على جبلى الصفا والمروة، ولولا ذلك الانقطاع إلى اللّه ، لم تنزل رحمة اللّه تعالى عليكما، ولولا تلك الرحمة لم يكن انقطاعك إلى اللّه وسعيك بين الصفا والمروة من شعائر اللّه في الحج.
«إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرَ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ
(1) المائدة : 65 .
(68)
يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فإِنَّ اللّهَ شاكِرٌ عَليمٌ»(1).
لقد ثبّت اللّه تعالى يا اُمّنا انقطاعك إليه فى ذلك الهجير، وسعيك إلى الماء وصراخ صغيرك إسماعيل فى ذاكرة التاريخ، ليعرف الأجيال من بعدك كيف يستنزلون رحمة اللّه، وكيف يتعرضون لرحمة اللّه.
إنّ رحمة اللّه تعالى واسعة لا شحّ فيها ولا نقص، ولا عجز، ولكن الناس لا يعرفون مواضع هذه الرحمة ومنازلها، ولا يحسنون التعرّض لها والاستفادة منها.
ومنك تعلمنا يا اُمّنا كيف نطلب منازل رحمة اللّه وكيف نتعرض لرحمة اللّه، ومنك يا اُمّنا أخذنا مفاتيح الرحمة.
وعذراً يا اُمّنا إذا كنّا نحن أبنائك لم نحفظ هذه المفاتيح التى سلّمتيها إلي إسماعيل من بعدك، وتوارثها أبناء إسماعيل من إسماعيل وتوارثناها نحن من ابنك محمد المصطفى رسول اللّه صلياللهعليهوآله ، فضيعناها فيما ضيعنا من تراث الأنبياء ومواريثهم.
لقد تعلمنا من أبينا إبراهيم كيف نوحّد اللّه، وتعلمنا من اُمّنا هاجر كيف نسأل اللّه.
و فى متاهات الهوى والطاغوت ضيعنا هذا وذاك.
فأعنّا اللّهمّ على تحصيل ما ضيعناه من تراث أبينا واُمّنا إبراهيم وهاجر عليهماالسلام ، واجعلنا من اُسرتهم، ولاتطردنا ربنا من هذا البيت من آل ابراهيم وآل عمران.
(1) البقرة : 158.
(69)
«إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحَاً وَآلَ إِبْراهيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلى الْعالَمينَ * ذُرِّيَةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللّهُ سَميعٌ عَليمٌ»(1).
«رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرّيَّتِنا اُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إَنَّكَ أَنْتَ التَوّابُ الرَّحيمُ»(2).
لقد أخذت اُمنا (اُم إسماعيل) يوم ذاك فى ذلك الوادى القفر، وفى رمضاء ذلك الهجير بأسباب الخير كلّها، وذلك هو السعى والدعاء والفقر.
لقد كانت أمّنا تسعى إلى الماء وتشرف على الوادى تارة من على الصفا، واُخرى من على المروة باحثة عن الماء، واللّه تعالى يحب من عباده الحركة والسعى والعمل، وجعل ذلك من أهم شروط الرزق.
ولكنها فى سعيها كانت منقطعة إلى اللّه، وتدعوه تعالى وتسأله فى حالة من الانقطاع، يقلّ نظيرها فى تاريخ الإنسان.
فلا السعى والتحرك، كان يحجبها عن اللّه، ويقطعها عنه تعالي، ولا الانقطاع الى اللّه كان يعطل فيها حالة الحركة والسعي، السعى إلى الماء بأقصى ما تستطيعه إمرأة فى ذلك الوادي، وفى ذلك الهجير، فى أشواط سبعة من الصفا إلى المروة ومن المروة إلى الصفا.
وإنّنا اليوم فى شعائر حجّنا، نسعى هذه الأشواط بين هذين الجبلين، من غير معاناة ولا عذاب، ولا همّ، ولا قلق فنكدح ونتعب ويرهقنا هذا السعي.
وقد قامت اُمنا هاجر بهذا السعى كله فى ذلك الوادى القفر وفى رمضاء
(1) آل عمران : 33 ـ 34.
(2) البقرة : 128.
(70)
ذلك الهجير، وهى ظمأى قد استنفد العطش كل حولها وقوتها، ورضيعها الصغير يكاد يلفظ آخر أنفاسه، ولكنها مع ذلك قامت بهذا السعى إلى الماء بقوة و همّة وعزم و إرادة.
ومع ذلك لم يقطعها هذا السعى ولو لحظةً واحدة عن الانقطاع إلى اللّه، ولم يحجبها و لو لحظةً واحدة عن اللّه. لقد كانت فى هذا السعى المرير كلّه علي اتصال باللّه وانقطاع إلى اللّه، لا يشغلها هذا عن ذاك ولا يحجبها ذاك عن هذا، فقرنت السعى إلى الدنيا بالانقطاع إلى اللّه، وقرنت الانقطاع إلى اللّه بالسعى إلي الدنيا، ومَن منّا يقدر على ذلك؟
والملائكة يومئذ ينظرون إليها ويعجبون منها، كيف استطاعت أن تنقطع إلى اللّه هذا الانقطاع؟ وكيف تمكنت أن تسعى إلى الماء وهى مثقلة بالمتاعب والمحن هذا السعي؟ وكيف استطاعت أن تجمع بين السعى والانقطاع إلى اللّه بمثل هذا الجمع؟ فيضجّون إلى اللّه تعالى أن يستجيب لدعائها وسعيها، وأن يستنزل سعيها ودعاؤها رحمة اللّه تعالي، وتستقرب رحمة اللّه حتى تكاد أن تنطبق السماء على الأرض.
لقد صعد يومئذ عمود من الدعاء والعمل الصالح من الأرض إلى السماء، ونزل عمود من الرحمة من السماء إلى الأرض، واتصلت الأرض بالسماء والسماء بالأرض، وحشود الملائكة يشهدون هذا المشهد الفريد، ويضجّون إلي اللّه تعالى ويتضرعون، فيحدث ما ليس بالبال ولا بالخيال، وتتفجَّر الأرض تحت أقدام الرضيع ماءً بارداً زلالاً شفّافاً هنيئاً.
(71)
وسبحان اللّه والحمد للّه، لقد استجاب اللّه لسعيها ودعائها، ولكن لا حيث سعت وإنّما تحت أقدام الرضيع الذى كان يضرب بيديه ورجليه ظمأً يوم ذاك، ليعلمها اللّه أنه تعالى هو وحده الذى رزقها هذا البارد العذب فى هذه الرمضاء وذلك الهجير، وليست هى التى حققت ذلك بسعيها وحركتها، وإن كان لابدَّ لها أن تسعى وتتحرك ليرزقها اللّه تعالى «زمزم».
ففجَّر اللّه «زمزم» تحت أقدام الرضيع، وأقام اللّه تعالى فى ذلك الوادى بيته المحرَّم، وبارك فى زمزم وجعل منها سقاية الحاج مدى الأجيال، وثبّت اللّه هذا السعى والدعاء فى ذاكرة التاريخ، وجعل منه شعيرة من شعائر الحج، يحذو فيها حشود الحجاج كل عام حذوها، ويحيّون فيها من بُعد، اُمهم هاجر وأبويهم إبراهيم وإسماعيل.
لقد اجتمع فى هذا الوادى يوم ذاك ثلاثة أسباب من أسباب نزول رحمة اللّه تعالى : الفقر، والسعي، والدعاء؛ فقر فى أقصى درجات الضعف والفاقة، وسعي فى قوة وحزم وعزم، ودعاء فى تضرُّع وانقطاع واضطرار.
وفى الحج نحيى نحن كل عام هذا المشهد لنتعلم من اُمّنا اُم إسماعيل عليهالسلام كيف نطلب رحمة اللّه تعالي، وكيف نستنزل فضله ورحمته، وكيف نغرف من رحمته ونتعرض لها.
(72)