استجابة الدعاء

(24)

الدعاء محفوف بالتوفيق و الاستجابة :

الدعاء محفوف برحمة اللّه‏ من جانبين : بالتوفيق من جانب اللّه‏، وبالاستجابة من اللّه‏ تعالي؛ فلا يقبل العبد على الدعاء إلاّ بتوفيق من اللّه‏، ومن دون أن يرزق اللّه‏ تعالى عبده التوفيق للدعاء لا يتوفق العبد للإقبال على اللّه‏ في الدعاء، ولابُدّ من هذا التوفيق قبل الدعاء، فإذا دعا العبدُ اللّه‏ استجاب اللّه‏ لدعائه : «اُدْعُونى أسْتَجِبْ لَكُمْ».(1) إذن يسبق الدعاء التوفيق من اللّه‏، وتلحق الدعاء الاستجابة من اللّه‏، والدعاء محفوف بهما، وهما بابان من أبواب رحمة اللّه‏، تنفتحان على العبد قبل وبعد الدعاء، وقد روى عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة»(2).

وعن الإمام على بن الحسين زين العابدين عليه‏السلام : «فذكروك بمنّك وشكروك...»؛ فإذا ذكر العبد ربّه فهو بعصمة من اللّه‏ وفضله يستحق عليه الشكر من العبد. وعنه عليه‏السلام فى مناجاة المطيعين من المناجاة الخمس عشرة المعروفة : «فأنا بك ولك، ولا وسيلة لنا إليك إلاّ أنت».

إذن لا يذكر العبد ربّه إلاّ بعد أن يسبق هذا الذكر منٌّ وفضلٌ من اللّه‏، ولا

(1) المؤمن: 60 .
(2) الميزان: 2 / 42، نقلاً عن الدر المنثور.

(25)

وسيلة للعبد إلى اللّه‏ إلاّ بفضله ورحمته فإذا ذكر العبد ربّه فبفضل اللّه‏، وإذا دعاه فبتوفيقه تعالي، وإذا شكره فبرحمته، وفى دعاء «عرفة» يقول الإمام الحسين عليه‏السلام : «لم يمنعك جهلى وجُرأتى عليك أن دللتنى إلى ما يقربنى إليك ووفقتنى لما يزلفني لديك».

ومن رقائق الأدعية الدعاء بالتوفيق للدعاء، فيدعو العبد ربّه سبحانه وتعالى أن يرزقه التوفيق للدعاء. وقد ورد فى أدعية الصحيفة عن الإمام على بن الحسين زين العابدين عليه‏السلام : «وأعمر ليلى بإيقاظى فيه لعبادتك، وإنزال حوائجي بك»(1).

وعن الإمام الصادق عليه‏السلام فى طلب التوفيق من اللّه‏ تعالى : «فأعنّى علي طاعتك، ووفقنى لما أوجبت عليَّ من كل ما يرضيك، فإنّى لم أرَ أحداً بلغ شيئاً من طاعتك إلاّ بنعمتك عليه قبل طاعته، فأنعم عليّ بنعمة أنال بها رضوانك»(2).

وعن الإمام على بن الحسين عليه‏السلام : «اللّهمّ اجعلنى أصول بك عند الضرورة، وأسألك عند الحاجة··· وأتضرع إليك عند المسكنة ولا تفتنّى بالاستعانة بغيرك إذا اضطررت»(3).

قيمتان للاستجابة :

للاستجابة من اللّه‏ تعالى لدعاء العبد قيمتان، وليس قيمة واحدة. إحداهما أعظم من الاُخري.

(1) الصحيفة السجادية ، الدعاء : 47
(2) بحار الأنوار: 93 / 320.
(3) الصحيفة السجادية ، الدعاء: 20.

(26)

أمّا القيمة الدنيا فهى إنجاز المطلب والمسألة التى طلبها الإنسان من اللّه‏ تعالى لدنياه أو آخرته، أو لهما معاً.

وأمّا القيمة العليا فهى نفس الإجابة من اللّه‏ تعالى لعبده فإنّ فى كل إجابة إقبال من اللّه‏ تعالى على عبده، كما أنّ فى كل دعاء إقبال من العبد على اللّه‏ تعالي.

ومهما كان لشيء من ثمن وحساب وحدّ، فلا حساب ولا حدّ لقيمة إقبال اللّه‏ تعالى على عبده.

ولا حدّ لسعادة العبد إذا كان موضع رعاية اللّه‏ تعالى وعنايته وإقباله الخاص، وتلك سعادة ليس فوقها سعادة أن يخصّ اللّه‏ تعالى عبداً من عباده فيقبل عليه، ويسمع منه، ويستجيب له، ويشعره بالاستجابة مهما كانت قيمة المطلب والمسألة التى طلبها العبد من اللّه‏ تعالي، روى عن الإمام الصادق عليه‏السلام انّه قال : «لقد دعوت اللّه‏ مرة فاستجاب، ونسيت الحاجة، لأنّ استجابته بإقباله على عبده عند دعوته أعظم وأجل مما يريد منه العبد، ولو كانت الجنّة ونعيمها الأبد، ولكن لا يعقل ذلك إلاّ العالمون، المحبون، العابدون، العارفون، صفوة اللّه‏، وخاصته»(1).

فالدعاء والإجابة إذن علاقة متبادلة بين اللّه‏ تعالى وعبده، من‏أفضل ما تكون العلاقة وأشرفها، وأيّ علاقة بين اللّه‏تعالى وعباده أفضل من أن‏يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال، ويقبل اللّه‏تعالى على عبده بالإجابة ويخصّه بها.

إنّ نشوة ولذة هذه العلاقة باللّه‏ وهذه العناية والتوفيق من اللّه‏ تعالى لعبده،

(1) مصباح الشريعة : 14 - 15 ؛ بحار الأنوار: 93 / 323.

(27)

حيث خصّه بمناجاته وذكره ودعائه، وأكرمه بدعائه ولقائه وقربه واستجابته ...

أقول : إنّ لذة هذه العلاقة باللّه‏ والعناية من اللّه‏ تعالى لعبده تستغرق الإنسان، وتشغله عن حاجته التى رفعها إلى اللّه‏.

وأيُّ لذة توازن هذه اللذة؟ أم أيّ متعة تعادل متعة الحضور بين يدى اللّه‏ ولقاء اللّه‏ ومناجاته وذكره والاشتغال بالنظر إلى جلاله وجماله، والوقوف بين يدى اللّه‏ للدعاء نحو من الحضور بين يدى اللّه‏ ولقاء اللّه‏، ومناجاته وذكره. يقول أحد العارفين : مما يقبح بالإنسان أن يطلب فى حضور اللّه‏ من اللّه‏ غير اللّه‏، وأن ينشغل فى حضرته تعالى بغير جلاله وجماله.

وقد روى عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فى الحديث القدسى عن اللّه‏ : «من شغله ذكري عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين»(1).

وعن الإمام الصادق عليه‏السلام : «وانّ العبد لتكون له الحاجة إلى اللّه‏ فيبدأ بالثناء على اللّه‏ والصلاة على محمد وآله حتى ينسى حاجته فيقضيها من غير أن يسأله إياها»(2).

وفى مناجاة المحبين للامام زين العابدين عليه‏السلام : «...اجعلنا ممن هيّمت قلبه لإرادتك، واجتبيته لمشاهدتك، وأخليت وجهه لك وفرّغت فؤاده لحبّك، ورغّبته فيما عندك ... وقطعت عنه كل شيء يقطعه عنك»(3).


(1) بحار الأنوار: 93 / 323.
(2) المصدر نفسه : 312.
(3) مناجاة المحبين من المناجاة الخمس عشرة.

(28)

علاقة الاستجابة بالدعاء :

«وَقالَ رَبَّكُم ادْعُونى أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلوُنَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ»(1).

ما هى علاقة الاستجابة بالدعاء؟

وكيف تتم الاستجابة؟

هذا ما نحاول أن نتحدث عنه إن شاء اللّه‏ فى هذا الفصل من هذه المقالة.

إنّ الاستجابة من عند اللّه‏ تعالى تجرى ضمن قوانين وسنن إلهية، كما هو شأنه تعالى فى سائر أفعاله.

فليس فى ساحة اللّه‏ تعالى انفعال، كما هو الحال عندنا نحن البشر، إذا غضبنا وإذا رضينا، وإذا تذمرنا، وإذا انشرحنا، وإذا نشطنا، وإذا مللنا.

وإنّما فعل اللّه‏ تعالى قانون وسنّة، ولا يختلف ذلك فى رضاً أو غضب، أو بسط أو قبض، أو عطاء أو إمساك، كل ذلك يجرى ضمن سنن وقوانين إلهية ثابتة.

وهذه السنن الإلهية، تجرى فى اُفق الغيب (الميتافيزيقا) كما تجرى في الفيزياء والكيمياء والميكانيك من غير فرق.

«وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّه‏ِ تَبْديلاً»(2).

«وَلَنْ تَجِدَ لَسُنّةِ اللّه‏ِ تَحْويلاً»(3).

فما هى سنة اللّه‏ تعالى فى استجابة الدعاء؟

(1) المؤمن : 60.
(2) الأحزاب : 62.
(3) فاطر : 43.

(29)

الدعاء مفتاح الرحمة :

وقد ورد فى النصوص الإسلامية التعبير عن العلاقة بين الدعاء والإجابة بأنّ الدعاء مفتاح الإجابة، وهذه الكلمة تقرر نوع العلاقة بين الدعاء والاستجابة.

عن الإمام على عليه‏السلام : «الدعاء مفتاح الرحمة»(1).

وفى وصيةٍ للإمام أميرالمؤمنين على بن أبى طالب عليه‏السلام إلى ابنه الحسن : «ثم جعل فى يدك مفاتيح خزائنه، بما أذن فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه»(2).

وللتعبير ظلال واضحة فى العلاقة بين الدعاء والاستجابة (فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه).

إذن الدعاء هو المفتاح الذى نفتح به خزائن رحمة اللّه‏.

وخزائن رحمة اللّه‏ لا نفاد لها، ولكن ليس كلّ الناس يملكون مفاتيح خزائن رحمة اللّه‏، وليس كل الناس يحسن فتح خزائن رحمة اللّه‏.

وقد روى عن الإمام الصادق جعفربن‏محمد عليه‏السلام فى قوله تعالى : «ما يَفْتَحِ اللّه‏ُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها»(3) أنّه قال : «الدعاء»(4).

أى إنّ الدعاء هو هذا المفتاح الذى به يفتح اللّه‏ للناس أبواب رحمته، والذى جعله اللّه‏ بيد عباده.

وعن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «من فتح له من الدعاء منكم فتحت له أبواب

(1) بحار الأنوار 93 : 300.
(2) بحار الأنوار 77 : 299.
(3) فاطر: 1 .
(4) بحار الأنوار: 93 / 299.

(30)

الإجابة»(1).

واللّه‏ تعالى هو الذى يفتح للعبد بالدعاء، وهو الذى يفتح له أبواب الإجابة.

وعن أميرالمؤمنين عليه‏السلام : «من قرع باب اللّه‏ سبحانه فتح له»(2).

وعن الإمام الصادق عليه‏السلام : «أكثر من الدعاء، فإنه مفتاح كل رحمة، ونجاح كل حاجة، ولا ينال ما عند اللّه‏ إلاّ بالدعاء، وليس باب يكثر قرعه إلاّ يوشك أن يفتح لصاحبه»(3).

وعن أميرالمؤمنين عليه‏السلام : «الدعاء مفاتيح النجاح، ومقاليد الفلاح، وخير الدعاء ما صدر عن صدر نقى وقلب تقي»(4).

وعن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «ألا أدلّكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم، ويدرّ أرزاقكم؟ قالو : بلي، قال : تدعون ربكم بالليل والنهار، فإنّ سلاح المؤمن الدعاء»(5).

العمل و الدعاء مفتاحان لرحمة اللّه‏ :

واللّه‏ تعالى جعل فى أيدينا مفتاحَيْن نستفتح بهما خزائن رحمة اللّه‏، ونطلب بهما رزقه وفضله، وهذان المفتاحان هما : «العمل») و «الدعاء»؛ وكل منهما لا يغنى عن الآخر.

(1) كنز العمال، رقم الحديث: 3156.
(2) غرر الحكم، رقم الحديث: 8292.
(3) بحار الأنوار: 93 / 295 ؛ وسائل الشيعة: 4 / 1086، ح 8616 .
(4) وسائل الشيعة: 4 / 1094، ح 8657 ؛ و اُصول الكافي: 2 / 517.
(5) وسائل الشيعة: 4 / 1095، ح 8658 .

(31)

فلا العمل يغنى عن الدعاء، ولا الدعاء يغنى عن العمل، فلا يصح أن يكتفى الإنسان بالدعاء عن العمل.

وقد روى عن رسول اللّه‏ عليه‏السلام فى وصيته لأبى ذر قدس‏سره : «يا أباذر، مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذى يرمى بغير وتر»(1).

وعن الإمام الصادق عليه‏السلام : «ثلاثة تُرد عليهم دعوتهم : رجل جلس فى بيته وقال : يا ربِّ ارزقني، فيقال له : ألم أجعل لك السبيل إلى طلب الرزق؟...»(2).

ولا يصح أن يكتفى الإنسان بالعمل عن الدعاء.

روى عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «إنّ للّه‏ عباداً يعملون فيعطيهم، وآخرين يسألونه صادقين فيعطيهم، ثم يجمعهم فى الجنة. فيقول الّذين عملوا : ربّنا، عملنا فأعطيتنا، فبما أعطيت هؤلاء؟ فيقول : هؤلاء عبادي، أعطيتكم اُجوركم ولم ألتكم من أعمالكم شيئاً، وسألنى هؤلاء فأعطيتهم وأغنيتهم، وهو فضلى اُوتيه من أشاء»(3).

وقد جعل اللّه‏ تعالى الدعاء جابراً لعجز الإنسان فى العمل، لئلاّ يعتمد الإنسان على نفسه، ويغتر بما اُوتى من حول وقوة، وبما يقوم به من عمل.

إذن العمل والدعاء هما مفتاحان من أعظم المفاتيح التى يستفتح الإنسان بهما رحمة اللّه‏.

ولسنا الآن بصدد البحث عن «العمل» وعلاقته بـ «رحمة اللّه‏» فى مقابل

(1) وسائل الشيعة، أبواب الدعاء، باب 32، ح 3.
(2) وسائل الشيعة، كتاب الصلاة، أبواب الدعاء، باب 50، ح 3.
(3) وسائل الشيعة: 4 / 1084، ح 8609 .

(32)

العلاقة بين «الدعاء» و «خزائن رحمة اللّه‏»، وعلاقة «العمل» بـ «الدعاء»؛ فإن هذه العلاقة من اُمهات المسائل الإسلامية.

واللّه‏ تعالى يعطى عباده بهما معاً «العمل والدعاء» ومعنى ذلك أنّ اللّه‏ يعطي عباده «بما عندهم» و «ما ليس عندهم»، وما عندهم هو جهودهم وأعمالهم، وما يقدّمون إلى اللّه‏ من جهد وإنفاق من أنفسهم وأموالهم وهو «العمل»، وما ليس عندهم هو فقرهم وحاجتهم إلى اللّه‏، وعرض الفقر والحاجة على اللّه‏.

وكل منهما من مفاتيح رحمة اللّه‏ فى حياة الإنسان، وبكل منهما يستنزل الإنسان رحمة اللّه‏، بما يرفع إلى اللّه‏ من جهده وعمله ونفسه وماله، وبما يرفع إلي اللّه‏ من حاجته وفقره وعدمه واضطراره.

العلاقة بين الدعاء و العمل :

وليس من الصحيح أن نفهم (الدعاء) فهماً منفصلاً عن سنن اللّه‏ تعالي، فإنّ اللّه‏ تعالى قد سنّ لعباده سنناً فى الكون، فى شؤونهم وحاجاتهم، ولا يصح للناس أن يهملوا هذه السنن فى شؤونهم وحاجاتهم.

وليس الدعاء بديلاً عن هذه السنن، ولا يغنى سلوك هذه السنن الإنسان عن الدعاء (أى أنّ سلوك هذه السنن لا يكون بديلاً عن الدعاء).

وفهم هذه النقطة من رقائق الثقافة الربانية فى الإسلام، فلا يصح أن يكتفي الفلاّح عن حرث الأرض وسقيها وتشذيب الأرض من الأعشاب الزائدة ورعاية الزرع ومكافحة الأمراض النباتية من مزرعته ... بالدعاء.

فإنّ هذا دعاء لا يستجاب وهو مصداق قول الإمام الصادق عليه‏السلام : «الداعي

(33)

بلا عمل كالرامى بلا وتر».

كما لا يستجاب دعاء المريض إذا أهمل الطبيب والدواء. وكيف يستجاب مثل هذا الدعاء وقد أعرض صاحبه عن سنن اللّه‏ تعالي، فلا يستجاب دعاءٌ إلاّ ضمن السنن الإلهية، فإنّ الذى يستجيب لدعاء عباده هو خالق هذه السنن في الطبيعة، وهو الذى أمر عباده بسلوك هذه السنن وأن يبتغوا رزقهم وحاجاتهم من خلال هذه السنن بقوله تعالى : «هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا في مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رزْقِهِ ...».(1)

ويقول تعالى : «فَانْتَشِرُوا فِى الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضلِ اللّه‏ِ».(2)

وكما لا يكون الدعاء بديلاً عن العمل كذلك لا يكون العمل بديلاً عن الدعاء. فإنّ مفاتيح هذا الكون بيد اللّه‏ تعالي، واللّه‏ يرزق عباده بالدعاء ما لا يقدرون عليه بالعمل، ويوفق عباده بالدعاء للأسباب الطبيعية ما لا يقدرون عليه بالعمل.

وليس معنى تمكين اللّه‏ تعالى للانسان من الأسباب الطبيعية للرزق أنّ الإنسان يستغنى بالتعامل مع الأسباب الطبيعية من الدعاء والسؤال والطلب من اللّه‏ تعالي.

فإنّ اللّه‏ تعالى هو الباسط القابض، المعطى المانع، النافع الضار المحيي المهلك، المعزّ المذل، الرافع الواضع، بيده مفاتيح هذا الكون، ولا يمتنع عن أمره، شيء فى هذا الكون، ولا يخرج عن أمره وسلطانه شيء، وكل قوة وسلطان ونافع

(1) الملك: 14 .
(2) الجمعة: 9 .

(34)

وضار فى هذا الكون خاضع لأمره وحكمه وسلطانه، وليس لقوى الطبيعة في هذا الكون الرحيب وجود مستقل عن سلطان اللّه‏ وإرادته حتى يستغنى الإنسان بالتعامل معها عن الدعاء والطلب والسؤال من اللّه‏ تعالي.

ونحن نسبّح اللّه‏ وننزهه تعالى عمّا يقول اليهود : «يَدُ اللّه‏ِ مَغْلُولَةٌ»(1) ونقول بما يقول القرآن : «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ».(2)

فنتعامل مع اللّه‏ فى كل حال، ولا نفصل بين التعامل مع اللّه‏ والتعامل مع السنن الذى جعلها اللّه‏ تعالى وسائل لرزق عباده ونعتقد أنّ هذه القوى والسنن تنفعنا وتضرنا فى امتداد إرادة اللّه‏ تعالى ومشيئته وسلطانه، وليس فى عرض إرادته وسلطانه، ولا مستقلاً عن إرادته تعالى وسلطانه.

ونلمس يد اللّه‏ تعالى و رحمته و فضله و حكمته فى كل صغيرة وكبيرة من اُمورنا وشؤوننا، ونلمس إرادة اللّه‏ وتوفيقه وفضله فى مسيرة حياتنا كلها، وفي كل منعطف من منعطفات حياتنا فنحن نحتاجه تعالى فى كل لحظة ونفتقر إلي رحمته وفضله ورعايته وتسديده وتوفيقه وهدايته فى كل لحظة من لحظات حياتنا، وندعوه تعالى أن يتولى كل اُمورنا بالتسديد، والتأييد، والهداية، والتوفيق، ونعوذ بوجهه الكريم من أن يكلْنا إلى أنفسنا طرفة عين، ونسأله تعالى أن يتفرد بكل حاجاتنا وشؤوننا، ولا يحوجنا إلى غيره.

وليس معنى هذا الدعاء أن يعزل الإنسان حاجاته واُموره عن الناس والأسباب الطبيعية فى هذا الكون، إذا دعا اللّه‏ تعالى أن يتفرّد بها ... وإنما معنى ذلك أن

(1) المائدة: 63.
(2) المائدة: 63 .

(35)

يدعو اللّه‏ تعالى ليجعل حاجته إلى غيره تعالى فى امتداد حاجته إليه تعالي، وأن يجعل اعتماده على غيره تعالى فى امتداد اعتماده عليه تعالي، وأن يجعل تعامله مع غيره تعالى فى امتداد تعامله مع اللّه‏ تعالي، وليس فى عرضه، ولا مستقلاً عنه ... فكل هذا الكون أسباب مسخّرات للّه‏ تعالي، سخّرها لخلقه.

والتعامل مع هذه الأسباب، والأخذ منها، والاعتماد عليها فى امتداد التعامل مع اللّه‏، والأخذ من اللّه‏، والاعتماد على اللّه‏ ومن صلب التوحيد الذى يدعو إليه القرآن وليس مع الله ولا مستقلاً عن الله.

ومن هذا المنطلق نقول أن على الإنسان أن يدعو اللّه‏ تعالى فى كل شيء ويسأله كل شيء، فى صغائر اُموره وكبارها من ملح عجين خبزه، وعلف دابته، إلى الانتصار على الأعداء فى ساحات المواجهة والقتال، ولا يعزل شأناً من شؤون حياته صغيراً أو كبيراً عن هذه الكليّة (كلية الدعاء والسؤال من اللّه‏)، ولايستغنى عن اللّه‏ تعالى فى شيء من حاجاته وطلباته بغير اللّه‏ تعالى من خلقه، ويعوذ باللّه‏ تعالى أن يكله إلى نفسه طرفة عين فى صغيرة او كبيرة من صغائر اُموره أو كبارها.

وفى نفس الوقت، نعتقد أنّ هذا اللجوء العام إلى اللّه‏ فى كل شيء، والسؤال، والطلب من اللّه‏ فى كل شيء ... لا ينافى أن يأخذ الإنسان مما خلق اللّه‏ تعالى وسخّر له فى هذا الكون ويستعين به، فيدعو اللّه‏ تعالى بالسلامة والشفاء لمرضه، ثم يأخذ بكل ما جعل اللّه‏ تعالى فى الطب من أسباب الشفاء والعلاج وبكل ما جعل اللّه‏ تعالى فى الدواء من أسباب الشفاء.

(36)

بل نعتقد أنّ الإنسان إذا أخلّ بهذا التوازن فدعا اللّه‏ تعالى بمعزل عن سنن اللّه‏ تعالى فى هذا الكون لا يستجاب له الدعاء ويكون كالرامى بلا وتر.

بهذا الفهم الدقيق والصافى يثقّفنا الإسلام فى التعامل مع اللّه‏ تعالى ومع سنن اللّه‏ فى هذا الكون.

وبهذا الفهم نجد أنّ نصوص الأدعية زاخرة بالطلب إلى اللّه‏ تعالى أن يتفرد بأمور عبده جميعاً وأن لا يحوجه إلى غيره، وأن لا يكله إلى نفسه، وأن يصل حبله بحبله تعالي، ويقطعه عن كل شيء يقطعه عن اللّه‏.

يقول الإمام زين العابدين على بن الحسين عليه‏السلام فى الدعاء : «ولا تكلنى إلي خلقك بل تفرّد بحاجتي، وتولَّ كفايتي، وانظر إليَّ، وانظر لى فى جميع اُموري»(1).

وفى دعاء عرفة للإمام الحسين عليه‏السلام : «اللّهمّ ما أخاف فاكفني، وما أحذر فقني، وفى نفسى ودينى فاحرسني، وفى سفرى فاحفظني، وفى أهلى ومالي فاخلفني، وفيما رزقتنى فبارك لي··· وفى نفسى فذلّلني، وفى أعين الناس فعظمنى ومن شر الجن والإنس فسلمني، وبذنوبى فلا تفضحني، وبسريرتى فلا تخزني، وبعملى فلا تبتلني، ونعمك فلا تسلبني، وإلى غيرك فلا تكلني»(2).

والآن نتحدث عن العلاقة بين الدعاء والاستجابة.

العلاقة بين الدعاء والاستجابة:

إنّ وعى الحاجة والفقر هو السر الذى نستطيع من خلاله أن نكتشف علاقة

(1) الصحيفة الكاملة السجادية ، الدعاء: 22.
(2) دعاء عرفة للإمام الحسين عليه‏السلام .

(37)

الدعاء بالاستجابة، ونفهم كيف يكون الدعاء مفتاحاً لرحمة اللّه‏، وكيف يستنزل الدعاء رحمة اللّه‏ تعالي.

فإنّ كل دعاءٍ يجسّد درجةً من وعى الفقر، ويعبّر عن مرتبة من مراتب وعى الحاجة إلى اللّه‏.

وبقدر ما يكون وعى العبد لحاجته إلى اللّه‏ أكثر يكون دعاؤه أقرب إلي الاستجابة، وتكون رحمة اللّه‏ أقرب إليه.

فليس مِن شحٍّ ولا بخلٍ فى رحمة اللّه‏ تعالي، وإنّما يختلف حظّ الناس من رحمة اللّه‏ لإختلاف أوانى نفوسهم و أوعيتها.

ومن عجب أن الحاجة والفقر، و وعى الحاجة والفقر هو وعاء الإنسان الذى ينال به رحمة اللّه‏، وكلما يكون وعيه لفقره إلى اللّه‏ أكثر، يكون وعاؤه الذي ينال به رحمة اللّه‏ أكبر.

واللّه‏ تعالى يعطى كلاًّ بقدر وعائه؛ وكلّ ينال من رحمة اللّه‏ بقدر ما يتسع له وعاؤه، وكلما كان وعاؤه أكبر كان حظّه من رحمة اللّه‏ أعظم.

ويمكننا فى هذا السياق أن نختصر الدعاء فى ثلاث كلمات :

1 ـ الفقر إلى اللّه‏.

2 ـ وعى الفقر.

3 ـ رفعه ونشره وبثّه بين يدى اللّه‏.

والكلمة الثالثة تختلف عن الثانية والثانية تختلف عن الاُولي.

فإنّ الفقر غير وعى الفقر. فقد يكون الانسان وهو الفقير الى الله فى كل

(38)

مشيي‏ء غير واع لفقره إلى اللّه‏.

وقد يكون واعياً لفقره إلى اللّه‏، ولكنّه لا يحسن أن يرفع فقره إلى اللّه‏ وينشره ويبثه بين يديه، ولا يحسن السؤال والطلب والدعاء من اللّه‏.

وعند ما تجتمع هذه الكلمات الثلاثة يتحقق الدعاء. والفقر هنا من الناحية الفلسفية ليس فقراً فى الحدوث فقط، كما يفتقر البِناء إلى المهندس والبنّاء، وإنما هو فقر فى الحدوث والبقاء، كما فى حاجة الإنارة الكهربائية إلى السيال الالكتروني، فإنّ المصباح يضيء ما دام السيال الالكترونى متصلاً، فإذا انقطع السيال لحظة واحدة انقطع الضوء فى نفس تلك اللحظة.

وفقر الإنسان إلى اللّه‏ من هذا القبيل فى الحدوث والاستمرار، ووجود الإنسان، ومواهبه وحركته وحياته كلها ترتبط باللّه‏ تعالي، وتفتقر إلى اللّه‏ لحظة بعد لحظة، وبصورة مستمرة ومتصلة.

يقول تعالى : (يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ‏الْفُقَراءُ إِليَ‏اللّه‏ِ وَاللّه‏ُ هُوَ الْغَنيُّ الْحَميدُ).(1)

والحاجة والفقر تستنزلان رحمة اللّه‏ تعالى وعاهما الإنسان أم لم يعهما، ورفعهما الإنسان إلى اللّه‏ وعرضهما عليه تعالى أم لم يرفعهما، إلاّ أنّ الحاجة والفقر اللذين يعيهما الإنسان، ويرفعهما إلى اللّه‏، وينشرهما بين يدى اللّه‏ تعالي أقوى فى اجتذاب رحمة اللّه‏.

وعليه فنحن نتحدث عن «الفقر» وعلاقته بـ «رحمة اللّه‏» قبل الوعي والرفع إلى اللّه‏، وبعد الوعى والرفع إلى اللّه‏.

(1) فاطر: 15.

(39)

الحاجة قبل الوعى و الرفع إلى اللّه‏ :

إنّ الحاجة إلى اللّه‏، بحدّ ذاتها تستنزل رحمة اللّه‏ حتّى قبل الوعى والرفع إلى اللّه‏. ومثلها مثل الأرض الواطئة الهشّة التى تجتذب المياه، وتمتصها.

كما أنّ مثل الاستكبار عن اللّه‏ والغرور مثل الأرض الناتئة الصلدة التى تردّ الماء. كذلك المتسكبرون عن عبادة اللّه‏ ودعائه يردّون رحمة اللّه‏ تعالى فلا ينالهم منها شيء، وإن وسعت السماوات والأرضين. إنّ بين الفقر والرحمة علاقة تكوينيّة، كل منهما يطلب الآخر ويسعى إليه، الفقر إلى اللّه‏ يسعى إلى رحمة اللّه‏، ورحمة اللّه‏ تطلب مواضع الحاجة والفقر، كما أن بين ضعف الطفل وحاجته وبين حنان الاُم وعطفها علاقة و صلة، كلّ منهما يطلب الآخر، ضعف الطفل يطلب حنان الاُم، وحنان الاُم و رحمتها يطلبان ضعف الطفل لرعايته.

بل فى دائرة الممكنات كل منهما يحتاج الآخر، وليست حاجة الاُم إلي رعاية ضعف الطفل بأقل من حاجة الطفل إلى حنان الاُم.

كذلك العالم يطلب الجاهل ليعلِّمه، كما أنّ الجاهل يطلب العالم ليتعلَّم منه، وليست حاجة العالم إلى تعليم الجاهل بأقل من حاجة الجاهل إلى التعلم من العالم.

والطبيب يطلب المريض ليداويه، ويعلن عن مهنته واختصاصه ليدعو المرضى إليه، كما أنّ المريض يطلب الطبيب، وليست حاجة الطبيب إلى المريض بأقل من حاجة المريض إلى الطبيب.

والقوى يبحث عن الضعيف ليحميه، كما أنّ الضعيف يبحث عن القوي

(40)

ليحتمى به، وليست حاجة القوى إلى أن يحمى الضعيف بأقل من حاجة الضعيف إلى الاحتماء بالقوي.

إنّها سنّة اللّه‏ فى كل شيء.

وكذلك فى رحمة اللّه‏ تعالى وفقر عباده، فكما أنّ الفقر يطلب الرحمة كذلك الرحمة تطلب الفقر، واللّه‏ تعالى تتنزّه صفاته الحسنى عن الحاجة، فلا حاجة فى ساحة اللّه‏ تعالي، ولكن رحمة اللّه‏ تطلب مواضع الحاجة والفقر.

ولا شحّ، ولا بخل فى ساحة اللّه‏، واختلاف مراتب الرحمة تتبع اختلاف مراتب الحاجة والفقر.

إنّ الأرض تحتاج إلى الحرارة، والنور، والماء، والهواء، لكى تُنبت، فيهبها اللّه‏ تعالى الحرارة، والنور، والماء، والهواء، وهذه الحاجة : طلب وسؤال، ولكن بلسان التكوين، وكلما يحتاجه «الشيء»، ويقتضيه بتكوينه، فهو طلبه وسؤاله، بلسان‏التكوين، يقول‏تعالى : «يَسْألُهُ مَنْ فيِ السَّماواتِ وَالاْءَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ»(1) وما يحتاجه الشيء ويطلبه بلسان التكوين لا يتخلف عن الإجابة.

إنّ الطفل الرضيع الذى لا يعى من نفسه شيئاً ليعطش ويشتد به العطش فيعلِّمه اللّه‏ تعالى أن يبكى ويصرخ، ويُعطف عليه قلب اُمه وأبيه ليدركاه ويسقياه، وعطش الرضيع وجوعه يستنزلان رحمة اللّه‏ تعالى وعطفه، من دون طلب ودعاء ويتألم المريض ويعانى من المرض فيستنزل مرضه وألمه رحمة اللّه‏ تعالي.

وإنّنا لنعصى اللّه‏ تعالى ونرتكب الذنوب والمعاصي، فتطلب ذنوبنا

(1) الرحمن : 29 .

(41)

ومعاصينا عفو اللّه‏ تعالى ومغفرته بالسؤال والدعاء، ومن دون سؤال ودعاء أحياناً، ما لم يتمرد العبد على مولاه ويقسو قلبه ويُطرد عن ساحة رحمة اللّه‏.

«قُلْ يا عِبادِيَ الَّذينَ اَسْرَفوُا عَلى اَنْفُسَهُمْ لاتَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّه‏ِ، اِنَّ اللّه‏َ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً، اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ».(1)

وهذه العلاقة بين العفو والرحمة من اللّه‏ والذنوب والمعاصى منّا، وبين قوة اللّه‏ تعالى وضعفنا، وبين غنى اللّه‏ تعالى وفقرنا، وبين شفاء اللّه‏ تعالى لنا وأمراضنا، وبين إنقاذ اللّه‏ تعالى لنا واضطرارنا إليه، وبين علم اللّه‏ تعالى وجهلنا وشططنا حتي عن غير سؤال وطلب ودعاء... .

أقول : إنّ هذه العلاقة من أسرار هذا الدين كما هى من أسرار هذا الكون وقوانينه. وما لم يفهم الإنسان هذا القانون فى الكون، وفى علاقة الإنسان باللّه‏ تعالي، لا يستطيع أن يدرك طائفة واسعة من معارف هذا الدين وأسراره. وكم من مريض شفى برحمة اللّه‏ من غير سؤال «وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشفينِ».(2)

وكم من فقير جائع رزقه اللّه‏ تعالى وأطعمه من جوع من غير سؤال ولا دعاء.

وكم من مضطر فى لجج البحار أو تحت الأنقاض أو تحت ظلال السيوف أو فى وسط الحريق، أدركته رحمة اللّه‏ تعالى وأنقذته من غير سؤال ولا دعاء.

وكم من ظمآن بلغ به الظما مبلغاً استنفد مقاومته فأدركته رحمة اللّه‏ تعالي وأروته من غير سؤال ولا طلب.

(1) الزمر: 53.
(2) الشعراء: 79 .

(42)

وكم من إنسان واجه الأخطار، وكان على قاب قوسين منها وهو يعلم أو لا يعلم، فجاءه «ستر اللّه‏» فأنقذه منها.

وكم من إنسان وصل إلى طريق مسدود فى حياته ففتح اللّه‏ تعالى له ألف طريق، وكل ذلك من غير سؤال ولا طلب ولا دعاء، بل دون أن يعرف صاحبه اللّه‏ تعالى كثيراً، فضلاً عن أن يعرفه فلا يطلب منه.

وكم من رضيع تدركه رحمة اللّه‏ تعالى دون أن يطلب من اللّه‏، ودون أن يسأل اللّه‏ تعالي(1).

وقد ورد فى دعاء الافتتاح :

«فكم يا إلهى من كربة قد فرجتَها، وهموم قد كشفتَها، وعثرة قد أقلتَها، ورحمة قد نشَرتَها، وحلقة بلاء قد فكَكتَها».

وورد فى أيام رجب :

«يا من يعطى من سأله، يا من يعطى من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة».

(1) و هذا لا يعنى أن الناس لا يموتون تحت الأنقاض فى الزلازل، و لا يحترقون فى الحرائق، و لا يهلكون فى لجج البحار، و لا يموت إنسان من المرض و الألم، و لا يموت طفل رضيع. فقد صمم اللّه‏ تعالى هذا الكون بموجب «الرحمة» و «الحكمة»؛ فإذا كانت حكمة اللّه‏ تقتضى وقوع كارثة فى إنسان أو حيوان أو نبات فلا يعني ذلك أن ننفى البعد الآخر من فضل اللّه‏ تعالى و صفاته الحسني، و هو الرحمة. و من الناس ممن يخضع لسنن اللّه‏ تعالى و حكمته فى البلاء و الضراء، لم يلمس رحمة اللّه‏ تعالى الواسعة فى اليسر و العسر، و فى اللحظات الحرجة من حياته، و من الناس من لم يتعرف على رحمة اللّه‏ تعالى الواسعة فى لحظات الاضطرار القصوى في حياته.

(43)

وفى المناجاة الرّجبيّة :

(ولكن عفوك قبل عملنا).

إنّ عفو اللّه‏ تعالى يطلب سيّئاتنا.

إذن الحاجة والفقر من منازل رحمة اللّه‏ تعالي، وحيث يكون الفقر وتكون الحاجة تجد رحمة اللّه‏ تعالي.

وللعارف الرّومى الشهير بيت من الشعر فى هذا الباب أذكر ترجمته.

يقول العارف الرّومى : «لا تطلب الماء واطلب الظمأ حتّى يتفجّر الماء من كل أطرافك وجوانبك».

وقد وردت الاشارة إلى هذه العلاقة بين رحمة اللّه‏ تعالى وحاجة عباده وفقرهم، فى مناجاة بليغة ومؤثرة لأميرالمؤمنين على بن أبى طالب عليه‏السلام نورد فيما يلى طرفاً منها :

«مولاى يا مولاي، أنت المولى وأنا العبد، وهل يرحم العبد إلاّ المولي؟ مولاي يا مولاي، أنت المالك وأنا المملوك، وهل يرحم المملوك إلاّ المالك؟ مولاى يا مولاي، أنت العزيز وأنا الذليل، وهل يرحم الذليل إلاّ العزيز؟ مولاى يا مولاي، أنت الخالق وأنا المخلوق، وهل يرحم المخلوق إلاّ الخالق؟ مولاى يا مولاي، أنت القوى وأنا الضعيف، وهل يرحم الضعيف إلاّ القوي؟ مولاى يا مولاي، أنت الغنى وأنا الفقير، وهل يرحم الفقير إلاّ الغني؟ مولاى يا مولاي، أنت المعطى وأنا السائل، وهل يرحم السائل إلاّ المعطي؟ مولاى يا مولاي، أنت الحيّ وأنا الميت، وهل يرحم الميت إلاّ الحي؟».

وهذه هى الحاجة قبل الوعى والطلب (الفقر غير الواعي).

(44)

الحاجة بعد الوعى و الطلب (الفقر الواعي) :

وهى الحاجة التى يعيها الإنسان ويرفعها إلى اللّه‏.

فقد يعى الإنسان فقره إلى اللّه‏ ويرفعه وينشره بين يدى اللّه‏، ويسأل اللّه‏ تعالى ويدعوه ويطلب منه، وهو الفقر الواعي.

وهذه الحاجة المقترنة بالوعى والطلب تستنزل رحمة اللّه‏ أكثر من الشطر الأول من الحاجة غير المقترنة بالدعاء.

ورحمة اللّه‏ تنزل هنا وهناك، ولكن الحاجة إذا اقترنت بالطلب والدعاء تكون أقوى فى اجتذاب رحمة اللّه‏ تعالي، ورحمة اللّه‏ تستجيب لها أكثر مما تستجيب لغيرها.

وإلى هذه الحاجة تشير الآية الكريمة من سورة النمل :

«أَمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ».(1)

والآية‏الكريمة تركّز علينقطتين اثنتين : «اضطرار» و «دعاء»، «اَلْمُضْطَرَّ إذا دَعاهُ»(2)، وكل منهما يجذب الرحمة، الإضطرار والدعاء؛ فإذا اجتمع الإضطرار والدعاء فلابد أن تهبط عندهما رحمة اللّه‏ تعالي.

وقد ورد تأكيد بليغ فى الإسلام على الدعاء والسؤال من اللّه‏، والإهتمام برفع الحاجة إلى اللّه‏، ونشرها بين يديه عزّ شأنه، وابتغاء رحمته.

وتقترن الإستجابة بالدعاء فى النصوص الإسلامية : «وَقالَ رَبُّكمُ ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ».(3)


(1) النمل: 61.
(2) النمل: 61 .
(3) المؤمن: 60.

(45)

ويؤكّد القرآن أنّ قيمة العبد عند اللّه‏ تعالى بدعائه : «قُلْ ما يَعْبؤُا بِكُمْ رَبّي لَوْلا دُعاؤكُمْ».(1)

ويؤكّد القرآن أنّ الصدود عن الدعاء استكبار عن عبادة اللّه‏ تعالى : «اُدْعُونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتى سَيَدْخِلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ».(2)

وواضح أنّ الاستكبار عن عبادة اللّه‏ استكبار عن اللّه‏.

والذى يستكبر عن اللّه‏ يطرد من رحمة اللّه‏ ويدخل جهنَّم «سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرينَ».

القوانين الثلاثة فى علاقة الدعاء بالاستجابة:

ونتساءل لماذا يكون هبوط الرحمة أشد إذا اقترنت الحاجة بالدعاء والسؤال، ولماذا تتأكد العلاقة بين الدعاء والاستجابة أكثر مما هى فى الحالة السابقة بين الحاجة غير المقترنة بالدعاء ورحمة اللّه‏؟ إنّ الإجابة على هذا التساؤل فى الحقيقة إجابة على السؤال الذى استفتحنا به هذا الفصل عن سرّ العلاقة بين الدعاء والاستجابة وتحليل هذه العلاقة.

وللإجابة على هذا السؤال نقول : إنّ الدعاء يستنزل رحمة اللّه‏ تعالى من خلال ثلاثة قوانين :

القانون الأول: هو علاقة رحمة اللّه‏ بالفقر والحاجة؛ وقد شرحنا هذا

(1) الفرقان: 77.
(2) المؤمن: 60

(46)

القانون فلا نعيد. وكل حالة من حالات الدعاء تتضمن حالة الحاجة والفقر إلي رحمة اللّه‏. وهذا هو المنزل الأول من منازل رحمة اللّه‏.

القانون الثاني: فى علاقة الفقر والحاجة بعد الوعى برحمة اللّه‏ تعالي.

والفقر بعد الوعى يختلف عن الفقر قبل الوعي.

وكل منهما فقر وحاجة، وكل منهما يجتذب رحمة اللّه‏ تعالى ويستنزلها، ولكن أحدهما من الفقر غير الواعى والآخر من الفقر الواعي.

والفقر غير الواعى أن يفتقر الإنسان إلى اللّه‏ وهو لا يعى فقره وحاجته إلي اللّه‏، بل قد لايعرف اللّه‏.

والفقر الواعى أن يعى صاحبه فقره وحاجته إلى اللّه‏، وهذا الوعى يخرج الفقر إلى اللّه‏ من دائرة الظلمة إلى النور والوعي، بينما الفقر غير الواعى يبقى في دائرة الظلمة، لا يشعر به صاحبه.

ولكن الفقير الذى يعى فقره إلى اللّه‏، يستدعى من رحمة اللّه‏ وفضله ما لا يستدعيه الفقير الذى لا يعى فقره وحاجته إلى اللّه‏.

وكأنما وعى الفقر يركّز و يكرّس حالة الفقر، وكلما كان الفقر أكبر و أركز وأكثر تكريساً كان وعاء النفس لتقبل رحمة اللّه‏ أوسع، وقد ذكرنا من قبل أنّ خزائن رحمة اللّه‏ تعالى لا شحّ فيها ولا عجز، وإنما أوعية الناس تختلف فى تقبل رحمة اللّه‏، فمن كان وعاؤه أكبر كان حظّه من رحمة اللّه‏ أكثر؛ والوعاء هنا الفقر ولكن يتركزّ الفقر وكلما كان الإنسان أوعى لفقره وحاجته إلى اللّه‏.

إنّ المجرم الخاطئ الذى يؤخذ لينفّذ به حكم الإعدام وهو يعلم بذلك،

(47)

يستعطف قلوب الناس والحكام أكثر من المجرم الذى يؤخذ لتنفيذ حكم الإعدام به وهو لا يعلم إلى أين يذهب، علماً بأنهما يؤخذان إلى الإعدام على نحو سواء، إلاّ أنّ المجرم المعترف بجريمته والعارف بالعقوبة يستعطف الناس أكثر من غيره، لوعيه للجريمة والعقوبة وعدم وعى الثانى لهما.